سفر رسول الله إلى الطائف

من إمامةبيديا

التمهيد

توفيت السيدة خديجة(ع) بعد وفاة أبي طالب، بشهر وخمسة أيّام، في السنة العاشرة من البعثة.[١] وهي التي سمّاها الرسول (ص) عام الحداد أو الحزن. ومنذ هذا الوقت واجه (ص) ظروفاً صعبة قاسية قلّما واجهها من قبل. فقد اصطدم منذ بداية السنة الحادية عشرة بأحوال قاسية مفعَمة بالعداء والحقد والأخطار التي هدّدت حياته الشريفة، بل افتقاد إمكانية نشر الدعوة.فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله (ص) من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيهٌ من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً. وفي البيت عندما بكت ابنته على وضعه هذا قال: «ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».[٢]

وقد دفع هذا الأمر المتردي، أن يبحث الرسول (ص) عن بيئة أُخرى أفضل من بيئته لنشر الدعوة فيها، فاختار الطائف التي كانت تعتبر مركزاً هاماً آنذاك، فقرر السفر إليها وحيداً لمقابلة زعماء ثقيف، لعلّه يكسب نجاحاً في مهمته أو أنصاراً جدداً.

إلاّ أنّ عرضه لم يوَثر فيهم، بل إنّهم ردّوا عليه بصبيانية أوضحت تملّصهم من قبول الدعوة أو اعتناق الدين، بل أنّهم تمادوا في سلوكهم العدواني فأحاط به جمعٌ كبير منهم يسبّونه ويصيحون به، فالتجأ إلى بستان «عتبة وشيبة ابني ربيعة» للتخلّص من هولاء السفهاء، وعمد إلى ظل جلس فيه وهو يتصبب عرقاً، فقد ألحقوا الاذى بمواضع عديدة من بدنه الشريف، كما أنّ رجليه سالت منهما الدماء، ولما دعا الله سبحانه وتعالى أن يعينه على هولاء الأشرار، فقد تقدّم إليه ابنا ربيعة ـ اللذان كانا ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ـ بطبق من عنب قدمه إليه (ص) غلام لهما اسمه عداس النصراني من أهل نينوى، فلمّا رأى ما يعلمه الرسول (ص) من علوم عن المسيح(ع) أسلم على يديه.

إلاّ أنّ النبي (ص) لم يتمكن من الرجوع إلى مكّة بسهولة، حيث خاف أذى المشركين، ممّا جعله يترك «نخلة» وهي واد بين الطائف ومكة، إلى حراء، فالتقى رجلاً من بني خزاعة طلب منه أن يخبر «المطعم بن عدي» بحالته، ويسأله أن يجير رسول الله (ص) حتى يدخل مكة في أمان.

ورغم أنّ «المطعم» كان وثنياً، إلاّ أنّه قبل أن يجيره (ص) فدخل الرسول (ص) مكة ليلاً، ونزل في بيت «مطعم» وبات فيه، ثمّ دخل في الصباح مع أهل بيته إلى المسجد الحرام ثمّ إلى منزله.[٣]

ولم ينس الرسول (ص) عمله الطيب هذا، بل تذكّره حتى بعد وفاة المطعم، إذ أنّه أعلن في معركة بدر عن استعداده للاِفراج عن جميع الأسرى لو كان حيّاً، تقديراً لما قام به من إجارة وخدمة كبيرة له.

وكان النبي (ص) يستخدم كلّ وسيلة وطريقة لنشر دعوته، فكان يقوم بالدعوة في كلّ وقت وكلّ مكان، منتهزاً الفرص المناسبة لذلك، مثل استغلاله لأسواق العرب الشهيرة: عكاظ والمجنة وذي المجاز، حيث كان الخطباء والشعراء يقفون فيها ليلقوا ما عندهم من شعر وخطب، وفكان النبي (ص) يقف على مكان مرتفع خاطباً: «قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ تُفْلِحُوا، وتملكوا بِهَا الْعَرَبِ، وَتُذِلُّ لَكُمْ الْعَجَمِ، وَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكاً فِي الْجَنَّةِ».[٤]

كما أنّه كان يلتقي في مواسم الحج بروَساء القبائل وأشرافها يعرض عليهم دينه، ويدعوهم إلى الله سبحانه، ويخبرهم بأنّه نبي مرسل، ويقول ابن هشام في ذلك: كان (ص) لا يسمع بقادم من العرب إلى مكة له اسم وشرف إلاّتصدّى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.[٥]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. تاريخ الخميس: ١ /٣٠١.
  2. السيرة النبوية: ١ /٤١٥، بحار الانوار: ١٩ /٥.
  3. السيرة النبوية: ١ /٣٨١؛ بحار الانوار: ١٩ /٧.
  4. طبقات ابن سعد: ١ /٢١٦.
  5. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٩٢-٩٥.