البَضَاضة في نهج البلاغة
تمهيد
«البَضَاضة»: رقة اللون وصفاؤه الذي يؤثر فيه أدنى شيء[١]، من بضَّ يَبُضُّ بَضاضَةً: صار بَضّاً، وأصله الرقيق الجلد الممتلئ مع بياض وسمن ونضارة، فهو بضيض، والجمع: بُضَضاءُ. قال ابن الأعرابي: «بَضَّضَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَعَّمَ، وَ غَضَّضَ: صَارَ غَضّاً مُتَنَعِّماً»[٢].
والبَضّ: الناصع البياض والرقيق الجلد الممتلئ. والبَضة: الممتلئة الناضرة، أو الناعمة الغضة، والبشرة الرقيقة النضرة، والعين الدامعة، ويقال: فلان ما تبض عينه: صبور على المصيبة. وبض الحجر: إذا خرج منه ماء كالعرق، يقال: ما يبض حجره؛ أي ما يندى بخير. والبَضُّ: العطية القليلة، يقال: بضضت له من مالي بَضّاً.
من وعظه(ع) بحال الجسد بعد الموت: «وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا»[٣].
«شَحِبَةً»: هالكة، و«الشحب»: الهلاك و«البضة هنا» الواحدة من البض، وهو مصدر بض الماء: إذا ترشح قليلا قليلا، أي بعد رقتها وامتلائها، حتى كأن الماء يترشح منها، و«النخرة»: البالية.
فيه مزاوجة بين الجملتين المتفقتين في مقاطع السجع المتوازي، يتخللهما الطباق في مفردات كلتا الجملتين، ثم الموازنة بين الجملتين، وتأكيد إحداهما للأخرى وما تشعه من ألفاظ من صور وظلال؛ وذلك للدلالة على القيمة الكاملة لهذه العظة البليغة من للكلام البليغ.
ومن حثه(ع) على اغتنام الشباب والصحة قبل فواتهما: «فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ وَ أَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ؟!»[٤].
«البَضَاضَةِ» هنا: رقة الجلد وامتلاؤه، ورجل بض: ممتلئ البدن، رقيق الجلد، و«الحَوَانِيَ»: جمع حانية؛ وهي العلة التي تحني الجسد وتميله، و«الْهَرَمِ»: بلوغ أقصى الكبر؛ أي أن هناك هموماً وخوفا لما يقدم عليه الإنسان وما ينتظره، فليقدر الإنسان نعمتي الشباب والصحة.
وفيه جملتان متتاليتان منتهيتان بفاصلتين مسجوعتين يتخللهما التقابل والطباق، ويتصدر هما الاستفهام الاستنكاري. والقدرة على توجيه النص من خلال الاستثناء المفرغ الذي لا يجوز إقحامه في الكلام الموجب؛ إلا أن يصدر من قبل أفصح الفصحاء وأبلغ البلغاء؛ لاستقامة المعنى، وحصول الفائدة، ومراده(ع): أن هؤلاء ينتظرون جميع اللذائذ الدنيوية والشهوات النفسية إلا حواني الهرم ونوازل السقم[٥].
إن تفاعل كلماتها وبراعة تأليفها وحسن تنسيقها؛ جاءت كلها للحث على إيقاظ الغافلين؛ لتظل عالقة في الأذن والنفس.[٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مجمع البحرين، ج١، ص١٥٨.
- ↑ ينظر: لسان العرب، مادة: «بضض».
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ ينظر: منهاج البراعة، ج٥، ص٣٩٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٣٩.