نقاش:الحسن والقبح العقليان
تمّ تبسيطه
تمهيد
الحسن والقبح العقليان من المسائل الكلامية القديمة التي كثر البحث فيها، ومن اتباعه متكلموا الإمامية والمعتزلة، إذ يعتقدون أن العقل مستقلاً يُمكنه كشف حسن وقبح بعض الأفعال بدون حاجة إلى توجيه الشرع، فينزه الله عن ارتكاب الأفعال القبيحة على أساسه. في قبال الأشاعرة الذين ينكرون اعتبار حكم العقل في الاستقلال في تحسين وتقبيح الأفعال ويعتقدون بالحسن والقبح الشرعيين، ويرون أن الفعل الحسن هو ما يحكم الشارع بحسنه والفعل القبيح ما يحكم الشارع بقبحه وعقل الإنسان لا يمكنه أن يفهم ذلك بشكل مستقل، فالأفعال لا تتصف مطلقاً بالحسن والقبح بقطع النظر عن أمر الشارع ونهيه، بل إن تعلق الأمر والنهي الشرعيين شرط لازم وكافٍ لهذا الاتصاف.
قبل التحقيق في أدلة الطرفين من المناسب البحث في معاني الحسن والقبح واستعمالاتهما حتى يُمكننا تشخيص محل النزاع.[١]
معاني الحسن والقبح واستعمالاتهما
المعنى العام للحسن والقبح واضح ولا يحتاج إلى تعريف، ما يهم هو الاستعمالات الأساسية لهاتين الكلمتين، ويُمكن ذكر استعمالات أربعة لهما[٢]:
قد يُستعمل الحسن والقبح باعتبار كمال ونقص الأشياء لنفس الإنسان، ويطلق على الأفعال الاختيارية للإنسان وعلى غير الأفعال كالصفات، مثلاً: يقال العلم حسن أو تعلم العلم حسن، ويُقال الجهل قبيح وترك تعلم العلم قبيح؛ لأن العلم والتعلم من كمالات النفس والجهل من نقائصها وبهذا الاعتبار فالصفات - كالشجاعة والسخاء - تُعد أوصاف حسنة، وأما الخوف والبخل تُعد أوصاف قبيحة، وفي كل هذه الموارد النفس الإنسانية هي ملاك الكمال والنقص. قد يُستعمل الحسن والقبح باعتبار تناسب الأمور مع نفس الإنسان، في هذا الاستعمال الأمور التي تتناسب مع النفس وتكون منشأ التذاذ النفس تُعد أموراً حسنة والأمور غير المناسبة التي تتنفر منها النفس تُعد قبيحة، فمثلاً: الصوت الجميل أو سماعه حسن والمنظر القبيح أو رؤيته قبيحه.
يُستعمل الحسن والقبح بلحاظ المصلحة أو المفسدة الموجودة في الأفعال والأشياء وهذه المصالح أو المفاسد قد تكون فردية شخصية، وقد تكون عامة، مثلاً: فوز كل واحد من المشاركين في المسابقة في صالحه لكنها تعارض مصالح المشتركين الآخرين. في المقابل، انتشار العدل في المجتمع أمر من الممكن أن يصبّ في مصلحة عموم الناس، إذن: قد تُستعمل الحسن والقبح بالتوجه إلى المصالح والمفاسد الموجودة في الأفعال والأشياء، كأن يُقال مثلاً: تناول المريض الدواء المر حسن، لأنه في مصلحته ومؤمن لسلامته[٣].
باعتبار تلاؤم وعدم تلاؤم الأفعال الاختيارية. فالعمل الحسن هو العمل الذي يعده العقل أو عقلاء المجتمع الإنساني[٤] مناسباً للقيام به ويمتدح فاعله، وفي المقابل العمل الذي يرون أنه من المناسب تركه ويذم فاعله هو العمل القبيح؛ فمعنى العبارة (العدل حسن) و(الظلم قبيح) أن العقل يُعد تحقيق العدالة أمر ملائم والعادل يستحق المدح، في المقابل الظلم عمل غير مناسب والظالم يستحق التأنيب. مما يجدر ذكره أن المقصود من العقل هو العقل العملي الذي مدركاته هي الأفعال الاختيارية من حيث استحقاقها للفعل أو الترك[٥]. بالتأمل في الاستعمالات الأربعة المذكورة يتضح الفرق بينها، فمثلاً: الاستعمال الرابع على خلاف الموارد الثلاثة الأخرى، يختص بالأفعال ولا يشمل الأوصاف والأعيان (الأشياء الخارجية)، كما أن الاستعمالات الثلاثة الأولى كل منها يختص بمجموعة من الأمور الإنسانية بنحو من الأنحاء، لأن ملاكها بالترتيب عبارة عن كمال ونقص النفس الإنسانية، التناسب وعدمه مع نفس الإنسان، والمصالح والمفاسد الفردية أو الجمعية للناس، أما في الاستعمال الرابع فلا توجد هكذا محدودية حيث يُمكن أن تشمل أفعال الفواعل غير الإنسان، بل تشمل أفعال الله أيضاً.[٦]
أين يقع محل النزاع بين العدلية والأشاعرة؟
بعد اتضاح الاستعمالات المختلفة للحسن والقبح يجب أن نرى بأيها يتعلق بحث الحسن والقبح العقليين وفي أي المعاني وقع النزاع بين العدلية والأشاعرة. بالتأمل في استعمالات الحسن والقبح وما سبق من البحث يتضح أن النزاع وقع في الاستعمال الرابع للحسن والقبح، وذلك لأن الاستعمالات الثلاثة الأولى من الأمور التكوينية التي لا تقبل الإنكار. يعني أن نفس الإنسان تكويناً متصفة بالكمال أو النقص ويتلائم مع ذلك أشياء خاصة وأمور خاصة تشتمل على مصلحة ذلك أو مفسدته، فالمسألة الأساسية في البحث الحاضر هي أنه هل العقل يُمكنه وبصورة مستقلة وبدون الحاجة إلى الشرع، وفقط بملاحظة عنوان الأفعال (بدون النظر إلى عناوين أخرى للفعل مثل - مأمور به - أو - منهي عنه - أن يحكم باستحقاق القيام به أو تركه وأن يرى استحقاق الفاعل للمدح أو الذم ويعده مستحقاً للثواب أو العقاب الإلهيين؟
إذا كانت الإجابة عن هذا السؤال مثبتة، فهل أن حكم العقل يختص بأفعال الناس أو يشمل الأفعال الإلهية أيضاً؟ جواب العدلية مثبت على هذين السؤالين ويعتقد بعض المخالفين بأن الجواب عن كلا السؤالين النفي والبعض يرى أن الجواب عن السؤال الثاني فقط بالنفي [٧]. فملخص نظرية الحسن والقبح العقليين أن عقل الإنسان (العقل العملي) يُمكنه أن يكشف حسن وقبح الأفعال وعلى أساس هذا الكشف، يحكم بأن هذه الأفعال التي أدرك قبحها لا تصدر من الله.[٨]
الدليل على إثبات (الحسن والقبح العقليان)
أقام أتباع نظرية الحسن والقبح العقليين عدة أدلة على مُدعاهم ولأن بعض هذه الأدلة مُعقدة شيئاً ما، نكتفي بذكر الأقل تعقيد: كل الناس بغض النظر عن التعاليم الدينية والأحكام الشرعية تعترف بحسن أو قبح بعض الأفعال، كحسن العدل والصدق وقبح الظلم والكذب ولا خلاف في هذه المسألة بين أتباع الشرائع السماوية وغيرهم. وهكذا يُعلم أن حسن وقبح هذه الأفعال لا يُمكن أن يكون أساسه ومبناه الشرع صرفاً، بل إن مدرك ذلك هو عقل عموم الناس وهو المشترك بين الجميع (اتباع الشرائع أو منكروها) ويقال في تأييد هذا الاستدلال أنه إذا خيرنا شخص لا يعتقد بأي شريعة بين الصدق والكذب في حال عدم وجود أيّ ترجحات خارجية (كالمنافع الشخصية) سوف يختار الصدق بالتأكيد والعامل الوحيد الذي يُمكن تصوره لهذا الاختيار هو حكم عقله بتناسب الصدق وعدم تناسب الكذب.[٩]
أدلة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين
ذكروا الكثير من الأدلة تشير إلى اثنين منها:
إذا اعتقدنا بالحسن والقبح العقليين وأن العقل مستقلاً يدرك حسن وقبح الأفعال فلا ينبغي أن يفرق العقل من جهة الوضوح بين قضايا مثل أصل التناقض وقضية الصدق حسن!، والحال أنه لا يُمكن إنكار الفرق بينهما مطلقاً.
و يُقال في الجواب عن هذا الاستدلال أنه وإن كانت هذه القضايا مثل الصدق حسن بديهية، لكن ليست كل البديهيات في مرتبة واحدة من الوضوح، بل إن بعضها كالأوليات أوضح عند العقل من بعضها الآخر كالمجربات أو الفطريات، فإذا كانت القضية أقل وضوحاً من وضوح أصل التناقض التي هي من الأوليات لا يدل على عدم بداهتها أو أنها غير عقلية.
ويُقال في الدليل الثاني: إذا اعتقدنا بالحسن والقبح العقليين لا يُمكن أن يكون الفعل الحسن قبيح أو الفعل القبيح حسن مطلقاً؛ والحال أنه أحياناً يحصل هكذا تغيير، مثلاً الكذب من الأفعال القبيحة ولكن هذا العمل إذا كان سبباً في نجاة نبياً من الهلاك يصبح عملاً حسن، وهكذا الصدق يصبح قبيحاً إذا كان سبباً في هلاك نبي...
ويُقال في الجواب عن هذا الاستدلال أن حسن الصدق وقبح الكذب في الموارد المذكورة باقٍ على حاله، لكن لأن ترك نجاة النبي أقبح من الكذب فيحكم العقل بترجيح الفعل الذي قبحه أقل – الكذب- على الفعل الذي قبحه أشد - يعني ترك نجاة النبي – وحسن هذا الترجيح هو ذاته من موارد الحسن العقلي[١٠].[١١]
نتائج قبول (الحسن والقبح العقليان)
أحكم المعتقدين بهذه القاعدة الكثير من الأبحاث عليها، مثل ضرورة معرفة الله، الحكمة والعدل الإلهي، قاعدة اللطف، حسن التكليف، قبح التكليف بما لا يُطاق، قبح العقاب بلا بيان[١٢].[١٣]
الحسن والقبح العقليان في الآيات والروايات
يؤيد القرآن الكريم هذا الأصل، مثلا في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[١٤].
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾[١٥]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾[١٦]. فمؤدي هذه الآيات أن الناس ترى بعض الأمور بعنوان (العدل، الإحسان، المعروف) وبعضها بعنوان (البغي، المنكر، الفحشاء) وهذه المعرفة مستقلة عن الأمر والنهي الإلهيين، بعبارة أخرى: هذه الآيات تفترض وضوح حسن أو قبح بعض الأمور عند الإنسان من البداية وعلى أساس هذا الفرض يخبر الله بأن ما يدرك حُسنه عقل الإنسان، كالعدالة والإحسان مأمور به وما يستقبحه كالظلم منهي عنه.
يسند الله - في آيات أخرى - القضاء إلى عقل ووجدان الإنسان لتأييد الأفعال الحسنة والحكم بعدل الله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾[١٧]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[١٨].[١٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٢.
- ↑ يبحث البعض استعمالات الحسن والقبح تحت عنوان (معاني الحسن والقبح) وعلى هذا يصبح بين هاتين الكلمتين والألفاظ المرادفة لها اشتراك لفظي. لكن الرأي المذكور في المتن هو أن الحسن والقبح ليسا من المشتركات اللفظية، بل تطلق على الأمور لملاكات متعددة.
- ↑ يعتقد البعض أن القسم الثالث يرجع إلى نهاية القسم الثاني، لأن مصلحة ومفسدة الشيء، يوجب انسجامه وعدم انسجامه مع النفس. يُمكن الرجوع إلى: المظفر، أصول الفقه، ج۱، ص۲۰۱ و۲۰۲ والمقارنة مع: محاضرات في الإلهيات، ص۲۲۰.
- ↑ هذا التردد بسبب أن جماعة من العلماء، يرون أن مبنى الحسن والقبح العقليان هو مدح وذم العقلاء، وجماعة نسبوا المدح والذم إلى العقل، مع أن هذا الفارق مهم جداً ومؤثر على نتيجة البحث، ولكن لأنه عميق فلا يُمكن بيانه في هذا الكتاب.
- ↑ توجد عدة آراء في بيان الفرق بين العقل النظري والعقل العملي، وما جاء في المتن يبتني على رأي مشهور خلاصته أن العقل النظري والعقل العملي ليسا قوتان متباينتان، بل هما بعدان للعقل يفترقان فقط في المدركات.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٢-٣٠٤.
- ↑ ممن يقول بالحسن والقبح العقليان هو الفخر الرازي، ولكن لا يجوز سرايته لأفعال الله، بل إنه يقبل فيه في أعمال العباد ويبطله في بحث الله المتعال، يمكن الرجوع إلى المطالب العالية في العلم الإلهي، ج۳، ص۲۸۹-۳۰۴.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٥-٣٠٦.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٦.
- ↑ للاطلاع على أدلة الفريقين بشكل أكمل، يمكن الرجوع إلى: السبحاني، الحسن والقبح العقليان أو أسس الأخلاق الخالدة، الفصل ۹، ص۱۱-۶۷.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٦-٣٠٧.
- ↑ لا يُمكن بحث نتائج الحسن والقبح العقليان بالتفصيل في هذا الكتاب، للاطلاع يُمكن الرجوع إلى: نفس المصدر السابق، الفصل ۱۱، ص۱۱۱- ۱۲۲.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٧.
- ↑ سورة النحل: ۹۰.
- ↑ سورة الأعراف: ۱۵۷.
- ↑ سورة الأعراف: ۳۳.
- ↑ سورة الرحمن: ۶۰.
- ↑ سورة ص: ۲۸.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الإسلامي، ص ٣٠٨.