خطاب الإمام الحسين في جيش الكوفة
تمهيد
أخذ جيش عمر بن سعد يشدِّد الحصار على الإمام (ع)، ولمّا رأى الحسين (ع) كثرتهم وتصميمهم على قتاله إذا لم يستسلم لـ يزيد بن معاوية، تعمّم بعمامة رسول الله (ص)، وركب ناقته، وأَخذ سلاحه، ثمّ دنا من معسكرهم بحيث يسمعون صوته وراح يقول: «يَا أَهْلَ اَلْعِرَاقِ وَ جُلُّهُمْ يَسْمَعُونَ فَقَالَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِسْمَعُوا قَوْلِي وَ لاَ تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ لَكُمْ عَلَيَّ وَ حَتَّى أُعْذِرَ إِلَيْكُمْ فَإِنْ أَعْطَيْتُمُونِي اَلنَّصَفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ وَ إِنْ لَمْ تُعْطُونِي اَلنَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾[١] ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾[٢] ثُمَّ حَمِدَ اَللهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ اَللهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ صَلَّى عَلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ عَلَى مَلاَئِكَةِ اَللهِ وَ أَنْبِيَائِهِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُتَكَلِّمٌ قَطُّ قَبْلَهُ وَ لاَ بَعْدَهُ أَبْلَغُ فِي مَنْطِقٍ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ اِرْجِعُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ وَ عَاتِبُوهَا فَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وَ اِنْتِهَاكُ حُرْمَتِي أَ لَسْتُ اِبْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ اِبْنَ وَصِيِّهِ وَ اِبْنِ عَمِّهِ وَ أَوَّلِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْمُصَدِّقِ لِرَسُولِ اَللهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَ وَ لَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ اَلشُّهَدَاءِ عَمِّي أَ وَ لَيْسَ جَعْفَرٌ اَلطَّيَّارُ فِي اَلْجَنَّةِ بِجِنَاحَيْنِ عَمِّي أَ وَ لَمْ يَبْلُغْكُمْ مَا قَالَ رَسُولُ اَللهِ لِي وَ لِأَخِي هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَ هُوَ اَلْحَقُّ وَ اَللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ اَللهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَ إِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ لَوْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اَللهِ اَلْأَنْصَارِيَّ وَ أَبَا سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيَّ وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ اَلسَّاعِدِيَّ وَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ اَلْمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لِي وَ لِأَخِي أَ مَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي فَقَالَ لَهُ شِمْرُ بْنُ ذِي اَلْجَوْشَنِ هُوَ ﴿يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾[٣] إِنْ كَانَ يَدْرِي مَا تَقَوَّلَ فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُظَاهِرٍ وَ اَللهِ إِنِّي لَأَرَاكَ تَعْبُدُ اَللهَ عَلَى سَبْعِينَ حَرْفاً وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ صَادِقٌ مَا تَدْرِي مَا يَقُولُ قَدْ طَبَعَ اَللهُ عَلَى قَلْبِكَ ثُمَّ قَالَ لَهُمُ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا أَ فَتَشُكُّونَ أَنِّي اِبْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَوَ اَللهِ مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ اِبْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي فِيكُمْ وَ لاَ فِي غَيْرِكُمْ وَيْحَكُمْ أَ تَطْلُبُونِّي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ أَوْ مَالٍ لَكُمُ اِسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقِصَاصِ جِرَاحَةٍ فَأَخَذُوا لاَ يُكَلِّمُونَهُ فَنَادَى يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَا حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ يَا قَيْسَ بْنَ اَلْأَشْعَثِ يَا يَزِيدَ بْنَ اَلْحَارِثِ أَ لَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ اَلثِّمَارُ وَ اِخْضَرَّ اَلْجَنَاب ُ وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ اَلْأَشْعَثِ مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ وَ لَكِنِ اِنْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرُوكَ إِلاَّ مَا تُحِبُّ فَقَالَ لَهُ اَلْحُسَيْنُ لاَ وَ اَللهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ اَلذَّلِيلِ وَ لاَ أَفِرُّ فِرَارَ اَلْعَبِيدِ ثُمَّ نَادَى يَا عِبَادَ اَللهِ: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾[٤] أَعُوذُ ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾[٥]»[٦].
لقد أبى القوم إلاّ الإصرار على حربه والتمادي في باطلهم، وأجابوه بمثل ما أجاب به أهل مدين نبيَّهم كما حكى الله (عزّ وجلّ) عنهم في كتابه الكريم: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾[٧].[٨]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة يونس، الآية ٧١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٩٦.
- ↑ سورة الحج، الآية ١١.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٢٠.
- ↑ سورة غافر، الآية ٢٧.
- ↑ الإرشاد ٢: ٩٨، إعلام الورى ١: ٤٥٩.
- ↑ سورة هود، الآية ٩١.
- ↑ السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١٩٤.