انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقل عند أهل السنة»

سطر ١٠٧: سطر ١٠٧:


مما سبق نجد أن الله تعالى لم يحجر على العقل، بل أمرنا بالتدبر والتفكر في آلائه سبحانه وتعالى لنزداد يقينًا وإيمانًا بوحدانيته سبحانه وبقدرته على الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة، لكنه لم يترك المجال للعقل على مصراعيه؛ لأن العقل له قدر محدود من الفهم والإدراك خاصة في علوم الغيب التي لا يعلمها إلا الله وحده، بينما الأمور الأخرى التي تتعلق بأمورنا الدنيوية من مصالح مرسلة أو العمل بالقياس والاجتهاد، فسمح للعلماء المتعلمين القادرين على الاستنباط بالقيام بمثل تلك الأمور، كذلك عند تعارض النقل والعقل يقدم النقل على العقل، لأن العقل حدود معرفته وتصوره محدودة.
مما سبق نجد أن الله تعالى لم يحجر على العقل، بل أمرنا بالتدبر والتفكر في آلائه سبحانه وتعالى لنزداد يقينًا وإيمانًا بوحدانيته سبحانه وبقدرته على الخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة، لكنه لم يترك المجال للعقل على مصراعيه؛ لأن العقل له قدر محدود من الفهم والإدراك خاصة في علوم الغيب التي لا يعلمها إلا الله وحده، بينما الأمور الأخرى التي تتعلق بأمورنا الدنيوية من مصالح مرسلة أو العمل بالقياس والاجتهاد، فسمح للعلماء المتعلمين القادرين على الاستنباط بالقيام بمثل تلك الأمور، كذلك عند تعارض النقل والعقل يقدم النقل على العقل، لأن العقل حدود معرفته وتصوره محدودة.
==مجالات استعمال العقل==
الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان وخلقه في أحسن صورة، وميزه بالعقل ليتدبر أمره ويتعرف على الكون من حوله، فالله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا بل جعل التدبر والتفكر عبادة، فهو سبيلنا للتعرف على موجد الكون بصفاته وقدرته، لكن توجد ضوابط معينة يعمل من خلالها العقل، فلا نستطيع الخوض في ذات الله سبحانه أو تأويل الصفات وتشبيهها وتمثيلها وتكييفها، فالله سبحانه هو أعلم بذاته، وهو أعلم بصفاته فنحن نمررها كما وردت، كذلك الغيبيات العقل لا يستطيع الاطلاع عليها، لذا علينا أن نستعمل عقولنا في النطاق المسموح لنا استعماله فيه بل ونؤجر على استعمالنا لعقولنا، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك على نعمة العقل.
===دلائل وحدانية الله===
خلق الله تعالى البشر لعبادته سبحانه وتعالى وإفراده وحده بهذه العبادة. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}}<ref>  سورة الذاريات، الآية  ٥٦.</ref>. وأرسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: {{ نص قرآني |رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}}<ref>  سورة النساء، الآية  ١٦٥.</ref>. قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الشعراء، الآية  ٢٨.</ref>. «قال مقاتل: إن كنتم تعقلون توحيد الله» <ref>التفسير البسيط، الواحدي، ١٧/٤٦.</ref>.
«قال موسى: إنه الرب الذي تشاهدون آثاره كل يوم، فيأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات. إن كنتم تعقلون إن كان لكم عقل علمتم ألا جواب لكم فوق ذاك» <ref>التفسير المنير، الزحيلي، ١٩/١٣٧.</ref>.
«هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/١٣٩.</ref>. « {{نص قرآني| إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}} أي إن كان لكم عقل علمكم أنه لا تمكن معرفته إلا بهذا الطريق»<ref>مدارك التنزيل، النسفي، ٢/٥٦٠.</ref>. «{{نص قرآني| إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}} أي: إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم، وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم؛ فلما أخبرهم موسى عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح» <ref>جامع البيان، الطبري، ١٩/٣٤٥.</ref>.
«قال موسى: رب المشرق والمغرب وما بينهما وما يكون فيهما من نور وظلمة، وهذا يستوجب الإيمان به وحده إن كنتم من أهل العقل والتدبر! » <ref>التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ص٣٦٨.</ref>.
وهكذا نجد كيف تتجلى وظيفة العقل في هذه الآية، وهي الاستدلال بمظاهر قدرة الله وعظمته على توحيده وعدم الإشراك به. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة المؤمنون، الآية  80.</ref>. « {{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}}، كنه قدرته وربوبيته و وحدانيته، وأنه لا يجوز أن يكون له شريك من خلقه، وأنه قادر على البعث»  <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/١٤٤.</ref>. « {{نص قرآني|هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}}، أي: يحيي الموتى ويميت الأحياء. {{نص قرآني|وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ }}، أي: ذهاب الليل ومجيء النهار، {{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} أمر الله؟ ويقال: {{نص قرآني| أَفَلَا تَعْقِلُونَ}} توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون؟»  <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٤٨٧.</ref>.
====دلائل الآفاق====
لقد خلق الله الإنسان وميزه عن سائر المخلوقات الأرضية بالعقل، بل وأمره بعدم تعطيل هذا العقل، فأمر المكلفين بعبادة التفكر في خلق الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }}<ref>  سورة آل عمران، الآية  190-191.</ref>.
«وإذا عرف بهذا البرهان قصور عقله لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين بل يسلم أن في كل ما خلقه الله تعالى حكمًا بالغة وأسرارًا عظيمة ولا سبيل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول: ربنا ما خلقت هذا، أي: المخلوق العجيب باطلًا، أي: بغير حكمة، بل خلقته بحكمة عظيمة، -سبحانك- وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض، أي: إن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر. وهو أن خالقها ما خلقها باطلًا، بل خلقها لحكم عجيبة وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها» <ref>مراح لبيد، محمد الجاوي، ١/١٧٦.</ref>.
« أخبر عن عباده الصالحين بأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض وما أبدع الله فيهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى ويعلموا أن لهما خالقًا قادرًا مدبرًا حكيمًا؛ لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها سبحانه وتعالى، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد» <ref>لباب التأويل، الخازن، ١/٣٣٢.</ref>.
ومما ذكر في القرآن الكريم من آيات دالة على التفكر في الآفاق حيث يقول تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  ١٦٤.</ref>.
«هذه الآيات الست الكونية أكبر برهان وأقوى دليل على وجود الله سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ورحمته بعباده، ولذلك هو رب العالمين وإله الأولين والآخرين، ولا رب غيره ولا إله سواه. «والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة، وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه و وحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٨.</ref>. «{{نص قرآني| لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} ينظرون بعيون عقولهم، ويعتبرون فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها وحكمة مبدعها ووحدانية منشئها» <ref>مدارك التنزيل، النسفي، ١/١٤٨.</ref>. « أما قوله تعالى: {{نص قرآني| لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} فإنما خص الآيات بهم؛ لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره، وما يلزم عبادته وطاعته» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٤/١٧٤.</ref>.
«علمه كيفية الاستدلال على وحدانية الصانع، وردهم إلى التفكر في آياته والنظر في عجائب مصنوعاته وإتقان أفعاله ففي ذلك دليل على وحدانيته إذ لو كان في الوجود صانعان لهذه الأفعال، لاستحال اتفاقهما على أمر واحد، ولامتنع في أفعالهما التساوي في صفة الكمال، فثبت بذاك أن خالق هذا العالم والمدبر له واحد قادر مختار» <ref>لباب التأويل، الخازن،١/٩٩.</ref>.
قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الروم، الآية  ٢٤.</ref>. «{{نص قرآني|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}} يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها؛ ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته» <ref>التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي،٤/٢٠٥.</ref>.
«يقول الحق جل جلاله {{ نص قرآني |وَمِنْ آيَاتِهِ}} الدالة على باهر قدرته {{ نص قرآني |خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}} » <ref>البحر المديد، ابن عجيبة، ٤/٣٣٤.</ref>. « دلالات واضحة، وبراهين بينة، تدل على الخالق سبحانه.
ويقول تعالى: {{ نص قرآني |وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref>  سورة الجاثية، الآية  ٥.</ref>. «إن المنصفين من العباد إذا نظروا في هذه الدلائل النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا به، وأقروا أنه الإله القادر على كل شيء، ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقانًا وزال عنهم اللبس، فحينئذ استحكم علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في أسرار كتابه »  <ref>لباب التأويل، الخازن، ٤/١٢٢.</ref>. «{{نص قرآني|آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ }} {{نص قرآني| تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ }} يعني: هذه دلائل الله، وعلامة وحدانيته » <ref>تفسير السمرقندي، ٣/٢٧٦.</ref>.
التفكر في خلق الله عبادة، لابد لنا من القيام بها لنزداد إيمانًا مع إيماننا، بل ونصل لدرجة اليقين، كذلك نستشعر عظمة الله سبحانه وقدرته و وحدانيته، فهو إله واحد بلا شريك، مدبر للكون بلا قصور.
====دلائل النفس====
لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر والتفكر في أنفسنا، كيف خلقنا الله من العدم فبدأ بخلقنا من الطين، ثم جعل الخلق بعد ذلك من نطفة، ثم خلق النطفة علقة، وخلق العلقة مضغة، ثم خلقها عظامًا، وكساها بعد ذلك لحمًا، ثم تدرج في الخلق وبعد حينٍ أماته، وهذه دلائل قدرته سبحانه على الإيجاد والإماتة، ليختبرنا ماذا سنفعل في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ }}<ref>  سورة المؤمنون، الآية  ١٢-١٥.</ref>.
« هذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة»60.
« يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقديره»61.
قال تعالى: (ٹ ڤ ڤ ڤڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ) [الروم: ٨].
« وهو الدلالة على توحيده وقدرته»62.
«وهذا حث لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة الله و وحدانيته بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون»63.
«أي: يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض بدلائل الآفاق»64.
«والمعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي، لعلموا وحدانية الله، وصدق أنبيائه »65.
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ ٿٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ) [غافر: ٦٧].
«(ڦ ڦ) أي: ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته هو الذي يحيي ويميت، فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، أي: يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته » 66.
«أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته»67.
«دلالة على وجود هذا الخالق الخلق البديع، وعلى انفراده بالإلهية، وعلى أن ما عداه لا يستحق وصف الإلهية، فمن عقل ذلك من الناس فقد اهتدى إلى ما أريد منه، ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل68.
«دعوة القرآن للتفكر في الأنفس لتفتح مغاليق القلوب لتتدبر هذا الخلق العجيب، فهذا الإنسان بجميع خصائصه وسماته كان كامنًا في تلك النقطة الصغيرة الدقيقة التي لا تراها العين المجردة بعد أن أنستهم الألفة هذا الأمر العجيب»69.
وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يحجر على عقولنا، بل أمرنا بالنظر والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية، وفي أنفسنا لنزداد إيمانًا ويقينًا بوحدانيته سبحانه وتعالى، وبالتالي نزداد خشوعًا وتعظيمًا له سبحانه، أما الذين عطلوا عقولهم وألغوها فهم لا يقلون عن الحيوانات، بالإضافة إلى العقوبة التي تنتظرهم يوم القيامة، لأنهم لو أعملوا عقولهم لاهتدوا، فكل الأنفس قابلة للإيمان والاهتداء وكل شيء بيد الله سبحانه وتعالى. اللهم ألهم نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم آمين.
ثانيًا: الأحكام الشرعية:
القرآن الكريم احترم العقل وأولاه اهتمامًا بالغًا، وسمح له بالتفكر والتدبر في الآيات الكونية المرئية المنظورة، والآيات المسطورة في القرآن الكريم وذم من يعطل عقله عن التفكر والتدبر، لكن في الأحكام الشرعية، فالعقل لا يستطيع أن يحيط بكل شيء علمًا، بعض الأحكام التي شرعت لا يعلم كنهها إلا الله وحده، فلا يستطيع العقل فهم الحكمة المرادة منها، وقد جعلها الله تعالى من الأمور الغيبية، فلا يجوز للعقل الخوض في أمور الغيب، بينما أمور الاجتهاد والقياس والأمور التي في إمكانية العقل القيام بها، فهذا مسموح الخوض فيه، وعند تعارض العقل والنقل يقدم النقل على العقل.
تعرف الأحكام الشرعية بأنها ما يصدر عن الإنسان من الأقوال والأفعال بالنسبة للآخرة، فتبين ما يجب فعله وما يجب تركه، وما يترتب على الفعل والترك من استحقاق الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، لذلك فان الأحكام الشرعية تتصف بالشمولية، فهي موقوفة من الله سبحانه وتعالى لتراعي الحياتين كلتيهما، الآخرة والدنيا، أما واضع الأحكام الشرعية فهو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يوجب ما يشاء بيده الأمر وهو على كل شيء قدير.
الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعقيدة ليس للعقل فيها أي دور فلا يسمح بالاجتهاد في أمور العقيدة؛ لأن الدليل فيها قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فلا مجال لإعمال العقل فيها.
«العقل هو الذي دلنا على وجود الخالق، وصحة رسالة رسوله الذي أيده بالمعجزات، تلك المعجزات التي تدل على صدق نبوة الأنبياء باستعمال الفكر والنظر.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح»70.
العقل لن يهتدي إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس، وأيضًا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر.
فلهذا قال تعالى: (چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ) [المائدة: ١٥-١٦].
فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل، وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة، ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل، وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى: (ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ) [النساء: ٨٣].
«وعنى بالقليل المصطفين الأخيار» 71.
دور العقل في إدراك الغيبيات:
إن أول ركن بني عليه الإسلام، صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام، وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام بل إن خرافة قد تقف بالعقل عن الحركة الفكرية، فيسهل عليه قبول كل وهم وتصديق كل ظن، وفوق ذلك ما تجلبه من الأوهام على النفوس من الوحشة وقرب الدهشة، والخوف مما لا يخيف، والفزع مما لا يفزع72.
أما في الغيبيات فإن دور العقل منفي تمامًا، ولهذا لا يقبل حكم العقل على غيبيات، وجعل الشرع موطن التصديق بالغيبيات الإيمان المطلق وليس العقل، ولا غرابة في ذلك، إذ أن جميع الناس يتفقون على أن العقل حادث ومخلوق، ويتغير بتغير المعلومات التي تدخل إليه، وأيضًا يتغير بالقدرة علي الاستفادة من تلك المعلومات، ولا قدرة للمخلوق أن يحيط بالخالق سبحانه، والغيب من اختصاصات الخالق، لذا فلا يدرك الغيب أصلًا، وبعض ما يعلم عنه إنما يكون من خلال النصوص الصحيحة.
دور العقل في الأحكام الشرعية:
والأصل أن العقل لا سلطان له في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هناك تناقضًا بين أحكام الشريعة وما يتوصل إليه العقل السليم، مع أن هذا الافتراض مدفوع، فالعقل السليم ينتهي دائمًا عند مراد الشرع، حتى بالنسبة لأحكام العبادات التي قد لا ينهض العقل لإدراك الحكمة من فرضيتها، فإنه بالعقل يمكن إدراك العديد من الحكم الجليلة التي تتخفى وراء الحكم الشرعي والتي تدرك بالممارسة والتأمل.
وآفة الناس أنهم تركوا المساحة الواسعة التي أفردها الشرع لعقولهم ولم يسعوا إلا للكلام في المناطق التي ملأها الشرع على نحو تفصيلي، وهذا مما يطعن في سلامة نوايا هؤلاء الناس.
وليس للعقل دور في كل العلوم على سواء، فالعلوم ثلاثة أقسام:
العلوم الضرورية: وهي التي لا يمكن التشكيك فيها، إذ أنها تلزم جميع العقلاء ولا تنفك عنهم، كعلم الإنسان بوجوده وأن اثنين أكثر من الواحد، وكالسماء فوقنا والأرض تحتنا إلى غير ذلك مما يسمى بقوانين العقل الضرورية.
العلوم النظرية: وهي التي تكتسب بالنظر والاستدلال، وهذا النظر لابد في تحصيله من علم ضروري يستند إليه حتى يعرف وجه الصواب فيه، ويدخل في هذا القسم كثير من العلوم كالطبيعيات والطب والصناعات، فهذه العقلُ له مجال رحب في معرفتها وإدراكها والتوسع فيها.
العلوم الغيبية: وهذه لا تعلم بواسطة العقل المجرد وحده، بل لابد للعقل إذا أراد أن يعلمها أن يكون له طريق آخر للعلم به؛ كعلمه بما يكون في البلد القاصي عنه، وعلمه بما في اليوم الآخر من بعث وحساب وجزاء، وهذا لا يعلم إلا عن طريق الخبر، ويدخل في هذا القسم كثير من مسائل الاعتقاد لا سيما التفصيلية منها، فهذه لا يستقل العقل بمعرفتها؛ بل لابد من اعتماده على الوحي، هذا الموقف الوسط بخلاف ما عليه أصحاب الفرق الضالة، فمنهم من اعتمد على العقل وأعرض عن الوحي بالكلية كالفلاسفة، أو أسقط حكم الوحي عند التعارض المفترض كما هو حال أكثر المتكلمين، ومنهم من جعل الحق والصواب فيما تشرق به نفسه وتفيض به روحه، وإن خالف هذا أحكام العقل الصريحة أو نصوص الوحي الصحيحة، كما هو حال بعض المتصوفة، والعقل كذلك له طاقة وقدرة محدودة ولا يستطيع أن يخضع كل المعارف وحقائقها لقدرته.
ثالثًا: التمييز بين الحق والباطل:
من فضل الله علينا أَنْ مَنَّ علينا بنعمة العقل كي نميز به بين الحق والباطل والصواب والخطأ، وبين ما ينفعنا وما يضرنا فلله الحمد على هذه النعمة، ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك نذكر بعضًا منها.
قال تعالى: (ئې ئې ئى ئى ئى ی ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ بم بى بي تجتح تخ تم تى) [البقرة: ٧٦].
«عن ابن عباس: (ی ی ی ئج ئح ئم ئى ئي بج بح بخ)، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك»73.
«روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، نشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء -كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا وغيرهم- أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به»74.
«(تخ تم) متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب، أي: ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش، وهو أن ذلك حجة لهم عليكم، فالمنكر عدم التعقل ابتداء، أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه، فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل»75.
فهم كانوا يعرفون الحق وينكرونه، من أقوال المفسرين يتبين أن بالعقل يستطيع الإنسان التمييز بين الحق والباطل.
قال تعالى: (ئۈ ئۈ ئې ئې ئې ئى ئى ئى ی ی یی ئج ئح ئم ئى ئي بج بحبخ بم بى بي تج) [المائدة: ١٠٣].
« (ئج ئح ئم ئى ئي بج بح) بتحريم ذلك ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى، (بم بى بي) أي: الحلال من الحرام والمبيح من المحرم، أو الآمر من الناهي، ولكنهم يقلدون كبارهم، وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك، ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به»76.
فهم يعرفون الحلال والحرام ويميزونه، لكن حبهم لتقليد الآباء هو الذي أعمى بصائرهم عن اتباع الحق.
قال تعالى: (چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک) [يونس: ١٦].
«وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل، لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به؛ أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل»77.
«وقل لهم: إنني إنما جئتكم بهذا القرآن بإذن الله ومشيئته، ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء أن لا يعلمكم به بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم لتهتدوا، وتكونوا خلائف في الأرض. فقد عشت فيكم وبينكم سنين طويلة من عمري لم أبلغكم خلالها شيئا، لأن الله لم يكن قد أوحى إلي برسالته، فلما أوحى إلي، وأمرني بأن أبلغكم أوامره فعلت، أليس لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل؟»78.
رابعًا: التدبر في آيات القرآن:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من الآيات التي تبين لنا أن الغرض منها هو التدبر والتأمل، وذلك ليزداد الإيمان بالله وتقوى العقيدة، ونصل إلى مرتبة اليقين بالله تعالى، ولا يعترينا شك في أي شيء مما وصلنا على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه من لدن حكيم خبير، قال تعالى: (ڍ ڍ ڌ ڌ ڎڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں) [الروم: ٢٨].
«(ڱ ں) أي: يستعملون عقولهم في تدبر الأمور، وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها»79.
«(ڱ ں) يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال»80.
«(ڱ ڱ ڱ ڱ ں) أي: ومثل هذا التفصيل البديع بضرب الأمثال الكاشفة للمعاني، المقربة لها إلى العقول، إذ تنقل المعقول إلى المحسوس التي هي به ألصق، ولإدراكه أقرب-نفصل حججنا وآياتنا لقوم يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال، واستخراج مغازيها ومراميها للوصول إلى الأغراض التي لأجلها ضربت، ولمثلها استعملت، فيستبين الرشد من الغى، والحق من الباطل، ولأمر ما كثرت الأمثال في جلاء الحقائق، وإيضاح ما أشكل منها على الناظرين»81.
الواجب استعمال العقول في التدبر والتفكر للآيات والأمثال التي يضربها الله لنا كي ننجو من الوقوع في المحظور، والخوف كذلك لا يكون إلا منه سبحانه، فكل شيء بيده، فلم نخاف المخلوقين وهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فكيف سيقومون بنفعنا أو ضرنا؟! نسأل الله السلامة.
قال تعالى: (ۅ ۅ ۉ ۉ ې ېې ې ى ى) [الأنبياء: ١٠].
«(ې ى) إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل في أحكامه»82.
«وهذا كالحث على التدبر للقول؛ لأنهم كانوا عقلاء، لأن التدبير من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل»83.
قال تعالى: (چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک) [يونس: ١٦].
«(ک ک)أي:أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر، فتعلموا أنه ليس من طوق البشر، بل هو من عند الحكيم العليم الواحد القهار»84.
«فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذا أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون»85.
«أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من الله»86.
مما سبق نجد أننا لو تدبرنا كتاب الله وآياته المسطورة والمنظورة بعقولنا وفطرتنا السليمة، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى، واتبعنا التعاليم والمبادئ الموجودة في ديننا الحنيف، لاهتدينا بأمر الله وكنا من الفائزين في الدنيا والآخرة.
خامسًا: آثار المهلكين من الأمم السابقة:
من وسائل تربية الله تعالى للبشر، ذكره القصص لأخذ العبرة والامتثال لحكم الله سبحانه وتعالى، فذكر لنا قصص الأمم الغابرة التي حادت عن منهج الله سبحانه، فبين الله عز وجل سنته فيهم وذلك بالخسف والدمار وإنزال العذاب عليهم، وترك من آثار ديارهم المدمرة للتدبر وليكونوا عبرة لغيرهم.
قال تعالى: (گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ںں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ۓۓ ڭ ڭ ڭ) [يوسف: ١٠٩].
«(ڭ ڭ) يعني: يتفكرون ويعتبرون بهم فيؤمنون»87.
« فتتدبروا سنن الله في الغابرين؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟ »88.
قال تعالى: (ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎڎ ڈ ڈ ژ) [الصافات: ١٣٧-١٣٨].
والمعنى تمرون على منازلهم في ذهابكم إلى الشام ورجوعكم منه نهارًا وليلًا أفلا تعقلون ما تشاهدونه في ديارهم من آثار عقوبة الله النازلة بهم، فإن في ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتدبرين 89.
«أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟»90.
«(ڈ ڈ) يقول: أفليس لكم عقول تتدبرون بها وتتفكرون»91.
«أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى تعتبروا به وتخافوا أن يصيبكم مثل ما أصابهم»92.
ويظهر من خلال ما نقل من أقوال المفسرين آنفًا أن معنى العقلان في الآيات السابقة يدور حل الاعتبار والاتعاظ بما تضمنه السنن الجارية من دروس في حياة الأفراد والأمم، فلنعتبر مما حدث في الأمم السابقة، وننظر إلى ما آلت إليه الأمم التي حادت عن المنهج السليم، الذي أرسل الله لهم به الرسل للهداية والنجاة من العقاب، وتدبرنا ذلك في أنفسنا بعقولنا وبصائرنا، ترانا ماذا كنا فاعلين؟
فالسعيد من وعظ بغيره، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.
سادسًا: حقيقة الحياة الدنيا والحياة الآخرة
في القرآن الكريم العديد من الآيات التي يدعونا الله عز وجل من خلالها للمقارنة بين الدنيا وشقائها، والدار الآخرة بنعيمها والفوز بالجنة، والذي يتدبر الأمر هو الذي يمتلك عقلًا واعيًا، ويحسن المقارنة فيترك متاع الدنيا القليل الزائل ويعمل من أجل النعيم الدائم في الآخرة.
قال تعالى: (ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ۓ) [الأنعام: ٣٢].
« (ے ے) أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تدركون، أي الدارين أحق بالإيثار»93.
« أفلا تعقلون إن الآخرة خير من الدنيا فيعملون لها»94.
« نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا، ويهملوا شأن الآخرة وهي خير للمتقين»95.
في الآية السابقة نلاحظ كيف أن القرآن ينكر على الذين يعقلون كيف لا يتدبرون الآيات، ويشغلون أنفسهم بالدنيا وما فيها من مظاهر اللهو واللعب، ويتركون الإعداد للآخرة التي هي خير وأبقى لمن أخلص في طلبها واستعمل دنياه في تحصيلها.
قال تعالى: (ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئە ئو ئوئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈئې ئې ئې ئى) [الأعراف: ١٦٩].
«(ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ) لدوامها، وخلوص منافعها ولذاتها عن المضار والآلام، (ئې ئې) ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثرون الأدنى الفاني، على الأعلى الباقي»96.
«(ئې ئې) فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الحقير المؤدي إلى العقاب بالنعيم الكبير المخلد في دار الثواب»97.
«(ئې ئې) يعني: أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أن ما في الآخرة خير وأبقى لأنها دار المتقين»98.
«(ئې ئې) أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره. فخاصية العقل النظر للعواقب.
وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل والرأي؟»99.
مما سبق نلاحظ أن القرآن الكريم ذكر أن العاقل هو الذي يقارن بعقله بين الدنيا ومتاعها الزائل، والآخرة ونعيمها الباقي ويختار بعقله السليم ما هو خير له في دنياه وآخرته، و الشقي من يؤثر الدنيا ومتاعها القليل الزائل ويستبدلها بالخلود في الجنة ونعيمها المقيم، يبيع آخرته بعرض ومتاع سقط لا قيمة له، مقارنة بما كان ينتظره في الجنة لو أعد له واهتدى. نسأل الله السداد والتوفيق.
سابعًا: الأمثال القرآنية:
ضرب المثل نوع من أنواع تقريب العلم وفهمه لعقول الناس، وهو وسيلة من الوسائل التعليمية التي نهجها القرآن منها القصص والمثل وغيرها، وذلك لتقريب الصورة للأذهان، والاستفادة من الأحكام والأوامر والنواهي والتدبر والتفكر في آيات الله، والحذر من الوقوع في المعصية، والتعرض لغضب الله والعياذ بالله.
قال تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پڀ ڀ ڀ ڀ ٺ ٺ ٺ) [الكهف: ٥٤].
«(ٱ ٻ) أي: بَيَّنا (ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ) أي: ليتذكروا ويتعظوا»100.
«(پ پ پ) من كل خبر يحتاجون إليه مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا، أو من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول»101.
«(پ پ پ)ضربناه للناس: تقريبًا لأفهامهم،»102.
«يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن، وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب، اعتقادًا، وطمأنينة، ونورًا، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور»103.
«يقول عز ذكره: ولقد مثلنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، ووعظناهم فيه من كل عظة، واحتججنا عليهم فيه بكل حجة ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا فيتعظوا، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان»104.
وهكذا نرى أن الغاية من ضرب المثل هو تقريب المعنى للأفهام، وتوضيح الصورة لأخذ العبرة، والانقياد والطاعة وزيادة الطمأنينة.
قوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گگ ڳ ڳ ڳڳ ڱ ڱ ڱ) [هود: ٢٤].
«(ڱ ڱ) أي: بضرب الأمثال وتدبرها»105.
«(ڱ ڱ) أي: أفلا تعتبرون وتتعظون؟ والغرض التفريق بين أهل الطاعة والإيمان، وأهل الجحود والعصيان»106.
«(ڱ ڱ) تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم»107.
«(ڱ ڱ) أي: تتعظون بضرب الأمثال والتأمل فيها»108، من الآية السابقة نجد أن ضرب المثل كان للتدبر والاتعاظ.
قال تعالى: (ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چچ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ) [محمد: ٣].
«(چ چ ڇ ڇ ڇ) أي: مثل ذلك البيان الواضح، بين الله أمر كلٍّ من الفريقين المؤمنين والكافرين بأوضح بيانٍ وأجلى برهان؛ ليعتبر الناس ويتعظوا»109.
وقال تعالى: (ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ) [العنكبوت: ٤١].
«هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن، نضربها للناس تنبيهًا لهم، وتقريبًا لما بعد من أفهامهم»110.
«أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس»111.
وهكذا نرى كيف ضرب الله تعالى المثل لتقريب الصورة وسهولة الاستيعاب، وأخذ العبرة من الأمثال.
==المراجع==
==المراجع==
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''
٢٦٬٨٦٢

تعديل