التَبَرُّؤ في نهج البلاغة

تمهيد

«التَبَرُّؤ»: المبالغة في البراءة؛ وهي التباعد من مواطن الشبهة، والتخلص من مواضع التهمة، ومن كل أمر يكون مسبباً للضرر، أو العيب، أو اقتراف الذنب، ولذلك يقال: تبارءا؛ إذا ابتعد كل منهما عن الآخر من تبعة محققة، أو متوقعة. وتَبَرَّأ من كذا تَبَرُّؤاً: تخلص منه، وقطع صلته به، وتبرأ مما نسب إليه: تنزه، وتبرأ من حقه: خلا منه.

وتبرّأ: تولّى وتباعد؛ لعداوةٍ. وتفعَّل بمعنى فَعَلَ المجرد؛ ففي القاموس: بَرِىء من الأمر: تَبَرَّأ.

قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا[١]. وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا[٢]. أي نتخلص منهم، ونقطع صلتنا بهم.

وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ[٣]. أي أنكر سلوكه، وصرح بأنه بريء منه.

من تحذيره(ع) من الفتن وآثارها: «وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السِّلَامِ يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ»[٤].

«بَوَائِقَ النِّقْمَةِ»: غوائل الدهر وشروره، و«الْعِشْوَةِ»: ركوب الأمر على غير بيان ووضوح، و«الكمين»: الجماعة الذين يكمنون في الحرب لترصد العدو، والقطب: ملاك الشيء ومداره، والمدارج: المسالك، «يَتَكَالَبُونَ»: يتنافسون فيها، ويقبلون عليها، و«يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ»: يتخلى التابع عن المتبوع، ويتنكر له، وينكره، وفي المقابل يقوم التابع والقائد بالبراءة ممن اتبعه وسار خلفه، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا[٥].[٦]

وقال(ع) في تنزيه الله تعالى وتقديسه: «فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ»[٧].

أي يتبرأ التابعون - وهم عبدة الأصنام والأوثان - من المتبوعين؛ وهي آلهتهم؛ وذلك في يوم القيامة حينما ينكشف ضلالهم وكفرهم بتسويتهم الله سبحانه بخلقه، وتشبيهه بهم.

قال(ع) في فئة من أصحابه التحقت بالخوارج: «بُعْداً لَهُمْ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ. أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ»[٨].

نبه الإمام(ع) على أن هذا الارتداد المشين من إغواء الشيطان الرجيم، وغدا يتبرأ منهم ومن تصرفهم.[٩]

المراجع والمصادر

  1.   السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة البقرة: ١٦٦.
  2. سورة البقرة: ١٦٧.
  3. سورة التوبة: ١١٤.
  4. نهج البلاغة، الخطبة ١٥١.
  5. سورة البقرة، الآية ١٦٦.
  6. شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٤٧٣.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٨١.
  9. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٣٢-١٣٥.