انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

سطر ٢٥٩: سطر ٢٥٩:


===الأنهار===
===الأنهار===
بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: (ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ ڀ ڀ) [البقرة: ٢٥].
بشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار في آيات عديدة، منها قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  25.</ref>.


وقال تعالى: (ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ) [آل عمران: ١٣٦].
وقال تعالى: {{ نص قرآني |أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}}<ref>  سورة آل عمران، الآية  136.</ref>.


وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: (ٺ ٺ ٺ ٺ ٿ ٿ) [التوبة: ١٠٠].
وسياق هذه الآيات يدل على أن تلك الأنهار جارية وموجودة في الجنة، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكرر ذكرها في آيات كثيرة، وكلها مقترنة بحرف «من» ما عدا آية واحدة في قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ}}<ref>  سورة التوبة، الآية  100.</ref>.


ويشير ابن القيم رحمه الله لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها»82.
ويشير ابن القيم رحمه الله لدلالة هذا التكرار بأمور: «أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية، والثاني: أنهار جارية لا واقفة، والثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا، كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض؛ حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم؛ إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها» <ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.


«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال (ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ) [الأنعام: ٦].
«وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال {{ نص قرآني |أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ }}<ref>  سورة الأنعام، الآية  6.</ref>. فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون {{ نص قرآني | وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي }}<ref>  سورة الزخرف، الآية  51.</ref>»<ref>حادي الارواح، ١/١٧٨.</ref>.


فهذا على ما هو المعهود والمتعارف وكذلك ما حكاه من قول فرعون (ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ) [الزخرف: ٥١]»83.
ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ }}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>. أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن التي وعد المتقون الشرك والمعاصي، {{نص قرآني| فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ }} غير متغير الطعم واللون والرائحة، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ }} كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}} أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، {{نص قرآني|وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى }} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره <ref>انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.</ref>.


ومن نعم الجنة كثرة الأنهار الجارية فيها، وهي أنهار متنوّعة تحدثت بعض الآيات الكريمة عن أصنافها وأوصافها، فقال تعالى: (ڎ ڎ ڈ ڈ ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻڻ ڻ ڻ ۀ ۀ ہ ہ ہ ہ) [محمد: ١٥].
قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة<ref>انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٥/٣٦٣.</ref>.


أي: صفة الجنة العجيبة العظيمة الشأن التي وعد المتقون الشرك والمعاصي، (ڑ ڑ ک ک ک ک) غير متغير الطعم واللون والرائحة، (گ گ گ گ ڳ ڳ) كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس، (ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ) أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر، وإنما هي تلذذ محض، (ڱ ں ں ڻ) لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره84.
وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة، فالمشهد في الآية كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى الناس في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود  <ref>وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبد السلام الراغب، ص٣٦٥.</ref>.


قيل: بدأ من هذه الأنهار بالماء لأنه لا يستغنى عنه قط، ثم باللبن لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر فى الرتبة85.
وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص حديث|رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة... }}<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن، ٧/١٠٩، رقم ٥٦١٠.</ref>.


وجاء هذا التنويع في الشراب ليلبي رغبات البشر، ويستثير فيهم شوقهم إلى الجنة، فالمشهد في الآية كله أشربة وهي أنهار أيضا لتوحي بالكثرة والوفرة، والديمومة وعدم الانقطاع، وإن كانت هذه الأشربة معروفة لدى الناس في الدنيا، إلا أن طعمها مختلف، ونوعها أجود86.
وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله {{صل}}: {{نص قرآني|سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة}}  <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، ٤/٢١٨٣، رقم ٢٨٣٩.</ref>.


وذكرت الأحاديث الشريفة أن في الجنة أربعة أنهار، كما ورد عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله {{صل}}: (رفعت إلى السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: النيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة... الحديث)87.
قال الإمام ملا علي القاري رحمه الله: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها» <ref>مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، ٩/٣٥٨٦.</ref>.


وعن أبي هريرة  قال: قال رسول الله {{صل}}: (سيحان وجيحان، والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) 88.
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>.
 
قال الإمام ملا علي القاري رحمه الله: «إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها»89.
 
ولا يمكن القول بأن أنهار الجنة تنحصر في هذه الأربعة التي ذكرت في الأحاديث السابقة؛ وذلك لأن تلك الأحاديث ذكرت أسماء بعض أنهار الجنة، ولم تذكر أنواعها بالتحديد التي قال تعالى عنها: (ڎ ڎ ڈ ڈ ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ) [محمد: ١٥].


فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت.
فالماء واللبن والخمر والعسل كلها أنهار من كل الأصناف التي ذكرت.


قال الزركشي: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء مجازًا للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله»90.
قال الزركشي: «فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: أنهار من ماء، ومن لبن، ومن خمر، ومن عسل، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا الماء مجازًا للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي قبله»  <ref>البرهان، الزركشي، ٣/٣٣.</ref>.


وعلى ذلك يتبين أن في الجنة أنهارًا كثيرة، جعلها الله تعالى نعيمًا لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في الآيات والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في القرآن الكريم ما يأتي:
وعلى ذلك يتبين أن في الجنة أنهارًا كثيرة، جعلها الله تعالى نعيمًا لعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين، وهي متنوعة الأشكال والألوان والمذاق بين ماء عذب، ولبن سائغ، وخمر شهي، وعسل صافٍ، ومختلفة الأسماء والعدد كما مرّ في الآيات والأحاديث المتقدمة، ومن الأنهار التي ذكرت في القرآن الكريم ما يأتي:
#أنهار من ماء: قال تعالى: {{نص قرآني|فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}}. أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧، تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/٢٧٢.</ref> . ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه الآية، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: {{ نص قرآني |تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}}<ref>  سورة البقرة، الآية  25.</ref>، لم يكن هناك من داع لتحديد {{نص قرآني|غَيْرِ آسِنٍ}} لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء  <ref>انظر: لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص٦٢٦.</ref>. وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: «قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعًا لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض، فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسببًا في الأمراض والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة كبيرة» <ref>القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل ص١١٧.</ref>.
#أنهار من اللبن: اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>. أي: «لم يحمض ولم يصر قارصًا ولا حازرًا كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.</ref>. قال الطبري: «لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه» <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٦٧.</ref>.
#أنهار من خمر: قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>. أي: «وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون» <ref>تفسير المراغي، ٢٦/٥٨.</ref>. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال» <ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.</ref>. وهذا من فضل الله تعالى على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في الحياة الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب عقل من شربها، خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة الكاملة.
#أنهار من عسل: قال تعالى: {{ نص قرآني | وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى}}<ref>  سورة محمد، الآية  15.</ref>. أي: «وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها»<ref>النكت والعيون، الماوردي، ٥/٤٥٢.</ref>.
#الكوثر: قال تعالى: {{ نص قرآني |إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}}<ref>  سورة الكوثر، الآية  1.</ref>. واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر على أقوال، منها:
##أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.</ref>، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس ، عن النبي {{صل}} قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر)  <ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الحوض، ٨/١٢٠، رقم ٦٥٨١.</ref>. وعن ابن عباس، قال: «الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل» <ref>جامع البيان، الطبري ٢٤/٦٤٥.</ref>، وقال أيضًا: نهر أعطاه الله محمدًا {{صل}} في الجنة <ref>جامع البيان، الطبري، ٢٤/٦٤٦.</ref>.
##أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع  <ref>انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/٣١٣.</ref>. قال عطاء: «حوض في الجنة أعطيه رسول الله {{صل}}»  <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.</ref>.
##عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة<ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٦٤٨.</ref>. قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي {{صل}}، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية»  <ref>المفردات ص٧٠٣.</ref>. والأقوال كثيرة ومتعددة في تأويل معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله {{صل}} في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله {{صل}} بذلك. قال الحافظ ابن حجر: «ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي {{صل}} فلا معدل عنه»  <ref>فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ٨/٧٣٢.</ref>.


١. أنهار من ماء.
ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها أنهارًا جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا محمد {{صل}}، ترده أمته يوم القيامة، ثبث بالآيات والأحاديث المتقدمة.
 
قال تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک) [محمد: ١٥].
 
أي: أنهار من ماء غير متغير الريح، يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت، فهو يأسن أسنا، وأما إذا أجن الماء وتغير، فإنه يقال له: أسن فهو يأسن، ويأسن أسونا، وماء أسن، وهذه المياه ليست كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها91.
 
ولم ترد كلمة (تجري) للأنهار في هذه الآية، لأن الماء الآسن لا يكون إلا بركود الماء، فلم يتطلب السياق ذكر كلمة (تجري)، أما في قوله تعالى: (ژ ڑ ڑ ک)، لم يكن هناك من داع لتحديد (ک ک) لأنه جاء وصف الأنهار بالجريان، الأمر الذي لا يؤدي إلى أن تأسن الماء92.
 
وتؤكد الآية الكريمة حقيقة علمية: «قبل أن يكشف العلم بوسائله وأدواته عالم الميكروبات أي الجراثيم التي توجد في الماء الراكد، الذي يصير مستودعًا لملايين البكتيريا والطفيليات الضارة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض، فأنه لما اخترع الإنسان المناظير المكبرة رأى بواسطتها كيف أن الماء الراكد يموج بملايين الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة، وتتكاثر بسرعة هائلة؛ فتفسد الماء وتجعله متغير الرائحة والطعم، وسببًا في الأمراض والأوبئة التي ما كان أحد يعرف مصدرها قبل اكتشافها بواسطة المجهر (الميكروسكوب) أي: مكبر الصور إلى درجة كبيرة»93.
 
٢. أنهار من اللبن.
 
اللبن جمعه: ألبان، قال تعالى: (گ گ گ) [محمد: ١٥].
 
أي: «لم يحمض ولم يصر قارصًا ولا حازرًا كألبان الدنيا، وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم»94.
 
قال الطبري: «لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار، فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه»95.
 
٣. أنهار من خمر.
 
قال تعالى: (ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ) [محمد: ١٥].
 
أي: «وفيها أنهار من خمر لذيذة لهم، إذ لم تدنسها الأرجل، ولم ترنّقها (تكدرها) الأيدى كخمر الدنيا، وليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا، فلا يتكرّهها الشاربون»96.
 
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، وقد ذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال»97.


وهذا من فضل الله تعالى على عباده المتقين أن جعلهم يتلذذون بالخمر الذي حرموا منه في الحياة الدنيا؛ جزاء لهم على طاعتهم وانقيادهم لأمر الله تعالى، فخمر الدنيا كريهة الرائحة تسلب عقل من شربها، خلاف خمر الجنة التي وصفت باللذة الكاملة.
٤. أنهار من عسل.
قال تعالى: (ڱ ں ں ڻ) [محمد: ١٥].
أي: «وفيها أنهار من عسل قد صفّى من القذى وما يكون فى عسل أهل الدنيا قبل التصفية من الشمع وفضالات النحل وغيرها»98.
٥. الكوثر.
قال تعالى: (ڎ ڎ ڈ ڈ) [الكوثر: ١].
واختلف أهل التأويل في معنى الكوثر على أقوال، منها:
القول الأول: أنه نهر في الجنة، وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف99، واستدلوا على ذلك بما ورد عن أنس ، عن النبي {{صل}} قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر)100.
وعن ابن عباس، قال: «الكوثر: نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل»101، وقال أيضًا: نهر أعطاه الله محمدًا {{صل}} في الجنة102.
القول الثاني: أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة، ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: لعل النهر ينصب في الحوض، أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع103.
قال عطاء: «حوض في الجنة أعطيه رسول الله {{صل}}»104.
القول الثالث: عني بالكوثر الخير الكثير، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة105.
قال الراغب الاصفهاني: «قيل: هو نهر في الجنة يتشعب عنه الأنهار، وقيل: بل هو الخير العظيم الذي أعطاه النبي {{صل}}، وقد يقال للرجل السخي: كوثر، ويقال: تكوثر الشيء: كثر كثرة متناهية»106.
والأقوال كثيرة ومتعددة في تأويل معنى الكوثر، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هو اسم النهر الذي أعطيه رسول الله {{صل}} في الجنة، لتتابع الأخبار عن رسول الله {{صل}} بذلك.
قال الحافظ ابن حجر: «ثبت تخصيصه بالنهر من لفظ النبي {{صل}} فلا معدل عنه»107.
ويتضح مما تقدم أن من نعم الجنة التي لا تنقطع ولا تفنى أن جعل الله تعالى فيها أنهارًا جارية من الماء واللبن والخمر والعسل، والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا محمد {{صل}}، ترده أمته يوم القيامة، ثبث بالآيات والأحاديث المتقدمة.
===العيون===
===العيون===


٢٦٬٨٦٢

تعديل