انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الظلم عند أهل السنة»

لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل
لا ملخص تعديل
سطر ١١٧: سطر ١١٧:
==الظلم في القرآن الكريم==
==الظلم في القرآن الكريم==


==مفهوم الظلم==
==مفهوم [[الظلم]]==
===المعنى اللغوي===
===المعنى اللغوي===
قال ابن فارس: «الظلم مشتق من ظلم يظلم مظلمة بفتح اللام وكسرها، وأصله وضع الشيء في غير موضعه»<ref>مقاييس اللغة ٣/٤٦٩.</ref>.
قال [[ابن فارس]]: «الظلم مشتق من [[ظلم]] يظلم مظلمة بفتح اللام وكسرها، وأصله وضع الشيء في غير موضعه»<ref>مقاييس اللغة ٣/٤٦٩.</ref>.


وقيل: هو الجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، والظّلمة: المانعون أهل الحقوق حقوقهم <ref>انظر: الصحاح، الجوهري ٥/١٩٧٧، لسان العرب، ابن منظور ١٢/٣٧٣.</ref>.
وقيل: هو [[الجور]] ومجاوزة [[الحد]] والميل عن [[القصد]]، والظّلمة: المانعون أهل [[الحقوق]] حقوقهم <ref>انظر: الصحاح، الجوهري ٥/١٩٧٧، لسان العرب، ابن منظور ١٢/٣٧٣.</ref>.


ومن المجاز (ظلم الأرض) إذا حفرها في غير موضع حفرها، و(ظلم البعير) إذا نحره من غير داء، و(ظلم الوادي ظلمًا) إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن بلغه قبل، ولا ناله فيما خلا.
ومن [[المجاز]] (ظلم [[الأرض]]) إذا حفرها في غير موضع حفرها، و(ظلم البعير) إذا نحره من غير داء، و(ظلم الوادي ظلماً) إذا بلغ الماء منه موضعاً لم يكن بلغه قبل، ولا ناله فيما خلا.


و(الظلمة) ذهاب النور، ومن المجاز أيضًا (شعرٌ مظلم) أي حالك شديد السواد، و(نبتٌ مظلم) يضرب إلى السواد من خضرته <ref>انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣/٣٢.</ref>.
و([[الظلمة]]) ذهاب [[النور]]، ومن المجاز أيضاً (شعرٌ مظلم) أي حالك شديد السواد، و(نبتٌ مظلم) يضرب إلى السواد من خضرته <ref>انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣/٣٢.</ref>.


فالظلم: الميل عن القصد، ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به، سواء بزيادة أو نقص، أو بعدول عن وقته وزمانه، حسيًّا كان أو معنويًّا <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٢٥.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref>
فالظلم: الميل عن القصد، ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به، سواء بزيادة أو نقص، أو بعدول عن وقته وزمانه، حسياً كان أو معنوياً <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٢٥.</ref>.<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref>


=== المعنى الاصطلاحي===
=== المعنى الاصطلاحي===
عبّر المفسرون عن الظلم في القرآن بمعانٍ متعددة: منها جعل العبادة في غير موضعها اللائق بها، يعني جعلها لغير الله سبحانه، أو التوجه بالعبادة لغير الله سبحانه، ومنها معاملة العباد بغير ما أنزل الله سبحانه، وعدم إعطائهم حقوقهم أو غير ذلك، وإذا تبيّن لك هذا فيمكن الوقوف على تعريف عام يشمل ما سبق هو أن الظلم يعني: الميل عن الصواب ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به سواء بزيادة أو نقص أو بعدول عن وقته وزمانه حسيًّا كان أو معنويًّا بقصد أو بدون قصد <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٤/١٨٣.</ref>، فمن حاد عن طريق الحق لابد وأن يكون قلبه حالكًا شديد السواد، وقد ذهب نور الإيمان منه؛ لأنه خالف شرع الله سبحانه، وفعل غير ما أراد الله عز وجل. فالمعنى اللغوي والاصطلاحي متفقان تمامًا<ref>[[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]</ref>.
عبّر [[المفسرون]] عن الظلم في [[القرآن]] بمعانٍ متعددة: منها جعل [[العبادة]] في غير موضعها اللائق بها، يعني جعلها لغير [[الله]] سبحانه، أو التوجه بالعبادة لغير الله سبحانه، ومنها معاملة العباد بغير ما أنزل الله سبحانه، وعدم إعطائهم حقوقهم أو غير ذلك، وإذا تبيّن لك هذا فيمكن الوقوف على تعريف عام يشمل ما سبق هو أن الظلم يعني: الميل عن [[الصواب]] ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به سواء بزيادة أو نقص أو بعدول عن وقته وزمانه حسياً كان أو معنوياً بقصد أو بدون [[قصد]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٤/١٨٣.</ref>، فمن حاد عن طريق [[الحق]] لابد وأن يكون قلبه حالكاً شديد السواد، وقد ذهب نور [[الإيمان]] منه؛ لأنه خالف [[شرع]] الله سبحانه، وفعل غير ما أراد الله عز وجل. فالمعنى اللغوي والاصطلاحي متفقان تماماً<ref>موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم</ref>.


==الظلم في الاستعمال القرآني==
==الظلم في الاستعمال القرآني==
وردت مادة (ظ ل م) في القرآن (٣١٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٨٩) مرة 6.
وردت مادة (ظ ل م) في القرآن (٣١٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٨٩) مرة ٦.


والصيغ التي وردت هي:
والصيغ التي وردت هي:  
{| class="wikitable"
{|class="wikitable"
! الضيغة !! عدد المرات !! المثال
! الضيغة !! عدد المرات !! المثال
|-
|-
| الفعل الماضي || 65 || {{ نص قرآني |وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}}<ref> سورة هود، الآية 101.</ref>
|الفعل الماضي||٦٥||{{نص قرآني|وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}}<ref> سورة هود، الآية ١٠١.</ref>
|-
|-
| الفعل المضارع || 45 || {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية 44.</ref>
|الفعل المضارع||٤٥||{{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة يونس، الآية ٤٤.</ref>
|-
|-
| المصدر || 20 || {{ نص قرآني |يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية 13.</ref>
|المصدر||٢٠||{{نص قرآني|يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية ١٣.</ref>
|-
|-
| اسم الفاعل || 135 || {{ نص قرآني |أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية 87.</ref>
|اسم الفاعل||١٣٥||{{نص قرآني|أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأنبياء، الآية ٨٧.</ref>
|-
|-
| ضيغة المبالغة || 7 || {{ نص قرآني |إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 34.</ref>
|ضيغة المبالغة||٧||{{نص قرآني|إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٤.</ref>
|-
|-
| اسم المفعول || 1 || {{ نص قرآني |وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية 33.</ref>
|اسم المفعول||١||{{نص قرآني|وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٣٣.</ref>
|-
|-
| أفعل التفضيل || 16 || {{ نص قرآني |وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى}}<ref> سورة النجم، الآية 52.</ref>
|أفعل التفضيل||١٦||{{نص قرآني|وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٥٢.</ref>
|}
|}


وورد الظلم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشىء فى غير موضعه المختصّ به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في الذنب الكبير؛ كالشرك، والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب <ref>انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٦-٣٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٦-٤٢٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤٠-٥٤٤.</ref>.
وورد [[الظلم]] في [[القرآن]] بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشىء فى غير موضعه المختصّ به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في [[الذنب الكبير]]؛ كالشرك، والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب <ref>انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٦-٣٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٦-٤٢٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤٠-٥٤٤.</ref>.


==الألفاظ ذات الصلة==
==الألفاظ ذات الصلة==
===البغي===
===البغي===
البغي لغة: مصدر بغى يبغي بغيًّا، إذا تعدى وظلم <ref>لسان العرب، ابن منظور ١٤/٧٧</ref>.
البغي لغة: مصدر بغى يبغي بغياً، إذا تعدى وظلم <ref>لسان العرب، ابن منظور ١٤/٧٧</ref>.


البغي اصطلاحًا: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٣٦.</ref>.
البغي اصطلاحاً: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه <ref>انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٣٦.</ref>.


الصلة بين الظلم والبغي: يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز الحد، لكن الظلم دائمًا مذموم، أما البغي فقد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، وغالب الاستعمال القرآني لهذه المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/٢٧٤.</ref>.
الصلة بين الظلم والبغي: يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز [[الحد]]، لكن الظلم دائماً مذموم، أما البغي فقد يكون محموداً، وقد يكون مذموماً، وغالب الاستعمال القرآني لهذه المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/٢٧٤.</ref>.
===الطغيان===
===الطغيان===
الطغيان لغة: تجاوز الحدّ في العصيان <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤١٢.</ref>.
الطغيان لغة: تجاوز الحدّ في العصيان <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/٤١٢.</ref>.


الطغيان اصطلاحًا: قال القرطبي: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٤٥.</ref>.
الطغيان اصطلاحاً: قال [[القرطبي]]: «الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه [[كبيرة]]، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى» <ref>الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/٢٤٥.</ref>.


الصلة بين الظلم والطغيان: أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضًا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصله نقصان الحق، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر <ref>انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٣٠.</ref>.
الصلة بين الظلم والطغيان: أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضاً سواء كان من [[سلطان]] أو [[حاكم]] أو غيرهما، وأصله نقصان [[الحق]]، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في [[المكروه]] مع غلبة وقهر <ref>انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٣٠.</ref>.
===الجور===
===[[الجور]]===
الجور لغة: الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٤٩٢.</ref>.
الجور لغة: الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق <ref>انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٤٩٢.</ref>.


الجور اصطلاحًا: قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان <ref>مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٢٠٧.</ref>، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع <ref>انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري ٨/١١٦.</ref>.
[[الجور]] اصطلاحاً: قال [[السيوطي]]: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان <ref>مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٢٠٧.</ref>، وقال بعضهم: الجائر من [[الناس]] هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به [[الشرع]] <ref>انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري ٨/١١٦.</ref>.


الصلة بين الظّلم والجور: الجور خلاف الاستقامة في الحكم، تقول: جار الحاكم في حكمه والسّلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم ضرر لا يستحق، ولا يعقب عوضًا، سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق، و نقيض الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل إلى الحق <ref>انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري ٤٩٣.</ref>.
الصلة بين الظّلم والجور: الجور خلاف الاستقامة في [[الحكم]]، تقول: جار [[الحاكم]] في حكمه والسّلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم [[ضرر]] لا يستحق، ولا يعقب عوضاً، سواء كان من [[سلطان]] أو [[حاكم]] أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان [[الحق]]، والجور العدول عن الحق، و نقيض الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور [[العدل]]، وهو العدول بالفعل إلى الحق <ref>انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري ٤٩٣.</ref>.


==تنزيه الله سبحانه عن الظلم==
==[[تنزيه الله]] سبحانه عن [[الظلم]]==
نزّه الله سبحانه نفسه عن الظلم في العديد من الآيات القرآنية-المكي منها والمدني-، ونفى أن يظلم سبحانه أحدًا، فكل ما نسب إلى الله سبحانه فهو خير، وإيجاد الله سبحانه للعقوبة على الذنب الذي يقترفه الإنسان لا يعدّ ظلمًا له، بل ذلك عدلٌ منه سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 182.</ref> وردت في خمسة مواضع من القرآن الكريم، ثلاث منها مكية، واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 182.</ref>.
نزّه [[الله]] سبحانه نفسه عن الظلم في العديد من [[الآيات القرآنية]]-المكي منها والمدني-، ونفى أن يظلم سبحانه أحداً، فكل ما نسب إلى الله سبحانه فهو [[خير]]، وإيجاد الله سبحانه للعقوبة على [[الذنب]] الذي يقترفه [[الإنسان]] لا يعدّ ظلماً له، بل ذلك عدلٌ منه سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٢.</ref> وردت في خمسة مواضع من [[القرآن الكريم]]، ثلاث منها مكية، واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله تعالى: {{نص قرآني|ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٨٢.</ref>.


قال الإمام القاسمي عند تفسيره لها: «ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم من الكفر والمعاصي، وأن الله ليس بظلام للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل ما سر التعبير بـ(ظلام) بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد.
قال [[الإمام]] القاسمي عند تفسيره لها: «ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم من [[الكفر]] والمعاصي، وأن الله ليس بظلام للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل ما سر التعبير بـ(ظلام) بالمبالغة مع أن نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي [[الكثرة]] لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد.


وأجيب بأجوبة:
وأجيب بأجوبة:  


منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان ولفلان وهلم جرًّا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه.
منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من [[ظلم]]، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان ولفلان وهلم جراً، فلما جمع هؤلاء [[عدل]] إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه.


ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركًا.
ومنها: أنه إذا انتفى [[الظلم]] الكثير انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في [[حق]] من يجوز عليه [[النفع]] والضرر كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركاً.


ومنها: أن (ظلامًا) للنسب أي لا ينسب إليه الظلم أصلًا.
ومنها: أن (ظلاماً) للنسب أي لا ينسب إليه الظلم أصلاً.


ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالمًا، كان ظلامًا، فنفى اللازم لنفي الملزوم.
ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالماً، كان ظلاماً، فنفى اللازم لنفي الملزوم.


ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلامًا بليغ الظلم متفاقمه.
ومنها: أن [[العذاب]] من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه.


فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة.
فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير بالمبالغة.


وأيضًا لو عذّب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب لكان ظلمًا عظيمًا لصدوره عن العدل الرحيم. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله {{صل}} أن الله تعالى يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)» <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/٣٠٩.</ref>.
وأيضاً لو عذّب تعالى عبيده بدون استحقاق وسبب لكان ظلماً عظيماً لصدوره عن [[العدل]] [[الرحيم]]. وفي صحيح [[مسلم]] عن أبي ذر عن [[رسول الله]] {{صل}} أن [[الله تعالى]] يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)» <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/٣٠٩.</ref>.


يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة تتناسب مع السر وراء التعبير بـ(ظلَّام) بالمبالغة.
يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة تتناسب مع [[السر]] وراء التعبير بـ(ظلَّام) بالمبالغة.


ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم: قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}} حيث إنها وردت في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند قوله تعالى: {{ نص قرآني |مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}}<ref> سورة غافر، الآية 31.</ref>.
ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن [[الله]] سبحانه في [[القرآن الكريم]]: قوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ}} حيث إنها وردت في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند قوله تعالى: {{نص قرآني|مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ}}<ref> سورة غافر، الآية ٣١.</ref>.


قال الطبري: «وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلمًا منه بغير جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد ظلم عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وخلافهم أمره» <ref>جامع البيان ٢١/٣٧٩.</ref>.
قال الطبري: «وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلماً منه بغير جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد [[ظلم]] عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم وخلافهم أمره» <ref>جامع البيان ٢١/٣٧٩.</ref>.


كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {{ نص قرآني |وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}} قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 33.</ref>.
كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {{نص قرآني|وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ}} قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى: {{نص قرآني|وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٣٣.</ref>.


«أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما كانوا به يستهزءون أي يسخرون من الرسل حيث توعدوهم بعقاب الله»  <ref>التفسير المنير، الزحيلي ١٤/١٣٦.</ref>.
«أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة [[الرسل]] والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما كانوا به يستهزءون أي يسخرون من [[الرسل]] حيث توعدوهم بعقاب [[الله]]» <ref>التفسير المنير، الزحيلي ١٤/١٣٦.</ref>.


وورد نفي الظلم عن الله سبحانه في القرآن الكريم بصيغة {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية 70.</ref>.
وورد نفي [[الظلم]] عن الله سبحانه في [[القرآن الكريم]] بصيغة {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {{نص قرآني|أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٧٠.</ref>.


«وقوله: {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}} يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلمًا من الله لهم، ولا وضعًا منه جل ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة العذاب فعذبوا» <ref>جامع البيان، الطبري ١٤/٣٤٦.</ref>.
«وقوله: {{نص قرآني|فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}} يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم [[العقاب]]، لا ظلماً من الله لهم، ولا وضعاً منه جل ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن الله [[حكيم]] لا خلل في تدبيره، ولا [[خطأ]] في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله، حتى أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة [[العذاب]] فعذبوا» <ref>جامع البيان، الطبري ١٤/٣٤٦.</ref>.


يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة، وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم أحدًا من مخلوقاته.
يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة، وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم أحداً من مخلوقاته.


قال [[ابن القيم]]: «وقد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحدًا حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: {{ نص قرآني |فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ}}<ref> سورة الملك، الآية 11.</ref>.
قال [[ابن القيم]]: «وقد اتفق أهل [[الأرض]] والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحداً حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون [[النار]] وهم معترفون بعدله كما قال تعالى: {{نص قرآني|فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ}}<ref> سورة الملك، الآية ١١.</ref>.


وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 130.</ref>.
وقال تعالى: {{نص قرآني|يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٣٠.</ref>.


فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون» <ref>مختصر الصواعق المرسلة ص٢٣١.</ref>.
فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون» <ref>مختصر الصواعق المرسلة ص٢٣١.</ref>.


==الظلم طبيعة إنسانية==
==الظلم [[طبيعة]] إنسانية==
كرّم الله سبحانه الإنسان على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}}<ref> سورة الإسراء، الآية 70.</ref>.
كرّم الله سبحانه [[الإنسان]] على كثير من مخلوقاته، فقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٧٠.</ref>.


وخلقه سبحانه في أحسن صورة.
وخلقه سبحانه في أحسن صورة.


قال تعالى: {{ نص قرآني |لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}}<ref> سورة التين، الآية 4.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}}<ref> سورة التين، الآية ٤.</ref>.


وميّزه بالعقل، وهداه إلى اختيار طريق الخير أو الشر.
وميّزه بالعقل، وهداه إلى [[اختيار]] طريق [[الخير]] أو [[الشر]].


قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}}<ref> سورة الإنسان، الآية 3.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}}<ref> سورة الإنسان، الآية ٣.</ref>.


كما يمتاز الإنسان عن غيره من المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير والتوحيد، فهو مؤمن بالله بطبيعته التي خلق عليها، وعهد الله سبحانه إليه قبل أن يخلق بشرًا سويًّا.
كما يمتاز [[الإنسان]] عن غيره من المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير والتوحيد، فهو [[مؤمن]] بالله بطبيعته التي خلق عليها، وعهد [[الله]] سبحانه إليه قبل أن يخلق بشراً سوياً.


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 172.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٧٢.</ref>.


فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى الإيمان والتوحيد بالله عز وجل.
فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى [[الإيمان]] والتوحيد بالله عز وجل.


قال تعالى: {{ نص قرآني |فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية 30.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٣٠.</ref>.


ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم طبائع ذميمة تتنافى مع طبيعة الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والتي منها الظلم الذي أكد القرآن الكريم وجوده في الطبيعة الإنسانية.
ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في [[القرآن الكريم]] طبائع ذميمة تتنافى مع [[طبيعة]] الإنسان التي فطر الله [[الناس]] عليها، والتي منها [[الظلم]] الذي أكد القرآن الكريم وجوده في [[الطبيعة]] الإنسانية.


قال تعالى: {{ نص قرآني | وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية 34.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٤.</ref>.


يقول الطبري: «إن الإنسان الذي بدّل نعمة الله كفرًا لظلوم، أي: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له فعبد غيره، وجعل له أندادًا ليضل عن سبيله، وذلك ظلمه» <ref>جامع البيان ١٧/١٦.</ref>.
يقول الطبري: «إن الإنسان الذي بدّل [[نعمة]] الله كفراً لظلوم، أي: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع [[الشكر]] في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه [[إخلاص]] [[العبادة]] له فعبد غيره، وجعل له أنداداً ليضل عن سبيله، وذلك ظلمه» <ref>جامع البيان ١٧/١٦.</ref>.


وقال السعدي في تفسيره للآية نفسها: «أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق ربه، كفارٌ لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف حق ربه وقام به» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٤٢٦.</ref>.
وقال [[السعدي]] في تفسيره للآية نفسها: «أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو [[ظالم]] متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق ربه، كفارٌ لنعم الله لا يشكرها ولا يعترف بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف [[حق]] ربه وقام به» <ref>تيسير الكريم الرحمن ص٤٢٦.</ref>.


كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات ختمت فاصلتها بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 40.</ref>.
كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات ختمت فاصلتها بقوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٤٠.</ref>.


وقال السعدي عند تفسيره لأحد هذه الفواصل القرآنية: {{ نص قرآني |وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية 40.</ref>.
وقال السعدي عند تفسيره لأحد هذه الفواصل [[القرآنية]]: {{نص قرآني|وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٤٠.</ref>.


أي: «وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق {{ نص قرآني |وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر من حيث ظنوا أنهم ينفعوها» <ref>تيسير الكريم الرحمن ٦٣١.</ref>.
أي: «وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع [[الخلق]] {{نص قرآني|وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}} منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة [[الله]] وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي فضروها غاية [[الضرر]] من حيث ظنوا أنهم ينفعوها» <ref>تيسير الكريم الرحمن ٦٣١.</ref>.


يتبين مما سبق: أن الظلم طبيعة في النفس البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا الظلم إلى عدل إذا حدث العكس، وهو وجود بيئة إيمانية تطبق تعاليم الإسلام، وتسير على خطى الرسول {{صل}}، وحاكم يعين المظلوم على استرداد حقه من الظالم، وقد أكد ذلك أبو بكر بقوله: «ألا إن القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق» <ref>أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون للوالي، رقم ١٣٠٠٩، ٦/٥٧٤.</ref>.
يتبين مما سبق: أن [[الظلم]] [[طبيعة]] في [[النفس]] البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا الظلم إلى [[عدل]] إذا حدث العكس، وهو وجود بيئة إيمانية تطبق [[تعاليم الإسلام]]، وتسير على خطى [[الرسول]] {{صل}}، وحاكم يعين المظلوم على استرداد حقه من [[الظالم]]، وقد أكد ذلك أبو بكر بقوله: «ألا إن [[القوي]] عندي ضعيف حتى آخذ منه [[الحق]]، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق» <ref>أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون للوالي، رقم ١٣٠٠٩، ٦/٥٧٤.</ref>.


ويقول [[ابن خلدون]] في هذا السياق: «إن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه، وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكمٍ يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان» <ref>تاريخ ابن خلدون ١/٢٣٥.</ref>.
ويقول [[ابن خلدون]] في هذا السياق: «إن [[الطبيعة]] البشرية قد فطرت على الظلم والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه، وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك استحال [[بقاء]] الجماعة فوضى دون حاكمٍ يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان» <ref>تاريخ ابن خلدون ١/٢٣٥.</ref>.


==أنواع الظلم==
==أنواع الظلم==
حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد النهي، فقال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث| اِتَّقُوا اَلظُّلْمَ فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ }} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ٤/١٩٩٦.</ref> .
حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد [[النهي]]، فقال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|اِتَّقُوا اَلظُّلْمَ فَإِنَّ اَلظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ٤/١٩٩٦.</ref> .


وقال عز وجل في الحديث القدسي: {{نص حديث| يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.</ref>.
وقال عز وجل في [[الحديث القدسي]]: {{نص حديث|يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فلا تَظَالَمُوا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/١٩٩٤.</ref>.


وللظلم أنواع كثيرة في واقع الناس، وحقيقتها تعود إلى نوعين:
وللظلم أنواع كثيرة في واقع [[الناس]]، وحقيقتها تعود إلى نوعين:  


===ظلم النفس===
===[[ظلم]] النفس===
فالإنسان يظلم نفسه، ويضع الأمور في غير موضعها، وله صور كثيرة، منها:
فالإنسان يظلم نفسه، ويضع الأمور في غير موضعها، وله صور كثيرة، منها:  
====ظلم الشرك====
====[[ظلم]] [[الشرك]]====
فالشرك بالله أشد الظلم وأخطره؛ لأنه تجاوز للحد مع الله تعالى، إذ أمر الله الإنسان بتوحيده، لكن المشرك يتخذ معه شريكًا، وفي ذلك إرجاع الفضل لغير صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى الخلود في جهنم إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان الحكيم وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه رأس كل فتنة.
فالشرك بالله أشد [[الظلم]] وأخطره؛ لأنه تجاوز للحد مع [[الله تعالى]]، إذ أمر [[الله]] [[الإنسان]] بتوحيده، لكن [[المشرك]] يتخذ معه شريكاً، وفي ذلك إرجاع [[الفضل]] لغير صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى [[الخلود]] في [[جهنم]] إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان [[الحكيم]] وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه رأس كل فتنة.


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية 13.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية ١٣.</ref>.


يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى، وتغليب المصلحة الفانية على الأخرى الباقية، ولا يقوم على أي دليل مقنع، وهو ظلم للنفس وللآخرين معًا، كما أنه انتقاص لحق الله سبحانه في التوحيد، وعدم تنزيهه عن مشابهة الخلق في حاجتهم إلى الشريك والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء بشديد العقاب في الدنيا والآخرة.
يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى، وتغليب [[المصلحة]] الفانية على الأخرى الباقية، ولا يقوم على أي [[دليل]] مقنع، وهو ظلم للنفس وللآخرين معاً، كما أنه انتقاص لحق الله سبحانه في [[التوحيد]]، وعدم تنزيهه عن مشابهة [[الخلق]] في حاجتهم إلى [[الشريك]] والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء بشديد [[العقاب]] في [[الدنيا]] والآخرة.


فقال تعالى: {{ نص قرآني |سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 151.</ref>.
فقال تعالى: {{نص قرآني|سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٥١.</ref>.


فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}}<ref> سورة المائدة، الآية 72.</ref>.
فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان جزاء صاحبه أن يخلد في [[النار]] [[يوم القيامة]]، كما قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٧٢.</ref>.


ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيمًا لهم، واعتقاد النفع والضر فيهم، وأن لهم تصرفًا في هذا الكون، وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع.
ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم، والحلف بهم تعظيماً لهم، واعتقاد [[النفع]] والضر فيهم، وأن لهم تصرفاً في هذا [[الكون]]، وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع.


قال تعالى: {{ نص قرآني |قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}}<ref> سورة الرعد، الآية 16.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٤٥.</ref>
قال تعالى: {{نص قرآني|قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَراً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}}<ref> سورة الرعد، الآية ١٦.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٤٥.</ref>
====ظلم الكفر====
====ظلم [[الكفر]]====
الكفر ظلمٌ أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال، ولا يغفره الله سبحانه إلا بالتوبة.
الكفر ظلمٌ أكبر يخرج من [[الملة]]، ويوجب [[الخلود في النار]]، ويحبط جميع [[الأعمال]]، ولا يغفره [[الله]] سبحانه إلا بالتوبة.


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 254.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٤.</ref>.


====ظلم النفاق====
====[[ظلم]] [[النفاق]]====
النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه بالرسول {{صل}}، أو استهزائه بالصحابة، فهذا نفاق أكبر يخرج صاحبه من دين الإسلام وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم.
النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن [[الكفر]] ويظهر [[الإيمان]]، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه بالرسول {{صل}}، أو استهزائه بالصحابة، فهذا [[نفاق]] أكبر يخرج صاحبه من [[دين الإسلام]] وإن صلى وصام، وزعم أنه [[مسلم]].


ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ }}<ref> سورة التوبة، الآية 65-66.</ref>
ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى: {{نص قرآني|وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٦٥-٦٦.</ref>


وقال تعالى: {{ نص قرآني |إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}}<ref> سورة المنافقون، الآية 1.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٢٥.</ref>
وقال تعالى: {{نص قرآني|إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}}<ref> سورة المنافقون، الآية ١.</ref>. <ref>انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان ص٢٥.</ref>


====ظلم التعدي على حدود الله، واقتراف الكبائر====
====ظلم التعدي على [[حدود الله]]، واقتراف الكبائر====
قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 229.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٢٩.</ref>.


ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه أن يذكر فيها اسمه.
ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه أن يذكر فيها اسمه.


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية 114.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١١٤.</ref>.


ومن ذلك أيضًا كتم الشهادة.
ومن ذلك أيضاً كتم [[الشهادة]].


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 140.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٤٠.</ref>.


وكذلك الكذب على الله تعالى.
وكذلك [[الكذب على الله]] تعالى.


قال تعالى: {{ نص قرآني | فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 144.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٤٤.</ref>.


ومعناه: اختلاق القول على الله تعالى، وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو بالتبديل والتحريف فيها <ref>انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦/٩٧٤.</ref>.
ومعناه: اختلاق القول على [[الله تعالى]]، وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو بالتبديل والتحريف فيها <ref>انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦/٩٧٤.</ref>.


=== ظلم الغير===
=== ظلم الغير===
وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، وقد عرض القرآن الكريم لنماذج متعددة، وبيان ذلك فيما يأتي:
وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة بصورة [[كبيرة]] في مجتمعاتنا، وقد عرض [[القرآن الكريم]] لنماذج متعددة، وبيان ذلك فيما يأتي:  


====ظلم العباد بعضهم لبعض====
====[[ظلم]] العباد بعضهم لبعض====
ويندرج تحته عدة أمور، منها:
ويندرج تحته عدة أمور، منها:  


الغيبة والنميمة والسباب والشتم والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة الحجرات.
[[الغيبة]] والنميمة والسباب والشتم والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة الحجرات.


وشهادة الزور، كما قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث| أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، رقم ٨٧، ١/٩١.</ref>.
وشهادة الزور، كما قال [[رسول الله]] {{صل}}: {{نص حديث|أَلا أُنَبِّئُكُمْ بأَكْبَرِ الكَبائِرِ قُلْنا: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ باللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، رقم ٨٧، ١/٩١.</ref>.


وقتل النفس بغير حق، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ }}<ref> سورة الإسراء، الآية 33.</ref>.
وقتل [[النفس]] بغير [[حق]]، كما قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٣٣.</ref>.


أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه حق، قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، رقم ١٦١٠، ٣/١٢٣٠.</ref>.
أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه حق، قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً، رقم ١٦١٠، ٣/١٢٣٠.</ref>.


وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }}<ref> سورة النساء، الآية 29.</ref>.
وأكل أموال [[الناس]] بالباطل، كما قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ٢٩.</ref>.


والتعامل بالربا، كما قال تعالى: {{ نص قرآني |فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }}<ref> سورة النساء، الآية 160-161.</ref>.
والتعامل بالربا، كما قال تعالى: {{نص قرآني|فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٠-١٦١.</ref>.


والغش في المعاملات، كما قال {{صل}}: {{نص حديث|مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ١٠١، ١/٩٩.</ref>.
والغش في المعاملات، كما قال {{صل}}: {{نص حديث|مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ١٠١، ١/٩٩.</ref>.
سطر ٣٣٠: سطر ٣٣٠:
ومماطلة من له حق عليه، قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم ٢٢٨٧، ٣/٩٤. انظر: مفاتح الغيب، الرازي ١/٢٢٦.</ref>.
ومماطلة من له حق عليه، قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|مَطْلُ اَلْغَنِيِّ ظُلْمٌ}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة، رقم ٢٢٨٧، ٣/٩٤. انظر: مفاتح الغيب، الرازي ١/٢٢٦.</ref>.


====الظلم الواقع بين الأرحام====
====[[الظلم]] الواقع بين الأرحام====
عقوق الوالدين: يعدّ عقوق الوالدين من صور الظلم الاجتماعي، وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }}<ref> سورة الإسراء، الآية 23.</ref>.
عقوق الوالدين: يعدّ عقوق الوالدين من صور الظلم [[الاجتماعي]]، وقد أمر [[الإسلام]] بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: {{نص قرآني|وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٢٣.</ref>.


لكن هناك من يخالف شرع الله ويعقّ والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة، منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن الرسول {{صل}} ذلك بقوله: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم ٥٩٧٣، ٨/٣.</ref>.
لكن هناك من يخالف [[شرع]] [[الله]] ويعقّ والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة، منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن [[الرسول]] {{صل}} ذلك بقوله: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم ٥٩٧٣، ٨/٣.</ref>.


ومن صوره: منع النفقة عن الآباء، رغم حاجة الآباء إلى النفقة مع قدرة الأبناء، وعن جابر بن عبد الله قال، قال {{صل}}: {{نص حديث|أنت ومالك لأبيك}} <ref>أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال والده، رقم ٢٢٩٢، ٢/٧٦٩. وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ٥/٢٩١، رقم٢٢٩١.</ref>.
ومن صوره: منع [[النفقة]] عن الآباء، رغم حاجة الآباء إلى النفقة مع [[قدرة]] الأبناء، وعن جابر بن عبد [[الله]] قال، قال {{صل}}: {{نص حديث|أنت ومالك لأبيك}} <ref>أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب مال الرجل من مال والده، رقم ٢٢٩٢، ٢/٧٦٩. وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن ابن ماجة ٥/٢٩١، رقم٢٢٩١.</ref>.


ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون ذلك بعدم العدل بينهم في الهدية والعطية؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة.
ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون ذلك بعدم [[العدل]] بينهم في الهدية والعطية؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة.


وقد روي عن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله {{صل}} على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله {{صل}}، فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله {{صل}}: (يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، باب العدل بين الأولاد في العطاء، رقم ١٦٢٣،٣/١٢٤٣.</ref>.
وقد روي عن النعمان بن بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى بها [[سنة]]، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد [[رسول الله]] {{صل}} على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله {{صل}}، فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله {{صل}}: (يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على [[جور]]) <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، باب العدل بين الأولاد في العطاء، رقم ١٦٢٣،٣/١٢٤٣.</ref>.


وأكل حقوق النساء في الميراث، فقد جاء الإسلام ليبطل ما فيه ظلم وجور من توريث الأبناء دون البنات في الجاهلية، وحدد لكل مستحق من التركة حقه.
وأكل حقوق [[النساء]] في [[الميراث]]، فقد جاء [[الإسلام]] ليبطل ما فيه [[ظلم]] وجور من توريث الأبناء دون البنات في [[الجاهلية]]، وحدد لكل مستحق من التركة حقه.


قال تعالى: {{ نص قرآني |يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}}<ref> سورة النساء، الآية 11.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}}<ref> سورة النساء، الآية ١١.</ref>.


والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك الظلم يقع على الأخوات من أقرب الناس إليهن، وهم إخوتهن، وكثيرًا ما نسمع ونرى من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام والعداوات بين الأقارب، والتي كان سببها تعطيل قسمة الفرائض والجور فيها، وقسمتها على غير ما أمر الله سبحانه.
والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك [[الظلم]] يقع على الأخوات من أقرب [[الناس]] إليهن، وهم إخوتهن، وكثيراً ما نسمع ونرى من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام والعداوات بين الأقارب، والتي كان سببها تعطيل [[قسمة]] [[الفرائض]] والجور فيها، وقسمتها على غير ما أمر [[الله]] سبحانه.


ومنه أيضًا قطيعة الرحم، وقد فشى في مجتمعات المسلمين، ومن أخطرها من لا يعرف الناس قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وقد قال تعالى: {{ نص قرآني |فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية 22.</ref>.
ومنه أيضاً قطيعة الرحم، وقد فشى في مجتمعات المسلمين، ومن أخطرها من لا يعرف [[الناس]] قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم بالقول أو [[الفعل]] أو بهما معاً، وقد قال تعالى: {{نص قرآني|فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ٢٢.</ref>.


وقال {{صل}}: {{نص حديث|لا يدخل الجنة قاطع}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٨/٥. انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي ٢/٧٣٢.</ref>.
وقال {{صل}}: {{نص حديث|لا يدخل الجنة قاطع}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٨/٥. انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي ٢/٧٣٢.</ref>.


والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}}<ref> سورة الأنعام، الآية 152.</ref>، وقال تعالى: {{ نص قرآني |اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}<ref> سورة المائدة، الآية 8.</ref>.
والحاصل أن [[الظلم]] [[الاجتماعي]] له صورٌ متعددة ذكرنا بعضاً منها، والواجب على [[المسلم]] أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي [[الغلو]] والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو [[العدل]] الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به [[الشرع]]، قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٥٢.</ref>، وقال تعالى: {{نص قرآني|اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}}<ref> سورة المائدة، الآية ٨.</ref>.


==أسباب الظلم==
==أسباب الظلم==
للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي إليه، وتوقع الإنسان به، وبيان هذه الأسباب متمثلة في المطالب الآتية:
للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي إليه، وتوقع [[الإنسان]] به، وبيان هذه الأسباب متمثلة في المطالب الآتية:  
===الكفر===
===[[الكفر]]===
إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك القرآن الكريم.
إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك [[القرآن الكريم]].


قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 254.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٤.</ref>.


قال الطبري في تفسيرها: «فإنه يعني تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله» <ref>جامع البيان، الطبري ٥/٣٨٤.</ref>.
قال الطبري في تفسيرها: «فإنه يعني تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله» <ref>جامع البيان، الطبري ٥/٣٨٤.</ref>.


وقد قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرًا.
وقد قال تعالى: {{نص قرآني|وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن معنى [[الآية]] أن كل [[كافر]] [[ظالم]]، وليس كل ظالم كافراً.


ولو قال: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} لكان قد حكم على كل ظالم -وهو من يضع الشيء في غير موضعه- بالكفر <ref>انظر: الوسيط، الزحيلي ١/١٤٥.</ref>.
ولو قال: {{نص قرآني|وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} لكان قد [[حكم]] على كل ظالم -وهو من يضع الشيء في غير موضعه- بالكفر <ref>انظر: الوسيط، الزحيلي ١/١٤٥.</ref>.
===اتباع الهوى واتباع الظن===
===[[اتباع]] [[الهوى]] واتباع [[الظن]]===
الظلم ليس وليد نفسه، بل له منابع وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط الأهواء والغرائز على الظالمين حكامًا أو محكومين، قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}}<ref> سورة الروم، الآية 29.</ref>.
[[الظلم]] ليس وليد نفسه، بل له منابع وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط [[الأهواء]] والغرائز على الظالمين حكاماً أو محكومين، قال تعالى: {{نص قرآني|بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}}<ref> سورة الروم، الآية ٢٩.</ref>.


ومعنى الآية: أن أولئك الظالمين اتبعوا أهواءهم جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلّبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك <ref>انظر: تفسير المراغي ٢١/٤٤.</ref>.
ومعنى [[الآية]]: أن أولئك الظالمين اتبعوا أهواءهم جهلاً منهم لحق [[الله]] عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلّبوا وجوه الرأي، واستعملوا [[الفكر]] والتدبر لربما ردهم ذلك إلى معرفة [[الحق]]، ووصلوا إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك <ref>انظر: تفسير المراغي ٢١/٤٤.</ref>.
=== الاستكبار والترف===
=== [[الاستكبار]] والترف===
من الناس من ينعم الله سبحانه عليه بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها، فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال ذلك: نعمة الصحة والمال، فيتكبّر ويتجبّر، قال تعالى: {{ نص قرآني |كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}}<ref> سورة العلق، الآية 6-7.</ref>.
من [[الناس]] من ينعم الله سبحانه عليه بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها، فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال ذلك: [[نعمة]] الصحة والمال، فيتكبّر ويتجبّر، قال تعالى: {{نص قرآني|كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}}<ref> سورة العلق، الآية ٦-٧.</ref>.


ومعنى ذلك: أن أمر هذا الإنسان عجيب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعًا، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه <ref>انظر: تفسير المراغي ٣٠/٢٠٢.</ref>.
ومعنى ذلك: أن أمر هذا [[الإنسان]] عجيب، فإنه متى أحس من نفسه [[قدرة]] وثروة خرج من [[الحد]] الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعاً، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، ويحب [[الخير]] لهم كما يحبه لنفسه <ref>انظر: تفسير المراغي ٣٠/٢٠٢.</ref>.


ومن الأمثلة التي ساقها القرآن الكريم عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله الملك ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.
ومن الأمثلة التي ساقها [[القرآن الكريم]] عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله [[الملك]] ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.


قال تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 258.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٨.</ref>.


وكذلك فرعون الذي آتاه الله الملك والسلطان فكان ذلك سببًا لادعاء الربوبية.
وكذلك [[فرعون]] الذي آتاه الله الملك والسلطان فكان ذلك سبباً لادعاء الربوبية.


قال تعالى: {{ نص قرآني | اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى }}<ref> سورة النازعات، الآية 17-24.</ref>.
قال تعالى: {{نص قرآني|اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}}<ref> سورة النازعات، الآية ١٧-٢٤.</ref>.
===الحسد===
===[[الحسد]]===
إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى الظلم، فهو الذي أخرج إبليس -لعنه الله- من رحمة ربه، حيث حسد آدم على مكانته عند ربه، فامتنع عن السجود تكبرًا وعصيانًا لأمر الله سبحانه عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس استكبر.
إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى الظلم، فهو الذي أخرج [[إبليس]] -لعنه الله- من [[رحمة]] ربه، حيث حسد [[آدم]] على مكانته عند ربه، فامتنع عن السجود تكبراً وعصياناً لأمر [[الله]] سبحانه عندما أمر [[الملائكة]] بالسجود لآدم، فسجدوا إلا [[إبليس]] استكبر.


وقال الله عنه: {{ نص قرآني |قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 12.</ref>.
وقال الله عنه: {{نص قرآني|قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٢.</ref>.


وبالحسد سفك أول دم حرام على وجه الأرض، حيث حسد ابن آدم قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة، أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم يجد بها إلا مكرهًا، وكانت علامة القبول نزول نار فتحرق المقبول، وتترك الذي لم يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من الخاسرين، وكان عليه وعلى الشيطان كفلٌ من يقتل ظلمًا إلى يوم القيامة <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٢٠٦.</ref>.
وبالحسد سفك أول دم [[حرام]] على وجه [[الأرض]]، حيث حسد ابن [[آدم]] قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة، أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم يجد بها إلا مكرهاً، وكانت علامة القبول نزول [[نار]] فتحرق المقبول، وتترك الذي لم يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من الخاسرين، وكان عليه وعلى [[الشيطان]] كفلٌ من يقتل ظلماً إلى [[يوم القيامة]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/٢٠٦.</ref>.
===الولاء للأعداء===
===الولاء للأعداء===
حذر القرآن الكريم من موالاة الظالمين ومساندتهم بأي صورة كانت.
حذر [[القرآن الكريم]] من [[موالاة]] الظالمين ومساندتهم بأي صورة كانت.


فقال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية 113.</ref>.
فقال تعالى: {{نص قرآني|وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية ١١٣.</ref>.


ومعنى الآية: أنه يجب عليكم أيها المؤمنون ألا تستندوا إلى الذين ظلموا، وهم المشركون وغيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم، وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم <ref>انظر: تفسير المراغي ١٢/٩٣.</ref>.
ومعنى [[الآية]]: أنه يجب عليكم أيها [[المؤمنون]] ألا تستندوا إلى الذين ظلموا، وهم [[المشركون]] وغيرهم، فتجعلوهم ركناً لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم، وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم [[الدينية]]، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم [[النار]] التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى [[الظلم]] وأهله [[ظلم]] <ref>انظر: تفسير المراغي ١٢/٩٣.</ref>.


كما أكد القرآن على عدم موالاة الكافرين، فقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية 23.</ref>.
كما أكد [[القرآن]] على عدم موالاة الكافرين، فقال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٢٣.</ref>.


قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام {{نص قرآني|إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ }}، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده {{نص قرآني|وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ }} يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام {{نص قرآني|فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره» <ref>جامع البيان ١٤/١٧٥.</ref>.
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة [[الإسلام]] وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على [[الهجرة]] إلى [[دار الإسلام]] {{نص قرآني|إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}}، يقول: إن اختاروا [[الكفر]] بالله، على [[التصديق]] به والإقرار بتوحيده {{نص قرآني|وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ}} يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم على [[الهجرة]] إلى [[رسول الله]] ودار [[الإسلام]] {{نص قرآني|فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}} يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر [[الله]]، فوضعوا [[الولاية]] في غير موضعها، وعصوا الله في أمره» <ref>جامع البيان ١٤/١٧٥.</ref>.


كما حذّر القرآن الكريم من موالاة اليهود والنصارى؛ لأن في موالاتهم نصرة لهم على الدين وأهله، قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية 51.</ref>.
كما حذّر [[القرآن الكريم]] من [[موالاة]] [[اليهود]] والنصارى؛ لأن في موالاتهم [[نصرة]] لهم على [[الدين]] وأهله، قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥١.</ref>.
===ترك التوبة===
===ترك [[التوبة]]===
إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه، يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى تصبح ديدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ويكون قد ظلم نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعًا للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل ذلك بالظلم، فقال تعالى:{{ نص قرآني |وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة الحجرات، الآية 11.</ref>.
إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه، يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى تصبح ديدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ويكون قد [[ظلم]] نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعاً للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل ذلك بالظلم، فقال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة الحجرات، الآية ١١.</ref>.


ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره ومعاصيه فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي لها عقوبة الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا؛ لذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٥٠.</ref>.
ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره ومعاصيه فهو [[ظالم]]؛ لأنه ظلم [[الناس]] بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي لها عقوبة [[الآخرة]] مع [[التمكن]] من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديداً جداً؛ لذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٥٠.</ref>.


فالتوبة واجبة من كل ذنب، وكل من تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل توبته، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية 39.</ref>.
فالتوبة واجبة من كل [[ذنب]]، وكل من تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل توبته، قال تعالى: {{نص قرآني|فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣٩.</ref>.


وقد وردت هذه الفاصلة القرآنية بعد الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه، ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح نفسه، وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة، مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/١٨٣.</ref>.
وقد وردت هذه الفاصلة [[القرآنية]] بعد الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه، ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح نفسه، وزكاها بأعمال [[التقوى]] والبر، وكانت توبته بنية صادقة، مع [[العزم]] على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/١٨٣.</ref>.
===اتباع الشهوات===
===[[اتباع]] [[الشهوات]]===
إن حرمات الله سبحانه هي جميع ما حرّم الله سبحانه من حقوق الخالق وحقوق المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة، وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر كل من ينتهك حرمات الله سبحانه ظالمًا، قال تعالى: {{ نص قرآني |تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية 229.</ref>.
إن حرمات [[الله]] سبحانه هي جميع ما حرّم الله سبحانه من حقوق [[الخالق]] وحقوق المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة، وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر كل من ينتهك حرمات الله سبحانه ظالماً، قال تعالى: {{نص قرآني|تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٢٩.</ref>.


قال الطبري في تفسيرها: «يعني تعالى ذكره تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم من الحلال إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا طاعته إلى معصيته» <ref>جامع البيان، الطبري ٤/٥٨٣.</ref>.
قال الطبري في تفسيرها: «يعني تعالى ذكره تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها [[الناس]]، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم من [[الحلال]] إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا طاعته إلى معصيته» <ref>جامع البيان، الطبري ٤/٥٨٣.</ref>.


ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله سبحانه اتباع الشهوات قال تعالى: {{ نص قرآني |وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}}<ref> سورة النساء، الآية 27.</ref>.
ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله سبحانه [[اتباع]] [[الشهوات]] قال تعالى: {{نص قرآني|وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ٢٧.</ref>.


فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر به الدين فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم <ref>انظر: تفسير المراغي ٥/١٤.</ref>، لذا لابد من تقوى الله سبحانه والابتعاد عن انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب الظلم المؤدية إلى نار جهنم.
فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر به [[الدين]] فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم <ref>انظر: تفسير المراغي ٥/١٤.</ref>، لذا لابد من [[تقوى الله]] سبحانه والابتعاد عن انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب [[الظلم]] المؤدية إلى [[نار]] [[جهنم]].


==سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج==
==سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج==
===سبل الوقاية من الظلم===
===سبل الوقاية من الظلم===
إن الوقاية من الظلم لها سبل متعددة، تؤدي إلى تحقق هذه الوقاية، فإن أخذنا بها اتقينا الظلم، ومن هذه السبل ما يأتي:
إن الوقاية من الظلم لها سبل متعددة، تؤدي إلى تحقق هذه الوقاية، فإن أخذنا بها اتقينا الظلم، ومن هذه السبل ما يأتي:  
#إشاعة العدل في كل شيء:يعدّ العدل من العوامل الرئيسة والآداب السامية التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم والطغيان، وذلك بنشر العدل بين الناس وعدم التفريق بينهم، فالمظلوم أو المقهور إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله، ومن هنا ينتشر الظلم المضاد، لذلك كان أمر الله سبحانه بالعدل صريحًا. قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 90.</ref>. وقال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية 8.</ref>. قال ابن كثير: «فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم بل الزموا العدل على أي حال» <ref>تفسير القرآن العظيم ٢/٤٣٣.</ref>.
#إشاعة [[العدل]] في كل شيء: يعدّ العدل من العوامل الرئيسة والآداب السامية التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم والطغيان، وذلك بنشر العدل بين الناس وعدم التفريق بينهم، فالمظلوم أو المقهور إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله، ومن هنا ينتشر الظلم المضاد، لذلك كان أمر الله سبحانه بالعدل صريحاً. قال تعالى: {{نص قرآني|إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ٩٠.</ref>. وقال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٨.</ref>. قال [[ابن كثير]]: «فلا يحملنكم [[الهوى]] والعصبية وبغضة [[الناس]] إليكم على ترك [[العدل]] في أموركم وشؤونكم بل الزموا العدل على أي حال» <ref>تفسير القرآن العظيم ٢/٤٣٣.</ref>.
#صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء: تحتل الروابط الاجتماعية مكانة مهمة في الإسلام، ولهذا سعى الإسلام إلى العمل على صيانتها، ومعالجة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، ومن أهم هذه العوامل التي تؤثر سلبًا في العلاقات الاجتماعية: الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجًا خاصًّا لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تفسد بين القلوب، وتحدث الفوضى، وقد تكون سببًا في حدوث كوارث ونكبات في المجتمع بين أفراده. قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}}<ref> سورة الحجرات، الآية 6.</ref>. قال الشوكاني: «والمراد من التبين التعرف والتفحص والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» <ref>فتح القدير ٥/٧١.</ref>.
#صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء: تحتل الروابط الاجتماعية مكانة مهمة في [[الإسلام]]، ولهذا سعى الإسلام إلى [[العمل]] على صيانتها، ومعالجة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، ومن أهم هذه العوامل التي تؤثر سلباً في العلاقات الاجتماعية: الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجاً خاصاً لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تفسد بين [[القلوب]]، وتحدث الفوضى، وقد تكون سبباً في حدوث كوارث ونكبات في [[المجتمع]] بين أفراده. قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}}<ref> سورة الحجرات، الآية ٦.</ref>. قال [[الشوكاني]]: «والمراد من التبين التعرف والتفحص والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» <ref>فتح القدير ٥/٧١.</ref>.
#التحكم في الغضب الذي يدفع الناس إلى الظلم: وجّه الإسلام إلى عدم الغضب، والبعد عن أسبابه، لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض قد يكون سببًا في انتشار الظلم في المجتمع، قال تعالى: {{ نص قرآني | وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 134.</ref>. فمن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه <ref>انظر: تفسير المراغي ٤/٧١.</ref>.
#التحكم في [[الغضب]] الذي يدفع الناس إلى [[الظلم]]: وجّه الإسلام إلى عدم الغضب، والبعد عن أسبابه، لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض قد يكون سبباً في انتشار الظلم في المجتمع، قال تعالى: {{نص قرآني|وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٣٤.</ref>. فمن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة إلى [[الانتقام]] لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من [[التقوى]] كظمه <ref>انظر: تفسير المراغي ٤/٧١.</ref>.
#الإنكار على الظالم ومنعه من الظلم:إذا كان الظلم سببًا في هلاك الأمة، فمن الواجب شرعًا الإنكار على الظالم، ومنعه من الظلم، وعدم السكوت عن ظلمه. عن أبي بكر أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}}<ref> سورة المائدة، الآية 105.</ref>، وإني سمعت رسول الله {{صل}} يقول: {{نص حديث|إِنَّ النّاسَ إِذا رَأَوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذوا عَلى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللّه ُبِعِقابٍ مِنْهُ}} <ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم ٣٠٥٧، ٥/٢٥٦.</ref>. أي: إذا لم تمنعوه من ظلمه مع القدرة على منعه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه، ومن الواضح أن الظالم يجب منعه من الظلم والإنكار عليه، ويشمل ذلك الحاكم وغيره من الظلمة.
#الإنكار على [[الظالم]] ومنعه من الظلم: إذا كان الظلم سبباً في [[هلاك]] [[الأمة]]، فمن الواجب شرعاً الإنكار على [[الظالم]]، ومنعه من [[الظلم]]، وعدم [[السكوت]] عن ظلمه. عن أبي بكر أنه قال: يا أيها [[الناس]] إنكم تقرءون هذه [[الآية]]: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}}<ref> سورة المائدة، الآية ١٠٥.</ref>، وإني سمعت [[رسول الله]] {{صل}} يقول: {{نص حديث|إِنَّ النّاسَ إِذا رَأَوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذوا عَلى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللّه ُبِعِقابٍ مِنْهُ}} <ref>أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم ٣٠٥٧، ٥/٢٥٦.</ref>. أي: إذا لم تمنعوه من ظلمه مع [[القدرة]] على منعه أوشك [[الله]] أن يعمهم بعقاب منه، ومن الواضح أن الظالم يجب منعه من الظلم والإنكار عليه، ويشمل ذلك [[الحاكم]] وغيره من [[الظلمة]].
#عدم الركون إلى الظالمين: وهذا سبيل من سبل الوقاية من الوقوع في الظلم، أو شيوعه وانتشاره، وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة، وهو عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم، حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم، لا سيما الحكام الظلمة؛ لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم، وبسكوت أهل الحق عنهم، أو بركونهم إليهم. قال تعالى محذِّرًا من الركون إلى الذين ظلموا: {{ نص قرآني |وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية 113.</ref>. ومعنى الآية: لا تميلوا إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله فتقبلوا منهم، وترضوا أعمالهم، فتمسكم النار بفعلكم ذلك <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/٥٠٠.</ref>. وقال الزمخشري: «والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم في مجالسهم، وزيارتهم ومهادنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم» <ref>الكشاف ٣/٤٣٥.</ref>.
#عدم الركون إلى الظالمين: وهذا سبيل من سبل الوقاية من الوقوع في الظلم، أو شيوعه وانتشاره، وما يترتب على ذلك من [[العقاب]] أو [[الهلاك]] بالأمة، وهو عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم، حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم، لا سيما [[الحكام]] الظلمة؛ لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم، وبسكوت أهل [[الحق]] عنهم، أو بركونهم إليهم. قال تعالى محذِّراً من الركون إلى الذين ظلموا: {{نص قرآني|وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}}<ref> سورة هود، الآية ١١٣.</ref>. ومعنى الآية: لا تميلوا إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله فتقبلوا منهم، وترضوا أعمالهم، فتمسكم [[النار]] بفعلكم ذلك <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/٥٠٠.</ref>. وقال الزمخشري: «والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم في مجالسهم، وزيارتهم ومهادنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه [[تعظيم]] لهم» <ref>الكشاف ٣/٤٣٥.</ref>.
#عدم إعانة الظالم على ظلمه: إن أعوان الظالم هم ظلمة مثله، فلا يجوز إعانة الظالم؛ لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز، فما يكون فيه إعانة للظالم أولى أن لا يجوز، والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه، وليس بنفسه فقط، فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز، لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه، ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل بأعوانه أيضًا، لأنهم مثله ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه. قال تعالى: {{ نص قرآني |فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة القصص، الآية 40.</ref>. أي جمعنا فرعون وجنوده من القبط فألقيناهم جميعًا في البحر <ref>انظر: تفسير المراغي ٢٠/٦١. وانظر: السنن الإلهية، د. عبد الكريم زيدان، ص١٢٠..</ref>
#عدم [[إعانة]] الظالم على ظلمه: إن أعوان الظالم هم [[ظلمة]] مثله، فلا يجوز إعانة الظالم؛ لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز، فما يكون فيه إعانة للظالم أولى أن لا يجوز، والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه، وليس بنفسه فقط، فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز، لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه، ولهذا إذا نزل [[العذاب]] بالحاكم [[الظالم]] نزل بأعوانه أيضاً، لأنهم مثله ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه. قال تعالى: {{نص قرآني|فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة القصص، الآية ٤٠.</ref>. أي جمعنا [[فرعون]] وجنوده من القبط فألقيناهم جميعاً في البحر <ref>انظر: تفسير المراغي ٢٠/٦١. وانظر: السنن الإلهية، د. عبد الكريم زيدان، ص١٢٠..</ref>
=== طرق علاج الظلم===
=== طرق علاج [[الظلم]]===
إن علاج الظلم له طرق ووسائل متعددة، تؤدي إلى علاجه، فإن أخذنا بها فقد عالجنا هذا المرض العضال، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي:
إن علاج الظلم له طرق ووسائل متعددة، تؤدي إلى علاجه، فإن أخذنا بها فقد عالجنا هذا المرض العضال، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي:  
#معايشة القرآن الكريم وسنة الرسول {{صل}}: وذلك لأن القرآن أسهب في الحديث عن الظلم والظالمين، وبيّن جرائمهم وعواقب هذه الجرائم، وكذلك سنة رسولنا {{صل}}، وحسبنا أن الرسل والرسالات كانت من أجل رفع الظلم عن المظلومين، أو مداوة الظالمين أو تخويفهم عاقبة ظلمهم، وإقامة الحجة عليهم. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية 12.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ}}<ref> سورة الحج، الآية 45.</ref>. معنى ذلك: أن كثيرًا من أهل القرى أهلكناهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أممًا أخرى سواهم <ref>انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٥٤٣.</ref>.
#معايشة [[القرآن الكريم]] وسنة [[الرسول]] {{صل}}: وذلك لأن [[القرآن]] أسهب في الحديث عن الظلم والظالمين، وبيّن جرائمهم وعواقب هذه الجرائم، وكذلك [[سنة]] رسولنا {{صل}}، وحسبنا أن [[الرسل]] والرسالات كانت من أجل رفع الظلم عن المظلومين، أو مداوة الظالمين أو تخويفهم عاقبة ظلمهم، وإقامة [[الحجة]] عليهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِياً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ}}<ref> سورة الأحقاف، الآية ١٢.</ref>. وقوله تعالى: {{نص قرآني|فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ}}<ref> سورة الحج، الآية ٤٥.</ref>. معنى ذلك: أن كثيراً من أهل القرى أهلكناهم بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله، ثم أنشأنا بعد إهلاكهم أمماً أخرى سواهم <ref>انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/٥٤٣.</ref>.
#التوبة النصوح: وذلك بالإقلاع الفوري عن الظلم. قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة التحريم، الآية 8.</ref>. وقد أمر الله سبحانه بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات، والفوز والفلاح حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته، والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٤.</ref>. وشروط التوبة أربعة:
#[[التوبة]] النصوح: وذلك بالإقلاع الفوري عن الظلم. قال تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref> سورة التحريم، الآية ٨.</ref>. وقد أمر [[الله]] سبحانه بالتوبة النصوح في هذه [[الآية]]، ووعد عليها بتكفير السيئات ودخول الجنات، والفوز والفلاح حين يسعى [[المؤمنون]] [[يوم القيامة]] بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه ويتمتعون بروحه وراحته، والمراد بها: التوبة [[العامة]] الشاملة للذنوب كلها التي عقدها [[العبد]] لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٤.</ref>. وشروط التوبة أربعة:  
##الإقلاع عن الذنب.
##الإقلاع عن [[الذنب]].
##الندم على ما مضى.
##[[الندم]] على ما مضى.
##العزم على ألا يعود إليه.
##[[العزم]] على ألا يعود إليه.
##رد الحقوق إلى أهلها <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٨/٢٧٧.</ref>.
##رد [[الحقوق]] إلى أهلها <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٨/٢٧٧.</ref>.
#التذكير بعواقب وآثار الظلم وأخذ العبرة والعظة. إن تذكير الظالمين بعواقب وآثار الظلم قد يؤدي إلى رجوعهم عن ظلمهم، وقد حث القرآن الكريم على ذلك بقوله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 164.</ref>. ومعنى الآية: أن الله سبحانه أمر بني إسرائيل أن يعظّموه ويحترموه ولا يصيدوا يوم السبت صيدًا فابتلاهم الله وامتحنهم، وانقسموا في ذلك ثلاث فرق، معظمهم اعتدوا وتجرؤوا على مخالفة أمر الله تعالى، وفرقة أنكرت عليهم ونهتهم عن ذلك، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيحة، بل استمر في اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بإهلاك أو عذاب شديد، فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، ولعلهم يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس من هدايتهم، فربما أثر فيهم هذا الوعظ واللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار المنكر، ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي: ص ٣٠٦.</ref>
#التذكير بعواقب وآثار [[الظلم]] وأخذ [[العبرة]] والعظة. إن تذكير الظالمين بعواقب وآثار الظلم قد يؤدي إلى رجوعهم عن ظلمهم، وقد حث [[القرآن الكريم]] على ذلك بقوله تعالى: {{نص قرآني|وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٦٤.</ref>. ومعنى [[الآية]]: أن [[الله]] سبحانه أمر بني إسرائيل أن يعظّموه ويحترموه ولا يصيدوا يوم السبت صيداً فابتلاهم الله وامتحنهم، وانقسموا في ذلك ثلاث فرق، معظمهم اعتدوا وتجرؤوا على مخالفة أمر [[الله تعالى]]، وفرقة أنكرت عليهم ونهتهم عن ذلك، وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، وقالوا لهم: لا فائدة في وعظ من اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيحة، بل استمر في اعتدائه وطغيانه، فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بإهلاك أو [[عذاب]] شديد، فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، ولعلهم يتركون ما هم فيه من [[المعصية]]، فلا نيأس من هدايتهم، فربما أثر فيهم هذا الوعظ واللوم، وهذا هو المقصود الأعظم من إنكار [[المنكر]]، ليكون معذرة، وإقامة [[حجة]] على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي: ص ٣٠٦.</ref>
#تربية ملكة المراقبة لله في السر والعلن: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية 46.</ref>. والمراد: أن الذي يخاف ربه، ويقوم على أوامره فيترك ما نهى عنه، ويفعل ما يؤمر، له جنتان من ذهب، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات <ref>انظر: المصدر السابق ص ٨٣١.</ref>. ويؤكد ذلك قوله تعالى: {{ نص قرآني | وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }}<ref> سورة النازعات، الآية 40-41.</ref>.
#[[تربية]] ملكة المراقبة لله في [[السر]] والعلن: قال تعالى: {{نص قرآني|وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}}<ref> سورة الرحمن، الآية ٤٦.</ref>. والمراد: أن الذي يخاف ربه، ويقوم على أوامره فيترك ما نهى عنه، ويفعل ما يؤمر، له جنتان من ذهب، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على [[فعل]] الطاعات <ref>انظر: المصدر السابق ص ٨٣١.</ref>. ويؤكد ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}}<ref> سورة النازعات، الآية ٤٠-٤١.</ref>.
#الدعاء: وهو أهم علاجٍ في رفع الظلم، وهو الباب الواسع الذي لا يقفل، فلا بد للمظلوم أن يلتجئ إلى الله بالدعاء والدعوة على الظالم؛ إذ ليس بينها وبين الله سبحانه حجاب، وقد وعد الله سبحانه له بنصرها عاجلًا أو آجلًا. قال تعالى: {{ نص قرآني |فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}}<ref> سورة القمر، الآية 10.</ref>. يقول ابن كثير في تفسير الآية: «أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك» <ref>تفسير القرآن العظيم ٧/٤٧٦.</ref>. فالدعاء سلاح يقصم به الله ظهر المتجبّرين، ويزلزل به عروش المتعالين، وينسف به صولة المتطاولين، ولكن إذا تأخرت إجابة دعوة المظلوم فما هي إلا فرصة متاحة للظالم لكي يراجع نفسه، ويحاسبها على فعلته هذه، حتى يعيد للمظلوم حقه، ويعتذر إليه عما بدر منه، ويتوب إلى الله من هذا العمل.
#[[الدعاء]]: وهو أهم علاجٍ في رفع الظلم، وهو الباب الواسع الذي لا يقفل، فلا بد للمظلوم أن يلتجئ إلى الله بالدعاء والدعوة على [[الظالم]]؛ إذ ليس بينها وبين الله سبحانه [[حجاب]]، وقد [[وعد]] [[الله]] سبحانه له بنصرها عاجلاً أو آجلاً. قال تعالى: {{نص قرآني|فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}}<ref> سورة القمر، الآية ١٠.</ref>. يقول [[ابن كثير]] في تفسير [[الآية]]: «أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك» <ref>تفسير القرآن العظيم ٧/٤٧٦.</ref>. فالدعاء سلاح يقصم به الله ظهر المتجبّرين، ويزلزل به عروش المتعالين، وينسف به صولة المتطاولين، ولكن إذا تأخرت إجابة [[دعوة]] المظلوم فما هي إلا فرصة متاحة للظالم لكي يراجع نفسه، ويحاسبها على فعلته هذه، حتى يعيد للمظلوم حقه، ويعتذر إليه عما [[بدر]] منه، ويتوب إلى الله من هذا [[العمل]].


==آثار الظلم وعاقبته في الدنيا==
==آثار [[الظلم]] وعاقبته في [[الدنيا]]==
إن للظلم آثارًا وعواقب تعصف بالمجتمع، وتجلب له ما يسؤوه في جميع الميادين، وتظهر تلك الآثار السلبية من خلال ما يأتي:
إن للظلم آثاراً وعواقب تعصف بالمجتمع، وتجلب له ما يسؤوه في جميع الميادين، وتظهر تلك الآثار السلبية من خلال ما يأتي:  
#'''ذهاب الأمن:''' حيث إن الظالم يعيش ليله ونهاره بخوف وقلق دائم خوفًا من انتقام المظلومين، فيعمل على تأمين نفسه خوفًا من بطشهم، وهو جاهل بأن العدل هو الذي يجلب الأمن لا الظلم، وقد أكد ذلك قوله تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 82.</ref>. وقد جاء لفظ (بظلم) نكرة في سياق النفي بـ(لم) وفي ذلك دلالة على أنها تعم جميع أنواع الظلم، فكل من كان مبتعدًا عن الظلم فله نصيب من هذه العاقبة، وهي الأمن والاهتداء، فإذا كان العبد ممن يخلط ظلمًا بصلاحٍ وعدلٍ، كان الأمن عنده في داخله، أو في مجتمعه بقدر انتفاء الظلم، ولهذا كلما كثرت الكبائر والخبث ومخالفة دين الله سبحانه، كلما انتزع الأمن من العباد <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧ ٣٣٣.</ref>.
#'''ذهاب [[الأمن]]: ''' حيث إن [[الظالم]] يعيش ليله ونهاره بخوف وقلق [[دائم]] خوفاً من انتقام المظلومين، فيعمل على تأمين نفسه خوفاً من بطشهم، وهو [[جاهل]] بأن [[العدل]] هو الذي يجلب الأمن لا الظلم، وقد أكد ذلك قوله تعالى: {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٨٢.</ref>. وقد جاء لفظ (بظلم) نكرة في سياق النفي بـ(لم) وفي ذلك [[دلالة]] على أنها تعم جميع أنواع الظلم، فكل من كان مبتعداً عن الظلم فله نصيب من هذه العاقبة، وهي الأمن والاهتداء، فإذا كان [[العبد]] ممن يخلط ظلماً بصلاحٍ وعدلٍ، كان الأمن عنده في داخله، أو في مجتمعه بقدر انتفاء الظلم، ولهذا كلما كثرت الكبائر والخبث ومخالفة [[دين]] الله سبحانه، كلما انتزع الأمن من العباد <ref>انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧ ٣٣٣.</ref>.
#'''الجدب والقحط:''' وهذا ما بيّنته سورة النحل عند قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية 112.</ref>. يقول الزحيلي: «ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من العدو، مطمئنة لا يزعجها خوف، يأتيها رزقها الوافر رغدًا: أي: هنيئًا سهلًا واسعًا من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم الله، (أي: جحدوا) بها، فعمهم الله بالخوف والجوع، وبدلوا بأمنهم خوفًا، وبغناهم فقرًا، وبسرورهم ألمًا وحزنًا، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته بسبب أفعالهم المنكرة، وجاءهم رسولٌ من جنسهم فكذبوه فيما أخبرهم به، مع أنه رسولٌ إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه، ويشكروه على النعمة، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذّبوا بعذاب الاستئصال الشامل حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب الرسل، متلبسين بالظلم وهو الكفر والمعاصي، وما ظلمهم الله أبدًا»  <ref>التفسير المنير ١٤/٢٥١.</ref>.
#'''الجدب والقحط: ''' وهذا ما بيّنته [[سورة النحل]] عند قوله تعالى: {{نص قرآني|وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}}<ref> سورة النحل، الآية ١١٢.</ref>. يقول الزحيلي: «ذكر الله صفة قرية للعبرة، كانت بأهلها آمنة من [[العدو]]، مطمئنة لا يزعجها [[خوف]]، يأتيها رزقها الوافر رغداً: أي: هنيئاً سهلاً واسعاً من سائر البلاد، فكفر أهلها بنعم [[الله]]، (أي: جحدوا) بها، فعمهم الله بالخوف والجوع، وبدلوا بأمنهم خوفاً، وبغناهم فقراً، وبسرورهم ألماً وحزناً، وذاقوا مرارة العيش بعد سعته بسبب أفعالهم المنكرة، وجاءهم رسولٌ من جنسهم فكذبوه فيما أخبرهم به، مع أنه رسولٌ إليهم، مبلّغ عن ربه بأن يعبدوه ويطيعوه، ويشكروه على [[النعمة]]، وتمادوا في كفرهم وعنادهم، فعذّبوا بعذاب الاستئصال الشامل حال كونهم ظالمين أنفسهم بالكفر وتكذيب [[الرسل]]، متلبسين بالظلم وهو [[الكفر]] والمعاصي، وما ظلمهم الله أبداً» <ref>التفسير المنير ١٤/٢٥١.</ref>.
#'''الحرمان من الهداية والفلاح واستحقاق اللعنة:''' بيّن القرآن أن الظالمين لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تتخلّف سنة الله عنهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية 86.</ref>. ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا يرشد للصواب، ويوفق للإيمان قومًا جحدوا نبوة محمد {{صل}} بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وبعد أن أقروا أن محمدًا {{صل}} رسول الله إلى خلقه حقًّا، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك، والله لا يوفق للحق والصواب كل الظلمة، الذين بدّلوا الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٦/٥٧٦.</ref>.
#'''الحرمان من [[الهداية]] والفلاح واستحقاق اللعنة: ''' بيّن [[القرآن]] أن الظالمين لا يفلحون في [[الدنيا]] ولا في [[الآخرة]]، ولا تتخلّف [[سنة الله]] عنهم، قال تعالى: {{نص قرآني|كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ٨٦.</ref>. ومعنى [[الآية]]: أن الله سبحانه لا يرشد للصواب، ويوفق للإيمان قوماً جحدوا [[نبوة محمد]] {{صل}} بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربه، وبعد أن أقروا أن محمداً {{صل}} [[رسول الله]] إلى خلقه حقاً، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك، والله لا يوفق للحق والصواب كل [[الظلمة]]، الذين بدّلوا [[الحق]] إلى [[الباطل]]، فاختاروا الكفر على [[الإيمان]] <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٦/٥٧٦.</ref>.
#'''تحريم الطيبات:''' إن حياة الظالمين تنقلب من السعة والطمأنينة، والأمن إلى الضيق والخوف، والهلع والجزع والقلق، ولم يحدث هذا إلا بسبب ظلمهم، وقد بيّن القرآن الكريم نماذج للاعتبار. ومن ذلك: ما حصل مع اليهود حيث قال تعالى: {{ نص قرآني |فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}}<ref> سورة النساء، الآية 160 - 161.</ref>. والمعنى: أنه بسبب ظلمهم استحقوا تحريم طيبات كانت محللة لهم ولمن قبلهم، عقوبة وتربية لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وأبهم الظلم الذي كان سببًا في العقوبة ليعلم أن أي نوعٍ فيه يكون سببًا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، والعقاب إما دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير، وما اقتضته السنن التي سنها الله في نظم الاجتماع من كون الظلم سببًا لضعف الأمم وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها، وعذاب أخروي من العذاب في النار <ref>انظر: تفسير المراغي ٦/١٧.</ref>.
#'''تحريم [[الطيبات]]: ''' إن [[حياة]] الظالمين تنقلب من السعة والطمأنينة، والأمن إلى الضيق والخوف، والهلع والجزع والقلق، ولم يحدث هذا إلا بسبب ظلمهم، وقد بيّن [[القرآن الكريم]] نماذج للاعتبار. ومن ذلك: ما حصل مع [[اليهود]] حيث قال تعالى: {{نص قرآني|فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٠ - ١٦١.</ref>. والمعنى: أنه بسبب ظلمهم استحقوا تحريم طيبات كانت محللة لهم ولمن قبلهم، عقوبة وتربية لهم، لعلهم يرجعون عن ظلمهم، وأبهم [[الظلم]] الذي كان سبباً في العقوبة ليعلم أن أي نوعٍ فيه يكون سبباً للعقاب في [[الدنيا]] قبل [[الآخرة]]، والعقاب إما دنيوي: كالتكاليف الشاقة زمن التشريع، والجزاء الوارد في الكتب على الجرائم كالحد والتعزير، وما اقتضته [[السنن]] التي سنها [[الله]] في نظم الاجتماع من كون [[الظلم]] سبباً لضعف الأمم وفساد عمرانها، واستيلاء الأمم الأخرى عليها، وعذاب أخروي من [[العذاب]] في [[النار]] <ref>انظر: تفسير المراغي ٦/١٧.</ref>.
#'''خراب البيوت:''' إن الله سبحانه يخرّب بيوت الظالمين وديارهم بسبب ظلمهم. قال تعالى: {{ نص قرآني | وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }}<ref> سورة النمل، الآية 50-52.</ref>. فبسبب ظلمهم أنفسهم أنزل الله العذاب بهم، فأصبحت مساكنهم خالية، وفي هذا العقاب عبرة وموعظة لأناسٍ أهل معرفة وعلم، يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل لمن كفر بالله وكذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩/٣٢٠.</ref>. ومن خراب البيوت أيضًا: أن يسلّط الله سبحانه على الظالمين من يظلمهم. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 129.</ref>. ومعنى ذلك: أن الله يسلّط بعضهم على بعض، يسلّط ظالمًا على ظالمٍ سابق فيهلكه ويذلّه، وهذا تهديد للظالم إذا لم يمتنع عن ظلمه بأن يسلّط الله عليه ظالمًا آخر، ويدخل في هذه الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الناس <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨/٤٦.</ref>.
#'''خراب البيوت: ''' إن الله سبحانه يخرّب بيوت الظالمين وديارهم بسبب ظلمهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}}<ref> سورة النمل، الآية ٥٠-٥٢.</ref>. فبسبب ظلمهم أنفسهم أنزل الله العذاب بهم، فأصبحت مساكنهم خالية، وفي هذا [[العقاب]] عبرة وموعظة لأناسٍ أهل معرفة وعلم، يعلمون بسنة الله في خلقه، وبأن النتائج مرتبطة بالأسباب، فالويل كل الويل لمن [[كفر]] بالله وكذب رسله، ولم يقلع عن طغيانه وعناده وكفره <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩/٣٢٠.</ref>. ومن خراب البيوت أيضاً: أن يسلّط الله سبحانه على الظالمين من يظلمهم. قال تعالى: {{نص قرآني|وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢٩.</ref>. ومعنى ذلك: أن الله يسلّط بعضهم على بعض، يسلّط ظالماً على ظالمٍ سابق فيهلكه ويذلّه، وهذا [[تهديد]] للظالم إذا لم يمتنع عن ظلمه بأن يسلّط الله عليه ظالماً آخر، ويدخل في هذه [[الآية]] جميع من يظلم نفسه أو يظلم [[الناس]] <ref>انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٨/٤٦.</ref>.
#'''سقوط دولة الظلم:''' قصّ القرآن الكريم على الرسول {{صل}} العديد من قصص الأمم السابقة التي خالفت أنبياءها، فظلمتهم وظلمت نفسها، فما كان من الله سبحانه إلا أن انتقم منهم، وأهلكهم بسبب أفعالهم. قال تعالى: {{ نص قرآني |ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }}<ref> سورة هود، الآية 100-102.</ref>
#'''سقوط دولة الظلم: ''' قصّ [[القرآن الكريم]] على [[الرسول]] {{صل}} العديد من قصص الأمم السابقة التي خالفت أنبياءها، فظلمتهم وظلمت نفسها، فما كان من الله سبحانه إلا أن انتقم منهم، وأهلكهم بسبب أفعالهم. قال تعالى: {{نص قرآني|ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}}<ref> سورة هود، الآية ١٠٠-١٠٢.</ref>


ومن النماذج القرآنية التي تدلّل على ذلك: ما حصل لقوم نوح وعادٍ وثمود وقوم لوط وشعيب وفرعون وجنوده، وغير ذلك من النماذج التي بيّنت أن دولة الظلم إلى زوال، وسنعرض لبعض هذه النماذج بشيء من البيان، وهي كما يأتي:
ومن النماذج [[القرآنية]] التي تدلّل على ذلك: ما حصل لقوم نوح وعادٍ وثمود وقوم [[لوط]] وشعيب وفرعون وجنوده، وغير ذلك من النماذج التي بيّنت أن دولة [[الظلم]] إلى زوال، وسنعرض لبعض هذه النماذج بشيء من [[البيان]]، وهي كما يأتي:  
#قوم نوح عليه السلام: قال تعالى: {{ نص قرآني |كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }}<ref> سورة القمر، الآية 9-15.</ref>. ذكر الله سبحانه حال المكذّبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم ولا تجدي عنهم شيئًا، ونوحٍ عليه السلام هو أول رسول بعثه الله سبحانه إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وعبادته، فلم يزدهم هذا الدعاء إلا عنادًا واستكبارًا، وقدحًا في نبيهم، وانصرفوا عما جاء به، واعتبروه جهلًا وضلالًا لا يصدر إلا عن المجانين، وعنّفه قومه وزجروه وآذوه، وهذا حال جميع الرسل مع أقوامهم، فعند ذلك دعا نوح عليه السلام ربه: {{نص قرآني|أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ }} فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، حيث التقى ماء السماء الذي كان ينزل بشكل خارق للعادة مع الماء المتفجر عيونًا من الأرض، ونجى الله نوحًا عليه السلام ومن آمن معه، ومن حملهم معه من أصناف المخلوقات برعايته سبحانه، ولقد ترك الله سبحانه قصة نوح عليه السلام مع قومه آية، يتذكر بها المتذكرون على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعذاب شديد <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٥.</ref>.
#قوم نوح {{ع}}: قال تعالى: {{نص قرآني|كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}}<ref> سورة القمر، الآية ٩-١٥.</ref>. ذكر [[الله]] سبحانه حال المكذّبين لرسوله، وأن [[الآيات]] لا تنفع فيهم ولا تجدي عنهم شيئاً، ونوحٍ {{ع}} هو أول [[رسول]] بعثه الله سبحانه إلى قوم يعبدون [[الأصنام]]، فدعاهم إلى [[توحيد الله]] سبحانه وعبادته، فلم يزدهم هذا [[الدعاء]] إلا عناداً واستكباراً، وقدحاً في نبيهم، وانصرفوا عما جاء به، واعتبروه جهلاً وضلالاً لا يصدر إلا عن المجانين، وعنّفه قومه وزجروه وآذوه، وهذا حال جميع [[الرسل]] مع أقوامهم، فعند ذلك دعا نوح {{ع}} ربه: {{نص قرآني|أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}} فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، حيث التقى ماء [[السماء]] الذي كان ينزل بشكل خارق للعادة مع الماء المتفجر عيوناً من [[الأرض]]، ونجى الله نوحاً {{ع}} ومن آمن معه، ومن حملهم معه من أصناف المخلوقات برعايته سبحانه، ولقد ترك الله سبحانه قصة نوح {{ع}} مع قومه آية، يتذكر بها المتذكرون على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعذاب شديد <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٥.</ref>.
#قوم لوط عليه السلام: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }}<ref> سورة العنكبوت، الآية 28-35.</ref>. بيّن القرآن الكريم ما حصل مع هؤلاء القوم الذين خالفوا السنن الإلهية، فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فأنكر عليهم نبيهم لوط عليه السلام ذلك موبخًا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في القبح والفحش، ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة. وكل ذلك لأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، فلما جاء عذاب الله سبحانه أمطر عليهم حجارة من طين متحجر، يرسل بعضه إثر بعض، ليرجموا رجم الزناة، وهذا يتناسب مع فعلتهم التي فعلوها، فالجزاء من جنس العمل، وهذه الحجارة يستحقها هؤلاء بسبب ظلمهم ومخالفتهم لفطرة الله التي فطر الناس عليها <ref>انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.</ref>.
#قوم لوط {{ع}}: قال تعالى: {{نص قرآني|وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة العنكبوت، الآية ٢٨-٣٥.</ref>. بيّن [[القرآن الكريم]] ما حصل مع هؤلاء القوم الذين خالفوا [[السنن الإلهية]]، فكانوا يأتون الرجال [[شهوة]] من دون [[النساء]]، فأنكر عليهم نبيهم [[لوط]] {{ع}} ذلك موبخاً لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في [[القبح]] والفحش، ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في [[الفساد]]، فأنتم فيها أسوة وقدوة فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى [[يوم القيامة]]. وكل ذلك لأن ما اجترحوه من السيئات [[مخالف]] لمقتضيات [[الفطرة]]، فلما جاء [[عذاب]] [[الله]] سبحانه أمطر عليهم حجارة من طين متحجر، يرسل بعضه إثر بعض، ليرجموا رجم الزناة، وهذا يتناسب مع فعلتهم التي فعلوها، فالجزاء من جنس [[العمل]]، وهذه الحجارة يستحقها هؤلاء بسبب ظلمهم ومخالفتهم لفطرة الله التي فطر [[الناس]] عليها <ref>انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.</ref>.
#قصة صالح عليه السلام: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }}<ref> سورة الأعراف، الآية 73-78.</ref>.
#قصة [[صالح]] {{ع}}: قال تعالى: {{نص قرآني|وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ٧٣-٧٨.</ref>.


أرسل الله سبحانه صالحًا عليه السلام إلى ثمود، ومعه حجة واضحة على صدق نبوته، وهي ناقة الله سبحانه التي خلقها لتكون علامة على صدق رسالة صالح عليه السلام، وهي حجة على قومه إن حفظوها وأطلقوا لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: {{نص قرآني|فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ }} أي: بضرب ولا بطرد ولا بشيء من الأذى إكرامًا لآية الله سبحانه، ولو أصابها سوء سيأخذكم عذاب أليم في الدارين، لجرأتكم على آيات الله، فرفضوا الانصياع لصالح عليه السلام، {{نص قرآني| فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ }} أي نحروها، واستكبروا عن امتثال أوامره، وهو عبادته وحده، وعدم مس الناقة بسوء، وزادوا في الاستهزاء، وطلبوا من صالح عليه السلام أن يأتيهم بما وعدهم من العذاب جزاء عقر الناقة، فأخذتهم الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بسبب ما فعلوه من قتل الناقة، وهذه الصيحة والزلزلة التي حدثت لهم من آثار الريح المرسلة التي كانت رحمة، فانقلبت عذابًا، وهكذا يكون جزاء الظالمين <ref>انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.</ref>.
أرسل الله سبحانه صالحاً {{ع}} إلى ثمود، ومعه [[حجة]] واضحة على [[صدق]] نبوته، وهي ناقة [[الله]] سبحانه التي خلقها لتكون علامة على صدق [[رسالة]] [[صالح]] {{ع}}، وهي حجة على قومه إن حفظوها وأطلقوا لها رعيها وسقياها حفظوا، وإن غدروا بها أهلكوا، ولذا قال: {{نص قرآني|فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ}} أي: بضرب ولا بطرد ولا بشيء من الأذى إكراماً لآية الله سبحانه، ولو أصابها سوء سيأخذكم [[عذاب]] أليم في الدارين، لجرأتكم على آيات الله، فرفضوا الانصياع لصالح {{ع}}، {{نص قرآني|فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ}} أي نحروها، واستكبروا عن امتثال أوامره، وهو عبادته وحده، وعدم مس الناقة بسوء، وزادوا في [[الاستهزاء]]، وطلبوا من صالح {{ع}} أن يأتيهم بما وعدهم من [[العذاب]] جزاء عقر الناقة، فأخذتهم الصيحة التي يحصل منها الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم جاثمين، ساقطين على وجوههم، هامدين لا يتحركون، ميتين بسبب ما فعلوه من [[قتل]] الناقة، وهذه الصيحة والزلزلة التي حدثت لهم من آثار الريح المرسلة التي كانت [[رحمة]]، فانقلبت عذاباً، وهكذا يكون جزاء الظالمين <ref>انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥/١٢٥.</ref>.


==عاقبة الظلم في الآخرة==
==عاقبة [[الظلم]] في [[الآخرة]]==
إن الظلم ينعكس على نفس الظالم، حيث إنه يسبّب له ولأتباعه العديد من العقوبات الأخروية، ومن هذه العقوبات ما يأتي:
إن الظلم ينعكس على نفس [[الظالم]]، حيث إنه يسبّب له ولأتباعه العديد من العقوبات الأخروية، ومن هذه العقوبات ما يأتي:  
#'''الكرب والهوان عند سكرات الموت:''' فقد بيّن الله سبحانه صورة الظالمين، وما يحل بهم عند سكرات الموت من كرب وهوان. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 93.</ref>. يقول السعدي: «لما ذم الله الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار ويوم القيامة، فقال: {{نص قرآني| {{ نص قرآني |وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ }} أي شدائده وأهواله الفظيعة وكربه الشنيعة لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها {{نص قرآني|وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ }} أي لأولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم، وقلقها وتعصيها للخروج من الأبدان {{نص قرآني|أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ }} أي العذاب الشديد الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس العمل» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٤.</ref>.
#'''الكرب والهوان عند سكرات [[الموت]]: ''' فقد بيّن الله سبحانه صورة الظالمين، وما يحل بهم عند سكرات الموت من كرب وهوان. قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٩٣.</ref>. يقول [[السعدي]]: «لما [[ذم]] الله الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال [[الاحتضار]] ويوم [[القيامة]]، فقال: {{نص قرآني|وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}} أي شدائده وأهواله الفظيعة وكربه الشنيعة لرأيت أمراً هائلاً، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها {{نص قرآني|وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ}} أي لأولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم، وقلقها وتعصيها للخروج من [[الأبدان]] {{نص قرآني|أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}} أي [[العذاب]] الشديد الذي يهينكم ويذلكم، والجزاء من جنس [[العمل]]» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٤.</ref>.
#'''المهانة والذلة يوم القيامة:''' قال تعالى: {{ نص قرآني | وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ }}<ref> سورة سبأ، الآية 31.</ref>. والمعنى: لو ترى أيها الرسول فظاعة حالهم يوم القيامة، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضًا، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء الأعمال، والسبب الذي أوقعهم في هذا النكال والوبال، لرأيت العجب العاجب، والمنظر المخزي للظالمين وأتباعهم <ref>انظر: تفسير المراغي ٢٢/٨٥.</ref>
#'''المهانة والذلة [[يوم القيامة]]: ''' قال تعالى: {{نص قرآني|وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ}}<ref> سورة سبأ، الآية ٣١.</ref>. والمعنى: لو ترى أيها [[الرسول]] فظاعة حالهم يوم القيامة، وما هم فيه من مهانة وذلة، يحاور بعضهم بعضاً، ويتلاومون على ما كان بينهم من سوء [[الأعمال]]، والسبب الذي أوقعهم في هذا النكال والوبال، لرأيت [[العجب]] العاجب، والمنظر المخزي للظالمين وأتباعهم <ref>انظر: تفسير المراغي ٢٢/٨٥.</ref>
#'''العذاب المستمر المقيم بلا انقطاع ولا توقف:''' وقد تحدث القرآن الكريم عن هذا العذاب في قوله تعالى: {{ نص قرآني | أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ}}<ref> سورة الشورى، الآية 45.</ref>. قال السعدي: «أي في سوائه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه أبدًا»  <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.</ref>.
#'''العذاب المستمر المقيم بلا [[انقطاع]] ولا توقف: ''' وقد تحدث [[القرآن الكريم]] عن هذا العذاب في قوله تعالى: {{نص قرآني|أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٤٥.</ref>. قال [[السعدي]]: «أي في سوائه ووسطه منغمرين لا يخرجون منه أبداً» <ref>تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.</ref>.
#'''منع الافتداء من العذاب:''' وقد بيّن الله سبحانه ذلك بقوله: {{ نص قرآني | وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون }}<ref> سورة الزمر، الآية 47-48.</ref>. والمعنى: أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو أن لهم ما في الدنيا من أموالها وزينتها (ئۇ ئۆ) مضاعفًا ليقبل ذلك منهم عوضًا من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضًا من عذاب الله الذي أعده لهم، ولم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣٠٢.</ref>.
#'''منع الافتداء من العذاب: ''' وقد بيّن [[الله]] سبحانه ذلك بقوله: {{نص قرآني|وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}}<ref> سورة الزمر، الآية ٤٧-٤٨.</ref>. والمعنى: أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم لو أن لهم ما في [[الدنيا]] من أموالها وزينتها {{نص قرآني| وَمِثْلَهُ مَعَهُ }} مضاعفاً ليقبل ذلك منهم عوضاً من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضاً من [[عذاب]] الله الذي أعده لهم، ولم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٣٠٢.</ref>.
#'''تمني الرجوع إلى الدنيا من شدة العذاب:''' قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}}<ref> سورة الشورى، الآية 44.</ref>. والمعنى: أن هؤلاء الظالمين لما رأوا منظر العذاب فظيعًا صعبًا شنيعًا أظهروا الندم العظيم، والحزن على ما سلف منهم {{نص قرآني| يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}} أي: هل لنا من طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن حدوثه <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.</ref>.
#'''[[تمني]] الرجوع إلى الدنيا من شدة العذاب: ''' قال تعالى: {{نص قرآني|وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}}<ref> سورة الشورى، الآية ٤٤.</ref>. والمعنى: أن هؤلاء الظالمين لما رأوا منظر العذاب فظيعاً صعباً شنيعاً أظهروا [[الندم]] [[العظيم]]، والحزن على ما سلف منهم {{نص قرآني|يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}} أي: هل لنا من طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب للأمر المحال الذي لا يمكن حدوثه <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦١.</ref>.
#'''اقتطاع حق المظلوم من الظالم:''' إن الله سبحانه يقتص للمظلوم من الظالم يوم القيامة، وقد أكد ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن رسول الله {{صل}} قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه) <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٤، ٨/١١١.</ref> . يقول ابن حجر: «يقتص للمظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه» <ref>فتح الباري ٨/١١١.</ref>.
#'''اقتطاع [[حق]] المظلوم من [[الظالم]]: ''' إن [[الله]] سبحانه يقتص للمظلوم من الظالم [[يوم القيامة]]، وقد أكد ذلك ما ورد عن أبي هريرة أن [[رسول الله]] {{صل}} قال: {{نص حديث|من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه}} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، رقم ٦٥٣٤، ٨/١١١.</ref> . يقول ابن حجر: «يقتص للمظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه» <ref>فتح الباري ٨/١١١.</ref>.
 
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010702.jpg|22px]] [[الموسوعة الفقهية (كتاب)|'''الموسوعة الفقهية]]'''
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]'''


==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
٢٦٬٨٢٦

تعديل