الفرق بين المراجعتين لصفحة: «العقيدة»
←دور العقيدة في الحياة
| سطر ٢١: | سطر ٢١: | ||
وسيأتي الحديث مفصّلاً في الأقسام القادمة من هذا الكتاب عن [[رؤية]] الإسلام للأهميّة التي تتَّسم بها مباحث علم [[المعرفة]]. و نشيرهنا إشارةً مقتضبة إلى قصّة تربويّة بالغة التعليم في هذا المجال.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٢٣-٢٥.</ref> | وسيأتي الحديث مفصّلاً في الأقسام القادمة من هذا الكتاب عن [[رؤية]] الإسلام للأهميّة التي تتَّسم بها مباحث علم [[المعرفة]]. و نشيرهنا إشارةً مقتضبة إلى قصّة تربويّة بالغة التعليم في هذا المجال.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٢٣-٢٥.</ref> | ||
==تصحيح [[العقيدة]]== | |||
لا يخفى أنّ من أهمّ المسائل التي تجب دراستها قبل البحوث [[العقائدية]] مسألة تصحيح العقيدة، فهل هناك طريقة يمكن التوصّل بها إلى معرفة [[العقائد]] الصحيحة وإلى تصحيح العقائد الفاسدة؛ ما هي إذاً؟ | |||
والجواب: نعم . إنّ في النصوص [[الإسلامية]] في هذا الشأن توصيات دقيقة تسترعي الانتباه وإن كانت ـ كما يظهر ـ لم تُتناول بالبحث والتحليل حتّى الآن، وهذه التوصيات من أبرز مايلزم وأهمّ ما يقتضي لمن يحاول سبر أغوار البحوث العقائدية بعين باصرة لواقع الحال ورؤية غير قاصرة عن المآل، أيًّا كانت عقيدته ومسلكه ومذهبه، فالتزام هذه التوصيات يُوصل الباحث والمحقّق إلى ما يتوخّاه من تحقيقه ويوفّر له الثقة في نتائجه .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص ٦٥.</ref> | |||
==موانع تصحيح العقيدة== | |||
إن موانع تصحيح العقيدة تعتبر من الاُمور التي تؤدّي بالفكر إلى الزلل والخطأ ، والباحث لا يستطيع ـ إذا ما برزت أمامه ـ أنّ يطمئنّ إلى مطابقة رأيه وعقيدته للواقع . | |||
ومن ثَمّ اعتبر الإمام الصادق عليه السلام في الحديث الآنف الذكر أنّ أمثال هذا التفكير الجزمي نوعٌ من الأمراض العقائدية السائدة ، وعليه ، فما دام الإنسان مصابا بهذا المرض فلا أملَ له في تصحيح عقيدته واختياره الدين الصحيح. | |||
فالتاريخ يشهد بأنّ مؤسّس علم المنطق أرسطو (384 ـ 447 ق .م) كان أوّل من فكّر في الوقاية من خطأ الفكر . | |||
لقد كانت بحوث سقراط وافلاطون أساسا لجهود أرسطو في كشف طريقة تحصيل العلم ، إلّا أنّ طبعه المدقّق لم يقتنع بالمباحث السقراطية ، ولم يعترف ببيان افلاطون فيما يختصّ بمنشأ العلم وسلوك طريق المعرفة ، أو يعتبرهما مطابقين للواقع ، وإنما تمكّن في مقابل المغالطة ومناقشة السّفسطائيين من اكتشاف القواعد الصحيحة للاستدلال واستنتاج الحقيقة ، وعلى هدى افلاطون وسقراط توصّل إلى وضع اُصول المنطق وقواعد القياس على أساس محكم ، لم يُضف أحد إليها شيئا مّا إلى يومنا هذا.<ref>سير حكمت در اروپا (بالفارسية) لمحمّد علي فروغي : ج ۱ ص ۳۱ .</ref> | |||
وقيل في تعريف المنطق : إنه عِلْمٌ آليٌّ (آلةٌ قانونيةٌ) تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر . | |||
ومنذ زمن بيكن (1560 ـ 1625 م) وديكارت (1596 ـ 1650 م) حصل تحوّل فكري في اُوربا ، أدّى إلى الاعتقاد بأنّ المنطق الارسطي غير كاف للوقاية من الخطأ في الفكر ، فقد كان ديكارت يعتقد أنّ قواعد المنطق رغم صوابها وثبوتها لا تجعل المجهول معلوما ، وأنّ فائدتها الحقيقية تكمن فقط في معرفة المصطلحات وتملّك القدرة على التفهيم والبيان ، وذلك لأنّ البرهان هو استخراج النتيجة من المقدّمات ، وإذا لم تكن المقدّمات معلومة فلن تتحقّق النتيجة ، وقواعد المنطق وحدها لاتكفي للحصول على معلوم ، فإذا ما توفّرت المقدّمات الصحيحة فالنتيجة حاصلة بذاتها ، والعقل السليم في الإنسان يستخدم القواعد المنطقية بالفطرة دونما احتياج إلى كلّ هذا البحث وجَدَلِ المناطقة ، أمّا إذا كانت المقدّمات المتوفّرة لدينا خطأً فالنتيجة بطبيعة الحال خطأ أيضا ، والحاصل هو الضلال عن الحقيقة بدلاً من الاهتداء إليها ، ومن ثَمَّ ، ما أكثر ما أخطأ طلّاب العلم رغم وقوفهم التامّ على قواعد المنطق!! | |||
لقد أعلن ديكارت في بيانه الواضح ما أعلن فرنسيس بيكن بتأسيسه للأرغنون الجديد<ref>الأرغَنونُ الجديد اسم كتاب لم يتم لبيكن .</ref>، أنهما قد وضعا منطقا جديداً . | |||
لقد اجتهد كلّ من العالم الإنجليزي بيكن، والفيلسوف الفرنسي ديكارت، للتأكيد على أنّ منطق ارسطاطاليس وسيلةٌ لكشف المجهولات ، وأنّ المدرسين (سكولاستكس) لا يجوز لهم في طريق المعرفة أن يُضيعوا معظم أوقاتهم فيما يولونه من أهمّية.<ref>سير حكمت در اروپا (بالفارسية) : ج ۱ ص ۱۳۶ .</ref> | |||
وهكذا تنبّه كلّ من بيكن وديكارت إلى إمكان حدوث الخطأ في الاستدلال عن طريقين : | |||
#المقدّمات التي يفترضها الذهن على أنها معلومة ثمّ يتّخذها أساسا لبناء الاستدلال عليها ، على حين أنها لا تخرج عن كونها مواد ولوازم لبناء الاستدلال . | |||
#الشكل والصورة والنظم والترتيب التي يكيّف فيها الذهن مواد الاستدلال ولوازمه . | |||
إنّ مقياس الخطأ في منطق أرسطو مرتبط بصورة الاستدلال ، ولذلك سمّي منطق أرسطو المنطق الصوري ، أو منطق الصورة ، فلم يأخذ هذا المنطق قياس الخطأ في المواد واللوازم ، بعين الاعتبار ، على حين أنّ المهمّ للوقاية من الخطأ في الفكر ولتصحيح العقيدة هو قياس الخطأ في المقدّمات والمواد الاُولى للقياس ، ذلك لأنّ العقل السليم يصطنع القواعد المنطقية بالفطرة ، رغما عن عدم احتوائه للمصطلحات المنطقية . | |||
أمّا المنطق الجديد الذي يعرضه بيكن لقياس الخطأ في مواد الاستدلال ولوازمه فيتمثّل في اتّقاء موانع كشف الحقيقة ، هذه الموانع التي يعبّر عنها بالأوثان الطائفية ، والأوثان الشخصية ، والأوثان السوقية ، والأوثان المسرحية . | |||
فالإنسان مواجهٌ أثناء تحصيل العلم مشاكل وعقبات لابُدّ من تجنّبها ، أهمّها تلك الأخطاء التي يُبتلى الذهن بها ، ونظراً لأنّ هذه الأخطاء مدعاة للإضلال فقد اعتبرها أوثانا أو أصناما وقسّمها إلى أربعة اقسام : | |||
'''القسّم الأوّل :''' الأوثان الطائفية . أي : الأخطاء التي هي من خصائص الطبع البشري ، فكما أنّ المرايا المعوجَّة غير المستوية تكسر الأشعة الضوئية وتجعلها عوجاء منحرفة وتعكس الصور قبيحة مشوّهة فذهن الإنسان أيضا شأنه شأن هذه المرايا في تحريف المحسوسات والمعقولات وضياعها . . . مثلاً ، لو تصادف أنّ حُلْما من الأحلام قد تحوّل إلى حقيقة لصار مرجعا للذهن ، أمّا إذا لم يتحوّل الحلم إلى حقيقة فالذهن لا يذكره ولورآه مئة مرّة ولا يبني عليه ، وإنّما يتمسّك بما سبق أن اعتقد به ويتعصّب له ، وغالبا ما يفقد الإنصاف فيحكم حسب عواطفه ونفسيّاته ، ويتدخّل الغرور والنخوة والهلع والغضب والشهوة في آرائه بصورة تامّة ، فحواسّ الإنسان هي الاُخرى وإن كانت قاصرة معرّضة للخطأ . ثمَّ لا يجد الإنسان في نفسه رغبةً في إصلاح خطئها بالتأمّل والتمحيص ، بل يقتصر على رؤية ظاهر الأشياء ولا يسبر أغوارها . | |||
'''القسم الثاني :''' ويشمل الأوثان الشخصية أي : الأخطاء التي يرتكبها الشخص استجابةً لما تقتضيه طبيعته ، كأن يتعلّق الإنسان بشيء ويجعل ذلك الشيء أساسا أو ركيزةً يبني عليها عقائده ، كما حدث مع أرسطو ، فقد كان مولعا بالمنطق ، فبنى عليه فلسفته ، وهناك أذهان تجذبها التشابهات والجمع بين الاُمور ، وهناك أذهان اُخرى يعنيها الاختلاف وفصل الاُمور عن بعضها ، وهناك بطبيعة الحال مَن يصدر الحكم القطعي في كلّ باب ، وهناك من يتردّد في إصدار الحكم ويتأمّل حتّى يصير شكّاكا . . . | |||
'''القسم الثالث :''' ويشمل الأوثان السوقية ، أي : الأخطاء التي تحدث نتيجةً لمجالسة الناس بعضهم بعضا ، مع نقصٍ وقصورٍ في الألفاظ والعبارات ، كالحظّ والصدفة والتنجيم . | |||
'''القسم الرابع :''' ويشمل الأوثان المسرحية ، أي : الأخطاء التي تنجم عن تعاليم الحكماء واستدلالاتهم المغلوطة. <ref>سير حكمت در اروپا (بالفارسية): ج ۱ ص ۱۱۴ ـ ۱۱۶ .</ref> | |||
ولتجنّب الأخطاء في الفكر وضمان صحّة المقدّمات أو المواد الاستدلالية وضع ديكارت مجموعة من الاُصول والقواعد ، الأصل الأول منها هو : لا أعتبر شيئا حقيقة ما لم يكن بديهيا بالنسبة لي ، وأتحاشى العجلة وسبق الذهن والرغبة بالنسبة للتصديقات ، ولا أقبل شيئا حتّى يتضح ويتميّز بشكل لايدع مجالاً لأدنى ظنّ أو شكّ فيه. <ref>سير حكمت در اروپا (بالفارسية) : ج ۱ ص ۱۳۹ . ولمزيد من الاطّلاع على قواعد منطق ديكارت اقرأ ص۱۴۱ ـ ۱۴۳ من نفس الكتاب . </ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 70-74.</ref> | |||
==موانع تصحيح العقيدة في القرآن== | |||
سبق القرآن الكريم أن لخّص كلّ ما توصّل إليه العلماء الاُوربيون خلال عشرة قرون بخصوص التقويم لمقدّمات الاستدلال ، وذلك في الآية التالية ، وما نذكرها إلا كأُنموذج للمعجزات العلمية في القرآن ، قال سبحانه : {{ نص قرآني |إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ}}<ref> سورة النجم، الآية 23.</ref> أي : أنّ هناك عاملين ينشأ عنهما خطأ الإنسان في آرائه وعقائده : أحدهما اتّباع الظنّ ، والآخر اتّباع الهوى النفسي . | |||
كما أنّ هناك اُموراً اُخرى وردت في الروايات الإسلامية باعتبارها مواضع زلل للفكر ، كالتعصّب والتقليد والاستبداد واللجاجة ، إلّا أنّ هذه الاُمور تعود كلّها إلى الأهواء النفسية ، أي أنّ كلّ ما جاء في الروايات الإسلامية بهذا الشأن هو في الحقيقة تفسير للآية الكريمة الآنفة الذكر وبيان لها . | |||
ونظراً إلى هذه المقدّمة نستعرض أهمّ موانع تصحيح العقيدة على ضوء القرآن الكريم والروايات الإسلامية ، وهذه الموانع هي : | |||
===الظنّ=== | |||
وهو من أخطر العوامل التي تزلّ بأفكار الغالبية في العالم إلى مهاوي العقائد الباطلة الفاسدة . وأول ما يوصي به القرآن الكريم لتصحيح العقيدة هو تجنّب الاعتماد على هذا المنزلق ، ويؤكّد على أتباعه بعدم بناء عقائدهم وآرائهم على دعائم الظنّ والشكّ والتسليم بشيء دونما تأكّد من صحّته وثبوته ، فيقول عزَّوجلَّ في صريح كلامه : {{ نص قرآني |وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}}<ref> سورة الإسراء، الآية 36.</ref> | |||
ففي نظر القرآن أنّه لايحقّ لمسلم أن يقتفي شيئا أو يجعله مداراً لعمله ما لم يثبت له بنحو قطعيّ . | |||
كما ينتقد القرآن الكريم ذوي الآراء والعقائد الباطلة في أنهم لماذا يقولون ما ليس لهم به علم ، بقوله تعالى : {{ نص قرآني |وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}}<ref> سورة النور، الآية 15.</ref> | |||
وقد ردّ القرآن على منكري المعاد بأنهم معوزون إلى الدليل على إنكار الحياة بعد الموت ، وأنّ اعتقادهم لا يقوم على أساس علمي وإنّما يقوم على الظنّ والحدْس ، بقوله :{{ نص قرآني |وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}}<ref> سورة الجاثية، الآية 24.</ref> | |||
وكذلك يصبّ انتقاده واعتراضه على الذين يحسبون أنّ الإيجاد بلا هدف وأنّ الخلق باطل وعبث فارغ ، بأنّ اعتقادهم هذا لا ينشأُ عن علمٍ ، ولو أنهم دقّقوا النظر قليلاً لأدركوا أنهم ليسوا على وعي فيما يعتقدون ، وإنّما اعتقاداتهم قائمة على الظنّ ، لقوله تعالى : {{ نص قرآني |وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا}}<ref> سورة ص، الآية 27.</ref> | |||
فلو أمعنَّا النظر فيالعقائد والآراء المتناقضة بين الناس في المجتمعات المختلفة وطرحناها على بساط البحث والتحليل الجذري لانتهينا بلا عناء إلى أنّ أغلب هذه العقائد فاقدة للاُسس العلمية جذريًّا وأنها لا تستند إلّا على الظنّ أو على الشكّ ، وأنّ أهل الدنيا كانوا وما زالوا يقتفون أثر الظنّ في المسائل العقائدية ، وخاصّةً في اُصولها ، ولهذا نرى القرآن يعلن صراحةً بأنّ من اتّبع الأكثرية فقد ضلّ ، من ذلك قوله تعالى : {{ نص قرآني |وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية 116.</ref> | |||
أمَّا لو صمَّم أتباع المذاهب والمعتقدات المتناقضة جميعا على اقتفاء أثر العلم فقط وعدم الإيمان بشيءٍ إلّا بعد العلم به بصورة بديهية لانفضّت التناقضات والخلافات بين المذاهب كافّة . فالإمام الصادق عليه السلام يقول : {{نص حديث|إنَّ اللّهَ خَصَّ هذِهِ الاُمّةَ بِآيَتَينِ مِن كِتابِهِ ، أن لا يَقولوا إلّا ما يَعلَمونَ، وأن لا يَرُدّوا ما لا يَعلَمونَ ، ثُمّ قَرَأَ :{{ نص قرآني |أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}}<ref> سورة الأعراف، الآية 169.</ref> وقَرَأَ : {{ نص قرآني |بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}}<ref> سورة يونس، الآية 39.</ref>.<ref>مجمع البيان : ج ۵ ص ۱۶۸ ، الأمالي للصدوق : ص ۵۰۶ ح ۷۰۲ ، بصائر الدرجات : ص ۵۳۷ ح ۲ كلاهما نحوه ، منية المريد : ص ۲۱۶ ، بحار الأنوار : ج ۲ ص ۱۱۳ ح ۳ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 70-77.</ref> | |||
=== الميولات النفسيّة=== | |||
وهذا المانع في نظر القرآن ثاني أخطر مزالق الفكر ، ولا يَقِلّ خطراً عن سابقه إن لم يكن أكبر منه خطراً . | |||
فعندما يحبّ الإنسان شيئا ويتعلَّق به تعمَى بصيرة عقله وتُصَمُّ مسامع فكره ، وبالتالي لا يقدر أن يتبيّنَ أو يدركَ مواضع الضعف في محبوبه المعشوق ، وهكذا الحال بالنسبة لخصيصة المقْتِ ، وعليه ، لو أراد أن يميّز مواطن الضعف والقوّة في نظريةٍ مّا ويفكّر فيها تفكيراً صائبا فعليه أن يتحرّر من الميول والرغبات النفسية أولاً ؛ لأنّ هذه الميول والرغبات تؤثّر في اعتقاده ، شاء أم أبى . | |||
وعلى سبيل المثال لا الحصر ، أنّه اشتهر عن العلّامة الحِلِّي<ref>هو أبو منصور الحسن بن يوسف بن علي بن المطهَّر الحلّي (المتوفّى عام ۷۲۶ ه) .</ref> عندما أراد أن يُفتي فيما إذا كان ماء البئر قد أصبح نجسا هل يمكن تطهيره أو لا؟ أمر بردم بئر منزله أولاً ، ثمّ بدأ بمطالعة النصوص الفقهية في هذا الصدد ، ثُمَّ أفتى بعد ذلك بأنه لو أصبح ماء البئر نجسا أمكن تطهيره طبقا لما جاء في الكتب الفقهية . | |||
فالعلّامة الحلّي كان يعلم أنّه لو لم تردم بئر منزله لأثّر وجودها في رأيه وفتواه بصورة لا إرادية ، وهذه حقيقة لا تُنكر ، فالإنسان لا يمكنه أن يدرك الحقائق العقلية حقَّ الإدراك أو يبدي رأيا صائبا فيها إلّا إذا ردمت بئر ميوله ورغباته النفسية وتحرّر ذهنه من قيد هواها، وعليه ، فكلّما تحرّر ذهن المحقّق أو الباحث من الميول والرغبات النفسية اقترب من الصواب ، كما قال الإمام علي عليه السلام : أقرَبُ الآراءِ مِنَ النُّهى أبعَدُها مِنَ الهَوى<ref>غرر الحكم : ح ۳۰۲۲ ، عيون الحكم والمواعظ : ص۱۱۹ ح ۲۶۸۲ .</ref> وقال أيضا : خَيرُ الآراءِ أَبعَدُها مِنَ الهَوى وأَقرَبُها مِنَ السَّدادِ<ref>غرر الحكم : ح ۵۰۱۱ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۲۳۸ ح ۴۵۳۰ .</ref> ويروى أيضا : أنّ أحد أصحاب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وهو زيد بن صوحان العبدي سأل الإمام عليه السلام قال : أيُّ النَّاسِ أثبت رأيا؟ فأجابه عليه السلام : مَن لَم يَغُرَّهُ النّاسُ مِن نَفسِهِ ، ولَم تَغُرَّهُ الدُّنيا بِتَشَوُّفِها<ref>الأمالي للصدوق : ص ۴۷۹ ح ۶۴۴ ، بحار الأنوار : ج ۷۷ ص ۳۷۸ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 78-79.</ref> | |||
== التَّعَصُّب=== | |||
مانعٌ آخر في سلسلة الموانع التي تحول دون الوصول إلى الآراء الصائبة المطابقة للواقع هو التعصّب ، ۳ وهو عبارة عن قمَّة التبعية للميول النفسية فيما يخصّ نصرة الفرد أو الجماعة أو شيئا آخر دون مراعاة الحقّ . | |||
فمحاباة القريب والقوم والقبيلة ، وموالاة الحزب والفئة والمنظّمة ، والانتصار للثقافة والعادات والتقاليد ، ونصرة الدين والمذهب ، والتحيّز للعرق واللّغة . . . وما إلى ذلك ، تغدوا تعصُّبا فيما لو بُنيت على أساس الميول والرغبات النفسية ، دون مراعاة الحقّ والعدالة وعلى حسابهما ..<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 79.</ref> | |||
== التقليد=== | |||
إنّ التقليد في العقائد يعني قبول رأي شخص أو أشخاص آخرين دون المطالبة بالدليل والبرهان ، وهو من نتائج التعصّب والموانع التي تحول دون التحقيق والتوصّل إلى آراء ومعتقدات علميّة صحيحة مطابقة للواقع والحقيقة . | |||
إنّ التقليد غلٌّ يقيّد فكر الإنسان ، وما دام هذا الغلّ باقيا فتصحيح العقيدة أمرٌ محال . إنّ التقليد لايسمح للإنسان بالتفكير في آرائه وعقائده من حيث صحّتها وسقمها ومطابقتها للواقع والحقيقة وعدم مطابقتها ، وما إذا كانت علما حقيقيا أم خيال علم ، ومعرفةً أم توهّم معرفة واعتبار الإنسان نفسه عالما . إنّ التقليد يحول دون الفكر ونقد أفعال الآخرين وأفكارهم ومعتقداتهم وتحليلها بشكل حرّ . إنّ التقليد يحصر الإنسان في زنزانة أفكار المقلَّد ومعتقداته جبراً . | |||
التقليد يرغم الفكر على النظر إلى «القائل» بدلاً من «القول» . | |||
أمّا توصية الإسلام لتصحيح العقيدة فتتمثّل في تحطيم غلِّ التقليد والعجيب أنّه لم ينج منه إلّا ما ندر من الناس ، والأعجب منه اُولئك الباحثون الراتعون في أصفاد التقليد ويتصوّرون أنّ أفكارهم حرّة!!<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 82.</ref> | |||
=== الاستبداد=== | |||
إنّ المانع الخامس من موانع تصحيح العقيدة هو الاستبداد<ref>استبدّ بالأمر يستبدّ به استبدادا : إذا تفرّد به دون غيره (النهاية : ج ۱ ص ۱۰۵) .</ref> بالرأي؛ وما هو إلَا أثر الانصياع مع الميول والرغبات النفسية نتيجةً لحدّة داء اعتبار النفس عالما . | |||
وداء الاستبداد بالرأي يضيّق فكر مُصابه حتّى يتجمّد ويتحجّر ، فيصير حجر عثرة في طريق الحقيقة ، وبالتالي يحمل المصاب على الاعتقاد بحقّانية أقواله وعقيدته ودينه ورأيه ، وببطلان كلّ ما يقوله مناوئوه ، فمتى ما ابتلي الإنسان بجمود الفكر تأبَّى البتَّ في آراء غيره فيما يعتبرُه حقًّا ، وأعرض عن التفكير فيما يقولون ، وبهذا لا يستطيع التوصّل إلى الحقيقة . | |||
وقد نُعِتَ الاستبداد في الروايات الإسلامية بأنه من مواطن الزلل الخطيرة ، إذا صمّم المتفكّر عليها دُحِضَ وهلك . | |||
وقال الإمام علي عليه السلام عن جمود الفكر والاستبداد الفكري : {{نص حديث|المُستَبِدُّ مُتَهَوِّرٌ فِي الخَطَاَ وَالغَلَطِ}} <ref>غرر الحکم، ج۱، ص۶۴.</ref> وقال عليه السلام : {{نص حديث|الاِستِبدادُ بِرَأيِكَ يُزِلُّكَ ويُهَوِّرُكَ فِي المَهاوي}}<ref>غرر الحکم، ج۱، ص81.</ref> | |||
وقال الإمام الصادق عليه السلام : {{نص حديث|المُستَبِدُّ بِرَأيِهِ مَوقوفٌ عَلى مَداحِضِ الزَّلَلِ}}<ref>بحار الأنوار، ج۷۲، ص۱۰۵</ref> .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 83.</ref> | |||
=== اللجاجَة=== | |||
وهي الاُخرى مانعٌ من موانع تصحيح العقيدة ، وتعتبر بالنسبة للبحوث والمسائل النظرية موطنا من مواطن الزلل الخطيرة التي تُسلُّ الفكر وتُضِلُّ الرأي دون أن يشعر صاحبه بانحرافه . | |||
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام بعبارة لطيفة عن هذا الموطن الخفي من الزلل فقال : {{نص حديث|اللَّجاجَةُ تُسِلُّ الرَّأيَ}}<ref>بحار الأنوار، ج۷۲، ص۱۰۵</ref> أي: كما يتسلّل السارق إلى الدار خلسةً فيسرق ما يشاء دون أن يشعر صاحبها، يتسلّل التعصّب واللجاج معا إلى الذهن، ويستحوذان على الفكر، فيصرفاه عن الصواب دون أن يشعر صاحبه، ومن ثمّ يسلبانه الرأي السديد. | |||
وهكذا فالحقيقة ـ كما ورد في كلام أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام ـ هي أنّ اُولي التعصّب واللجاجة لايتأتّى لهم أن يكونوا من أصحاب الرأي. قال عليه السلام : {{نص حديث|اللَّجوجُ لا رَأيَ لَهُ}} <ref>غرر الحکم، ج۱، ص۵۰.</ref> | |||
ولو أبدى اللجوج رأيا في قضيّة ما أو قضايا معيّنة وكان صائبا، فإن تعصّبه ولجاجته في إبداء رأيه يُفقدانه شأنه و وثاقته، كما قال الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام : {{نص حديث|اللَّجاجُ يُفسِدُ الرَّأيَ}}<ref>غرر الحکم، ج۱، ص۵8.</ref> | |||
وأخيراً، فاللجاجة كما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : {{نص حديث|إيّاكَ وَاللَّجاجَةَ ؛ فَإِنَّ أوَّلَها جَهلٌ وآخِرَها نَدامَةٌ.}} <ref>بحار الأنوار، ج۷۴، ص۶۶</ref> | |||
ومن الحريّ بالذكر إنّ ما جاء تحت عنوان «موانع تصحيح العقيدة» ـ كما اُشير ـ هي أهمّ الموانع ، وسوف يأتي ذكر كلّ الموانع في القسم السابع تحت عنوان «موانع المعرفة».<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 84.</ref> | |||
==شروط تصحيح العقيدة== | |||
هذه الشروط هي التي تُعْوزُ المحقّق حتّى يدرك الحقيقة، و بغيرها لايتسنّى له الاطمئنان إلى نتائج تحقيقاته. وهي عبارة عن: | |||
===التأنّي=== | |||
وهو عدم التسرّع في إبداء الرأي ، والانتظار حتّى يتبلور . فحينما يفكر الباحث في مسألةٍ مّا يتوصّل مبدئيا إلى فكرة ساذجة لا يصحّ أن يعتمد عليها ، والتأنّي يتيح للباحث الفرصة بالتدريج عن طريق المطالعة الدقيقة وأخذ الأبعاد المختلفة للمسألة المعنيَّة في دائرة النظر ومراعاتها من جميع الجوانب ، حتّى يعرض فكرته ناضجةً قابلةً للاعتماد عليها ، وقد قال الإمام علي عليه السلام : | |||
{{نص حديث|الرَّأيُ مَعَ الأَناةِ ، وبِئسَ الظَّهيرُ الرَّأيُ الفَطيرُ }} <ref>كشف الغمّة : ج ۳ ص ۱۳۹ ، بحار الأنوار : ج ۷۸ ص ۸۱ ح ۷۶ .</ref> | |||
ونقيض التأنّي هو العجلة ، ونظراً لأنها تحرم الباحث من فرصة الدراسة الضافية والتحقيق الكامل والاستقصاء المستوفى فهي تستدعي زلل الفكر والخطأ في التحليل ، مصداقا لقول أميرالمؤمنين عليه السلام : {{نص حديث|العَجَلُ يوجِبُ العِثارَ}}<ref>غرر الحكم : ح ۴۳۲ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۳۹ ح ۸۴۸ .</ref> | |||
وروي عن نبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله أنّه قال : {{نص حديث|مَن تَأَنّى أصَابَ أو كادَ ، ومَن عَجِلَ أخطَأَ أو كَادَ}}<ref>المعجم الكبير : ج ۱۷ ص ۳۱۰ ح ۸۵۸ ، المعجم الأوسط : ج ۳ ص ۲۵۹ ح ۳۰۸۲ ، مسند الشهاب : ج ۱ ص۲۳۲ ح ۳۶۳ ، كنز العمّال : ج ۳ ص ۹۹ ح ۵۶۷۸ .</ref>. | |||
فالتأنّي يقرّب الباحث من الرأي الصائب . فإذا ما توفّرت له الشروط اللازمة لتصحيح العقيدة أيضا أصاب الواقع ، وإلَا فلا أقَلَّ أصبح قريبا منه . وبالعكس ، فإنّ العجلة تُدني الباحث من الخطأ ، وحتّى لو أنّ العجول قد أصاب في تحليلاته فذلك من قبيل المصادفة ، ولهذا أوصى الإمام علي عليه السلام ابنه الحسن المجتبى عليه السلام قائلاً :{{نص حديث|أَنهاكَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالقَولِ وَالفِعلِ}}<ref>الأمالي للمفيد : ص ۲۲۱ ح ۱ ، الأمالي للطوسي : ج ۷ ص ۸ ، بحار الأنوار : ج ۷۱ ص ۳۳۹ ح ۵ و ج ۷۸ ص ۹۸ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 85-86.</ref> | |||
=== التجربة=== | |||
إنّ آراء اُولئك الذين لا يتمتّعون بالتجربة والخبرة اللازمة لإبداء الرأي وعقائدهم وتحليلاتهم عادةً مّا غير واقعية وغير صائبة . | |||
ويصوّر الإمام عليّ عليه السلام دور التجربة وتأثيرها في المعرفة بقوله : {{نص حديث|كُلُّ مَعرِفَةٍ تَحتاجُ إِلَى التَّجارِبِ}} وفي حديث آخر يقسّم الإمام عليه السلام المعارف العقليّة إلى قسمين حيث يقول : {{نص حديث|العَقلُ عَقلانِ: عَقلُ الطَّبعِ وعَقلُ التَّجرِبَةِ وكِلاهُما يُؤَدِّي المَنفَعَةَ}}<ref>بحار الأنوار، ج ۷۵، ص ۶.</ref> وفي حديث آخر عنه عليه السلام : {{نص حديث|فِي التَّجارِبِ عِلمٌ مُستَأنَفٌ}} <ref>الكافي: ٨ / ٢٢ / ٤ عن جابر بن يزيد عن الإمام الباقر (عليه السلام)، الفقيه: ٤ / ٣٨٨ / ٥٨٣٤، تحف العقول: ٩٦.</ref> | |||
وما أوجز وأبلغ ما قاله الإمام علي عليه السلام في هذا الشأن : {{نص حديث|رَأيُ الرَّجُلِ عَلى قَدرِ تَجرِبتِهِ}}<ref>غرر الحكم : ح ۵۴۲۶ ، عيون الحكم والمواعظ : ص۲۶۹ ح ۴۹۴۳ .</ref> أي : كلّما ازدادت تجارب الإنسان فيما يبدي فيه الرأي من المسائل كان أقرب إلى الواقع . بعبارة اُخرى : من كان أكثر خبرةً وتجربةً كان رأيه أكثر سداداً ، وفي رواية اُخرى عنه عليه السلام : {{نص حديث|أملَكُ النّاسِ لِسَدادِ الرَّأيِ كُلُّ مُجَرَّبٍ}}<ref>غرر الحكم : ح ۳۰۴۸ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۱۱۹ ح ۲۷۰۴ .</ref> وعليه ، فإنّ الإمام عليه السلام يعتبر العلم الذي يحصل عن طريق التجربة أدقَّ من العلم الذي يُحصَّل في قاعة الدراسة ، وفي رأيه عليه السلام أن الطبَّ التجربي أقرب إلى الحِكمة وعلم الطبِّ من الطبِّ النظري والدراسة النظرية . ولذلك قال عليه السلام : {{نص حديث|المُجَرَّبُ أحكَمُ مِنَ الطَّبيبِ}}<ref>غرر الحكم : ح ۱۲۰۳ ، عيون الحكم والمواعظ : ج ۴۵ ص ۱۱۲۸ .</ref> | |||
ففي رأي الإمام بشكل عام أنّه لو توفّرت التجربة الكافية في أيّ عمل لكان ذلك العمل صحيحا وقد انجز على الوجه الذي ينبغي له ، إذ يقول عليه السلام :{{نص حديث|مَن حَفِظَ التَّجارِبَ أصابَت أفعالُهُ}}<ref>غرر الحكم : ح ۹۱۸۰ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 86-87.</ref> | |||
=== تمركز الفكر=== | |||
إنّ تمركز الفكر يحدّد للباحث أبعاد المسألة المطروحة لديه ويضعها في ضمن إطار مشخّص ، ومن ثَمَّ يظهر للمحقّق رأيه بناءً على الإلمام بكلّ ما تلزم ملاحظته بالنسبة لها ، وعليه ، فكلّما بادر الإنسان إلى البحث والتحقيق بأفكار أكثر تركيزاً كان أقرب إلى الحقيقة ، وكلّما قلَّ تركيزها كان أبعد عنها ، ولذلك لو أراد الباحث أن يكون رأيه صائبا تعيّن عليه توفير العوامل التي تساعد على تمركز الفكر وتجنّب الموانع التي تحول دون ذلك . | |||
====عوامل تمركز الفكر==== | |||
لقد وردت أهمّ العوامل التي تؤدي إلى تمركز الفكر في روايةٍ عن الإمام الصادق عليه السلام هذا نصّها :{{نص حديث|خَمسُ خِصالٍ مَن فَقَدَ واحِدَةً مِنهُنَّ لَم يَزَل ناقِصَ العَيشِ زائِلَ العَقلِ مَشغولَ القَلبِ: فَأوَّلُها صِحَّةُ البَدَنِ، وَالثّانِيَةُ الأَمنُ، وَالثّالِثَةُ السَّعَةُ فِي الرِّزقِ، وَالرّابِعَةُ الأَنيسُ المُوافِقُ... وَالخامِسَةُ ـ وهِيَ تَجمَعُ هذِهِ الخِصالَ ـ الدَّعَةُ}} <ref>الخصال : ص ۲۸۴ ح ۳۴ ، مكارم الأخلاق : ج ۱ ص ۴۳۷ ح ۱۴۹۴ ، بحار الأنوار : ج ۷۴ ص ۱۸۶ ح ۵ .</ref> | |||
فنلاحظ أنّ الإمام عليه السلام يبدأ أولاً بالحديث عن خصالٍ لكلٍّ منها دور أساسي في كمال العيش وسلامة الفكر وفراغ البال والتفكير الصائب ، فهذه الخصال هي التي يحقّق وجودها تركيز الفكر ، على حين أنّ عدمها يسلب التركيز منه ، ثمّ يوضّح الإمام بعد ذلك هذه الخصال الواحدة تلو الأُخرى .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 88.</ref> | |||
=== حركة الفكر=== | |||
إنّ حركة الفكر وحيويّته والحيلولة دون جموده شرط آخر من الشروط اللازمة للتوصّل إلى العقيدة الصحيحة والرأي السديد ، وتوصية الإمام علي عليه السلام بهذا الخصوص هي : {{نص حديث|أمخِضُوا الرأيَ مَخضَ السّقَاءِ يُنتِج سَديدَ الآراءِ}} <ref>غرر الحكم : ح ۲۵۶۹ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۹۱ ح ۲۱۵۰ .</ref> | |||
فلو أنّ الفكر تصلّب على رأي لأصابه الجمود والتحجّر ، وبالتالي يُشلُّ نشاطه ويتخلَّفُ عن الحركة والنموّ ويفقد القدرة على معرفة رأيه أو تمييزه من حيث الصحّة والبطلان أو الضعف والقوّة تمييزاً دقيقا ومعرفةً واقعية . | |||
ولهذا أكّد الإمام عليه السلام على الباحث ـ حتّى يصل إلى العقائد الصحيحة والآراء السديدة ـ وجوب التحرّر من جمود الفكر وتقليب الآراء العلمية على وجهات النظر المختلفة في ذهنه بشدّة مع حركة الفكر ، والتدقيق والتحقيق في الأبعاد المختلفة للموضوع محلّ النظر <ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 88-89.</ref> | |||
===تبادل وجهات النظر=== | |||
وهو من الشرائط الاُخرى اللازمة لتصحيح العقيدة ، فمن توصيةٍ لأميرالمؤمنين عليه السلام : | |||
{{نص حديث|اِضرِبوا بَعضَ الرَّأيِ بِبَعضٍ يَتَوَلَّدُ مِنهُ الصَّوابُ}} <ref>غرر الحكم : ح ۲۵۶۷ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۹۱ ح ۲۱۵۴ .</ref> | |||
نستنتج من هذا أنّ تبادل وجهات النظر بعيداً عن التعصّب يؤدّي بطبيعة الحال إلى بروز مواقع الضعف والقوّة والخطأ والصواب في الآراء المختلفة ، وعلى هذا الأساس ، فمن يجيز لنفسه الدراسة والبحث والتحقيق في آراء الآخرين يمكنه ـ لو كان من أهل التحقيق والبحث ـ أن يميّز النظر الصحيح من الخطأ ، فقد قال الإمام علي عليه السلام : {{نص حديث|مَنِ استَقبَلَ وُجوهَ الآراءِ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطَاَ}} <ref>الكافي : ج ۸ ص ۲۲ ح ۴ ، كتاب من لا يحضره الفقيه : ج ۴ ص ۳۸۸ ، نهج البلاغة : الحكمة ۱۷۳ ، تحف العقول : ص ۹۰ .</ref> | |||
وبالعكس ، فإنّ من لايسمح لنفسه برؤية آراء الآخرين والاطّلاع عليها ويتعجَّل إبداء الرّأي في كلّ ما يرد عليه معتدّاً بدليل فكره معتمداً على رأيهِ العقلي لا يتأتّى له من آرائه الفجَّة المتهافتة ـ على حدّ قول الإمام عليه السلام ـ إلّا الابتلاء بالأخطاء المضنية : {{نص حديث|مَن جَهِلَ وُجوهَ الآراءِ أعيَتهُ الحِيَلُ}} <ref>غرر الحكم : ح ۷۸۶۵ ، عيون الحكم والمواعظ : ص ۴۵۳ ح ۸۱۲۸ .</ref>.<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 89.</ref> | |||
===الامدادات الغيبية=== | |||
وهي صاحبة السهم الأكبر في التوصّل إلى المعتقدات العلمية ومعرفة الحقيقة وتصحيح العقيدة ، فمهما كان الإنسان حاذقا وعالما فبسبب محدودية معلوماته ، لا يقدر على الإحاطة بقضيةٍ من القضايا بكلّ حيثياتها ، وليس في إمكانه التوصّل إلى الحقيقة والواقع خاصّة في المسائل العلمية المعقّدة إلّا بالامدادات الغيبية ، أو بعبارة اُخرى يحتاج إلى نوعٍ من الإلهام والإشراق ، ومن هذه الحيثية يعتقد الكسس كارل بأنّ الاكتشافات العلمية ليست نتاجا لفكر الإنسان وحده ، حيث يقول : «يقينا إنّ الاكتشافات العلمية ليست نتاجا وثمرةً لفكر الإنسان ليس إلّا . فالنوابغ علاوةً على قدراتهم على الدراسة ودرك القضايا يتمتّعون بخصائص إبداعية اُخرى كالإشراق والتصوّر ، فهم يكشفون بالإشراق ما هو خافٍ على غيرهم ، ويبصرون الروابط المجهولة بين القضايا التي تبدو وكأنها لا صلة لها في الظاهر ، فيدركون بفراستهم كنوزاً لم تكن معروفة . | |||
إنّ الرجال العظام يتمتّعون بموهبة هذا الإشراق فتراهم يعلمون ويعرفون ما يجب تعلّمه والتعرّف عليه دون الحاجة إلى الدليل والتحليل ، فالعالم الكبير يَنساقُ تلقائيا إلى طريق ينتهي إلى كشف جديد ، وهذه الحالة كانت تسمّى قبلَ هذا بالإلهام . | |||
والعلماء فريقان : فريقٌ منطقي ، وآخر إشراقي ، وجميع العلوم والتقدّم العلمي رهين هذين الفريقين ، حتّى العلوم الرياضية التي تستند على اُسس وقواعد منطقية تماما ، قد أخذت قسطها من الإشراق أيضا . . . والحياة العادية هي الاُخرى شأنها القضايا العلمية ، إنّ الإشراق عاملٌ قويٌّ في المعرفة لكنّه خطيرٌ في نفس الوقت ، إذ يصعب التمييز في بعض الأحيان بينه وبين التوهّم . . . | |||
وليس إلّا العظماء من الرجال والأطهار أصحاب القلوب الصافية الذين يبلغون به إلى الكمال وقمّة الحياة المعنوية ، إنّ هذه الموهبة مدهشة حقًّا ، ويبدو لنا أنّ إدراك الواقعية بدون دليل أو تعقّل أمرٌ لايقبل التفسير». <ref>انسان موجود ناشناخته (بالفارسية) : ص ۱۳۹ ـ ۱۴۰ .</ref> | |||
ويؤيّد هذا الرأي العالم الرياضي الفرنسي جاك هادا مارا ، حيث يقول : «حينما نتأمّل ظروف الاكتشافات والمخترعات يستحيل علينا أن نتجاهل الإدراكات الباطنية المفاجئة ، فكلّ عالم محقّق يشعر إلى حدٍّ ما بأنّ حياته ومسائله العلمية قد تكوّنت من خلال سلسلة من النشاطات المتناوبة ، كان لإرادته وشعوره ضِلْعٌ في البعض منها؛ وأمّا البقية فقد كانت حصيلة لسلسلة إلهامات باطنية». <ref>امدادهاى غيبى در زندگى بشر (بالفارسية) : ص ۸۰ .</ref> | |||
وعليه ، يمكن القول بأنّه كلّما ازدادت الإمدادات الغيبية والإلهامات الباطنية لدى العالِم كانت آراؤه وعقائده أكثر صوابا ، واستطاع كشف الكثير من الحقائق العلميّة، وإذا اكتملت الإمدادات الغيبيّة عند الإنسان غدت آراؤهُ وعقائدهُ مصونةً من الخطأ. | |||
لكن ما مصدر الإشراق والإلهامات الباطنيّة؟ | |||
هذا سؤال يعجز الماديّون عن الإجابة عنه ، أمّا الربّانيّون فيعرفون أنّ مصدرها هو اللّه عز و جل. فالله تعالى هو الذي يمنّ بهذه الموهبة على من يشاء كُلّ على قدر مايليق به، وكما تقضيه حكمة اللّه البالغة ، كما أنّ الدعاء وسيلة من الوسائل لنيل هذه الكفاءة. ولهذا كان الإمام السجّاد عليه السلام يدعو اللّه تعالى ويعلّمنا أن ندعوه ليعيننا على سداد آرائنا: {{نص حديث|وأَعوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ مَحجوبٍ، ورَجاءٍ مَكذوبٍ، وحَياءٍ مَسلوبٍ، وَاحتِجاجٍ مَغلوبٍ، و رَأيٍ غَيرِ مُصيبٍ}}<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 90-92.</ref> | |||
==اختبار العقيدة== | |||
نعرض في هذا الفصل مسألةً من أهمّ المسائل التي ينبغي أن نطرحها على بساط البحث قبل الورود إلى البحوث العقائدية ، وتلك هي اختبار العقيدة . | |||
فهل هناك مِعْيارٌ أو ميزانٌ يمكن للإنسان أن يختبر به عقيدته ورأيه ويقف على صحّتها؟ وكيف يتسنَّى للمحقّق أن يعلم أنّ ما يصفه هو أو يصفه غيره بأنه علمٌ وعقيدةٌ ونظريةٌ علميّة هو في الحقيقة علم وليس خيال علم واعتبار الإنسان نفسه عالما ؟ وهل في النصوص الإسلامية تعليمات ووصايا بخصوص اختبار العقائد أو لا ؟ | |||
والجواب على هذا السؤال هو : أنّ العقائد العلمية وكذلك العقائد غير العلمية ومرض اعتبار الإنسان نفسه عالما لها بكلّ تأكيد علائم وآثار يمكن للمحقّق بواسطتها اختبار آرائه واكتشاف صحّة عقائده وعقائد غيره وسقمها . | |||
وللإمام علي عليه السلام بخصوص علائم العقائد العلمية وغير العلمية بيانٌ جامعٌ مبسوط إلى حدٍّ مّا ، جديرٌ بدقّة النظر لما هو عليه من قيمة .<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 93.</ref> | |||
=علائم العقائد العلمية== | |||
نستهلّ بذكر كلام الإمام عن آثار العقائد العلمية وعلائمها ، وعن خصائص العلماء الحقّ ، ثمّ نتناول ما ورد في كلامه عليه السلام من العلائم واحدةً واحدة بالدرس والبيان . قال أميرالمؤمنين عليه السلام : | |||
{{نص حديث|إِنَّ العالِمَ مَن عَرَفَ أنَّ ما يَعلَمُ فيما لا يَعلَمُ قَليلٌ ، فَعَدَّ نَفسَهُ بِذلِكَ جاهِلاً فَازدادَ بِما عَرَفَ مِن ذلِكَ في طَلَبِ العِلمِ اجتِهاداً ، فَما يَزالُ لِلعِلمِ طالِبا ، وفيهِ راغِبا ، ولَهُ مُستَفيداً ، ولِأَهلِهِ خاشِعا ، ولِرَأيِهِ مُتَّهِما ، ولِلصَّمتِ لازِما ، ولِلخَطَاَ حاذِراً ، ومِنهُ مُستَحيِيا ، وإِن وَرَدَ عَلَيهِ ما لا يَعرِفُ لَم يُنكِر ذلِكَ لِما قَرَّرَ بِهِ نَفسَهُ مِنَ الجَهالَةِ}}<ref>تحف العقول، ج ۱، ص ۶۸</ref> | |||
نستنتج من بيان الإمام سبع علائم للعلماء الحقيقيين والعقائد العلمية ، هي: | |||
=== الاهتمام بالمجهولات=== | |||
إنّ العلماء الحقّ وأصحاب الآراء والعقائد العلمية على العكس من العلماء الخياليّين والمبتلين بداء اعتبار النفس عالما ممّن لا تشغل دائرة أنظارهم إلّا معلوماتهم فحسب وهم غافلون عمّا جهلوا ، يرون ما يجعلون ، ولا يعتبرون معلوماتهم شيئا أمام ما يشاهدونه من مجهولاتهم العظيمة غير المتناهية ، وهذا القبيل من العلماء في نظر علي عليه السلام هم من يكلَّلون بلقب العالِم؛ وآراؤهم في المسائل العقلية معتبرة موثوقة : | |||
{{نص حديث|إِنَّ العالِمَ مَن عَرَفَ أنَّ ما يَعلَمُ فيما لا يَعلَمُ قَليلٌ ، فَعَدَّ نَفسَهُ بِذلِكَ جاهِلاً}}فالعالِم الحقيقي كلّما تزداد معلوماته تزداد مجهولاته ، وكلّما يزداد عِلمه يزداد وعيا بأن معلوماته المحدودة لايمكن أن تقاس بمجهولاته غير المحدودة . ومن هذه الحيثية كان كلّ من يسلك طريق معرفة الحقائق والعقائد العلمية ، يصل إلى أنّ معلوماته من الضآلة بحيث لا تعدّ شيئاً بالنسبة لما يجهله ، فلا يرى أنّه بهذا النزر اليسير من العلم لايستحقّ أن ينعت عالما فحسب ، بل إنّه ـ بمحاسبة دقيقة علميّة على أساس الواقع ـ لايرى لنفسه مكانا في مصافّ العلماء . | |||
وإنّه هنا يشعر الإنسان أنّه كلّما ازداد علما اتّسعت الهوة بين ما علم وما جهل ، وبتعبير آخر : إنّ معدّل ارتفاع المستوى العلمي للإنسان متكافئ مع معدل الزيادة في مجهولاته . | |||
فمن ليست لديه أيّ معرفة عن الإنسان ليس لديه أيّ مجهول في مجال علم الإنسان ، فلو أنك سألت جاهلاً : ما الإنسان؟ لأجابك : هذا واضحٌ جدّاً ، الإنسان هو الموجود الذي يمشي على رجليه هنا وهناك ، والإنسان يعني الإنسان ، وهذا السؤال أصلاً بلا معنى!! ولو أنك سألته : أتجهل شيئا مّا عن الإنسان؟ لأجابك : كلّا ، وفي رأيي أنّ الانسان قد عُرِفَ حتّى لم يعُد في حاجة إلى تفسير أو بيان! | |||
أمَّا إذا بادر هذا الشخص بالتحقيق في علم الإنسان فإنّه كلّما اتّسع نطاق تحقيقه وتخصّصه في هذا العِلم ازدادت مجهولاته في مجال معرفة هذا الموجود العجيب المعقّد المعجون بالأسرار ، وكلّما تعمّق في وجود الإنسان اعترضته علامات استفهام أكثر فأكثر! | |||
أجل ، الإنسان بالنسبة للجهلاء موجودٌ قد تمّت المعرفة به تماما . أمّا لدى عالم محقّق مثل البروفسور كارل الذي قضى عمراً يحقّق في فرع علم الإنسان فإنّ حاصل هذا العمر من التحقيق ونتيجته هو كتاب «الإنسان ذلك المجهول موجودٌ لم يُعرف» . | |||
وليس الإنسان وحده هو الموجود الذي لم يُعرف بعدُ لدى العلماء الحقّ الواقعيّين ، بل إنّ الموجودات في العالم على الإطلاق كائنا كائنا وذرَّةً ذرَّةً موجوداتٌ معقّدةٌ مشبّعةٌ بالأسرار ولم تُعرف أيضا ، وقيل : إنّ عالما فرنسيا يُدْعَى فيلسْتي دِي لامِنِهْ قال : «لو أنّ أحداً استطاع أن يعرِّف حَبَّةَ الرمل وضعت اللّه في اختياره» . | |||
اللّهمَّ لا حبّة الرمل الواحدة بل الذرَّة من ذرّاتها أيضا لا تزال تُعجِز الإنسان عن وضع تعريف دقيق لها ، أليس هذا ، ما نراه من أنّ العلم يكتشف كلّ يوم أسراراً جديدة داخل قلعة الذرّة وأسرارها المكنونة؟! أليس هذا إشارة إلى عجز العِلم حتّى الآن عن معرفة ذرَّة من ذرّات الوجود معرفةً كاملة؟! | |||
ومن ثَمّ فإنّ الوجود قاطبةً ـ في نظر العالم الواقعي على خلافه في نظر العالم الخيالي ـ مليءٌ بالأسرار معقّد غير معروف ، وما ازداد العالم عِلما على علم إلّا ازداد معرفةً بأسرار الوجود وتعقيده ، ممّا يؤدّي إلى ظهور مزيد من العلامات المحتاجة للتحقيق ، كما يتّضح له مزيد من المجهول . | |||
وبناءً عليه ، فكلّما ازدادت معلومات الإنسان ازدادت مجهولاته ، حتّى يرى العدد قاصراً عن بيان المسافة بين معلوماته ومجهولاته ، وذلك لأنّ معلوماته محدودة ومجهولاته لا تنتاهى ، والعدد عاجز عن إحصاء ما لا يتناهى ، وثمّة كان قول الإمام علي عليه السلام : | |||
{{نص حديث|إِنَّ العالِمَ مَن عَرَف أَنّ ما يَعلَمُ فيما لا يَعلَمُ قَليلٌ ، فَعَدَّ نَفسَهُ بِذلِكَ جاهِلاً}} | |||
وهذا بعينه معنى القول المنسوب إلى سقراط : بَلَغتُ مِنَ العِلمِ حَتّى عَلِمتُ أَنّي جاهِلٌ <ref>هذه ترجمة لما نسب إلى سقراط شعرا ، وفيمايلي نصّه (بالفارسية) : تا به آنجا رسيد دانش من كه بدانم همى كه نادانم</ref> | |||
وروي عن [[ابن سينا]] أيضا : والقلب وإن بذل غاية جهده في هذا الوادي لم يعرف قيد شعرة رغم أنّه شق شعرة. | |||
فاعتبار العالم الواقعي نفسه جاهلاً نسبيا لا يقتصر على سقراط وأبي عليوأمثالهما ، وإنّما ـ كما قال الإمام علي عليه السلام ـ هو من المميّزات الخاصّة بالعلماءالحقيقيين على الإطلاق بدون استثناء ، وما العالم إلّا هذا . | |||
فلنرى ماذا يقول الإمام علي عليه السلام عن علمه ، وكيف يقارن بين ما يعلم وما يجهل : إنّ هذا الإمام الفذّ الّذي يقول : {{نص حديث|سَلوني قَبلَ أن تَفقِدوني}}<ref>راجع: موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰ (القسم الحادي عشر / الفصل الرابع / القبس الثالث / الباب العاشر : سلوني قبل أن تفقدوني) .</ref> | |||
إنّ هذا الإمام العبقريّ الّذي يقول: {{نص حديث|عِندي عِلمُ الأَوَّلينَ وَالآخِرينَ}}<ref>موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰ (القسم الحادي عشر / الفصل الثالث : علم الشرائع : ح ۴۹۹۳) .</ref> | |||
إنّ هذا العالم الّذي تنقصفُ الأقلام وتكِلّ الألسن عن وصفه ولن تبلغ غايتها يقول: | |||
{{نص حديث|اِندَمَجتُ عَلى مَكنونِ عِلمٍ لو بُحتُ بِهِ لَاضطَرَبتُمُ اضطِرابَ الأَرشيةِ فِي الطَّوِيِّ البَعيدَةِ.۳ | |||
إنّ هذا العالم العظيم، مع علمه الغزير هذا الّذييستهلك الأسماع دون وفاء الاستماع ، يعتبر ما يعلمه بالنّسبة لِما يجهل ، لا يُعدّ شيئا ، وعندما يتضرّع بالدّعاء إلى ربّه ، يقارن علمه بالعلم الّذي لا حصر له ، علمِ اللّه سبحانه ، فيُقرّ أمامه ويعترف بجهله . | |||
ففي دعاء «يستشير» الذي ذكر عليه السلام بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله علَّمه اِيّاهُ وأوصاه أن يعلّمه | |||
1.<ref>راجع: موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰ (القسم الحادي عشر / الفصل الرابع / القبس الثالث / الباب العاشر : سلوني قبل أن تفقدوني) .</ref> | |||
2.<ref>موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰ (القسم الحادي عشر / الفصل الثالث : علم الشرائع : ح ۴۹۹۳) .</ref> | |||
3.موسوعه الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ۱۰(القسم الحادي عشر/الفصل الثاني: لم يجد حملة لعلمه : ح۴۹۳۶). | |||
<ref>[[محمد الريشهري ]]، [[موسوعة العقائد الإسلامية (كتاب)|'''موسوعة العقائد الإسلامية''']]، ج١، ص 94.</ref> | |||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||