انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العلم عند أهل السنة»

سطر ٣٧٨: سطر ٣٧٨:


وهذه هي الفاصلة القرآنية لآية الدين، التي تتعلق بإرشاد الناس إلى ضبط مصالحهم وتنظيم حياتهم المعاشية منها، حيث تختتم الآية بالأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الخير، وبها يكون ترك الفساد، وبيان تعليم الله تعالى للخلق تذكيرًا بنعمة الإسلام، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، وقد وعد بذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيحاءٌ إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/١١٨.</ref>.
وهذه هي الفاصلة القرآنية لآية الدين، التي تتعلق بإرشاد الناس إلى ضبط مصالحهم وتنظيم حياتهم المعاشية منها، حيث تختتم الآية بالأمر بالتقوى؛ لأنها ملاك الخير، وبها يكون ترك الفساد، وبيان تعليم الله تعالى للخلق تذكيرًا بنعمة الإسلام، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، وقد وعد بذلك؛ لأنه جيء فيه بالمضارع، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيحاءٌ إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم <ref>التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/١١٨.</ref>.
==أثر العلم في الرقي الحضاري==
يركز هذا المبحث على بيان أثر العلم الذي أعطاه الله تعالى من سار على سنن الله تعالى الكونية، سواء أكان مؤمنًا مجتهدًا في التعاطي مع هذه السنن التي لا تحابي أحدًا، وهي ماضيةٌ وفق ما يريده الله تعالى، أو كان كافرًا لا يؤمن بهذه الحياة الدنيا، وهذا كله في العلم الدنيوي.
أما في العلوم الشرعية التعبدية فإن عيش الأمة على هدىً من أمرها، وبعدٍ عن الخرافات والبدع التي تفسد العقل، وتذيع السوء والفاحشة، وتجعل العالم من حضارته حضارة مزيفة ليست قائمةً على رقيٍ ملموسٍ، ومن ثم فإنه يمكن القول إن أثر العلم في الرقي الحضاري قد بينه القرآن الكريم في آيات لعل أبرزها قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}}<ref>  سورة النحل، الآية  8.</ref>.
حيث تأتي هذه الآية في سياق بيان خلق الله تعالى لكل شيء، ومنها ما تذكره هذه الآية من خلق الخيل، وهم اسم جنس للفرس، وكذلك خلق البغال والحمير، وقد بينت الآية سبب خلق هذه الأنواع الثلاثة من المخلوقات، وهو الانتفاع بها بالحمل من ركوب على ظهرها، مما يجلبه ذلك من نفع في تسهيل السفر والترحال، وأما قوله: {{نص قرآني| وَزِينَةً }} فهي زينة لأجل الركوب، وقد قدم الركوب على الزينة؛ لأن الأول أهم في الانتفاع من الثاني، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتخبر «بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا علم لنا به دلالةً على قدرته الباهرة الموجبة للتوحيد، كنعمه الظاهرة والباطنة» <ref>إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/٩٨.</ref>.
وفي هذه الآية دليلٌ على أنه جل جلاله يبين دائمًا عظيم نعمه على عباده، ومنها نعمة الركوب، ومن ثم تسهيل عملية الحركة والسفر؛ لسرعة التواصل بين البشر، مما يذلل العقبات أمام انتشار العلم، وتبادل الثقافات التي تطور العلوم التي يتوصل إليها بلدٌ من البلاد، وإن العلم الدنيوي مطلوبٌ كي لا يقع المسلمون في الحرج.
وعلى هذا فإن الآية تحث على الاستغلال الأمثل للمواصلات بما يرقى من خلاله المجتمع المسلم في كل أموره المعاشية، ومما يدل على هذا أن الآية التالية تنبه على أمور المعاد، فيكون معناها: كما يدبر سبحانه أمور معاش عباده على الوجه الأليق بحالهم، كذلك له سبحانه أن يدبر لهم أمور معادهم؛ بل هي أولى بالتدبير على الله المصلح لأحوال عباده.
وإن أول آياتٍ نزلت في القرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلم الموصل إلى الله تعالى، حيث قال الله تعالى: {{ نص قرآني |اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }}<ref>  سورة العلق، الآية  1-5.</ref>.
وقد اشتملت هذه الآيات على أمورٍ، منها:
#الحث على القراءة بل والأمر بها، والمقصود بالقراءة هنا حسن الطلب للعلم بما يشمل حسن التلقي للعلم، ومن ثم السعي لتطوير ذلك العلم الذي تلقاه، والاستفادة منه عمليًا في العلوم التي تقبل الاجتهاد، أما العلوم العقدية الأصولية، فإنه يكفي أن يتلقاها الإنسان ويجتهد في تطبيقها.
#جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بمراحل خلق الإنسان، حيث يقول تعالى: {{ نص قرآني |خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}}<ref>  سورة العلق، الآية  2.</ref>. وقد أفاد ذلك في الحث على معرفة الأسرار الخفية في خلق ذلك الإنسان، كيف لا والله تعالى يقول: {{ نص قرآني |وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}}<ref>  سورة الذاريات، الآية  21.</ref>.
#جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بالإيقان الكامل أن الله سبحانه وتعالى أعز وأكرم من كل شيء، قال تعالى: {{ نص قرآني |اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}}<ref>  سورة العلق، الآية  3.</ref>.
#بينت الآيات أنه سبحانه وتعالى علم بالقلم الذي هو صيد كل العلوم، حيث قال الله تعالى: {{ نص قرآني |الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}}<ref>  سورة العلق، الآية  4.</ref>.
#جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا ببيان أن كل علم تعلمه الخلق إنما هو من الله تعالى، حيث قال الله تعالى: {{ نص قرآني |عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}}<ref>  سورة العلق، الآية  5.</ref>.
==موسى والخضر عليهما السلام==
يركز هذا المبحث على عرض أهم الدروس المستفادة من رحلة موسى والخضر عليهما السلام في طلب العلم، دون التركيز على ما هو ليس داخلًا في طلب العلم؛ انسجامًا مع سياق الدراسة العام، وعلى هذا فإنه يمكن إجمال الدروس المستفادة بالنقاط الآتية:
#تواضع العالم، وهذا يعني ألا يتعامل الإنسان مع نفسه أنه أعلم الناس، ولا يجزم بذلك حتى لو كان نبيًا مرسلًا، ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {{نص حديث| بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلُ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلٍ إِلَى مُوسى: بَلى عَبْدِنا خَضِرٍ }} <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السلام في البحر إلى الخضر ١/٢٦، رقم ٧٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر عليه السلام ٤/٢٨٥٢، رقم ٢٣٨٠.</ref>.
#الكد والتعب لأجل العلم، وهذا يستفاد من قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  60.</ref>. أي: «واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لفتاه يوشع: {{نص قرآني| لَا أَبْرَحُ }} يقول: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين» <ref>جامع البيان، الطبري ١٨/٥٥.</ref>.
#إيقان العالم أن الشدة تكون فيها قرب الفرج، فإن النبي موسى عليه السلام حينما نسي فتاه الحوت أدرك أنه وصل إلى الخضر عليه السلام <ref>انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/٢٠٤.</ref>.
#التلطف في طلب العلم، وهذا في حسن طلب موسى من الخضر أن يعلمه مما علمه الله تعالى، قال عز وجل: {{ نص قرآني | فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }}<ref>  سورة الكهف، الآية  65-66.</ref> حيث تبين هاتان الآيتان أن النبي موسى عليه السلام قال للخضر عليه السلام: جئت لأتبعك وأصحبك؛ لأجل أن تعلمني علمًا ترشدني به <ref>انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/٢٠٦.</ref>.
#اختبار المعلم لقدرة المتعلم، وقد جاء هذا في قول الخضر كما في الآية: {{ نص قرآني |قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  67.</ref> وإنما قال الخضر ذلك؛ لأنه علم أن موسى عليه السلام سيرى أمورًا منكرةً، ولا يجوز للنبيين أن يصبروا على المنكرات، ثم بين عذره في ترك الصبر بقوله: {{ نص قرآني |وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  68.</ref> أي: علمًا.
#الأدب الرفيع في صحبة المعلم، وذلك حينما رد موسى عليه السلام على الخضر عليه السلام في قوله تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  69.</ref> حيث علق المشيئة على رب العالمين.
#عدم تعجل النتائج في العلم مع الثقة بالمعلم، قال تعالى: {{ نص قرآني |قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  70.</ref> أي: فإن صحبتني فلا تسألني عن شيء حتى أكون أنا الذي أفسره لك <ref>انظر: الوجيز، الواحدي ص٦٦٨.</ref>، وقد كان هذا بمعايشة الحادثة، ثم إعطاء الحكم عليها، ولا شك أن هذه طريقةٌ طيبة في تحصيل العلم.
#العالم ينسب العيب إلى نفسه، والمشيئة إلى ربه، قال تعالى: {{ نص قرآني |أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  79.</ref> أي: أجعلها ذات عيب  <ref>انظر: الوجيز، الواحدي ص٦٦٩.</ref>، وهذا أدبٌ رفيع من الخضر عليه السلام مع ربه؛ إذ إنه موحىً إليه من الله تعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا}}<ref>  سورة الكهف، الآية  82.</ref>.
==المراجع والمصادر==
==المراجع والمصادر==
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]'''
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)]]'''
٢٦٬٨٦٢

تعديل