انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «حجر بن عدي الكندي»

لا ملخص تعديل
سطر ٢: سطر ٢:


==نبذة==
==نبذة==
حجر بن عدي [[الكندي]] يكنى «أبا عبد [[الرحمن]]».
[[حجر بن عدي الكندي]] يكنى «أبا عبد الرحمن]]».


من [[صحابة الإمام]]، ومن كبار أنصاره، ومن المجاهدين الذين رفعوا راية [[الإسلام]] خفافة في ربوع الامبراطوريتين: [[الروم]] والفرس.
من [[صحابة الإمام]]، ومن كبار أنصاره، ومن المجاهدين الذين رفعوا راية [[الإسلام]] خفافة في ربوع الامبراطوريتين: [[الروم]] والفرس.
سطر ٢٠: سطر ٢٠:
ثم إن حجر بن عدي مع جماعته انتقلوا من خنادق سورية البيزنطينية إلى خنادق عراق الساسانيين في محاولة نجدة المسلمين في هاتيك الأرجاء من الوطن الساساني، وخاض حجر في بسالة فذة المعارك الدائرة بين الفريقين في ساحات [[القتال]]، واشهر هاتيك المعارك هي معركة [[القادسية]] حيث إنها كانت معركة مصيرية بين [[الإسلام]] وبين [[الدولة]] الساسانية المنهارة، وكان [[النصر]] حليف حجر بن عدي <ref>المحر: ٢٥٢، الطبقات ٦: ٢١٧.</ref>.
ثم إن حجر بن عدي مع جماعته انتقلوا من خنادق سورية البيزنطينية إلى خنادق عراق الساسانيين في محاولة نجدة المسلمين في هاتيك الأرجاء من الوطن الساساني، وخاض حجر في بسالة فذة المعارك الدائرة بين الفريقين في ساحات [[القتال]]، واشهر هاتيك المعارك هي معركة [[القادسية]] حيث إنها كانت معركة مصيرية بين [[الإسلام]] وبين [[الدولة]] الساسانية المنهارة، وكان [[النصر]] حليف حجر بن عدي <ref>المحر: ٢٥٢، الطبقات ٦: ٢١٧.</ref>.


وفي غضون معارك حجر بن عدي في ساحات البيزنطينيين أو ساحات الساسانيين أبدى حجر بن عدي من [[الشجاعة]] والبسالة والنجدة ما أدهش زملائه [[العسكريين]] مما جعلته مشهورا في صفوف الجنود، وفي إحدى هذه المعارك الشهيرة بمعركة «الساباط» التحم [[القتال]] بين المسلمين وبين الساسانيين، وكان الحارث بن هانئ [[الكندي]] أحد جنود هذه [[المعركة]] يقاتل في ضراوة، وإذا به في خلال المعركة يجد نفسه مطوقا من قبل [[العدو]]، فحاول جاهدا أن يحطم التطويق، ولكنه لم يفلح الأمر الذي صاح في غمار النقع: يا حكر، يا حكر، مستنجدا ب «حجر بن عدي»، وما إن حملت الرياح اصداءه إلى حجر، وهو يقاتل في حماس ملتهب، فما كان من حجر إلا أن أصدر أوامره إلى جنوده أن يتبعوه وبصورة تكتيكية [[شجاعة]]، وبعد قتال أحمر قاني استطاع حجر أن يحطم التطويق، ويصل إلى الحارث الكندي الجندي المستغيث، ويستنقذه من يد المطوقين»<ref>يراجع أسد الغابة ١: ٣٥١ .</ref>.
وفي غضون معارك حجر بن عدي في ساحات البيزنطينيين أو ساحات الساسانيين أبدى حجر بن عدي من [[الشجاعة]] والبسالة والنجدة ما أدهش زملائه [[العسكريين]] مما جعلته مشهورا في صفوف الجنود، وفي إحدى هذه المعارك الشهيرة بمعركة «الساباط» التحم [[القتال]] بين المسلمين وبين الساسانيين، وكان [[الحارث بن هانئ الكندي]] أحد جنود هذه [[المعركة]] يقاتل في ضراوة، وإذا به في خلال المعركة يجد نفسه مطوقا من قبل [[العدو]]، فحاول جاهدا أن يحطم التطويق، ولكنه لم يفلح الأمر الذي صاح في غمار النقع: يا حكر، يا حكر، مستنجدا ب «حجر بن عدي»، وما إن حملت الرياح اصداءه إلى حجر، وهو يقاتل في حماس ملتهب، فما كان من حجر إلا أن أصدر أوامره إلى جنوده أن يتبعوه وبصورة تكتيكية [[شجاعة]]، وبعد قتال أحمر قاني استطاع حجر أن يحطم التطويق، ويصل إلى الحارث الكندي الجندي المستغيث، ويستنقذه من يد المطوقين»<ref>يراجع أسد الغابة ١: ٣٥١ .</ref>.


وأصبح حجر بن عدي من كبار [[القادة]] [[العسكريين]]، فكان يتقاضى راتبه من [[الدولة]]، وقدره (٢٥٠٠) درهما أو دينارا، وهو راتب ضخم في ذلك [[العهد]] لا يتقاضاه إلا من كان على صعيد حجر بن عدي<ref>أسد الغابة ١: ٣٥١، الطبقات ٦: ٢١٨.</ref>.
وأصبح حجر بن عدي من كبار [[القادة]] [[العسكريين]]، فكان يتقاضى راتبه من [[الدولة]]، وقدره (٢٥٠٠) درهما أو دينارا، وهو راتب ضخم في ذلك [[العهد]] لا يتقاضاه إلا من كان على صعيد حجر بن عدي<ref>أسد الغابة ١: ٣٥١، الطبقات ٦: ٢١٨.</ref>.
سطر ٢٦: سطر ٢٦:
وبقي حجر بن عدي في ثكنة [[الكوفة]] أو معسكر الكوفة كضابط من كبار الضباط العسكريين، واشتهر حجر بين الجنود وبين عوائلهم بالعبادة والصلاة والتهجد والخشوع والتقى تماما كما كان مشهورا ذائع الصيت بالشجاعة والتفاني والنجدة، وبالكرم والشفقة وسماحة [[النفس]].
وبقي حجر بن عدي في ثكنة [[الكوفة]] أو معسكر الكوفة كضابط من كبار الضباط العسكريين، واشتهر حجر بين الجنود وبين عوائلهم بالعبادة والصلاة والتهجد والخشوع والتقى تماما كما كان مشهورا ذائع الصيت بالشجاعة والتفاني والنجدة، وبالكرم والشفقة وسماحة [[النفس]].


وكثيرا ما رحل حجر من المعسكر مسافرا ومتجها إلى [[مدينة الرسول]]، ومكة المكرمة حاجا أو معتمرا، وفي إحدى رحلاته هذه التقى بأبي ذر الغفاري [[رضوان الله تعالى]] عليه، وهو في منفاه مبعدا في الريدة، وكان [[أبو ذر الغفاري]] آنئذ يعاني [[سكرات الموت]] لم يمض وقت كثير حتى لفظ المجاهد الكبير آخر أنفاسه، فقام حجر بن عدي وزميله الكبير [[مالك الأشتر]] في تجهيز الصحابي [[العظيم]]، فوارياه في منفاه في الربذة بعد [[حياة]] حافلة بالجهاد<ref>أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٨، الاصابة ١: ٣١٣.</ref>.
وكثيرا ما رحل حجر من المعسكر مسافرا ومتجها إلى [[مدينة الرسول]]، ومكة المكرمة حاجا أو معتمرا، وفي إحدى رحلاته هذه التقى بـ [[أبي ذر الغفاري]]، وهو في منفاه مبعدا في الريدة، وكان [[أبو ذر الغفاري]] آنئذ يعاني [[سكرات الموت]] لم يمض وقت كثير حتى لفظ المجاهد الكبير آخر أنفاسه، فقام حجر بن عدي وزميله الكبير [[مالك الأشتر]] في تجهيز الصحابي [[العظيم]]، فوارياه في منفاه في الربذة بعد [[حياة]] حافلة بالجهاد<ref>أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٨، الاصابة ١: ٣١٣.</ref>.


وحينما تولى [[الإمام علي]]{{ع}} [[الخلافة]] على الصعيد [[السياسي]]، وحملت إليه الأنباء بتحركات [[أصحاب الجمل]] المشبوهة الأمر الذي [[عزم]] على [[التصدي]] للتحركات التي اسفرت عن «معركة [[الجمل]]»، فرحل [[الإمام]] إلى الربذة، ومن هناك أرسل [[الإمام]] برسائل إلى معسكر [[الكوفة]] يدعو [[الناس]] إلى [[التعبئة]] والالتحاق بجيشه، وحينما وصل [[رسول]] الإمام إلى المعسكر أجتمع الجنود في [[مسجد]] المعسكر الكبير، وهناك أصغوا إلى [[رسالة]] الإمام.
وحينما تولى [[الإمام علي]]{{ع}} [[الخلافة]] على الصعيد [[السياسي]]، وحملت إليه الأنباء بتحركات [[أصحاب الجمل]] المشبوهة الأمر الذي [[عزم]] على [[التصدي]] للتحركات التي اسفرت عن «معركة [[الجمل]]»، فرحل [[الإمام]] إلى الربذة، ومن هناك أرسل [[الإمام]] برسائل إلى معسكر [[الكوفة]] يدعو [[الناس]] إلى [[التعبئة]] والالتحاق بجيشه، وحينما وصل [[رسول]] الإمام إلى المعسكر أجتمع الجنود في [[مسجد]] المعسكر الكبير، وهناك أصغوا إلى [[رسالة]] الإمام.


نهض كبار الشخصيات العسكرية، والقوا بخطبهم الملتهبة يحثون الجنود أن يستجيبوا لدعوة [[الإمام أمير المؤمنين]]{{ع}}، وكان أحد من خطب في حشود المسلمين هو صاحب الترجمة: حجر بن عدي، فإنه نهض وهتف في الناس أن يستجيبوا للقرآن، أن يلبوا [[دعوة]] الإمام{{ع}}، فقال فيما قال في نبرات حازمة ملتهبة: «أيها الناس سيروا إلى [[أمير المؤمنين]]، {{نص قرآني|انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}}<ref>سورة التوبة: ٤١.</ref> ومروا أنا أولكم}}<ref>تاريخ الطبري ٤: ٤٨٥، اعيان الشيعة ٢٠: ١٥٦.</ref>.
نهض كبار الشخصيات العسكرية، والقوا بخطبهم الملتهبة يحثون الجنود أن يستجيبوا لدعوة [[الإمام أمير المؤمنين]]{{ع}}، وكان أحد من خطب في حشود المسلمين هو صاحب الترجمة: حجر بن عدي، فإنه نهض وهتف في الناس أن يستجيبوا للقرآن، أن يلبوا [[دعوة]] الإمام{{ع}}، فقال فيما قال في نبرات حازمة ملتهبة: «أيها الناس سيروا إلى [[أمير المؤمنين]]، {{نص قرآني|انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}}<ref>سورة التوبة: ٤١.</ref> ومروا أنا أولكم<ref>تاريخ الطبري ٤: ٤٨٥، اعيان الشيعة ٢٠: ١٥٦.</ref>.


وبفضل [[الحركة]] الاعلامية الرائدة التي قادها حجر وأصحابه الميامين تحققت التعبئة العامة، وسارت فيالق الجنود السبعة برا وبحرا ليليوا دعوة قائدهم [[العظيم]]، وحسب الاحصائيات كان عدد الجنود اثني عشر ألف جندي، وأحد الفيالق السبعة هو فيلق يضم على جنود من قبيلتي [[مذحج]] والأشعريين، وقائدهم هو حجر بن عدي [[الكندي]] صاحب الترجمة<ref>يراجع تاريخ الطبري ٤: ٥٠٠.</ref>.
وبفضل [[الحركة]] الاعلامية الرائدة التي قادها حجر وأصحابه الميامين تحققت التعبئة العامة، وسارت فيالق الجنود السبعة برا وبحرا ليليوا دعوة قائدهم [[العظيم]]، وحسب الاحصائيات كان عدد الجنود اثني عشر ألف جندي، وأحد الفيالق السبعة هو فيلق يضم على جنود من قبيلتي [[مذحج]] والأشعريين، وقائدهم هو حجر بن عدي الكندي صاحب الترجمة<ref>يراجع تاريخ الطبري ٤: ٥٠٠.</ref>.


وعندما وزع الإمام القيادات على كتائب [[الجيش]] في هذه [[المعركة]] الشهيرة ب «معركة الناكثين» نصب حجر بن عدي على كتيبة [[كبيرة]] تضم على جنود من [[كندة]] وحضرموت، وقضاعة ومهرة<ref>يراجع: الأخبار الطوال: ١٤٦، الطبقات ٦: ٢١٨.</ref>.
وعندما وزع الإمام القيادات على كتائب [[الجيش]] في هذه [[المعركة]] الشهيرة ب «معركة الناكثين» نصب حجر بن عدي على كتيبة [[كبيرة]] تضم على جنود من [[كندة]] وحضرموت، وقضاعة ومهرة<ref>يراجع: الأخبار الطوال: ١٤٦، الطبقات ٦: ٢١٨.</ref>.
سطر ٩٦: سطر ٩٦:
أقول إن الإمام أمر بالتعبئة العامة للمسير إلى المخادع اللئيم، ثم إن الإمام سار بجيشه من العاصمة ليقضي على المتآمرين على [[الإسلام]]، والمتسترين بالقرآن ولكن الإمام لم يكد يبتعد عن العاصمة حتى جاءته الأنباء عن تحركات [[الخوارج]] مما جعلته{{ع}} ينصرف عن اتجاهه إلى المتآمرين، ويعطف زمام [[قيادة]] [[الجيش]] باتجاه الخوارج في [[النهروان]]، وكان حجر بن عدي أحد [[قادة]] الجيش، فقد نصبه الإمام قائدا على كتيبة [[كندة]]، وفي ميمنة الجيش<ref>تاريخ الطبري ٥: ٨٥، الاستيعاب ١: ٣٥٥، وفيه كان حجر على الميسرة يوم النهروان.</ref>.
أقول إن الإمام أمر بالتعبئة العامة للمسير إلى المخادع اللئيم، ثم إن الإمام سار بجيشه من العاصمة ليقضي على المتآمرين على [[الإسلام]]، والمتسترين بالقرآن ولكن الإمام لم يكد يبتعد عن العاصمة حتى جاءته الأنباء عن تحركات [[الخوارج]] مما جعلته{{ع}} ينصرف عن اتجاهه إلى المتآمرين، ويعطف زمام [[قيادة]] [[الجيش]] باتجاه الخوارج في [[النهروان]]، وكان حجر بن عدي أحد [[قادة]] الجيش، فقد نصبه الإمام قائدا على كتيبة [[كندة]]، وفي ميمنة الجيش<ref>تاريخ الطبري ٥: ٨٥، الاستيعاب ١: ٣٥٥، وفيه كان حجر على الميسرة يوم النهروان.</ref>.


وكان حجر [[الكندي]] زعيم كندة، وموضع ثقتها تماماً كما هو موضع [[ثقة]] الإمام، فخاض حجر هذه [[المعركة]] في بسالة ونجدة إلى أن قضى الإمام على الخوارج، وهذه المعركة ألقت هزة في قلوب [[الناس]] في العاصمة، فقد [[قتل]] الخوارج، وكانوا ثلاثة أو أربعة آلاف خارجيا تماما كما استشهد من جيش الإمام تسعة أشخاص، إلا أن الخوارج هؤلاء كانت لهم صلات ووشائج بأهل العاصمة الأمر الذي أثرت هذه المعركة بصورة سلبية على أهل العاصمة، وعلى جنودها رغم أن جنود الإمام كانت ضمائرهم صافية لا يعكرها جهودهم النضالية في ساحات المعركة في النهروان الا ان بعضهم أصابه لون من خيبة أمل، ومن هذا المنطلق، فإن الإمام بعد أن أحمد فتنة الخوارج دعا الجيش أن يتحرك باتجاه [[العدو]] المتآمر، ولكن الإمام [[شعر]] أن هناك عدم اهتمام، فسار الجيش إلى العاصمة، وكان واحد من جواسيس معاوية يعيش في العاصمة، واسمه عمارة بن عقبة بن أبي معيط<ref>عمارة بن عقبة بن أبي محيط هذا هو عفة أخو الوليد بن ن أبي معيط الذي نحته القرآن بالفسق: {{نص قرآني|إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}}، والذي شرب الخمر وهو والي الكوفة ثم صلى بالناس صلاة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم؟</ref>، ويعني هذا أن عمارة هو الآخر أموي أيضا إن عمارة هذا حينما [[شاهد]] أن الجيش عاد إلى العاصمة كتب [[رسالة]] إلى معاوية ينبأه باحداث العاصمة، وكان [[معاوية]] عند ما علم بدعوة [[الإمام]] بالاستنفار هاله الأمر، فقام باجراءات، وجمع جنوده، وكان ينتظر عما تسفر عن مسيرة الإمام، فإذا برسالة [[عمارة بن عقبة]] تصله فينفضها، فإذا فيها:  
وكان حجر الكندي زعيم كندة، وموضع ثقتها تماماً كما هو موضع [[ثقة]] الإمام، فخاض حجر هذه [[المعركة]] في بسالة ونجدة إلى أن قضى الإمام على الخوارج، وهذه المعركة ألقت هزة في قلوب [[الناس]] في العاصمة، فقد [[قتل]] الخوارج، وكانوا ثلاثة أو أربعة آلاف خارجيا تماما كما استشهد من جيش الإمام تسعة أشخاص، إلا أن الخوارج هؤلاء كانت لهم صلات ووشائج بأهل العاصمة الأمر الذي أثرت هذه المعركة بصورة سلبية على أهل العاصمة، وعلى جنودها رغم أن جنود الإمام كانت ضمائرهم صافية لا يعكرها جهودهم النضالية في ساحات المعركة في النهروان الا ان بعضهم أصابه لون من خيبة أمل، ومن هذا المنطلق، فإن الإمام بعد أن أحمد فتنة الخوارج دعا الجيش أن يتحرك باتجاه [[العدو]] المتآمر، ولكن الإمام [[شعر]] أن هناك عدم اهتمام، فسار الجيش إلى العاصمة، وكان واحد من جواسيس معاوية يعيش في العاصمة، واسمه عمارة بن عقبة بن أبي معيط<ref>عمارة بن عقبة بن أبي محيط هذا هو عفة أخو الوليد بن ن أبي معيط الذي نحته القرآن بالفسق: {{نص قرآني|إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}}، والذي شرب الخمر وهو والي الكوفة ثم صلى بالناس صلاة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم؟</ref>، ويعني هذا أن عمارة هو الآخر أموي أيضا إن عمارة هذا حينما [[شاهد]] أن الجيش عاد إلى العاصمة كتب [[رسالة]] إلى معاوية ينبأه باحداث العاصمة، وكان [[معاوية]] عند ما علم بدعوة [[الإمام]] بالاستنفار هاله الأمر، فقام باجراءات، وجمع جنوده، وكان ينتظر عما تسفر عن مسيرة الإمام، فإذا برسالة [[عمارة بن عقبة]] تصله فينفضها، فإذا فيها:  
«أما بعد، فإن عليا خرج عليه أصحابه ونساكهم، فخرج عليهم، فقتلهم وقد فسد جنده وأهل مصره، ووقعت بينهم العداوة، وتفرقوا أشد الفرقة». وعندها دعا معاوية [[الضحاك]] بن قيس القهري، وجعل تحت امرته ٣٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جريدة<ref>الجريدة: خيل لا رجالة فيها، أي أن الجيش أو السرية كلها فرسان ليس فيها مشاة.</ref> خيل وأرسله للاغارة على أطراف حوزة الإمام، وأوصاه أن يثير [[الرعب]] والهلع في أفراد الشعب من يدينون بالولاء للإمام ودولته الرائدة.
«أما بعد، فإن عليا خرج عليه أصحابه ونساكهم، فخرج عليهم، فقتلهم وقد فسد جنده وأهل مصره، ووقعت بينهم العداوة، وتفرقوا أشد الفرقة». وعندها دعا معاوية [[الضحاك بن قيس القهري]]، وجعل تحت امرته ٣٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ جريدة<ref>الجريدة: خيل لا رجالة فيها، أي أن الجيش أو السرية كلها فرسان ليس فيها مشاة.</ref> خيل وأرسله للاغارة على أطراف حوزة الإمام، وأوصاه أن يثير [[الرعب]] والهلع في أفراد الشعب من يدينون بالولاء للإمام ودولته الرائدة.


سار الضحاك مع عصابته ماراً بالسماوة، وواقصة، وشراف، والقطقطانه، وما والاها، فطفق هو وعصابته يسلبون [[الأموال]] من أهل القرى والبوادي والأعراب، أي الطبقة المستضعفة والمحرومة من الشعب، ويقتلون [[الأعراب]] والعزل، ويثيرون فيهم [[الخوف]] والهلع.
سار الضحاك مع عصابته ماراً بالسماوة، وواقصة، وشراف، والقطقطانه، وما والاها، فطفق هو وعصابته يسلبون [[الأموال]] من أهل القرى والبوادي والأعراب، أي الطبقة المستضعفة والمحرومة من الشعب، ويقتلون [[الأعراب]] والعزل، ويثيرون فيهم [[الخوف]] والهلع.
سطر ١٠٣: سطر ١٠٣:
وفي الثعلبية حيث هو طريق قوافل [[حجاج]]: [[بيت]] [[الله]] [[الحرام]] أغارت العصابة على [[الحجاج]] الآمنين، وسلبت منهم رواحلهم، وأنتزعت منهم أموالهم، الأموال التي كان الحجاج الأسون يحاولون أن يصرفوها على إمتداد الرحلة حتى توصلهم إلى بيت ربهم، ولكنهم أصطدموا بعصابة معاوية، فجردتهم من أموالهم، ورواحلهم وامتعتهم، وتركتهم يجأرون إلى [[الله تعالى]].
وفي الثعلبية حيث هو طريق قوافل [[حجاج]]: [[بيت]] [[الله]] [[الحرام]] أغارت العصابة على [[الحجاج]] الآمنين، وسلبت منهم رواحلهم، وأنتزعت منهم أموالهم، الأموال التي كان الحجاج الأسون يحاولون أن يصرفوها على إمتداد الرحلة حتى توصلهم إلى بيت ربهم، ولكنهم أصطدموا بعصابة معاوية، فجردتهم من أموالهم، ورواحلهم وامتعتهم، وتركتهم يجأرون إلى [[الله تعالى]].


وسارت العصابة فرحة مبتهجة على أعمالها البطولية، وسارت طويلا، وبيتت أحد مسالح [[الدولة]] - أي شرطة [[الحدود]]- على مقربة من قطقطانة ثم أقبلت العصابة حتى التقت بالعبد [[الصالح]]، والمسلم المتهجد «عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي»، وعمرو هذا هو ابن أخي [[عبد الله]] بن مسعود، وكان عمرو في رحلته إلى [[الحج]] يأم بيت الله الحرام، ولكن العصابة لم تتخل عن [[الشيخ]] [[العابد]] عمرو، بل تناولته وقتلته، فاستشهد الشيخ ابن أخي عبد الله [[ابن مسعود]] على يد عصابة معاوية، وليس عمراً وحده قتلته العصابة بل وطاردت أصحابه وقتلتهم.
وسارت العصابة فرحة مبتهجة على أعمالها البطولية، وسارت طويلا، وبيتت أحد مسالح [[الدولة]] - أي شرطة [[الحدود]]- على مقربة من قطقطانة ثم أقبلت العصابة حتى التقت بالعبد [[الصالح]]، والمسلم المتهجد «[[عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي]]»، وعمرو هذا هو ابن أخي [[عبد الله بن مسعود]]، وكان عمرو في رحلته إلى [[الحج]] يأم بيت الله الحرام، ولكن العصابة لم تتخل عن [[الشيخ]] [[العابد]] عمرو، بل تناولته وقتلته، فاستشهد الشيخ ابن أخي عبد الله [[ابن مسعود]] على يد عصابة معاوية، وليس عمراً وحده قتلته العصابة بل وطاردت أصحابه وقتلتهم.


إن عصابة [[كبيرة]] مكونة من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وكلهم فرسان يا ترى أية جريمة لا تركتبها؟ أنها تهلك الحرث والنسل، وتعيث فساداً في [[الأرض]]، ولقد شاهدنا كثيراً من الأفلام السينمائية التي تعرض على شاشة التلفزة، والتي تختص في مجال العصابات والفرسان المغيرين، فنرى [[الفساد]] الذي يشيعونه في المزارع والبساتين، والخوف والهلع الذي يمتلك [[الناس]] منهم في الأرياف والقرى والبوادي، ورأينا بام أعيننا الفساد [[العظيم]]، والقتل المستشري، والدمار الذي حل بالناس، وبالقرى والمدن، وبالأموال والممتلكات من جراء هجوم البعثيين على الأراضي الايرانية، وعلى الكويت أيضاً.
إن عصابة [[كبيرة]] مكونة من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وكلهم فرسان يا ترى أية جريمة لا تركتبها؟ أنها تهلك الحرث والنسل، وتعيث فساداً في [[الأرض]]، ولقد شاهدنا كثيراً من الأفلام السينمائية التي تعرض على شاشة التلفزة، والتي تختص في مجال العصابات والفرسان المغيرين، فنرى [[الفساد]] الذي يشيعونه في المزارع والبساتين، والخوف والهلع الذي يمتلك [[الناس]] منهم في الأرياف والقرى والبوادي، ورأينا بام أعيننا الفساد [[العظيم]]، والقتل المستشري، والدمار الذي حل بالناس، وبالقرى والمدن، وبالأموال والممتلكات من جراء هجوم البعثيين على الأراضي الايرانية، وعلى الكويت أيضاً.
سطر ١٠٩: سطر ١٠٩:
لقد بلغت أخبار عصابة [[معاوية]] التي يقودها [[الضحاك بن قيس الفهري]]، والجرائم التي ارتكبتها في [[حق]] أهل القرى والأرياف والمستضعفين من سواد الشعب، بلغت الأخبار [[الإمام]]، فهاله مقتل [[عمرو بن عميس الذهلي]]، فجمع الإمام الناس، وخطب فيهم، وقال: {{نص حديث|يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس، وإلى جيوش لكم قد أصيب منها طرف، اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين}}.
لقد بلغت أخبار عصابة [[معاوية]] التي يقودها [[الضحاك بن قيس الفهري]]، والجرائم التي ارتكبتها في [[حق]] أهل القرى والأرياف والمستضعفين من سواد الشعب، بلغت الأخبار [[الإمام]]، فهاله مقتل [[عمرو بن عميس الذهلي]]، فجمع الإمام الناس، وخطب فيهم، وقال: {{نص حديث|يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس، وإلى جيوش لكم قد أصيب منها طرف، اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين}}.


ثم ان [[الإمام]]{{ع}} دعا حجر بن عدي [[الكندي]] وعقد له راية على أربعة آلاف جندي، فسار حجر مع جنوده، وأغذ السير مطاردا عصابة [[معاوية]]، وأخذ طريق السماوة، وخاض غمار البيداء، وكان معه أدلاء كلبيون يدلونه على معالم الطريق، وعلى [[المياه]] والآبار، وكانت العصابة حينما سمعت بالمطاردة من قبل [[الدولة]] طاروا في وجوههم، ولكن حجراً [[تمكن]] أن يلحقها في تدمر بعد سعي متواصل، وجد مستمر، وهناك تصدى لها حجر، ووقعت معركة بين الفريقين، فصرع ١٩ رجلاً من عصابة [[الضحاك]]، واستشهد رجلان من جنود حجر، وكان [[الليل]] قد أقبل بجحافله، فألقى بظلاله الداكنة على الصحراء، والأشلاء، وأمسى المساء حاجزاً بين الفريقين عن [[القتال]]، فتوقف [[الفريقان]] عن [[الصراع]].
ثم ان [[الإمام]]{{ع}} دعا حجر بن عدي الكندي وعقد له راية على أربعة آلاف جندي، فسار حجر مع جنوده، وأغذ السير مطاردا عصابة [[معاوية]]، وأخذ طريق السماوة، وخاض غمار البيداء، وكان معه أدلاء كلبيون يدلونه على معالم الطريق، وعلى [[المياه]] والآبار، وكانت العصابة حينما سمعت بالمطاردة من قبل [[الدولة]] طاروا في وجوههم، ولكن حجراً [[تمكن]] أن يلحقها في تدمر بعد سعي متواصل، وجد مستمر، وهناك تصدى لها حجر، ووقعت معركة بين الفريقين، فصرع ١٩ رجلاً من عصابة [[الضحاك]]، واستشهد رجلان من جنود حجر، وكان [[الليل]] قد أقبل بجحافله، فألقى بظلاله الداكنة على الصحراء، والأشلاء، وأمسى المساء حاجزاً بين الفريقين عن [[القتال]]، فتوقف [[الفريقان]] عن [[الصراع]].


لقد أجهدت الرحلة ثم [[المعركة]] جنود حجر البواسل، فلما حجز الليل الدامس بين الفريقين عاد جنود حجر إلى معسكرهم على أمل العودة عندما يسفر الصباح، وفي اليوم التالي تأهب الجنود لخوض معركة، ولكن ما أن أصحروا حتى شاهدوا معسكر [[العدو]] خالياً شاغراً ليس فيه صاهل، ولا باغم، ولا فارس، وبعد أن فتشوا، فإذا بهم يشاهدون أن العصابة قد هربت من المعركة في هدوء الليل قد اتخذت الظلام ستاراً للفرار.
لقد أجهدت الرحلة ثم [[المعركة]] جنود حجر البواسل، فلما حجز الليل الدامس بين الفريقين عاد جنود حجر إلى معسكرهم على أمل العودة عندما يسفر الصباح، وفي اليوم التالي تأهب الجنود لخوض معركة، ولكن ما أن أصحروا حتى شاهدوا معسكر [[العدو]] خالياً شاغراً ليس فيه صاهل، ولا باغم، ولا فارس، وبعد أن فتشوا، فإذا بهم يشاهدون أن العصابة قد هربت من المعركة في هدوء الليل قد اتخذت الظلام ستاراً للفرار.
سطر ١١٧: سطر ١١٧:
فكتب الإمام رسالة جوابية لأخيه عقيل جاء فيها: {{نص حديث|... وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ غَارَةِ اَلضَّحَّاكِ عَلَى أَهْلِ اَلْحِيرَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ وَ أَذَلُّ مِنْ أَنْ يَلُمَّ بِهَا، أَوْ يَدْنُوَ مِنْهَا، وَ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ أَقْبَلَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ، فَأَخَذَ عَلَى اَلسَّمَاوَةِ، حَتَّى مَرَّ بِوَاقِصَةَ وَ شُرَافَ وَ اَلْقُطْقُطَانَةِ، فَمَا وَالَى ذَلِكَ اَلصُّقْعَ، فَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ جُنْداً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرَّ هَارِباً، فَاتَّبَعُوهُ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ، وَ قَدْ أَمْعَنَ، وَ كَانَ ذَلِكَ حِينَ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ، فَتَنَاوَشَ اَلْقِتَالُ قَلِيلاً كَلاَ وَ لاَ، فَلَمْ يَصْبِرْ لِوَقْعِ اَلْمَشْرَفِيَّةِ، وَ وَلَّى هَارِباً، وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا}}<ref>الغارات ٢: ٤٣١ – ٤٣٢.</ref>.
فكتب الإمام رسالة جوابية لأخيه عقيل جاء فيها: {{نص حديث|... وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ غَارَةِ اَلضَّحَّاكِ عَلَى أَهْلِ اَلْحِيرَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ وَ أَذَلُّ مِنْ أَنْ يَلُمَّ بِهَا، أَوْ يَدْنُوَ مِنْهَا، وَ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ أَقْبَلَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ، فَأَخَذَ عَلَى اَلسَّمَاوَةِ، حَتَّى مَرَّ بِوَاقِصَةَ وَ شُرَافَ وَ اَلْقُطْقُطَانَةِ، فَمَا وَالَى ذَلِكَ اَلصُّقْعَ، فَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ جُنْداً كَثِيفاً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ فَرَّ هَارِباً، فَاتَّبَعُوهُ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ اَلطَّرِيقِ، وَ قَدْ أَمْعَنَ، وَ كَانَ ذَلِكَ حِينَ طَفَّلَتِ اَلشَّمْسُ لِلْإِيَابِ، فَتَنَاوَشَ اَلْقِتَالُ قَلِيلاً كَلاَ وَ لاَ، فَلَمْ يَصْبِرْ لِوَقْعِ اَلْمَشْرَفِيَّةِ، وَ وَلَّى هَارِباً، وَ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ، فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا}}<ref>الغارات ٢: ٤٣١ – ٤٣٢.</ref>.


ثم ان [[الدهر]] ضرب ضرباته، وأمسى [[الضحاك]] بن قيس أمير العصابة أميرا على مدينة [[الكوفة]]، وفي ذات يوم [[شاهد]] الضحاك تذمر [[أهل الكوفة]] من تدهور الأوضاع، وظلم جباة [[الأموال]]، وتعسف الامراء، وانتشار [[الفقر]] في ربوع المنطقة رغم خصب [[التربة]]، وتدفق [[المياه]].
ثم ان [[الدهر]] ضرب ضرباته، وأمسى [[الضحاك بن قيس]] أمير العصابة أميرا على مدينة [[الكوفة]]، وفي ذات يوم [[شاهد]] الضحاك تذمر [[أهل الكوفة]] من تدهور الأوضاع، وظلم جباة [[الأموال]]، وتعسف الامراء، وانتشار [[الفقر]] في ربوع المنطقة رغم خصب [[التربة]]، وتدفق [[المياه]].


[[شعر]] [[الأمير]] الجديد أن تحت هذا التذمر [[ثورة]]، فارتاد المسجد، وارتقى [[المنبر]]، وخطب [[الناس]]، وأكبر [[الظن]] ان اليوم كان يوم جمعة حيث تجري مراسيم صلاة [[الجمعة]]، خطب الضحاك الناس، وطفق يهدد أهل البلدة، ويذكر أمجاده في الغارة التي أغارها مع عصابته على ربوع المحرومين والمستضعفين، ويسرد ضحاياه من المؤمنين، وما أشاعه في ربوع الناس من [[خوف]] وفزع.
[[شعر]] [[الأمير]] الجديد أن تحت هذا التذمر [[ثورة]]، فارتاد المسجد، وارتقى [[المنبر]]، وخطب [[الناس]]، وأكبر [[الظن]] ان اليوم كان يوم جمعة حيث تجري مراسيم صلاة [[الجمعة]]، خطب الضحاك الناس، وطفق يهدد أهل البلدة، ويذكر أمجاده في الغارة التي أغارها مع عصابته على ربوع المحرومين والمستضعفين، ويسرد ضحاياه من المؤمنين، وما أشاعه في ربوع الناس من [[خوف]] وفزع.
سطر ١٥٢: سطر ١٥٢:
فيقع في يديه، وينفجر في [[البكاء]]، ويشعر بأسى يعصر فؤاده، وخيبة أمل يسيطر عليه. لماذا لم يستطع أن يصل إلى [[الإمام]]، ويخبره عن المؤامرة المبيتة؟ إن حجر بن عدي فقد أباً باراً، وإماماً هادياً.
فيقع في يديه، وينفجر في [[البكاء]]، ويشعر بأسى يعصر فؤاده، وخيبة أمل يسيطر عليه. لماذا لم يستطع أن يصل إلى [[الإمام]]، ويخبره عن المؤامرة المبيتة؟ إن حجر بن عدي فقد أباً باراً، وإماماً هادياً.


وفي ذات يوم كان حجر بن عدي جالساً عند [[الإمام أمير المؤمنين]] علي ابن [[أبي طالب]]{{ع}}، فتأمل الإمام في وجه حجر، فنظر إلى مستقبله، والأحداث التي تواكب حياته، وتأمل الإمام [[الحكومة]] الحاقدة التي ستستلم مقاليد أمور المسلمين، والاتجاهات [[الجاهلية]] التي تفرضها على مسار سياستها العدوانية، وتأمل الإمام{{ع}} [[الثورات]] والانتفاضات التي ستثور للتصدي لحركة الحكومة الاستفزازية، وما ينجم من هذه المواقف من استشهاد الطيبين الذين يخوضون غمار الانتفاضات ضد الرجعيين المتسلمين لزمام الحكومة، وسيكون لحجر دوره البارز في هذا [[التصدي]] الحازم، وسيكون لحجر الدور [[العظيم]] لكشف الأوراق السوداء للحكومة التي تذرف الدموع أمام الجماهير المخدوعة على [[الإسلام]] والمسلمين.
وفي ذات يوم كان حجر بن عدي جالساً عند [[الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب]]{{ع}}، فتأمل الإمام في وجه حجر، فنظر إلى مستقبله، والأحداث التي تواكب حياته، وتأمل الإمام [[الحكومة]] الحاقدة التي ستستلم مقاليد أمور المسلمين، والاتجاهات [[الجاهلية]] التي تفرضها على مسار سياستها العدوانية، وتأمل الإمام{{ع}} [[الثورات]] والانتفاضات التي ستثور للتصدي لحركة الحكومة الاستفزازية، وما ينجم من هذه المواقف من استشهاد الطيبين الذين يخوضون غمار الانتفاضات ضد الرجعيين المتسلمين لزمام الحكومة، وسيكون لحجر دوره البارز في هذا [[التصدي]] الحازم، وسيكون لحجر الدور [[العظيم]] لكشف الأوراق السوداء للحكومة التي تذرف الدموع أمام الجماهير المخدوعة على [[الإسلام]] والمسلمين.


ان مستقبل الامة [[الإسلامية]]، ومستقبل حجر بن عدي كان مضيئاً للإمام{{ع}}، ومن هذا المنطلق قال الإمام أمير المؤمنين{{ع}} لحجر: «كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعنتي»، فقال حجر بن عدي متساءلا: «كيف أصنع» قال: «ألعني، ولا تبرأ مني، فإني على [[دين الله]]»<ref>أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٤.</ref> وقال الإمام أمير المؤمنين{{ع}}: «حجر بن عدي وأصحابه [هم] كأصحاب الاخدود، {{نص قرآني|وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}}<ref>سورة البروج: ٨.</ref>.
ان مستقبل الامة [[الإسلامية]]، ومستقبل حجر بن عدي كان مضيئاً للإمام{{ع}}، ومن هذا المنطلق قال الإمام أمير المؤمنين{{ع}} لحجر: «كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعنتي»، فقال حجر بن عدي متساءلا: «كيف أصنع» قال: «ألعني، ولا تبرأ مني، فإني على [[دين الله]]»<ref>أعيان الشيعة ٢٠: ١٤٤.</ref> وقال الإمام أمير المؤمنين{{ع}}: «حجر بن عدي وأصحابه [هم] كأصحاب الاخدود، {{نص قرآني|وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}}<ref>سورة البروج: ٨.</ref>.
سطر ١٨٨: سطر ١٨٨:
ثم ان الوالي [[شاهد]] أن الكثير من أفراد الشعب طفق يقاطع مهرجاناته [[العامة]]، والمراسيم العبادية العامة أيضاً والتي كان الوالي يرأسها [[اقتداء]] بالزعماء، وتعاطفاً بمقاطعتهم السلبية، وليس الزعماء من شيعة الإمام اتخذوا هذا الأسلوب في المقاطعة والاستنكار على الحكومة فحسب بل ان المذاهب التي لم تكن لتلتقي بالإمام أيضاً سارت متعاطفة مع زعماء [[الشيعة]]، فاستنكرت على الحكومة، وقاطعت مراسيمها الرسمية، والعامة، فنجد أن ابن الكوا - وهو من [[الخوارج]] - تعاطف مع حجر بن عدي، وقاطع [[الحكومة]] تماماً كما قاطعها [[زياد بن أبيه]]، و[[شبث بن ربعي]] إذن ان حركة الاستنكار والاعتراض على الحكومة، وعلى ممارساتها [[السياسية]] والاعلامية الحاقدة قد اتخذ طابعاً عاماً كاد يسود البلدة من أقصاها إلى أقصاها، فكان [[الوالي]] لا يشاهد في هذه المراسيم الرسمية أحدا سوى موظفي [[الدولة]]، والجنود والشرطة، ومن يسير في ركب الحكومة، ولقد روعت هذه الظاهرة الوالي حيث إنها تعتبر نكسة [[سياسية]] وبالتالي سيكون لهذه [[الحركة]] السلبية نتائجها المثيرة إن لم يتخذ الاجراءات الحاسمة.
ثم ان الوالي [[شاهد]] أن الكثير من أفراد الشعب طفق يقاطع مهرجاناته [[العامة]]، والمراسيم العبادية العامة أيضاً والتي كان الوالي يرأسها [[اقتداء]] بالزعماء، وتعاطفاً بمقاطعتهم السلبية، وليس الزعماء من شيعة الإمام اتخذوا هذا الأسلوب في المقاطعة والاستنكار على الحكومة فحسب بل ان المذاهب التي لم تكن لتلتقي بالإمام أيضاً سارت متعاطفة مع زعماء [[الشيعة]]، فاستنكرت على الحكومة، وقاطعت مراسيمها الرسمية، والعامة، فنجد أن ابن الكوا - وهو من [[الخوارج]] - تعاطف مع حجر بن عدي، وقاطع [[الحكومة]] تماماً كما قاطعها [[زياد بن أبيه]]، و[[شبث بن ربعي]] إذن ان حركة الاستنكار والاعتراض على الحكومة، وعلى ممارساتها [[السياسية]] والاعلامية الحاقدة قد اتخذ طابعاً عاماً كاد يسود البلدة من أقصاها إلى أقصاها، فكان [[الوالي]] لا يشاهد في هذه المراسيم الرسمية أحدا سوى موظفي [[الدولة]]، والجنود والشرطة، ومن يسير في ركب الحكومة، ولقد روعت هذه الظاهرة الوالي حيث إنها تعتبر نكسة [[سياسية]] وبالتالي سيكون لهذه [[الحركة]] السلبية نتائجها المثيرة إن لم يتخذ الاجراءات الحاسمة.


ويبدو أن الوالي كان مزاجه، وقد شاب قذاله غير مستعد للاستجابة للاجراءات الحاسمة [[الأمر]] الذي راح يتريث، ويحاول إتخاذ أسلوب اللين تجاه زعماء الحركة السلبية، ولكن جواسيس [[معاوية]] لم يكن لهم ذلك المزاج المتريث، فكتبوا التقارير عن الأوضاع المتوترة، ورفعوها إلى [[القصر]]، وأكبر [[الظن]] ان الوالي أيضاً كتب تقريراً عن الحركة السلبية وزعمائها في قاعدة ولايته، ورفع التقرير إلى صاحب القصر، وما هي إلا أن مرت أسابيع حتى وصلت إلى الوالي [[رسالة]] من معاوية تفرض عليه أن يجبر الزعماء: حجر بن عدي، و[[سليمان بن صرد]]، و[[عمرو بن الحمق]]، وشبث بن ربعي، و[[ابن الكوا]] بالصلاة في الجماعة<ref>الكامل في التاريخ ٣: ٢١٥.</ref>.
ويبدو أن الوالي كان مزاجه، وقد شاب قذاله غير مستعد للاستجابة للاجراءات الحاسمة [[الأمر]] الذي راح يتريث، ويحاول إتخاذ أسلوب اللين تجاه زعماء الحركة السلبية، ولكن جواسيس [[معاوية]] لم يكن لهم ذلك المزاج المتريث، فكتبوا التقارير عن الأوضاع المتوترة، ورفعوها إلى [[القصر]]، وأكبر [[الظن]] ان الوالي أيضاً كتب تقريراً عن الحركة السلبية وزعمائها في قاعدة ولايته، ورفع التقرير إلى صاحب القصر، وما هي إلا أن مرت أسابيع حتى وصلت إلى الوالي [[رسالة]] من معاوية تفرض عليه أن يجبر الزعماء: حجر بن عدي، و[[سليمان بن صرد]]، و[[عمرو بن الحمق]]، و [[شبث بن ربعي]]، و[[ابن الكوا]] بالصلاة في الجماعة<ref>الكامل في التاريخ ٣: ٢١٥.</ref>.


وهذه [[الرسالة]] الجات الوالي أن يمارس ضد الزعماء ضغوطه المختلفة، واضطر الزعماء أن يستجيبوا لهذه الضغوط من قبل الحكومة.
وهذه [[الرسالة]] الجات الوالي أن يمارس ضد الزعماء ضغوطه المختلفة، واضطر الزعماء أن يستجيبوا لهذه الضغوط من قبل الحكومة.
سطر ٣٣٨: سطر ٣٣٨:
وفي إحدى هذه الأيام أجتمعت الجماهير في الجامع [[الكبير]] حيث تقام [[الصلاة]]، وحسب [[العادة]] صعد ابن أبيه المنصة، وطفق يخطب وفي نهاية [[الخطاب]] [[شرع]] يستنزل ألوان [[السخط]] على [[الأحرار]] السائرين على نهج [[الإمام]]، وخط [[القرآن]]، ولكن حجراً الزعيم المعقودة عليه الآمال من قبل الجماهير كان للوالي الخطيب بالمرصاد، وما أن بدأ [[الوالي]] في [[ذم]] الأحرار حتى تصدى له حجر، واضطره إلى مغادرة المنصة.
وفي إحدى هذه الأيام أجتمعت الجماهير في الجامع [[الكبير]] حيث تقام [[الصلاة]]، وحسب [[العادة]] صعد ابن أبيه المنصة، وطفق يخطب وفي نهاية [[الخطاب]] [[شرع]] يستنزل ألوان [[السخط]] على [[الأحرار]] السائرين على نهج [[الإمام]]، وخط [[القرآن]]، ولكن حجراً الزعيم المعقودة عليه الآمال من قبل الجماهير كان للوالي الخطيب بالمرصاد، وما أن بدأ [[الوالي]] في [[ذم]] الأحرار حتى تصدى له حجر، واضطره إلى مغادرة المنصة.


إن الوالي كان عليه أن يدير شؤون [[البصرة]] والكوفة، وكانت البصرة أيضاً تغلي كالمرجل، فقد كان هناك [[الخوارج]] قد أعلنوا [[العصيان]] والثورة على [[الحكومة]]، وكانت الأخبار الخطيرة تصل إلى الوالي، وهو في [[الكوفة]] مما اضطره إلى أن يغادر الكوفة، وهي أيضاً تعيش إرهاصات إنفجار، فماذا يعمل، وبإشارة [[أحد]] مستشاريه أرسل إلى حجر بن عدي يدعوه إلى [[الاجتماع]] فلما حضر حجر في ديوان الحكومة أعلمه الوالي أنه سيغادر البلدة، وقد [[جعل]] عمرو بن حريث على الكوفة لادارة شؤنها في غيابه ثم ان الوالي حذر حجراً من المخالفة والعصيان ووعظه باتخاذ جانب الهدوء والسكينة، والمحافظة على أمن البلدة ثم ان الوالي غادر [[البلد]] إلى البصرة، فشعرت الجماهير ببعض الهدوء، وصفا الجو لهم بعد أن كانوا يستشعرون [[الخوف]]، طفقت الجماهير وبصورة علنية ترتاد دار، زعيمها ويلتقون به، ويستمعون إلى تعاليمه وإرشاداته، واتخذت حركتهم طابع المظاهرة، طابع الهجوم والتذمر الصريح، والتمرد على قوانين الحكومة، وكان حجر بن عدي الزعيم الغالي يرتاد مع مرافقيه المسجد الأعظم، فترتاده الجماهير الغفيرة المؤيدة لمطاليب حجر بن عدي، وكانوا يخطبون حول [[السياسة]] القائمة المتحاملة على الجماهير، والمستخدمة [[القوة]] لكم الأفواه، وسحق الحريات، وكان الخطباء يستعرضون [[سيرة]] العمال والأمراء المخالفة لنصوص القرآن، والشريعة [[الإسلامية]]، وكان الخطباء يسهبون في الحديث، وفي النقد اللاذع لتصرفات الحكومة والقائمين عليها، وكانت الجماهير تستجيب للخطباء، فتطلق [[الشعارات]] المؤيدة للحركة، والمنددة للسياسة والسياسيين، وقد استقطبت هذه [[الحركة]] الشعب عامة على إمتداد السواد، وأثارت هذه الحركة القوية نائب الوالي عمرو بن حريث، وأشاعت في نفسه الخوف والتوجس، وحاول أن يخمد من هذه الحركة حماسها، واتخذ الاجراءات لعودة [[الحياة]] الطبيعية إلى [[الحكومة]] التي كادت الأوضاع أن تخرج الحبل من يدها، فقد ارسل عمرو بن حريث نائب الحكومة إلى حجر بن عدي من يحذره ويقول له: «أبا عبد [[الرحمن]] ما هذه الجماعة، وقد أعطيت [[الأمير]] من نفسك ما قد علمت»، فقال حجر وقد اغتاض من هذه [[الرسالة]]: «تنكرون ما أنتم فيه إليك، وراءك أوسع لك».
إن الوالي كان عليه أن يدير شؤون [[البصرة]] والكوفة، وكانت البصرة أيضاً تغلي كالمرجل، فقد كان هناك [[الخوارج]] قد أعلنوا [[العصيان]] والثورة على [[الحكومة]]، وكانت الأخبار الخطيرة تصل إلى الوالي، وهو في [[الكوفة]] مما اضطره إلى أن يغادر الكوفة، وهي أيضاً تعيش إرهاصات إنفجار، فماذا يعمل، وبإشارة [[أحد]] مستشاريه أرسل إلى حجر بن عدي يدعوه إلى [[الاجتماع]] فلما حضر حجر في ديوان الحكومة أعلمه الوالي أنه سيغادر البلدة، وقد [[جعل]] عمرو بن حريث على الكوفة لادارة شؤنها في غيابه ثم ان الوالي حذر حجراً من المخالفة والعصيان ووعظه باتخاذ جانب الهدوء والسكينة، والمحافظة على أمن البلدة ثم ان الوالي غادر [[البلد]] إلى البصرة، فشعرت الجماهير ببعض الهدوء، وصفا الجو لهم بعد أن كانوا يستشعرون [[الخوف]]، طفقت الجماهير وبصورة علنية ترتاد دار، زعيمها ويلتقون به، ويستمعون إلى تعاليمه وإرشاداته، واتخذت حركتهم طابع المظاهرة، طابع الهجوم والتذمر الصريح، والتمرد على قوانين الحكومة، وكان حجر بن عدي الزعيم الغالي يرتاد مع مرافقيه المسجد الأعظم، فترتاده الجماهير الغفيرة المؤيدة لمطاليب حجر بن عدي، وكانوا يخطبون حول [[السياسة]] القائمة المتحاملة على الجماهير، والمستخدمة [[القوة]] لكم الأفواه، وسحق الحريات، وكان الخطباء يستعرضون [[سيرة]] العمال والأمراء المخالفة لنصوص القرآن، والشريعة [[الإسلامية]]، وكان الخطباء يسهبون في الحديث، وفي النقد اللاذع لتصرفات الحكومة والقائمين عليها، وكانت الجماهير تستجيب للخطباء، فتطلق [[الشعارات]] المؤيدة للحركة، والمنددة للسياسة والسياسيين، وقد استقطبت هذه [[الحركة]] الشعب عامة على إمتداد السواد، وأثارت هذه الحركة القوية نائب الوالي عمرو بن حريث، وأشاعت في نفسه الخوف والتوجس، وحاول أن يخمد من هذه الحركة حماسها، واتخذ الاجراءات لعودة [[الحياة]] الطبيعية إلى [[الحكومة]] التي كادت الأوضاع أن تخرج الحبل من يدها، فقد ارسل عمرو بن حريث نائب الحكومة إلى حجر بن عدي من يحذره ويقول له: «أبا عبد الرحمن ما هذه الجماعة، وقد أعطيت [[الأمير]] من نفسك ما قد علمت»، فقال حجر وقد اغتاض من هذه [[الرسالة]]: «تنكرون ما أنتم فيه إليك، وراءك أوسع لك».


ويحاول حجر أن يقول لنائب الحكومة: أن ممارساتكم التعسفية ضد الجماهير، وضد القيم والمبادئ تنسونها، وتكادون أن تنكرونها أما تحرك الجماهير في سبيل مطاليبهم العادلة، في سبيل أن يصدوا العواصف [[السياسية]] التي تعصف بالمسلمين، وبأهل [[البلد]] خاصة، وتعيث فساداً بمنافعهم، وعقولهم، وأخلاقهم وعقائدهم ومبادئهم، فتعتبرونها عبثاً ومنكراً يستثير قلقكم.
ويحاول حجر أن يقول لنائب الحكومة: أن ممارساتكم التعسفية ضد الجماهير، وضد القيم والمبادئ تنسونها، وتكادون أن تنكرونها أما تحرك الجماهير في سبيل مطاليبهم العادلة، في سبيل أن يصدوا العواصف [[السياسية]] التي تعصف بالمسلمين، وبأهل [[البلد]] خاصة، وتعيث فساداً بمنافعهم، وعقولهم، وأخلاقهم وعقائدهم ومبادئهم، فتعتبرونها عبثاً ومنكراً يستثير قلقكم.
سطر ٣٥٤: سطر ٣٥٤:
وقال متمتمأ. وهو يكاد أن يتميز من الغيض: «ما أنا بشيء إن لم أمنع [[الكوفة]] من حجر، وادعه نكالاً لمن بعده، ويل أمك يا حجر لقد سقط بك العشاء على سرحان».
وقال متمتمأ. وهو يكاد أن يتميز من الغيض: «ما أنا بشيء إن لم أمنع [[الكوفة]] من حجر، وادعه نكالاً لمن بعده، ويل أمك يا حجر لقد سقط بك العشاء على سرحان».


وكان ابن أبيه لا يزال مشغولاً بأمور، [[البصرة]] وفتوقها، وإنتفاضاتها، وإنتشار حبل [[الأمن]] فيها، ولكن أحداث الكوفة استقطبت تفكيره، فعزم أن يغادر البصرة على جناح السرعة فاستدعى نائبه على البصرة سمرة بن جندب الطاغية المشهور، وأوصاه بامور تهم المحافظة ثم رحل عنها مغذاً السير باتجاه بلد الانتفاضات، ولما بلغ [[البلد]] ارتاد دار الامارة وأرسل إلى جماعة من زعماء أهل البلد ليتوسطوا بينه وبين حجر بن عدي، وكان بعض هؤلاء الزعماء من أصحاب [[الإمام أمير المؤمنين]]{{ع}}، وفي [[نفس]] الوقت كانت تربط هؤلاء الزعماء بصداقة متينة بحجر بن عدي، والزعماء [[هم]]: [[عدي بن حاتم]]، [[جرير بن عبد الله البجلي]]، و[[خالد بن عرفطة العذري]] خليف [[بني زهرة]]، وأرسل إلى غيرهم، ولما تكون الوفد أرسلهم [[الوالي]] إلى حجر بن عدي ليفاوضوه في القضايا القائمة والتي حسبت لها [[الحكومة]] ألف [[حساب]]، وطلب الوالي منهم أن يكلموا حجرا حول الجماهير، وان لا يرتبط بهم، ولا يتقرب إليهم، ويطردهم من الساحة، وفي نفس الوقت أن يسكت ويكف لسانه عن نقد [[السياسة]] والولاة، ولا يتطرق إلى كشف عيوبهم وجرائمهم، وأساليب حكمهم ولا يبحث عن سياستهم الظالمة بل يسكت ويتخذ جانب الحياد.
وكان ابن أبيه لا يزال مشغولاً بأمور، [[البصرة]] وفتوقها، وإنتفاضاتها، وإنتشار حبل [[الأمن]] فيها، ولكن أحداث الكوفة استقطبت تفكيره، فعزم أن يغادر البصرة على جناح السرعة فاستدعى نائبه على البصرة سمرة بن جندب الطاغية المشهور، وأوصاه بامور تهم المحافظة ثم رحل عنها مغذاً السير باتجاه بلد الانتفاضات، ولما بلغ [[البلد]] ارتاد دار الامارة وأرسل إلى جماعة من زعماء أهل البلد ليتوسطوا بينه وبين حجر بن عدي، وكان بعض هؤلاء الزعماء من أصحاب [[الإمام أمير المؤمنين]]{{ع}}، وفي [[نفس]] الوقت كانت تربط هؤلاء الزعماء بصداقة متينة بحجر بن عدي، والزعماء هم: [[عدي بن حاتم]]، [[جرير بن عبد الله البجلي]]، و[[خالد بن عرفطة العذري]] خليف [[بني زهرة]]، وأرسل إلى غيرهم، ولما تكون الوفد أرسلهم [[الوالي]] إلى حجر بن عدي ليفاوضوه في القضايا القائمة والتي حسبت لها [[الحكومة]] ألف [[حساب]]، وطلب الوالي منهم أن يكلموا حجرا حول الجماهير، وان لا يرتبط بهم، ولا يتقرب إليهم، ويطردهم من الساحة، وفي نفس الوقت أن يسكت ويكف لسانه عن نقد [[السياسة]] والولاة، ولا يتطرق إلى كشف عيوبهم وجرائمهم، وأساليب حكمهم ولا يبحث عن سياستهم الظالمة بل يسكت ويتخذ جانب الحياد.


وبطبيعة الحال أرسل الوالي مع الوفد بعض [[الجواسيس]] حتى يشرفوا على مائدة المفاوضات ثم يخبروا الوالي عن مشاعر المتفاوضين وردود [[فعل]] الخصم المفاوض.
وبطبيعة الحال أرسل الوالي مع الوفد بعض [[الجواسيس]] حتى يشرفوا على مائدة المفاوضات ثم يخبروا الوالي عن مشاعر المتفاوضين وردود [[فعل]] الخصم المفاوض.
سطر ٣٩٣: سطر ٣٩٣:
«إني أحذرك أن تركب [[إعجاز]] أمور هلك من ركب صدورها»<ref>تاريخ الطبري ٢٦٦: ٥.</ref>.
«إني أحذرك أن تركب [[إعجاز]] أمور هلك من ركب صدورها»<ref>تاريخ الطبري ٢٦٦: ٥.</ref>.


ثم أمر صاحب شرطته شداد الهلالي أن يبعث طابوراً من [[الشرطة]] مع [[الحسين]] [[الهمداني]] حتى يضطروا حجر بن عدي لتلبية [[الدعوة]]، وعاد الحسين الهمداني برفقة الطابور، وهم مدججون في السلاح، وعندما بلغوا مكان حجر ابن عدي وأبلغوه [[رسالة]] ابن أبيه، وإذا بالجماهير الغاضبة تفتح أفواهها، وتهتف ضد [[الوالي]]، وتشتم وتسب الجلاوزة، فيمتلأ قلوب الجلاوزة خوفاً ورهبة من دوي الاستنكار، فيعودون إدراجهم ويخبرون الوالي، فيطرق الوالي ويستغرق في [[التفكير]]، ويحلل جوانب [[الانتفاضة]]، فإذا به يرى معظم الجماهير المتحركة والمؤيدة لحجر بن عدي تنتمي إلى العديد من القبائل والبطون، وإن زعماء هذه القبائل ماثلون لديه في ديوانه.
ثم أمر صاحب شرطته شداد الهلالي أن يبعث طابوراً من [[الشرطة]] مع [[الحسين الهمداني]] حتى يضطروا حجر بن عدي لتلبية [[الدعوة]]، وعاد الحسين الهمداني برفقة الطابور، وهم مدججون في السلاح، وعندما بلغوا مكان حجر ابن عدي وأبلغوه [[رسالة]] ابن أبيه، وإذا بالجماهير الغاضبة تفتح أفواهها، وتهتف ضد [[الوالي]]، وتشتم وتسب الجلاوزة، فيمتلأ قلوب الجلاوزة خوفاً ورهبة من دوي الاستنكار، فيعودون إدراجهم ويخبرون الوالي، فيطرق الوالي ويستغرق في [[التفكير]]، ويحلل جوانب [[الانتفاضة]]، فإذا به يرى معظم الجماهير المتحركة والمؤيدة لحجر بن عدي تنتمي إلى العديد من القبائل والبطون، وإن زعماء هذه القبائل ماثلون لديه في ديوانه.


إذن فلماذا اتخذوا لأنفسهم هذا الصمت المطبق تجاه أبناء قبائلهم الذين كونوا النواة الأصلية لحجر بن عدي؟
إذن فلماذا اتخذوا لأنفسهم هذا الصمت المطبق تجاه أبناء قبائلهم الذين كونوا النواة الأصلية لحجر بن عدي؟
سطر ٤١٧: سطر ٤١٧:
# [[قيس بن يزيد الكندي]]، وقيس هو أخو أبي العمرطة<ref>لاستيعاب ٣٥٥.</ref>.
# [[قيس بن يزيد الكندي]]، وقيس هو أخو أبي العمرطة<ref>لاستيعاب ٣٥٥.</ref>.


والجدير بالذكر ان هذه القلة التي بقيت مع حجر بن عدي [[رضوان الله]] عليه وعليهم لم يكن معهم سلاحا يدافعون عن أنفسهم، وكانوا عزلا إلا واحدا منهم كان معه سيف.
والجدير بالذكر ان هذه القلة التي بقيت مع حجر بن عدي لم يكن معهم سلاحا يدافعون عن أنفسهم، وكانوا عزلا إلا واحدا منهم كان معه سيف.


إن الجماهير، ومنها القلة المؤمنة أو قل كبار أعضاء الحركة ارتادوا المسجد لا على أساس قتال أو ترقب حرب من [[الحكومة]]، وفي نفس الوقت ان الجمهور، وكبار أعضاء الحركة لم يكن ليحاول أن يثير مشاعر الحكومة ضده بحمله السلاح بل ان كبار أعضاء [[الحركة]]، والزعيم نفسه كانوا يحاولون أن تكون الحركة سلمية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
إن الجماهير، ومنها القلة المؤمنة أو قل كبار أعضاء الحركة ارتادوا المسجد لا على أساس قتال أو ترقب حرب من [[الحكومة]]، وفي نفس الوقت ان الجمهور، وكبار أعضاء الحركة لم يكن ليحاول أن يثير مشاعر الحكومة ضده بحمله السلاح بل ان كبار أعضاء [[الحركة]]، والزعيم نفسه كانوا يحاولون أن تكون الحركة سلمية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
سطر ٤٤٣: سطر ٤٤٣:
ثم إن الرجل بعد ذلك برأ من ضربة أبي العمرطة<ref>تاريخ الطبري -٢٦٠: ٥. ويراجع شعر في هجا لس طريف ومديح أبي العميطة.</ref>.
ثم إن الرجل بعد ذلك برأ من ضربة أبي العمرطة<ref>تاريخ الطبري -٢٦٠: ٥. ويراجع شعر في هجا لس طريف ومديح أبي العميطة.</ref>.


ثم إن أبا العمرطة سار مع حجر باتجاه دار حجر بن عدي في [[حي]] [[كندة]]، وما إن بلغ حجر داره حتى اجتمع إليه الكثير من أصحابه، والمؤيدين له، وكانوا بالنسبة إلى أعداد [[الحكومة]] وقوتها قليلين الأمر الذي رأي أصحاب [[الحركة]] أن يستثيروا عزائم الكنديين، ويلهبوا حماسهم لنجدة حجر بن عدى، ودعم حركته، ومن هذا المنطلق خرج [[الشاعر]] قيس بن فهدان [[الكندي]] من دار الحركة، وطفق يطوف في إحياء كندة وسككها ودروبها، وينشد رجال كندة، ويدعوهم إلى مناصرة حجر بن عدي الكندي، فكان يقول في حماس وقوة:  
ثم إن أبا العمرطة سار مع حجر باتجاه دار حجر بن عدي في [[حي]] [[كندة]]، وما إن بلغ حجر داره حتى اجتمع إليه الكثير من أصحابه، والمؤيدين له، وكانوا بالنسبة إلى أعداد [[الحكومة]] وقوتها قليلين الأمر الذي رأي أصحاب [[الحركة]] أن يستثيروا عزائم الكنديين، ويلهبوا حماسهم لنجدة حجر بن عدى، ودعم حركته، ومن هذا المنطلق خرج [[الشاعر]] قيس بن فهدان الكندي من دار الحركة، وطفق يطوف في إحياء كندة وسككها ودروبها، وينشد رجال كندة، ويدعوهم إلى مناصرة حجر بن عدي الكندي، فكان يقول في حماس وقوة:  
{{بداية قصيدة}}
{{بداية قصيدة}}
{{بيت|يا قوم حجر دافعوا وصاولوا|وعن أخيكم ساعة فقاتلوا}}
{{بيت|يا قوم حجر دافعوا وصاولوا|وعن أخيكم ساعة فقاتلوا}}
سطر ٤٧٧: سطر ٤٧٧:
إن [[المرأة]] السوداء لم تنكر ولم تسكت عن معلوماتها، عن حجر بن عدي بل كشفت للشرطة القناع عن مكان تواجد حجر بن عدي مندفعة من موقع شعورها بالضعة والحقارة والهوان فهى من منطلق هذه الأحاسيس حاولت أن ترضي مشاعرها وأحاسيسها، وخاصة حينما رأت أن [[الناس]] قد اجتمعوا حولها يرمقونها بعيون متسائلة، فقالت للشرطة وأشارت بيدها نحو النخع: «ها هو ذا قد رأيته في النخع»، وما هي إلا كلمات حتى خب رجال المباحث نحو [[حي]] النخع بعد أن كانوا في [[جهل]] تام عن محل تواجد حجر بن عدي في حي من هذه الأحياء المنتشرة في [[المدينة]]، فكانوا يهجمون على الأحياء وعلى الدور في غير [[هدى]]، وكان الناس قد رأوا منهم العسف والقهر لقد تحرى [[الشرطة]] في حي النخع عن حجر بن عدي، فلم يتوصلوا إلى نتيجة واضحة، وكان النخعيون رجالا ونساء يكتمون الأمر، فمن كان يعرف بعض أمر حجر بن عدي يتكتم ولا يبين خاصة وأنهم رأوا حجرا يلوذ إلى سيدهم وزعيمهم [[عبد الله]] بن الحارث [[النخعي]].
إن [[المرأة]] السوداء لم تنكر ولم تسكت عن معلوماتها، عن حجر بن عدي بل كشفت للشرطة القناع عن مكان تواجد حجر بن عدي مندفعة من موقع شعورها بالضعة والحقارة والهوان فهى من منطلق هذه الأحاسيس حاولت أن ترضي مشاعرها وأحاسيسها، وخاصة حينما رأت أن [[الناس]] قد اجتمعوا حولها يرمقونها بعيون متسائلة، فقالت للشرطة وأشارت بيدها نحو النخع: «ها هو ذا قد رأيته في النخع»، وما هي إلا كلمات حتى خب رجال المباحث نحو [[حي]] النخع بعد أن كانوا في [[جهل]] تام عن محل تواجد حجر بن عدي في حي من هذه الأحياء المنتشرة في [[المدينة]]، فكانوا يهجمون على الأحياء وعلى الدور في غير [[هدى]]، وكان الناس قد رأوا منهم العسف والقهر لقد تحرى [[الشرطة]] في حي النخع عن حجر بن عدي، فلم يتوصلوا إلى نتيجة واضحة، وكان النخعيون رجالا ونساء يكتمون الأمر، فمن كان يعرف بعض أمر حجر بن عدي يتكتم ولا يبين خاصة وأنهم رأوا حجرا يلوذ إلى سيدهم وزعيمهم [[عبد الله]] بن الحارث [[النخعي]].


سار حجر بن عدي مع رفيقه [[الكريم]] يرتادان حي [[الأزد]]، وهناك وفي فحمة [[الليل]] ارتادا دار ربيعة بن ناجد [[الأزدي]]، فاستقبلهما ابن ناجد على الرحب والسعة، وأنزل حجر بن عدي المنزل الكريم، وأكبر [[الظن]] أن عبد الله بن الحارث النخعي صديق حجر ورفيقه البار استأذن حجرا أن يعود إلى داره، فابتسم حجر بن عدي واذن له، وشكر له جهوده الطيبة، وكانت [[الحكومة]] قد بثت عيون الليل في أرجاء [[البلد]]، وأحيائه تراقب التحركات علها أن تجد إلى محل إختفاء حجر بن عدي سبيلا، وكانت تطلع العيون أكثر ما يكون، وأشد ما يكون في الأحياء المؤيدة لحجر بن عدي، والمناصرة له حيث إن مظنة تواجد حجر بن عدي في واحد من هذه الأحياء المؤيدة والمناصرة أكبر وأصوب من تواجد حجر بن عدي في حي لا يلتقى مع حجر ابن عدي، ومع حركته بلقاء حميم كمثل حي الأزد.
سار حجر بن عدي مع رفيقه [[الكريم]] يرتادان حي [[الأزد]]، وهناك وفي فحمة [[الليل]] ارتادا دار [[ربيعة بن ناجد الأزدي]]، فاستقبلهما ابن ناجد على الرحب والسعة، وأنزل حجر بن عدي المنزل الكريم، وأكبر [[الظن]] أن عبد الله بن الحارث النخعي صديق حجر ورفيقه البار استأذن حجرا أن يعود إلى داره، فابتسم حجر بن عدي واذن له، وشكر له جهوده الطيبة، وكانت [[الحكومة]] قد بثت عيون الليل في أرجاء [[البلد]]، وأحيائه تراقب التحركات علها أن تجد إلى محل إختفاء حجر بن عدي سبيلا، وكانت تطلع العيون أكثر ما يكون، وأشد ما يكون في الأحياء المؤيدة لحجر بن عدي، والمناصرة له حيث إن مظنة تواجد حجر بن عدي في واحد من هذه الأحياء المؤيدة والمناصرة أكبر وأصوب من تواجد حجر بن عدي في حي لا يلتقى مع حجر ابن عدي، ومع حركته بلقاء حميم كمثل حي الأزد.


كانت الأزد آنئذ لا توالى [[الإمام]]، وأهل [[البيت]]{{عم}} [[الولاء]] الحميم، وفي نفس الوقت كانت [[الأزد]] من مضر، وحجر بن عدي [[الكندي]] من [[اليمن]] الأمر الذي كان لتواجد حجر بن عدي في [[حي]] الأزد [[الأثر]] الكبير في إنطماس المعالم أمام رجال [[الحكومة]]، وعيون [[الليل]]، وأيدي النهار، ويرجع هذا التكتيك الفريد إلى [[عبد الله]] بن الحارث [[النخعي]] حيث إنه أقترح على حجر بن عدي أن يتنكر في هيئته.
كانت الأزد آنئذ لا توالى [[الإمام]]، و[[أهل البيت]]{{عم}} [[الولاء]] الحميم، وفي نفس الوقت كانت [[الأزد]] من مضر، وحجر بن عدي الكندي من [[اليمن]] الأمر الذي كان لتواجد حجر بن عدي في [[حي]] الأزد [[الأثر]] الكبير في إنطماس المعالم أمام رجال [[الحكومة]]، وعيون [[الليل]]، وأيدي النهار، ويرجع هذا التكتيك الفريد إلى [[عبد الله بن الحارث النخعي]] حيث إنه أقترح على حجر بن عدي أن يتنكر في هيئته.


ثم اقترح أن يكون مكان إختفائه في حي بعيد عن الظنون والشبهات مثل حي الأزد، وهكذا فوت عبد الله بن الحارث الفرصة على الحكومة، وعلى رجال شرطتها، وعلى [[الجواسيس]] والعيون، فقد سعت الحكومة بكل إمكانياتها [[الكبيرة]] لإلقاء [[القبض]] على بطل [[العقيدة]] والجهاد إلا ان إمكانياتها، وجهودها اصطدمت بفشل ذريع، فلم تستطع أن تهتدي عن هذا الطريق إلى مكان إختفاء حجر بن عدي رغم أنها قد بثت العيون، ورجال [[الشرطة]] في الأحياء، ورابطت العيون في الليل والنهار، وعملت أبراج [[المراقبة]] في خارج [[البلد]] وداخله، وكانت الحكومة وجهودها في [[التعبئة]] العامة، والاستنفار العام، ثم عسفها وقهرها وطغيانها تعمل [[جادة]] لإلقاء القبض على حجر بن عدي إلا جهود التعبئة العامة بائت بالخسران، والفشل المستطير مما أدى إلى أن يجن الطاغية زياد بن أبيه، فصرخ مزمجرا معربدا متوعدا ومهددا الأحياء والأموات، ودعا وقد ارهقته أيام العسف والظلم [[محمد]] بن الأشعث الكندي وقال له في لهجة غاضبة: «يا أبا ميثاء أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها، ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم مني حتى اقطعك إربا إربا».
ثم اقترح أن يكون مكان إختفائه في حي بعيد عن الظنون والشبهات مثل حي الأزد، وهكذا فوت عبد الله بن الحارث الفرصة على الحكومة، وعلى رجال شرطتها، وعلى [[الجواسيس]] والعيون، فقد سعت الحكومة بكل إمكانياتها [[الكبيرة]] لإلقاء [[القبض]] على بطل [[العقيدة]] والجهاد إلا ان إمكانياتها، وجهودها اصطدمت بفشل ذريع، فلم تستطع أن تهتدي عن هذا الطريق إلى مكان إختفاء حجر بن عدي رغم أنها قد بثت العيون، ورجال [[الشرطة]] في الأحياء، ورابطت العيون في الليل والنهار، وعملت أبراج [[المراقبة]] في خارج [[البلد]] وداخله، وكانت الحكومة وجهودها في [[التعبئة]] العامة، والاستنفار العام، ثم عسفها وقهرها وطغيانها تعمل [[جادة]] لإلقاء القبض على حجر بن عدي إلا جهود التعبئة العامة بائت بالخسران، والفشل المستطير مما أدى إلى أن يجن الطاغية زياد بن أبيه، فصرخ مزمجرا معربدا متوعدا ومهددا الأحياء والأموات، ودعا وقد ارهقته أيام العسف والظلم [[محمد بن الأشعث الكندي]] وقال له في لهجة غاضبة: «يا أبا ميثاء أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها، ولا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم مني حتى اقطعك إربا إربا».


نزلت هذه الكلمات على محمد بن الأشعث كنزول الصاعقة، فمن أين له أن يظفر على حجر، ومن يدري أنه لم يخرج من البلد، ثم ان المهلة وهي ثلاثة أيام قليلة بالنسبة إلى هذا [[العمل]] الشاق.
نزلت هذه الكلمات على محمد بن الأشعث كنزول الصاعقة، فمن أين له أن يظفر على حجر، ومن يدري أنه لم يخرج من البلد، ثم ان المهلة وهي ثلاثة أيام قليلة بالنسبة إلى هذا [[العمل]] الشاق.
سطر ٤٩٠: سطر ٤٩٠:
إن هذه [[الأفكار]] زادت من [[خوف]] [[محمد]] بن الأشعث ورهبته ووهنه، فقال للطاغية: أمهلني حتى أطلبه»، فقال: «قد أمهلتك ثلاثا، فإن جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكي»،فغاضت بعد هذه الكلمات ينابيع [[الحياة]] في كيان ابن الأشعث وخاصة بعد أن أمر زياد بن أبيه بابن الأشعث أن يقاد إلى [[السجن]]، فاقتيد، وقد امتقع بن لونه، ووهنت قواه وغاض دم الحياة من شرايينه، فكان يتل تلا عنيفا.
إن هذه [[الأفكار]] زادت من [[خوف]] [[محمد]] بن الأشعث ورهبته ووهنه، فقال للطاغية: أمهلني حتى أطلبه»، فقال: «قد أمهلتك ثلاثا، فإن جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكي»،فغاضت بعد هذه الكلمات ينابيع [[الحياة]] في كيان ابن الأشعث وخاصة بعد أن أمر زياد بن أبيه بابن الأشعث أن يقاد إلى [[السجن]]، فاقتيد، وقد امتقع بن لونه، ووهنت قواه وغاض دم الحياة من شرايينه، فكان يتل تلا عنيفا.


وكان حجر بن يزيد [[الكندي]] يعتبر واحدا من حاشية [[الوالي]]، وكان قد رأى وسمع [[الحوار]]، ورأى الوهن الذي أصاب محمد بن الأشعث، وحينما [[شاهد]] حجر بن يزيد أن ابن الأشعث قد اقتيد إلى السجن خطر في باله: أنه لو سجن فكيف يستطيع أن يطلب حجرا [[رضوان الله]] عليه، ومن منطلق هذا [[الخاطر]] نهض وقال للطاغية، وهو يعرض عليه ضمان محمد بن الأشعث، فقال: «ضمنية وخل سبيله يطلب صاحبه، فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا». فتسائل ابن أبيه: «أتضمنه». قال حجر: «نعم». فقال مهددا: «أما والله لئن حاص عنك لأزيرنك شعوب، وإن الآن علي كريما». قال: «إنه لا يفعل».
وكان حجر بن يزيد الكندي يعتبر واحدا من حاشية [[الوالي]]، وكان قد رأى وسمع [[الحوار]]، ورأى الوهن الذي أصاب محمد بن الأشعث، وحينما [[شاهد]] حجر بن يزيد أن ابن الأشعث قد اقتيد إلى السجن خطر في باله: أنه لو سجن فكيف يستطيع أن يطلب حجرا، ومن منطلق هذا [[الخاطر]] نهض وقال للطاغية، وهو يعرض عليه ضمان محمد بن الأشعث، فقال: «ضمنية وخل سبيله يطلب صاحبه، فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا». فتسائل ابن أبيه: «أتضمنه». قال حجر: «نعم». فقال مهددا: «أما والله لئن حاص عنك لأزيرنك شعوب، وإن الآن علي كريما». قال: «إنه لا يفعل».


قامر ابن أبيه بإطلاق سراح محمد الأشعث خرج محمد من دار الامارة، وهو في [[حيرة]] من أمره يفكر في مصير حجر بن عدي لو انه ظفر به وسلمه للحكومة، ويفكر في مصيره هو إذا امتنع من هذا [[التسليم]] بل حاول مع [[الحكومة]] اللف والدوران، وفكر وهو أهم من كل تفكير، ومن كل خاطرة في مصيره هو إذا لم يستطع في خلال الأيام الثلاثة أن يسلم حجرا.
قامر ابن أبيه بإطلاق سراح محمد الأشعث خرج محمد من دار الامارة، وهو في [[حيرة]] من أمره يفكر في مصير حجر بن عدي لو انه ظفر به وسلمه للحكومة، ويفكر في مصيره هو إذا امتنع من هذا [[التسليم]] بل حاول مع [[الحكومة]] اللف والدوران، وفكر وهو أهم من كل تفكير، ومن كل خاطرة في مصيره هو إذا لم يستطع في خلال الأيام الثلاثة أن يسلم حجرا.
سطر ٤٩٨: سطر ٤٩٨:
أما [[حياة]] حجر بن عدي، أما الصلات والوشائج التي تربطه بحجر، أما كرامته وشخصيته عند عشيرته إذا هو سلم حجرا حيث إن هذه [[الكرامة]]، وهذه الشخصية ستتمرغ بالوحل، فإنه نسي كل هذا.
أما [[حياة]] حجر بن عدي، أما الصلات والوشائج التي تربطه بحجر، أما كرامته وشخصيته عند عشيرته إذا هو سلم حجرا حيث إن هذه [[الكرامة]]، وهذه الشخصية ستتمرغ بالوحل، فإنه نسي كل هذا.


ونعلم من محمد بن الأشعث أنه كان مناوى كأبيه للإمام، ولآل [[البيت]]، وأنه كان سائرا في خط [[الحكومة]] الراهنة، ومواليالها، وكان يعادي حجرا وحركته، ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة رشحته لمنصب [[زعامة]] [[كندة]] تماما كما كان أبوه له مكانة [[سياسية]] عند الحكومة، وذلك لما قام به من ألوان الخيانات تجاه [[خلافة]] [[الإمام]]، وفي [[صالح]] [[معاوية]] الا ان [[محمد]] بن الأشعث بعد الاحداث التي جرت في [[المدينة]]، وبعد [[الولاء]] الذي أبداه الشعب تجاه حجر بن عدي وحركته قد تغير موقفه تجاه حجر بن عدي، فهو لا يحبذ أن يقوم بهذا [[العمل]] [[السياسي]]، وكم ود لو أن غيره أناطت به الحكومة هذه المسؤلية الشاقة والمرهقة.
ونعلم من محمد بن الأشعث أنه كان مناوى كأبيه للإمام، ولآل [[البيت]]، وأنه كان سائرا في خط [[الحكومة]] الراهنة، ومواليالها، وكان يعادي حجرا وحركته، ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة رشحته لمنصب [[زعامة]] [[كندة]] تماما كما كان أبوه له مكانة [[سياسية]] عند الحكومة، وذلك لما قام به من ألوان الخيانات تجاه [[خلافة]] [[الإمام]]، وفي [[صالح]] [[معاوية]] الا ان [[محمد بن الأشعث]] بعد الاحداث التي جرت في [[المدينة]]، وبعد [[الولاء]] الذي أبداه الشعب تجاه حجر بن عدي وحركته قد تغير موقفه تجاه حجر بن عدي، فهو لا يحبذ أن يقوم بهذا [[العمل]] [[السياسي]]، وكم ود لو أن غيره أناطت به الحكومة هذه المسؤلية الشاقة والمرهقة.


لقد سعى محمد الأشعث ظاهرا ليظفر بطلبة الحكومة، وكان [[الوالي]] الطاغية قد بث العيون حول محمد بن الأشعث حتى يرفعوا له التقارير الأشعث وأعماله، وكان محمد بن الأشعث يعلم بهذه [[الحقيقة]]، فكان يسعى حتى يعلم الحقيقة عن مكمن حجر بن عدي، ولكنه كلما أمعن سعيا، كلما ابتعد عن مكمن الطلبة ويكاد يمضي يومان وهو لم يستطع أن يعرف عن مكان حجر بن عدي، فكاد محمد بن الأشعث حسب مزاجه وتربيته أن يجن، فكانت [[الأفكار]] السوداء تعرقه في بحارها.
لقد سعى محمد الأشعث ظاهرا ليظفر بطلبة الحكومة، وكان [[الوالي]] الطاغية قد بث العيون حول محمد بن الأشعث حتى يرفعوا له التقارير الأشعث وأعماله، وكان محمد بن الأشعث يعلم بهذه [[الحقيقة]]، فكان يسعى حتى يعلم الحقيقة عن مكمن حجر بن عدي، ولكنه كلما أمعن سعيا، كلما ابتعد عن مكمن الطلبة ويكاد يمضي يومان وهو لم يستطع أن يعرف عن مكان حجر بن عدي، فكاد محمد بن الأشعث حسب مزاجه وتربيته أن يجن، فكانت [[الأفكار]] السوداء تعرقه في بحارها.
سطر ٥٠٤: سطر ٥٠٤:
ولنترك محمد الأشعث نهبا مقسما أفكاره المرهقة السوداء، وبحثه وإسرافه في البحث والطلب، وللنتقل إلى حجر بن عدي لنري كيف أمضي ساعات الاختفاء.
ولنترك محمد الأشعث نهبا مقسما أفكاره المرهقة السوداء، وبحثه وإسرافه في البحث والطلب، وللنتقل إلى حجر بن عدي لنري كيف أمضي ساعات الاختفاء.


إن حجر بن عدي انتقل متنكرا مع صاحبه إلى [[حي]] [[الأزد]]، وأرتادا دار ربيعة بن ناجد [[الأزدي]]، فأطمأن إلى هذه الدار فلم تستطع [[الشرطة]]، ولم يتمكن [[الجواسيس]] والعيون أن يظفروا على مكان حجر بن عدي، ثم ان الطلب ألقى على عاتق [[محمد]] بن الأشعث، وكانت أجهزة [[الحكومة]] تسعى، ومحمد بن الأشعث يلهث.
إن حجر بن عدي انتقل متنكرا مع صاحبه إلى [[حي الأزد]]، وأرتادا دار [[ربيعة بن ناجد الأزدي]]، فأطمأن إلى هذه الدار فلم تستطع [[الشرطة]]، ولم يتمكن [[الجواسيس]] والعيون أن يظفروا على مكان حجر بن عدي، ثم ان الطلب ألقى على عاتق [[محمد بن الأشعث]]، وكانت أجهزة [[الحكومة]] تسعى، ومحمد بن الأشعث يلهث.


لقد مضي على حجر بن عدي في دار الأزدي يوما وليلة، ولم تطاله يد من أفراد الحكومة، ولا من أفراد [[محمد بن الأشعث]].
لقد مضي على حجر بن عدي في دار الأزدي يوما وليلة، ولم تطاله يد من أفراد الحكومة، ولا من أفراد [[محمد بن الأشعث]].


إنه مكان آمن، ولا يكاد يخطر في بال أحد أن حجرا يعيش أو هو مختفى في الأزد، وكانت أنباء المطاردة تصل لحجر بن عدي لحظة بلحظة، وكانت آخر هذه الأنباء هي ان الحكومة أناطت مسؤلية التحرى والبحث بمحمد بن الأشعث، وأن الحكومة أعطت محمد الأشعث مهلة أقصاها ثلاثة أيام، فإذا لم يستطع في خلال هذه المهلة أن يسلم حجرا إلى الحكومة، فإنها قد هددت محمد بن الأشعث بالقتل، ولابد ان الطاغية أن ينفذ هذا [[التهديد]] كما هو معروف عن مزاج الطاغية يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تلميذ مدرسة [[الإمام]]، والمتحلى بخصائص هذه [[المدرسة]]؟ يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تجاه محمد بن الأشعث المهدد بالقتل؟ أيبقى مستمرا في إختفائه ثم ليقتل محمد بن الأشعث، ولتعمل الحكومة ماشاء لها [[الهوى]] والبغي، أم إن عليه أن يخير محمد بن الأشعث، نعم أن يخبره عن مكمته، ويسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، وبالتالي تلقى [[حكومة]] الطاغية [[القبض]] عليه ثم تكون النتيجة معروفة ومعلومة للجميع.
إنه مكان آمن، ولا يكاد يخطر في بال أحد أن حجرا يعيش أو هو مختفى في الأزد، وكانت أنباء المطاردة تصل لحجر بن عدي لحظة بلحظة، وكانت آخر هذه الأنباء هي ان الحكومة أناطت مسؤلية التحرى والبحث بمحمد بن الأشعث، وأن الحكومة أعطت محمد الأشعث مهلة أقصاها ثلاثة أيام، فإذا لم يستطع في خلال هذه المهلة أن يسلم حجرا إلى الحكومة، فإنها قد هددت محمد بن الأشعث بالقتل، ولابد ان الطاغية أن ينفذ هذا [[التهديد]] كما هو معروف عن مزاج الطاغية يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تلميذ مدرسة [[الإمام]]، والمتحلى بخصائص هذه [[المدرسة]]؟ يا ترى ما هو موقف حجر بن عدي تجاه محمد بن الأشعث المهدد بالقتل؟ أيبقى مستمرا في إختفائه ثم ليقتل محمد بن الأشعث، ولتعمل الحكومة ماشاء لها [[الهوى]] والبغي، أم إن عليه أن يخير محمد بن الأشعث، نعم أن يخبره عن مكمته، ويسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، وبالتالي تلقى [[حكومة]] الطاغية [[القبض]] عليه ثم تكون النتيجة معروفة ومعلومة للجميع.
إن تلميذ هذه المدرسة الرائدة سيختار طريق ذات الشوكة، ولتكن النتائج ما تكون، أنه سيسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، ان حجرا تأبى عليه تعاليم الإمام أن يدع محمد بن الأشعث يتخبط في الطلب، وينتهى إلى ذلك المصير القاتل، رغم ان محمدا هذا هو ابن الأشعث، الأشعث الذي اشترك في المؤامرة التي أدت إلى [[استشهاد الإمام]]، الأشعث الذي لا تزال يده ملطخة بدم الإمام، ومحمد هذا هو أخو [[زوجة]] [[الإمام الحسن]]، شبل [[الإمام]]، [[الزوجة]] التي أو عز اليها طاغية [[الشام]] أن تسم زوجها، ففعلت، فاستشهد [[الإمام الحسن]] بهذا النكران المروع من قبل الزوجة الخائنة، أخت [[محمد]] بن الأشعث، وابنة الأشعث بن قيس.
إن تلميذ هذه المدرسة الرائدة سيختار طريق ذات الشوكة، ولتكن النتائج ما تكون، أنه سيسلم نفسه إلى محمد بن الأشعث، ان حجرا تأبى عليه تعاليم الإمام أن يدع محمد بن الأشعث يتخبط في الطلب، وينتهى إلى ذلك المصير القاتل، رغم ان محمدا هذا هو ابن الأشعث، الأشعث الذي اشترك في المؤامرة التي أدت إلى [[استشهاد الإمام]]، الأشعث الذي لا تزال يده ملطخة بدم الإمام، ومحمد هذا هو أخو [[زوجة]] [[الإمام الحسن]]، شبل [[الإمام]]، [[الزوجة]] التي أو عز اليها طاغية [[الشام]] أن تسم زوجها، ففعلت، فاستشهد [[الإمام الحسن]] بهذا النكران المروع من قبل الزوجة الخائنة، أخت محمد بن الأشعث، وابنة الأشعث بن قيس.


ان حجر بن عدي يعلم تفاصيل [[التاريخ]] الأسود لهذه الاسرة الا انه لا يحبذ أن يقتل في سبيله رجل، ومن منطلق هذه التعاليم أرسل حجر بن عدي غلامه الفارسي الأصبهاني، والذي كان يسمى رشيداً إلى محمد بن الأشعث برسالة يقول فيها: «إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا [[الجبار]] العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره، فإني خارج إليك. أجمع نفراً من قومك ثم أدخل عليه، فأسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى [[معاوية]]، فيرى في رأيه».
ان حجر بن عدي يعلم تفاصيل [[التاريخ]] الأسود لهذه الاسرة الا انه لا يحبذ أن يقتل في سبيله رجل، ومن منطلق هذه التعاليم أرسل حجر بن عدي غلامه الفارسي الأصبهاني، والذي كان يسمى رشيداً إلى محمد بن الأشعث برسالة يقول فيها: «إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا [[الجبار]] العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره، فإني خارج إليك. أجمع نفراً من قومك ثم أدخل عليه، فأسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى [[معاوية]]، فيرى في رأيه».
سطر ٥٢٧: سطر ٥٢٧:
إن حجر بن عدي أراد أن يكشف ورقة [[معاوية]] المزيفة، أراد أن يكشف [[سياسة معاوية]] [[المنحرفة]]، أراد أن يكشف إدعاءات معاوية المعسولة، أراد أن يعلن للملأ [[الإسلامي]] سياسة أُمية كما هي بدون قناع، وبدون ستار. ولقد توصل حجر بن عدي إلى كل أهدافه الرائدة في غفلة من [[الحكام]] المتغطرسين.
إن حجر بن عدي أراد أن يكشف ورقة [[معاوية]] المزيفة، أراد أن يكشف [[سياسة معاوية]] [[المنحرفة]]، أراد أن يكشف إدعاءات معاوية المعسولة، أراد أن يعلن للملأ [[الإسلامي]] سياسة أُمية كما هي بدون قناع، وبدون ستار. ولقد توصل حجر بن عدي إلى كل أهدافه الرائدة في غفلة من [[الحكام]] المتغطرسين.


نعم إن حجر بن عدي بعث إلى [[محمد]] بن الأشعث انه سيسلم نفسه للسلطة شريطة أن يبعثه الوالي إلى معاوية، وبالفعل عاد محمد بن الأشعث إلى ابن أبيه بصحبة حجر بن يزيد [[الكندي]]، وجرير بن [[عبد الله]] [[البجلي]]، وعبد [[الله]] بن الحارث [[النخعي]]، وهو أخو [[مالك الأشتر]] كما مر آنفا، وعرضوا عليه شرط [[التسليم]]، وهو أن يؤمنه ثم يبعثه إلى معاوية، فيرى فيه رأيه، فأطرق ابن أبيه يفكر، ولكن سرعان ما رفع رأسه، وقبل شرط التسليم، وخضع له، وأكبر [[الظن]] أن ابن أبيه [[شعر]] أنه سيتخلص من تبعات ابن عدي إذا هو أراد أن يحاكمه، وفي نفس الوقت فإنه يستطيع أن يلقي [[القبض]] على ابن عدي بأهون سبيل، ولما أن حصل ابن الأشعث، وصحبه على إنصياع ابن أبيه لشرط حجر بن عدي بعثوا في سرية إلى حجر أن يسلم نفسه للسلطة، وقد تحقق له ما اشترط، فخرج حجر بن عدي من مكمنه وأقبل وحده رافع الرأس لا يعانى صحبة الجلاوزة، ولا يستشعر الهوان بتعنتاتهم، لقد أقبل حجر بن عدي فذا حرا، ودخل دار الامارة، وكانت مباغتة بالنسبة للوالي نفسه تماماً عدي كما كانت مباغتة، وبصورة أشد بالنسبة إلى رجال المباحث، وجلاوزة [[الأمن]].
نعم إن حجر بن عدي بعث إلى محمد بن الأشعث انه سيسلم نفسه للسلطة شريطة أن يبعثه الوالي إلى معاوية، وبالفعل عاد محمد بن الأشعث إلى ابن أبيه بصحبة حجر بن يزيد الكندي، و [[جرير بن عبد الله البجلي]]، و [[عبد الله بن الحارث النخعي]]، وهو أخو [[مالك الأشتر]] كما مر آنفا، وعرضوا عليه شرط [[التسليم]]، وهو أن يؤمنه ثم يبعثه إلى معاوية، فيرى فيه رأيه، فأطرق ابن أبيه يفكر، ولكن سرعان ما رفع رأسه، وقبل شرط التسليم، وخضع له، وأكبر [[الظن]] أن ابن أبيه [[شعر]] أنه سيتخلص من تبعات ابن عدي إذا هو أراد أن يحاكمه، وفي نفس الوقت فإنه يستطيع أن يلقي [[القبض]] على ابن عدي بأهون سبيل، ولما أن حصل ابن الأشعث، وصحبه على إنصياع ابن أبيه لشرط حجر بن عدي بعثوا في سرية إلى حجر أن يسلم نفسه للسلطة، وقد تحقق له ما اشترط، فخرج حجر بن عدي من مكمنه وأقبل وحده رافع الرأس لا يعانى صحبة الجلاوزة، ولا يستشعر الهوان بتعنتاتهم، لقد أقبل حجر بن عدي فذا حرا، ودخل دار الامارة، وكانت مباغتة بالنسبة للوالي نفسه تماماً عدي كما كانت مباغتة، وبصورة أشد بالنسبة إلى رجال المباحث، وجلاوزة [[الأمن]].


هاهو ذا الزعيم يمشي الهوينا إلى دار الامارة صلب الارادة، قوياً، رزيناً، كابحاً لمشاعره، وأحاسيسه، وعواطفه، فكان كالبحر هادئ الصفحة مصطفق الأعماق، فكان المتأمل يراه رزيناً قد جلله الشيب ببياضه الناصع، وطبعته [[العبادة]] بطابعها على جبينه، وأضفت عليه تجارب [[الحياة]] التماسك والحنكة والمتانة، وما إن وقع [[بصر]] إبن أبيه على حجر بن عدي حتى قال في لهجة ساخرة متهكمة:  
هاهو ذا الزعيم يمشي الهوينا إلى دار الامارة صلب الارادة، قوياً، رزيناً، كابحاً لمشاعره، وأحاسيسه، وعواطفه، فكان كالبحر هادئ الصفحة مصطفق الأعماق، فكان المتأمل يراه رزيناً قد جلله الشيب ببياضه الناصع، وطبعته [[العبادة]] بطابعها على جبينه، وأضفت عليه تجارب [[الحياة]] التماسك والحنكة والمتانة، وما إن وقع [[بصر]] إبن أبيه على حجر بن عدي حتى قال في لهجة ساخرة متهكمة:  
سطر ٥٤٧: سطر ٥٤٧:
وحينما أضحى حجر بن عدي رهن الاعتقال، وفرغ بال الطاغية من الزعيم طفق يطارد كبار أصحاب حجر بن عدي ويلاحقهم مستهدفاً من وراء ذلك القاء [[القبض]] عليهم، وقد أسرف في المطاردة، وأشاع الارهاب في [[المدينة]] والمنطقة كلها، وقد استطاع عمرو بن الحمق، ورفاعة بن شداد، وهما من كبار مؤيدي حجر بن عدي، ومن رؤساء أصحابه أن يخرجاً من المدينة خائفين يترقبان تحت ستار [[الليل]].
وحينما أضحى حجر بن عدي رهن الاعتقال، وفرغ بال الطاغية من الزعيم طفق يطارد كبار أصحاب حجر بن عدي ويلاحقهم مستهدفاً من وراء ذلك القاء [[القبض]] عليهم، وقد أسرف في المطاردة، وأشاع الارهاب في [[المدينة]] والمنطقة كلها، وقد استطاع عمرو بن الحمق، ورفاعة بن شداد، وهما من كبار مؤيدي حجر بن عدي، ومن رؤساء أصحابه أن يخرجاً من المدينة خائفين يترقبان تحت ستار [[الليل]].


'''١. قبيصة بن ضبيعة العبسي: '''
'''١. [[قبيصة بن ضبيعة العبسي]] '''


وهو من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن المؤيدين لتحركه التحرري، فأرسل ابن أبيه [[مدير]] [[الشرطة]] مع فريق من الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، وسار مدير الشرطة مع فريقه مثيرين [[الرعب]] في قلوب الناس إلى دار قبيصة، فوصلت أنباء الشرطة إلى قبيصة فثار إلى سيفه، وبعث من يدعو له الناس في حيه [[حي]] بني [[عبس]]، فلم يخف إلى نجدته إلا قلة من العبسيين.
وهو من كبار أصحاب حجر بن عدي، ومن المؤيدين لتحركه التحرري، فأرسل ابن أبيه [[مدير]] [[الشرطة]] مع فريق من الجلاوزة لإلقاء القبض عليه، وسار مدير الشرطة مع فريقه مثيرين [[الرعب]] في قلوب الناس إلى دار قبيصة، فوصلت أنباء الشرطة إلى قبيصة فثار إلى سيفه، وبعث من يدعو له الناس في حيه [[حي]] [[بني عبس]]، فلم يخف إلى نجدته إلا قلة من العبسيين.


كان قبيصة وجماعته متحفزين للقتال، وما إن وصل مدير الشرطة مع فريقه حتى وثب قبيصة مجرداً سيفه محاولاً [[النضال]] ضد عناصر [[البغي]]، وهنا تقدم مدير الشرطة إلى قبيصة مبديا إشفاقه على قبيصة، وقال له معبرا له عن صيغة [[الأمان]]: «أنت آمن على دمك، ومالك، فلم تقتل نفسك، فلم يقبل قبيصة وحاول أن يهاجمهم الا ان العبيسين اعترضوه وقالوا له مستنكرين، وقد شاع فيهم [[الضعف]] والخور، ولمسوا قلة عددهم أمام سطوة الحكومة: «قد أو مِنتَ فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك»، فقال قبيصة وقد سرت فيه موجة [[غضب]]: «ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني».
كان قبيصة وجماعته متحفزين للقتال، وما إن وصل مدير الشرطة مع فريقه حتى وثب قبيصة مجرداً سيفه محاولاً [[النضال]] ضد عناصر [[البغي]]، وهنا تقدم مدير الشرطة إلى قبيصة مبديا إشفاقه على قبيصة، وقال له معبرا له عن صيغة [[الأمان]]: «أنت آمن على دمك، ومالك، فلم تقتل نفسك، فلم يقبل قبيصة وحاول أن يهاجمهم الا ان العبيسين اعترضوه وقالوا له مستنكرين، وقد شاع فيهم [[الضعف]] والخور، ولمسوا قلة عددهم أمام سطوة الحكومة: «قد أو مِنتَ فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك»، فقال قبيصة وقد سرت فيه موجة [[غضب]]: «ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني».
سطر ٥٦١: سطر ٥٦١:
فأمر ابن أبيه بإعتقال قبيصة العبسي، وهذا هو من [[قبيلة]] عنترة العبسي البطل [[الشاعر]] العاشق الاسطوري المعروف.
فأمر ابن أبيه بإعتقال قبيصة العبسي، وهذا هو من [[قبيلة]] عنترة العبسي البطل [[الشاعر]] العاشق الاسطوري المعروف.


'''٢. صيفى بن فسيل الشيباني: '''
'''٢. [[صيفى بن فسيل الشيباني]]: '''


كان صيفي من زعماء أصحاب حجر بن عدي، ومن كبار [[قادة]] [[الحركة]]، وكان مختفياً، وكانت الجلاوزة تتبع زعماء الحركة، وتبحث عنهم في كل مكان بل وقد عينت [[الحكومة]] الجوائز لمن يأتي أو يدل على واحد منهم، فجاء قيس بن عباد الشيباني، وكان يعلم عن مكان إختفاء صيفي، وكانت الجائزة قد أسالت لعابه وكان ضميره قد غشاه ظلام الحقد، وكان الجاه المزيف قد لمع أمام ناظريه، فلا عليه الا أن يرتاد الديوان، ويخبر ابن أبيه عن صيفي، وإن كان صيفي واحداً من قومه حتى تنفتح له موائد [[الأمير]] الشهية وتتحقق أحلامه، ومن منطلق هذه [[الأفكار]] أرتاد قيس بن عباد الشيباني ديوان ابن أبيه، وهناك صاح: «[[النصيحة]]، النصيحة»، فهرع إليه [[الشرطة]] وقالوا له: «ما بالك».
كان صيفي من زعماء أصحاب حجر بن عدي، ومن كبار [[قادة]] [[الحركة]]، وكان مختفياً، وكانت الجلاوزة تتبع زعماء الحركة، وتبحث عنهم في كل مكان بل وقد عينت [[الحكومة]] الجوائز لمن يأتي أو يدل على واحد منهم، فجاء قيس بن عباد الشيباني، وكان يعلم عن مكان إختفاء صيفي، وكانت الجائزة قد أسالت لعابه وكان ضميره قد غشاه ظلام الحقد، وكان الجاه المزيف قد لمع أمام ناظريه، فلا عليه الا أن يرتاد الديوان، ويخبر ابن أبيه عن صيفي، وإن كان صيفي واحداً من قومه حتى تنفتح له موائد [[الأمير]] الشهية وتتحقق أحلامه، ومن منطلق هذه [[الأفكار]] أرتاد قيس بن عباد الشيباني ديوان ابن أبيه، وهناك صاح: «[[النصيحة]]، النصيحة»، فهرع إليه [[الشرطة]] وقالوا له: «ما بالك».
سطر ٦١٩: سطر ٦١٩:
وأثبت التلميذ المتفاني في سبيل إمامه واستاذه أن [[القوة]] لا شيء أمام الإيمان الصلب، وأمام [[العزيمة]] الصامدة، وضرب صيفي بن فيسل أروع الأمثلة في الوفاء لاستاذه [[العظيم]]، ومعلمه الكبير.
وأثبت التلميذ المتفاني في سبيل إمامه واستاذه أن [[القوة]] لا شيء أمام الإيمان الصلب، وأمام [[العزيمة]] الصامدة، وضرب صيفي بن فيسل أروع الأمثلة في الوفاء لاستاذه [[العظيم]]، ومعلمه الكبير.


ومن العبر ان قيس بن عباد الشيباني الذي سعى بتلميذ الإمام: صيفي ابن فسيل كان قد خرج مع [[محمد]] بن الأشعث على [[الحجاج]]، فلما انتهت [[المعركة]] رجع وجلس في بيته، فسعى به حوشب الشيباني عند الحجاج، فاعتقله الحجاج، ثم قتله فقالت أسرة ابن عباد لأسرة حوشب: «سعيتم بصاحبنا»، فقالت أسرة حوشب، وتذكرت [[سعاية]] ابن عباد بصيفي بن فسيل: «وأنتم أيضاً سعيتم بصاحبناه»<ref>يراجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٦، تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.</ref>.
ومن العبر ان قيس بن عباد الشيباني الذي سعى بتلميذ الإمام: صيفي ابن فسيل كان قد خرج مع [[محمد بن الأشعث]] على [[الحجاج]]، فلما انتهت [[المعركة]] رجع وجلس في بيته، فسعى به حوشب الشيباني عند الحجاج، فاعتقله الحجاج، ثم قتله فقالت أسرة ابن عباد لأسرة حوشب: «سعيتم بصاحبنا»، فقالت أسرة حوشب، وتذكرت [[سعاية]] ابن عباد بصيفي بن فسيل: «وأنتم أيضاً سعيتم بصاحبناه»<ref>يراجع: الكامل في التاريخ ٣: ٢٣٦، تاريخ الطبري ٥: ٢٨١.</ref>.


'''٣.[[عبد الله بن خليفة الطائي]]: '''
'''٣.[[عبد الله بن خليفة الطائي]]: '''
سطر ٧٢٩: سطر ٧٢٩:
٥. '''[[عمير بن يزيد الكندي]]: '''
٥. '''[[عمير بن يزيد الكندي]]: '''


الشهير ب «أبي العمرّطة» لقد أبا العمرطة دافع بسيفه «يوم المسجد» عن حجر بن عدي [[الكندي]] زعيم [[المعارضة]]، وفي لحظات [[الدفاع]] أقبل أبو العمرطة ووثب على فرسه في حومة [[النضال]]، وإذا بيزيد بن طريف المسلي، وهو أحد رجال [[الشرطة]] يقبل بعموده، ويهوى به على أبي العمرطة، فيصيب فخذه بألم وجراح، فيخترط أبو العموطة سيفه في عنف، ويهوى به على رأس ابن طريف المسلي، فيخر لوجهه. ثم ان المسلي وبعد أشهر يبرأ من شجته العميقة في رأسه.
الشهير ب «أبي العمرّطة» لقد أبا العمرطة دافع بسيفه «يوم المسجد» عن حجر بن عدي الكندي زعيم [[المعارضة]]، وفي لحظات [[الدفاع]] أقبل أبو العمرطة ووثب على فرسه في حومة [[النضال]]، وإذا بيزيد بن طريف المسلي، وهو أحد رجال [[الشرطة]] يقبل بعموده، ويهوى به على أبي العمرطة، فيصيب فخذه بألم وجراح، فيخترط أبو العموطة سيفه في عنف، ويهوى به على رأس ابن طريف المسلي، فيخر لوجهه. ثم ان المسلي وبعد أشهر يبرأ من شجته العميقة في رأسه.


فتصل أنباء هذه ا [[المعركة]] إلى [[الشاعر]] [[عبد الله]] بن همام السلولي، فينشد أبياتاً في هجاء ابن طريف المسلي، وكان ابن طريف هذا يغمز في نسبه، ويمدح أبا العمرطة، ويذكر مواقفه البطولية. قال الشاعر السلولي:  
فتصل أنباء هذه ا [[المعركة]] إلى [[الشاعر]] [[عبد الله]] بن همام السلولي، فينشد أبياتاً في هجاء ابن طريف المسلي، وكان ابن طريف هذا يغمز في نسبه، ويمدح أبا العمرطة، ويذكر مواقفه البطولية. قال الشاعر السلولي:  
سطر ٧٣٩: سطر ٧٣٩:
{{نهاية قصيدة}}
{{نهاية قصيدة}}


وتوارى أبو العمرطة عن العيون، وكان أخوه قيس بن يزيد [[الكندي]] أيضاً مختفياً حيث كان أحد أصحاب حجر بن عدي الكندي، ومن المناضلين في ركابه، فراح رجال المباحث والتفتيش في تجوالهم مستقصين عن الصفوة من أصحاب حجر بن عدي الكندي فألقوا [[القبض]] على قيس بن يزيد الكندي، وكان قيس كما أسفلنا مؤيدا لحجر بن عدي، وقاتل دفاعاً عنه في معركة يوم المسجد، واقتاده رجال المباحث إلى ابن أبيه في دار الامارة، وأخبروه بإعتقاله، فقال ابن أبيه: «ما على قيس بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان، وبلاءه يوم [[صفين]] مع [[معاوية]]».
وتوارى أبو العمرطة عن العيون، وكان أخوه قيس بن يزيد الكندي أيضاً مختفياً حيث كان أحد أصحاب حجر بن عدي الكندي، ومن المناضلين في ركابه، فراح رجال المباحث والتفتيش في تجوالهم مستقصين عن الصفوة من أصحاب حجر بن عدي الكندي فألقوا [[القبض]] على قيس بن يزيد الكندي، وكان قيس كما أسفلنا مؤيدا لحجر بن عدي، وقاتل دفاعاً عنه في معركة يوم المسجد، واقتاده رجال المباحث إلى ابن أبيه في دار الامارة، وأخبروه بإعتقاله، فقال ابن أبيه: «ما على قيس بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان، وبلاءه يوم [[صفين]] مع [[معاوية]]».


ثم إنه استدعى قيس الكندي فجاءوا به إليه، فلما رآه قال له: «إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك، وحسن بلائك، ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير».
ثم إنه استدعى قيس الكندي فجاءوا به إليه، فلما رآه قال له: «إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك، وحسن بلائك، ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير».
سطر ٧٥٥: سطر ٧٥٥:
ثم إن قيساً، وحجراً راحا إلى مكمن عمير أبي العمرطة، وكان قيس يعلم عن مكان إختفاء أخيه، فعرضا عليه [[أمان]] ابن أبيه على نفسه، وممتلكاته على أن يسلم نفسه للسلطة، وحببا إليه الانصياع لهما، وتسليم نفسه للحكومة، وذلك إن إختفائه عن أنظار [[الحكومة]] لا تجديه نفعاً، وإلى متى يستطيع أن يمكث تحت رهن الحذر والمواراة عن عيون [[الناس]]، ثم إن الحكومة منحته [[الأمان]] فلم الاصرار على المواراة؟ ثم إن إصراره على الاختفاء سيثير مشاكلاً أخرى هو وإخوانه في [[غنى]] عنها.
ثم إن قيساً، وحجراً راحا إلى مكمن عمير أبي العمرطة، وكان قيس يعلم عن مكان إختفاء أخيه، فعرضا عليه [[أمان]] ابن أبيه على نفسه، وممتلكاته على أن يسلم نفسه للسلطة، وحببا إليه الانصياع لهما، وتسليم نفسه للحكومة، وذلك إن إختفائه عن أنظار [[الحكومة]] لا تجديه نفعاً، وإلى متى يستطيع أن يمكث تحت رهن الحذر والمواراة عن عيون [[الناس]]، ثم إن الحكومة منحته [[الأمان]] فلم الاصرار على المواراة؟ ثم إن إصراره على الاختفاء سيثير مشاكلاً أخرى هو وإخوانه في [[غنى]] عنها.


ولكن أبا العمرطة لم يطمأن إلى هذا الأمان، وكان يعرف غدر [[السياسة]] والسياسيين إذا ما انتكست الامور عليهم، ولم تكن الشؤون في صالحهم إلا ان أبا العمرطة سلم نفسه كارهاً لأخيه، ورفيقه [[الكندي]] رغم أنه كان مريضاً يعاني من جراح قد أصابه يوم المسجد في فخذه، فأتيا به إلى ابن أبيه في دار الامارة، وهما مطمئنان على وفاء ابن أبيه لهما، ومقدران سلامة أبي العمرطة من ان يصيبه ابن أبيه بسوء، ولكنهما كانا غفلة في عن [[النفس]] الحاقدة المريضة التي تعاني عقدة [[النقص]] في شرف [[النسب]]، والتي تضرب بعرض الجدار كل عهد أعطته، وكل [[أمان]] منحته.
ولكن أبا العمرطة لم يطمأن إلى هذا الأمان، وكان يعرف غدر [[السياسة]] والسياسيين إذا ما انتكست الامور عليهم، ولم تكن الشؤون في صالحهم إلا ان أبا العمرطة سلم نفسه كارهاً لأخيه، ورفيقه الكندي رغم أنه كان مريضاً يعاني من جراح قد أصابه يوم المسجد في فخذه، فأتيا به إلى ابن أبيه في دار الامارة، وهما مطمئنان على وفاء ابن أبيه لهما، ومقدران سلامة أبي العمرطة من ان يصيبه ابن أبيه بسوء، ولكنهما كانا غفلة في عن [[النفس]] الحاقدة المريضة التي تعاني عقدة [[النقص]] في شرف [[النسب]]، والتي تضرب بعرض الجدار كل عهد أعطته، وكل [[أمان]] منحته.


لقد أوعز ابن أبيه إلى شرطته وجلاوزته أن يذيقوا أبا العمرطة ألوان [[العذاب]]، ويوقروه حديداً إذا ما صحب مبعوثيه، فلما دخل أبو العمرطة على ابن أبيه لم يكلمه [[الوالي]] بل تجهم في وجهه، واكفهر تصرفه، وأشار إلى زمرته أن تبدأ في [[العمل]]، فسحبته، وأوقرته حديدا، ثم حمله الرجال يرفعونه حتى إذا بلغ سررهم تركوه يقع على [[الأرض]]، وكان الرجال من الزمرة الخبيثة ينحنون على أبي العمرطة، وهو يعاني آلام جرحه، وآلام تعذيبه الوحشي، وأشد من كل الألام أنه كان يعاني إهدار كرامته أمام عيون [[الناس]]، أنحنى رجال الزمرة ثم حملوه ورفعوه، فتركوه فوقع على الأرض في شدة، وجلجلة [[الحديد]]، وكانت الأرض ترتج على أثر هذه الوقعات المتتابعة المتتالية مما اغمى على أبي العمرطة من شدة [[الألم]]، وأشفى على [[الموت]]، وأثارت هذه الظاهرة المفزعة حجر بن يزيد الكندي بل وأثارت إشفاق كل من كان هناك في ديوان [[الظلم]] والافتئات من المرتزقة والمتزلفين، فقام حجر بن يزيد الكندي إلى ابن أبيه وقال في لهجة مستخذية: «ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك [[الله]]»، فقال ابن أبيه ساخراً ومصطنعاً إبتسامة صفراء: «بلى قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دماً، ولا آخذ له مالا».
لقد أوعز ابن أبيه إلى شرطته وجلاوزته أن يذيقوا أبا العمرطة ألوان [[العذاب]]، ويوقروه حديداً إذا ما صحب مبعوثيه، فلما دخل أبو العمرطة على ابن أبيه لم يكلمه [[الوالي]] بل تجهم في وجهه، واكفهر تصرفه، وأشار إلى زمرته أن تبدأ في [[العمل]]، فسحبته، وأوقرته حديدا، ثم حمله الرجال يرفعونه حتى إذا بلغ سررهم تركوه يقع على [[الأرض]]، وكان الرجال من الزمرة الخبيثة ينحنون على أبي العمرطة، وهو يعاني آلام جرحه، وآلام تعذيبه الوحشي، وأشد من كل الألام أنه كان يعاني إهدار كرامته أمام عيون [[الناس]]، أنحنى رجال الزمرة ثم حملوه ورفعوه، فتركوه فوقع على الأرض في شدة، وجلجلة [[الحديد]]، وكانت الأرض ترتج على أثر هذه الوقعات المتتابعة المتتالية مما اغمى على أبي العمرطة من شدة [[الألم]]، وأشفى على [[الموت]]، وأثارت هذه الظاهرة المفزعة حجر بن يزيد الكندي بل وأثارت إشفاق كل من كان هناك في ديوان [[الظلم]] والافتئات من المرتزقة والمتزلفين، فقام حجر بن يزيد الكندي إلى ابن أبيه وقال في لهجة مستخذية: «ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك [[الله]]»، فقال ابن أبيه ساخراً ومصطنعاً إبتسامة صفراء: «بلى قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دماً، ولا آخذ له مالا».
سطر ١٬٠٩٥: سطر ١٬٠٩٥:
وقام حبيب بن مسلمة، وسأله أن يهب له [[عبد الله]] بن حوية [[السعدي]] التميمي، فوهبه له، وخلى سبيله.
وقام حبيب بن مسلمة، وسأله أن يهب له [[عبد الله]] بن حوية [[السعدي]] التميمي، فوهبه له، وخلى سبيله.


وهنا قام وائل بن حجر الحضرمي، وهو الذي كان مسؤولاً عن قافلة المجاهدين السجناء من [[الكوفة]] إلى مرج عذراء، وطلب من معاوية أن يهب له الأرقم بن عبد الله [[الكندي]]، فتركه له، وأطلق سراحه.
وهنا قام وائل بن حجر الحضرمي، وهو الذي كان مسؤولاً عن قافلة المجاهدين السجناء من [[الكوفة]] إلى مرج عذراء، وطلب من معاوية أن يهب له الأرقم بن عبد الله الكندي، فتركه له، وأطلق سراحه.


إن الذين أطلق معاوية سراحهم [[شعر]] أنهم لا خطر لهم على الحكومة.
إن الذين أطلق معاوية سراحهم [[شعر]] أنهم لا خطر لهم على الحكومة.
٢٦٬٨٢٣

تعديل