البؤس في نهج البلاغة
التعريف
البؤس: مصدر بئس يبأس بأسا وبؤسا، فهو بائس، ويطلق على ما يصيب الناس في الأموال، كالفقر، والخوف والشدة، والمشقة. وجمع البؤس: أبؤس.
وكذلك يطلق على الخضوع والتذلل، وفي الحديث: «أَنَّهُ(ع): «كَانَ يَكْرَهُ الْبُؤْسَ وَ التَّبَاؤُسَ وَ التَّبَؤُّسَ»»[١].
قال(ع) في التحذير من الدنيا: «وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ»[٢]
«غِيَرِهَا»: تقلبها، و «الْمَرْحُومَ»: الذي ترق له وترحمه لسوء حاله، و«زل فلان»: إذا مر سريعا، والمراد انتقل، أو من أزل إليه نعمة: أسداها. يصف التناقض في هذه الحياة، وتقلب أحوالها، فالإنسان الذي كان يترحم عليه الناس - لفقره، وسوء حاله- يغتني ويصبح مغبوطا على ما تجدد له من نعمة، وقد ينعكس الأمر على من كان غنيا ثريا يغبطه الناس، فيصبح فقيرا مسكينا يترحم عليه الناس[٣]، أو أنك ترى من يغبطه الناس- لكثرة ماله ونعمته في الدنيا - مرحوما في الآخرة؛ لكثرة تبعاته، وترى من كان مرحوما - لفقره وقلة ماله - مغبوطا في الدار الآخرة؛ لكثرة نعيمه، وحسن ثوابه[٤].
وبين «زَلَّ» و «نَزَلَ» جناس مذيل زانه فن العكس، الذي أراد الإمام(ع) من خلاله بيان تناقضات أحوال الدنيا، وتغيرها وتقلبها وما يتبعها من نتائج وعواقب في الدنيا والآخرة. وفيه دلالة على الاقتدار في الكلام، وكمال التصرف في الأضداد.
و قال(ع) وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان: «بُؤْساً لَكُمْ لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ وَ الْأَنْفُسُ [النَّفْسُ] الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ فَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي [فِي الْمَعَاصِي] وَ وَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ»[٥].
دعا عليهم بالتعاسة والفاقة من رحمة الله؛ لمخالفتهم وتمردهم على إمامهم[٦]. ونصب «بُؤْساً» بفعل مضمر؛ أي قدر الله لكم ذلك وقضاه وألزمه.
وقال(ع) في ذمه للدنيا: «عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا وَ الْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا ... فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا وَ لَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا وَ لَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ»[٧].
«بُؤْسِهَا»: شدائدها، وضيقها وتقتيرها عليكم.
ومن مواعظه(ع): «أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ»[٨].
في الأسلوب الإنشائي استفهام يراد به الترغيب في التوبة قبل الموت؛ للنجاة والخلاص، وقبل «بؤسه» إلى ما بعد الموت من العذاب؛ وهو سوء المنقلب والخسران المبين. وبين «أمل» و «أجل» سجع متواز؛ للتنبيه على وجود فرصة من الأمل للعمل.
وقال(ع) في الثناء على من جاهد نفسه: «طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْساً»[٩].
«عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا»: يقال: عرك فلان بجنبه الأذى: إذا أغضى عمن يؤذيه، وصبر عليه، كناية عن الصبر على الأذى؛ أي صبرت على بؤسها وشقائها وما يمر عليها من محن ومصائب، فلم تخرج به عما يرضي الله إلى ما يغضبه[١٠].[١١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المعجم الكبير، ج٢، ص٣٩؛ مجمع البحرين، ج١، ص١١٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
- ↑ ينظر: شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٢٩٣.
- ↑ أعلام نهج البلاغة، السرخسي، ص١١٥.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٢٣.
- ↑ أما أمانيهم التي أشار إليها الإمام(ع) فهي الحكم والسيطرة. وقوله(ع): «ووعدتم الإظهار» عطف تفسير على ﴿غرتهم الأماني﴾. في ظلال نهج البلاغة، ج٦، ص٣٩٨. و«الإظهار»: إظهارهم على من غالبهم، و«الاقتحام»: الدخول بسرعة، وهو مستعار لسرعة إدخالهم النار.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٨.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٤٥.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٤، ص٤٨٦.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة، ج۲، ص ٢٣.