الوفاء في نهج البلاغة
تمهيد
الوفاء خلق كريم ينمّ عن شرف النفس وطيب الذات وحسن التعامل وجميل التفاعل مع مقتضى الظروف والأحوال الطارئة في حياة الإنسان.
فما هي مواطن الوفاء، وماذا يقضي الخلق الفاضل فيها؟
هذا ما نسترشد في تجليته من حكم الإمام (ع) وغرر كلمه.
الله يوفّ الأجور
«مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ- وَهُمْ بِصِفَّینَ- أَلاَّ يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! قَدْ- وَاللهِ- لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهمْ»[١].
الإمام الوفي ولو في المحرج
وقد كتب (ع) إلى أبي موسى الأشعري في أمر التحكيم الذي أُكره عليه: «وَلَيْسَ رَجُلٌ- فَاعْلَمْ- أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) وأُلْفَتِهَا مِنَّي، أَبْتَغِي بِذلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ المَآبِ، وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأيْتُ عَلَى نَفْسيِ»[٢].
الوفاء والاستيفاء متكافئان
«لاَ تَكُنْ مِمَّنْ يَحْكُمُ على غیرِهِ لنفسِه، ولا يُحْكَمُ عليها لغیرِه، يُرْشِدُ غیرَهُ، ويُغوي نَفْسَهُ، فهو يُطاعُ ويَعْصِيَ، وَيَسْتَوْفِي وَلا يُوفِي»[٣].
الوفاء حق متبادل
من كتاب كتبه إلى بعض عمّاله وقد بعثه على الصدقة: «وَإِنَّ لَكَ فِي هذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَة، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، إِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ، فَوَفَّهِمْ، حُقُوقَهُمْ، وَإِلاَّ تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[٤].
الوفاء ببيعة الحق
«وَأَمَّا حَقَّي عَلَيْكُمْ فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ»[٥].
الوفاء جُنّة
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أوْقَى مِنْهُ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ المَرْجِعُ»[٦].
ومن الخلال التي يتعصب لها
«فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ... وَالْوَفَاءِ بِالذَّمَامِ»[٧].
رقابة الوفي في السرالخفي
«ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السَّرَّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرَّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ»[٨].
صيانة العهود بالوفاء
«وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَیْنَ عَدُوّ لَكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشدُّ عَلَيْهِ اجْتِماعاً، مَعَ تَفْرِيقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشْتِيتِ آرَائِهِمْ، مِنَ تَعْظيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ. وَقَدْ لَزِمَ ذلِكَ المُشْرِكُونَ فِيَما بَيْنَهُمْ دُونَ المُسْلِمِينَ لَمِا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ، فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلَا تِخَيسَنَّ بَعَهْدِكَ، وَلَا تَخْتلَنَّ عَدُوَّكَ، فَإِنَّهُ لَا يْجَتِرَىءُ عَلىَ اللهِ إِلاَّ جَاهِلٌ شَقِيٌّ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَیْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إلى مَنَعَتِهِ، يَسْتَفِيضُونَ إلى جِوَارِهِ، فَلاَ إِدْغَالَ، وَلَا مُدَالَسَةَ، وَلَا خِدَاعَ فِيهِ»[٩].
وفاءان متقابلان
«الْوَفَاءُ لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بَأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللهِ»[١٠].
من صور وفاء الدنيا
«وَحَقّاً أَقُولُ! مَا الدُّنْيَا غَرَّتْكَ، وَلكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ، وَلَقَدْ كَاشَفَتْكَ الْعِظَاتِ،... وَلَهِيَ بِمَا تَعِدُكَ مِنْ نُزُولِ الْبَلاَءِ بِجِسْمِكَ، وَالنَّقْصِ فِي قُوَّتِكَ، أَصْدَقُ وَأَوْفَي مِنْ أَنْ تَكْذِبَكَ، أَوْ تَغُرَّكَ»[١١].
لا وفاء للطمع
«إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيًّ»[١٢].
أي من ورده هلك فيه، ولم يصدر عنه.
الاستغفار من مخالفة ما يوجبه
«اللهُمَّ اغْفِرْ لِمَا وَأَيْتُ مِنْ نَفْسيِ، وَلْمَ تِجَدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدي»[١٣].[١٤]