التبصير في نهج البلاغة
تمهيد
«التَبصير»: يقال: بصَّرتُهُ بالشيء: إذا أوضحته له حتى يُبصِرَهُ، ثم ضمن معنى التعريف.
وبَصَّرَ الأمرَ تبصيراً: عرَّفَهُ ووضَّحَهُ، وبَصَّرَ زيداً الأمر أو بالأمر تبصيراً وتبصرةً: أراهُ إياهُ وعلّمَهُ، ومن هنا جاءت البَصّارة والبصّار لمن يُري المستقبل.
قال تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾[١]. أي يرونهم ويعرفون أقرباءهم، فيعرف كل إنسان قريبه بتبصير الله إياهم، ولكنهم لايتساءلون؛ لاشتغال كل واحد بحال نفسه.
من حثه(ع) على الاعتبار بالدنيا: «وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ». أي من جعل الدنيا سبب هدايته ومحل إبصاره بعين عقله، استفاد منها البصر، ومن مد إليها بصر بصيرته محبة لها، أعمته عن إدراك أنوار الله سبحانه وتعالى.
ومن مدحه(ع) لمن يستمع القول فيتبع أحسنه: «فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ»[٢].
«بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ»: أي بإبصار المرشد الذي أرشده[٣]. و«طُوبَى» بمعنى: خير، أو حسنى، و«قَلْبٍ سَلِيمٍ»: سليم من الغل والشك، «أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ»: قبل مشورة الناصح له بالمعروف، والناهي له عن المنكر، و«تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ» أي يهلكه بإغوائه، وتحسين القبيح له.
وفيه مقابلة بين «أَطَاعَ» و«تَجَنَّبَ» وبين «يَهْدِيهِ» من أئمة الهدى، و«يُرْدِيهِ» من أئمة الضلال والردى. ومن خلال هذا التقابل برزت مزية كل من الضدين لتعبر عن معانيها في سهولة ووضوح بما يناسب موضوع النص.
ومن بيانه(ع) لاشتراك أهل زمانه مع أهل زمان النبي(ص) في أمور الدين: «وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ»[٤].
أي ما بصرتم بعد أصحاب رسول الله(ص) فكل أمر ألقي إليكم قد ألقي إليهم، فلم تعلموا أمرا هم لم يعرفوه، ولم تخصصوا بأمر وهم قد حرموا منه، بل ما نالكم نالهم، ومعرفتكم كمعرفتهم، فيجب أن تكونوا مثلهم، وهم قد استجابوا للنبي(ص) واهتدوا بهداه، فيجب أن تستجيبوا لي؛ لأن القضية تحكمكم، كما حكمتهم، ويجب أن تشملكم كما شملتهم[٥].
وقال(ع) في ذمه لبعض أصحابه: «مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ وَ أَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ وَ بَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ»[٦].
أي بصرني بأنكم تتظاهرون بالدين صدق نيتي وصحة فراستي؛ لأن المؤمن ينظر بنور الله[٧].
ومن بيانه(ع) لأثر الزهد: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصِّرْكَ اللَّهُ عَوْرَاتِهَا وَ لَا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ»[٨].
أمره(ع) بالزهد في الدنيا، وجعل جزاء الشرط تبصير الله تعالى له عورات الدنيا، وهذا حق؛ لأن الراغب في الدنيا عاشق لها، والعاشق لا يرى عيب معشوقه[٩]، لذا قيل: «حبك للشيء يعمي ويصم».
ومن بيانه(ع) لقيام الحجة على الناس: «قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ وَ قَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ وَ أُسْمِعْتُمْ إِنِ اسْتَمَعْتُمْ»[١٠].
أي إن الله تعالى قد احتج بقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وهكذا احتج به النبي والأئمة صلوات الله عليهم، فلم تبق لأحد حجة، ولا عذر. وفيه استعارة البصر لحسن الاعتقاد وصواب الرؤية.
وقال(ع) في علة بعثة الرسل(ع): «وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا وَ لِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا وَ لِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا وَ حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا»[١١]. «لِيُبَصِّرُوهُمْ»: ليعرفوهم عيوب الدنيا، وما فعلته بالماضين.[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المعارج: ١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢١٤.
- ↑ توضيح نهج البلاغة، ج٣، ص٣٢٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٩.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٤٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤.
- ↑ ينظر: بهج الصباغة، ج٣، ص١؛ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج١، ص٢١١.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٩١.
- ↑ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج١٩، ص٣٣٩.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٥٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٢٥.