الآخرة في علم الكلام
الآخرة
أوجه الفرق بين الدنيا والآخرة
وهناك فروق واضحة بين الدنيا والآخرة نستنتجها من الآيات القرآنية:
أوّلاً: الحياة الدنيا متاع زائل بينما الآخرة هي دار القرار والخلود. فقد جاء في القرآن على لسان موسى (ع) مخاطباً قومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾[١]. ففي الدنيا الإنسان في حركة وتغير مستمر، أمّا في الآخرة فيحصل على النتيجة النهائية والكمال الدائم والاستقرار الأبدي. كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾[٢].
ثانياً: الحياة الدنيا فيها الكثير من المشقّة والتعب، بينما الآخرة لا توجد فيها متاعب أو إرهاق، بل هي حياة مليئة بالنعيم والسعادة والفرح. الدنيا هي دار اختبار وامتحان وفتن، أمّا الآخرة فهي دار النعمة، ولهذا لا يرغب أهل الجنة بمغادرتها أبداً؛ لأنّهم استقرّوا فيها وسعدوا، فلا حاجة لهم بالانتقال إلى مكان آخر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾[٣].
ثالثاً: الدنيا مكان للعمل وليس للحساب، بينما الآخرة مكان للحساب وليس للعمل. يقول الإمام علي (ع) في إحدى خُطبه: «عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْمَلُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ وَ الْمُتَقَلَّبُ فَسِيح...»[٤]. أمّا إذا لم يعمل الإنسان فسيكون حاله كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[٥].
رابعاً: الآخرة مليئة بالحياة والوعي الحقيقي، وليست مثل الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[٦]. فكلّ ما في الآخرة له حياة وشعور، حتّى جهنم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾[٧].
خامساً: في الآخرة يكون للإنسان أفق واسع، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾[٨]. ففي الدنيا الإنسان مرتبط بالأسباب والمسبّبات ومتأثّر بالقوانين الطبيعية، أمّا في الآخرة فلا توجد هذه القيود من قوانين فيزيائية أو أبعاد أو حدود مكانية وزمانية، بل يعيش الإنسان في عالم أوسع وأفضل بكثير من هذه الدنيا المحدودة[٩].