البأس في نهج البلاغة
التعريف
«البأسُ»: القوة والشدة في الحرب، وتطلق على الخوف الشديد، والعذاب.
وأصل البأس: الشدة، يقال: لا بأس عليك في هذا؛ أي لا شدة[١]، ويقال: بئس يبأس بأسا، أو بؤسا، أو بئيسا: افتقر واشتدت حاجته، فهو بائس[٢]. ويقال: بؤس يبؤس بأسا، فهو بئس أو بئيس: كان ذا بأس[٣] وشجاعة[٤].
قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾[٥] . أي قوة وسلطانا.
وقال تعالى: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾[٦]. أي شجاعة وشدة في الحرب.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾[٧] . أي عذاب الله وعقابه.
وقال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾[٨] . أي دروعا تقيكم في الحرب واشتداد القتال.
وقال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾[٩]. أي عداوتهم واختلاف قلوبهم فيما بينهم شديدة، ولو قاتلوكم لجبنوا.
قال(ع) واصفا تقديم الرسول(ص) لأهل بيته في الجهاد لشجاعتهم: «وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص) إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَ أَحْجَمَ النَّاسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَ الْأَسِنَّةِ»[١٠]؛
«أحمر البأس»: اشتد القتال، شبه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها على سبيل الاستعارة. أو كناية عن اشتداد الأمر.
و قال(ع) واصفا شجاعة الرسول الأكرم(ص) وقوة بأسه: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)»[١١].
قال الرضي: كان إذا عظم الخوف من العدو واشتد عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول الله(ص) بنفسه، فينزل الله تعالى النصر عليهم به، ويأمنون ما كانوا يخافون بمكانه.
وقال(ع) موصيا أحد قواده: «فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً وَ لَا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْحَرْبَ وَ لَا تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»[١٢].
«يهاب البأس»: يهاب الحرب.
ومما كتبه(ع) لمعاوية مفندا مزاعمه وافتراءاته: «ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَ أَمْرِ عُثْمَانَ فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اسْتَكَفَّهُ- [أَمَّنِ] أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ كَلَّا وَ اللَّهِ لَـ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[١٣]»[١٤].
﴿الْبَأْسَ﴾: القتال؛ أي لا يأتونه إلا إتيانا قليلا، لأنهم يتثبطون ما أمكن لهم.
وقال(ع) في مدح أصحابه: «أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ وَ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ وَ الْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ»[١٥].
أي يوم الشدة في الحرب. و«الجنن»: جمع جنة؛ وهي ما يستر به.
و من حديثه(ع) في الاعتبار: «فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلَاتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلَاتِهِ»[١٦]. أي من عذابه.
وبين «صولاته» و«وقائعه» و«مثلاته» سجع متواز ليجسد مدى قوة الغضب الإلهي على هؤلاء المتكبرين المتجبرين المتمردين على عبودية رب العالمين.
ومن بيانه(ع) لسبب عدم خروجه مع الجند: «ما بالكم؟ لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد، أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج؟! وإنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعائكم، وذوي بأسكم}}[١٧]. أي قوي شديد[١٨].
وقال(ع) محذرا من سطوة الله تعالى وغضبه: «وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ»[١٩].
بأس الله: عذابه. وبين «قوارعه» أي دواهيه - و«وقائعه»- أي مصائب الدهر الشديدة- وبين «بطشه» و«بأسه» سجع متواز روعي فيه انتخاب الألفاظ الموحية والمعبرة عن الردع الشديد؛ لئلا يستبطئوا وعيده جهلا بمؤاخذته، فتكون مبررا لاقتراف الجرائم، وخوض الفتن، والدخول في ورطات الآثام.[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر: تهذيب اللغة؛ لسان العرب، مادة: «بأس».
- ↑ ينظر: معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٧٧ و٧٨؛ المعجم الكبير (مجمع اللغة العربية، القاهرة ١٩٨١م)، ج٢، ص٣٦.
- ↑ جمهرة اللغة: باب الباء في المعتل.
- ↑ المعجم الكبير، ج٢، ص٣٧.
- ↑ سورة النساء: ٨٤.
- ↑ سورة النمل: ٣٣.
- ↑ سورة الأنبياء: ١٢.
- ↑ سورة النحل: ٨١.
- ↑ سورة الحشر: ١٤.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٩.
- ↑ نهج البلاغة، غرائب كلامه ٩؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ج١، ص٨٩.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٢.
- ↑ سورة الأحزاب: ١٨.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٢٨. اقتبس كلامه من القرآن الكريم (آية ١٨ من سورة الأحزاب) ليزيد كلامه من قوة القرآن قوة.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٩.
- ↑ ينظر: مادة: «بال» في هذا الكتاب.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج۲، ص ١٧.