الفرق بين المراجعتين لصفحة: «تنصيب الإمام»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ٦: | سطر ٦: | ||
'''أولاً: الاتجاه النقلي:''' وجود كثير من الآيات والروايات المتعددة والمتواترة أحياناً في دلالتها على إمامة الإمام علي{{ع}}، وهو أمر يثبت النظرية القائلة بكون [[الإمامة]] بالتنصيب. وعلاوة على هذه النصوص هناك تصريح في بعض النصوص الواردة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} بكون أصل [[الحكم]] بعده يكون بتنصيب من قبل [[الله]] عزّ وجل. كما ورد في [[قصة]] [[إسلام]] [[قبيلة بني عامر]]، حيث اشترطوا على النبي الأكرم{{صل}} أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فرفض [[النبي]] هذا الشرط منهم، معللاً ذلك بقوله: {{نص حديث| إِنَّ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ }}<ref>تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٨٤ ؛ سيرة ابن هشام، ج ٢، ص ٥٥ ؛ السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣.</ref>. | '''أولاً: الاتجاه النقلي:''' وجود كثير من الآيات والروايات المتعددة والمتواترة أحياناً في دلالتها على إمامة الإمام علي{{ع}}، وهو أمر يثبت النظرية القائلة بكون [[الإمامة]] بالتنصيب. وعلاوة على هذه النصوص هناك تصريح في بعض النصوص الواردة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} بكون أصل [[الحكم]] بعده يكون بتنصيب من قبل [[الله]] عزّ وجل. كما ورد في [[قصة]] [[إسلام]] [[قبيلة بني عامر]]، حيث اشترطوا على النبي الأكرم{{صل}} أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فرفض [[النبي]] هذا الشرط منهم، معللاً ذلك بقوله: {{نص حديث| إِنَّ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ }}<ref>تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٨٤ ؛ سيرة ابن هشام، ج ٢، ص ٥٥ ؛ السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣.</ref>. | ||
كما رصد [[التاريخ]] حالات أخرى مشابهة لهذه الحادثة؛ حيث اشترطت [[قبيلة كندة]]<ref>انظر: سيرة ابن كثير، ج ٢، ص ١٥٩ .</ref>، واشترط [[عامر بن الطفيل]]، و [[أربد بن قيس]]<ref>انظر: المصدر أعلاه، ج ٢، ص ١١٤.</ref>، أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فكان الجواب هو الجواب. | كما رصد [[التاريخ]] حالات أخرى مشابهة لهذه الحادثة؛ حيث اشترطت [[قبيلة كندة]]<ref>انظر: سيرة ابن كثير، ج ٢، ص ١٥٩.</ref>، واشترط [[عامر بن الطفيل]]، و [[أربد بن قيس]]<ref>انظر: المصدر أعلاه، ج ٢، ص ١١٤.</ref>، أن يكون لهم الأمر بعد رحيله؛ فكان الجواب هو الجواب. | ||
واللافت في توضيح الأمر هنا أن ما كانت تطالب به هذه [[القبائل]] المختلفة من النبي الأكرم{{صل}} هو منحهم الحكم والسلطة [[السياسية]] التي ينظر إليها [[أهل السنة]] بوصفها مسألة [[فقهية]] تدخل في صلاحية [[الأمة]] واختيارها. ولكن النبي الأكرم{{صل}} يصفها بأنها [[حق]] إلهي. | واللافت في توضيح الأمر هنا أن ما كانت تطالب به هذه [[القبائل]] المختلفة من النبي الأكرم{{صل}} هو منحهم الحكم والسلطة [[السياسية]] التي ينظر إليها [[أهل السنة]] بوصفها مسألة [[فقهية]] تدخل في صلاحية [[الأمة]] واختيارها. ولكن النبي الأكرم{{صل}} يصفها بأنها [[حق]] إلهي. | ||
| سطر ٣٩: | سطر ٣٩: | ||
ولولا [[حكمة]] [[الإمام علي]]{{ع}} في تقديم [[مصلحة]] الأمة على مصلحته الخاصة لاندلعت [[حرب]] بسبب عدم استيعاب [[الشيعة]] لخلافة أبي بكر، وتم [[القضاء]] على برعم [[الحكومة الإسلامية]] اليافع، ولم تقم للإسلام بعد ذلك من قائمة. | ولولا [[حكمة]] [[الإمام علي]]{{ع}} في تقديم [[مصلحة]] الأمة على مصلحته الخاصة لاندلعت [[حرب]] بسبب عدم استيعاب [[الشيعة]] لخلافة أبي بكر، وتم [[القضاء]] على برعم [[الحكومة الإسلامية]] اليافع، ولم تقم للإسلام بعد ذلك من قائمة. | ||
وعليه كان بإمكان النص الخاص على شخص بعينه، وتطبيق ذلك النص على أرض الواقع أن يحول دون [[الاختلاف]] واندلاع [[الحرب]]، ويضمن رفعة [[الإسلام]] وتقدمه. وقد أكد بعض [[الفلاسفة]] هذه [[الحقيقة]]؛ إذ يقول [[ابن سينا]]: «[[الاستخلاف]] بالنص أصوب؛ فإن ذلك لا يؤدى إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»<ref>ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، ص ٤٥١ .</ref>. | وعليه كان بإمكان النص الخاص على شخص بعينه، وتطبيق ذلك النص على أرض الواقع أن يحول دون [[الاختلاف]] واندلاع [[الحرب]]، ويضمن رفعة [[الإسلام]] وتقدمه. وقد أكد بعض [[الفلاسفة]] هذه [[الحقيقة]]؛ إذ يقول [[ابن سينا]]: «[[الاستخلاف]] بالنص أصوب؛ فإن ذلك لا يؤدى إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»<ref>ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، ص ٤٥١.</ref>. | ||
===[[العلم]] بالأصلح وضرورة التعريف به وتنصيبه=== | ===[[العلم]] بالأصلح وضرورة التعريف به وتنصيبه=== | ||
| سطر ١٠٥: | سطر ١٠٥: | ||
هناك كثير من [[آيات القرآن الكريم]] تدل على [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} في منصب [[الإمامة]]، نشير فيما يأتي إلى بعضها: | هناك كثير من [[آيات القرآن الكريم]] تدل على [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} في منصب [[الإمامة]]، نشير فيما يأتي إلى بعضها: | ||
١. [[آية التطهير]]: إن من بين الآيات المعروفة النازلة بشأن [[أهل البيت]]{{عم}} هي آية التطهير التي طهر الله فيها [[أهل بيت النبي]] من جميع أنواع [[الرجس]]، إذ يقول: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ | ١. [[آية التطهير]]: إن من بين الآيات المعروفة النازلة بشأن [[أهل البيت]]{{عم}} هي آية التطهير التي طهر الله فيها [[أهل بيت النبي]] من جميع أنواع [[الرجس]]، إذ يقول: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>. | ||
إن هذه [[الآية]] تثبت [[عصمة أهل بيت النبي]]{{عم}} - | إن هذه [[الآية]] تثبت [[عصمة أهل بيت النبي]]{{عم}} - علي و[[فاطمة]] و[[الحسن]] و[[الحسين]] - وقد ذكر نزول هذه الآية في هؤلاء عدد من [[الصحابة]] يبلغ حد [[التواتر]] وقد تم التأكيد على هذا المعنى في المصادر السنية والشيعية. فها هو [[الترمذي]] مثلاً يقرّ بأن آية التطهير نزلت في [[بيت]] [[أم سلمة]]، وقال بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين ثم ألقى عليهم عباءة وقال: {{نص حديث|اَللهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي}}<ref>انظر: الترمذي، صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٣٢٧؛ تفسير الدر المنثور، تفسير الآية؛ العلامة الحسيني الطهراني امام شناسی، ج ٣، ص ١٦٢ - ١٧٢.</ref>. | ||
وكان [[الإمام علي]]{{ع}} يستند إلى هذه [[الآية الكريمة]] في كثير من المواطن في مقام [[إثبات]] مقامه الشامخ والاحتجاج بها على المخالفين كما صدر ذلك عنه مع أهل [[السقيفة]]<ref>انظر: الخوارزمي، المناقب، ص ١٢٩.</ref>. | وكان [[الإمام علي]]{{ع}} يستند إلى هذه [[الآية الكريمة]] في كثير من المواطن في مقام [[إثبات]] مقامه الشامخ والاحتجاج بها على المخالفين كما صدر ذلك عنه مع أهل [[السقيفة]]<ref>انظر: الخوارزمي، المناقب، ص ١٢٩.</ref>. | ||
وقد ورد في مصادر أهل السنة بصيغ مختلفة أن [[الإمام الحسن]]{{ع}} بعد استشهاد أبيه [[الإمام علي]]{{ع}} قد طبق [[آية التطهير]] في بعض خطبه على نفسه وقال: {{نص حديث|نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ اَلَّذِينَ أَذْهَبَ | وقد ورد في مصادر أهل السنة بصيغ مختلفة أن [[الإمام الحسن]]{{ع}} بعد استشهاد أبيه [[الإمام علي]]{{ع}} قد طبق [[آية التطهير]] في بعض خطبه على نفسه وقال: {{نص حديث|نَحْنُ أَهْلُ اَلْبَيْتِ اَلَّذِينَ أَذْهَبَ اَللهُ عَنْهُمُ اَلرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً}}<ref>انظر: الحسكاني، شواهد التنزيل، ج ٢، ص ٣١؛تاريخ مدينة دمشق، ج١٣، ص٢٦٩؛ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٦، ص ٢٢. لمزيد من التوضيح انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ٣، ص ١٤١ فما بعد.</ref>. | ||
وإن لازم تطهير وطهارة [[أهل البيت]] من جميع أنواع [[الرجس]] هو عصمتهم من جميع أنواع [[الذنوب]] والمعاصي، وهذا يثبت بدوره حجيتهم ولزوم إطاعتهم مطلقاً؛ وذلك لانتفاء صدور [[الخطأ]] والمعصية عنهم في القول والعمل طبقاً لهذه [[الآية الشريفة]]. | وإن لازم تطهير وطهارة [[أهل البيت]] من جميع أنواع [[الرجس]] هو عصمتهم من جميع أنواع [[الذنوب]] والمعاصي، وهذا يثبت بدوره حجيتهم ولزوم إطاعتهم مطلقاً؛ وذلك لانتفاء صدور [[الخطأ]] والمعصية عنهم في القول والعمل طبقاً لهذه [[الآية الشريفة]]. | ||
| سطر ١١٧: | سطر ١١٧: | ||
٢. [[آية الإنذار]]: إن صفة [[المنذر والهادي]] من [[صفات الأنبياء]] التي تم التأكيد عليها في [[القرآن الكريم]] أيضاً؛ إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٧.</ref>. | ٢. [[آية الإنذار]]: إن صفة [[المنذر والهادي]] من [[صفات الأنبياء]] التي تم التأكيد عليها في [[القرآن الكريم]] أيضاً؛ إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٧.</ref>. | ||
روي في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب الفريقين أن [[النبي]]{{صل}} كان يصف نفسه بـ «المنذر» ويصف الإمام علي{{ع}} بـ «[[الهادي]]» لأمته من بعده، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي}}<ref>انظر: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥٠٣؛ تفسير الطبري، ج ١٣، ص ١٠٨؛ تفسير روح المعاني، ج١٣،ص١٠٨؛ تفسير الثعلبي، ج ٥، ص ٢٧٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٥٩ .</ref>. | روي في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب [[الفريقين]] أن [[النبي]]{{صل}} كان يصف نفسه بـ «المنذر» ويصف الإمام علي{{ع}} بـ «[[الهادي]]» لأمته من بعده، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|أَنْتَ اَلْهَادِي يَا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي اَلْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي}}<ref>انظر: تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٥٠٣؛ تفسير الطبري، ج ١٣، ص ١٠٨؛ تفسير روح المعاني، ج١٣،ص١٠٨؛ تفسير الثعلبي، ج ٥، ص ٢٧٢؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٥٩.</ref>. | ||
لقد استُعمل وصف «الهادي» في [[آيات القرآن]] - ومن بينها هذه الآية الشريفة - في المقامات السامية من قبيل [[مقامات]] [[الأنبياء]]. ولكن لمّا كان [[الإسلام]] هو خاتم [[الأديان]]، فإن [[الإمام]] عليا{{ع}} وإن لم يكن نبياً ينزل عليه [[الوحي]]، ولكنه طبقاً لصريح هذه [[الآية]] وتفسير [[النبي الأكرم]]{{صل}} لها وتطبيقها على الإمام علي{{ع}}،يثبت أن الإمام علياً كان متصفاً بصفة «الهادي» بعد النبي أيضاً. | لقد استُعمل وصف «الهادي» في [[آيات القرآن]] - ومن بينها هذه الآية الشريفة - في المقامات السامية من قبيل [[مقامات]] [[الأنبياء]]. ولكن لمّا كان [[الإسلام]] هو خاتم [[الأديان]]، فإن [[الإمام]] عليا{{ع}} وإن لم يكن نبياً ينزل عليه [[الوحي]]، ولكنه طبقاً لصريح هذه [[الآية]] وتفسير [[النبي الأكرم]]{{صل}} لها وتطبيقها على الإمام علي{{ع}}،يثبت أن الإمام علياً كان متصفاً بصفة «الهادي» بعد النبي أيضاً. | ||
٣. [[آية الولاية]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ | ٣. [[آية الولاية]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٥.</ref>. | ||
في معرض [[الاستدلال]] بهذه الآية لابد من الالتفات إلى ما يأتي: | في معرض [[الاستدلال]] بهذه الآية لابد من الالتفات إلى ما يأتي: | ||
#إن معنى «الولى» وإن كان مختلفاً من قبيل: [[الناصر]] والقريب، بيد أنه بالالتفات إلى استعمال أداة [[الحصر]] {{نص قرآني|إِنَّمَا}} في هذه [[الآية الشريفة]]، دلّ ذلك على أن [[الآية]] بصدد [[حصر]] أولياء المؤمنين بعدد محدد من المصاديق، وإن هذه المصاديق عبارة عن: ([[الله]] والنبي والذي يعطي [[الزكاة]] راكعاً)، ولازم ذلك [[إرادة]] معنى [[الحاكم]] من لفظ «[[الولي]]»؛ إذ إن حصر معنى «الولي» بما ذكر آنفاً لا يكون له من معنى، إذ لا معنى لحصر الحب بالله والنبي والذي يتزكى أثناء | #إن معنى «الولى» وإن كان مختلفاً من قبيل: [[الناصر]] والقريب، بيد أنه بالالتفات إلى استعمال أداة [[الحصر]] {{نص قرآني|إِنَّمَا}} في هذه [[الآية الشريفة]]، دلّ ذلك على أن [[الآية]] بصدد [[حصر]] أولياء المؤمنين بعدد محدد من المصاديق، وإن هذه المصاديق عبارة عن: ([[الله]] والنبي والذي يعطي [[الزكاة]] راكعاً)، ولازم ذلك [[إرادة]] معنى [[الحاكم]] من لفظ «[[الولي]]»؛ إذ إن حصر معنى «الولي» بما ذكر آنفاً لا يكون له من معنى، إذ لا معنى لحصر الحب بالله والنبي والذي يتزكى أثناء [[الركوع]]، أو [[الدعوة]] إلى إقامة التواصل معهم أو نصرتهم. من هنا يكون معنى الحاكم والقيم منسجماً مع الحصر بشكل كامل؛ لأن الآية الشريفة بصدد بيان من هو [[حاكم]] [[المسلمين]]، وتقول إنه هو الله بالدرجة الأولى، ثم رسوله [[الكريم]]{{صل}}، ثم الذي يتصدق أثناء الركوع، وسوف نرى أن هذا [[الوصف]] لا ينطبق إلا على [[الإمام علي]]{{ع}}. | ||
#النقطة الثانية حيث أن [[ولاية الله]] ورسوله تعني [[الزعامة]] وامتلاك زمام الأمور والاختيار، يكون معنى [[ولاية الإمام علي]]{{ع}} كذلك أيضاً لورودها في الآية الشريفة معطوفة على ولاية الله ورسوله، وسياق الآية يقتضى أن تكون [[ولاية]] المصاديق الثلاثة في هذه الآية الشريفة بمعنى واحد. | #النقطة الثانية حيث أن [[ولاية الله]] ورسوله تعني [[الزعامة]] وامتلاك زمام الأمور والاختيار، يكون معنى [[ولاية الإمام علي]]{{ع}} كذلك أيضاً لورودها في الآية الشريفة معطوفة على ولاية الله ورسوله، وسياق الآية يقتضى أن تكون [[ولاية]] المصاديق الثلاثة في هذه الآية الشريفة بمعنى واحد. | ||
# لو اعتبرنا لكلمة «الولي» الواردة في هذه الآية معنى غير معنى [[الإمامة]] والحكومة، فإننا سنواجه مشكلة في تفسير هذه الآية فيما يتعلق بعبارة {{نص حديث|وَهُمْ رَاكِعُونَ}}، كأن يقال: إن الذي يحبكم أو ناصركم هو الله ورسوله وذلك الصنف من المؤمنين الذي يتصدق أثناء الركوع. وعندها يرد [[السؤال]] القائل: ما الذي يمنع [[المؤمن]] من [[نصرة]] المسلمين في غير حالة التصدق أثناء الركوع، وأساساً ما هو السر في تقييد الآية ل_ «الولي» بحالة خاصة من حالات الركوع؟<ref>انظر: الفيروز آبادي، فضائل الخمسة، ج ٢، ص ١٨ .</ref>. جاء في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب الفريقين أن هذه الآية قد نزلت في الإمام علي{{ع}}، وذلك عندما دخل مسكين إلى المسجد وسأل المسلمين أن يتصدقوا عليه فلم يعطه أحد منهم شيئاً؛وكان الإمام علي قائماً يصلي فأومأ إلى [[الفقير]] بأن يأخذ خاتمه، وهكذا تصدق به على ذلك المسكين؛ فنزلت هذه | # لو اعتبرنا لكلمة «الولي» الواردة في هذه الآية معنى غير معنى [[الإمامة]] والحكومة، فإننا سنواجه مشكلة في تفسير هذه الآية فيما يتعلق بعبارة {{نص حديث|وَهُمْ رَاكِعُونَ}}، كأن يقال: إن الذي يحبكم أو ناصركم هو الله ورسوله وذلك الصنف من المؤمنين الذي يتصدق أثناء الركوع. وعندها يرد [[السؤال]] القائل: ما الذي يمنع [[المؤمن]] من [[نصرة]][[ المسلمين]] في غير حالة التصدق أثناء الركوع، وأساساً ما هو [[السر]] في تقييد الآية ل_ «الولي» بحالة خاصة من حالات الركوع؟<ref>انظر: الفيروز آبادي، فضائل الخمسة، ج ٢، ص ١٨.</ref>. جاء في كثير من [[الروايات]] المأثورة في كتب [[الفريقين]] أن هذه الآية قد نزلت في الإمام علي{{ع}}، وذلك عندما دخل مسكين إلى المسجد وسأل المسلمين أن يتصدقوا عليه فلم يعطه أحد منهم شيئاً؛وكان الإمام علي قائماً يصلي فأومأ إلى [[الفقير]] بأن يأخذ خاتمه، وهكذا تصدق به على ذلك المسكين؛ فنزلت هذه الآية<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٨٩٥٠، وج ٤٥، ص ٩٨٨٥؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٥٨؛الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٢٦؛ تفسير ابن كثير، ج ٣، ص ١٢٩. ومن العجيب أنه على الرغم من وجود هذه المصادر الكثيرة لأهل السنة، هناك من يدعي أن شأن النزول المذكور لم يرد في أي من مصادر أهل السنة! (انظر: تئوری امامت در ترازوی نقد، ص ٥٣).</ref>. | ||
#ربما كان هناك من يشكك في المسائل المتقدمة، ولذلك فإننا لتكميل استدلالنا نشير إلى [[الرواية]] [[النبوية]] الناظرة إلى مورد البحث كي تزول جميع أنواع [[الشك]] والترديد في استفادة [[الإمامة]] والحكومة من [[الآية الشريفة]]، وذلك من خلال سرد الرواية الآتية: ذكر [[الثعلبي]] [[القصة]] مسندة إلى [[أبي ذر الغفاري]]، فقال: صليت يوماً صلاة الظهر في المسجد ورسول [[الله]]{{صل}} حاضر فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئاً، قال: وكان علي{{ع}} قد ركع فأومى إلى السائل بخنصره؛ فأخذ الخاتم من خنصره، والنبي{{صل}} يعاين ذلك؛ فرفع رأسه إلى [[السماء]] وقال: {{نص حديث| | #ربما كان هناك من يشكك في المسائل المتقدمة، ولذلك فإننا لتكميل استدلالنا نشير إلى [[الرواية]] [[النبوية]] الناظرة إلى مورد البحث كي تزول جميع أنواع [[الشك]] والترديد في استفادة [[الإمامة]] والحكومة من [[الآية الشريفة]]، وذلك من خلال سرد الرواية الآتية: ذكر [[الثعلبي]] [[القصة]] مسندة إلى [[أبي ذر الغفاري]]، فقال: صليت يوماً صلاة الظهر في المسجد ورسول [[الله]]{{صل}} حاضر فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئاً، قال: وكان علي{{ع}} قد ركع فأومى إلى السائل بخنصره؛ فأخذ الخاتم من خنصره، والنبي{{صل}} يعاين ذلك؛ فرفع رأسه إلى [[السماء]] وقال: {{نص حديث|اَللهُمَّ إِنَّ أَخِي مُوسَى سَأَلَكَ فَقَالَ: {{نص قرآني|رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٥-٣٢.</ref>؛فَأَنْزَلْتَ {{نص قرآني|سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا}}<ref> سورة القصص، الآية ٣٥.</ref> اَللهُمَّ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَ صَفِيُّكَ اَللهُمَّ فَ {{نص قرآني|اشْرَحْ لِي صَدْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٥.</ref> {{نص قرآني|وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٦.</ref> ... {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٩.</ref> عَلِيّاً {{نص قرآني|اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٣١.</ref> قَالَ أَبُو ذَرٍّ فَمَا اِسْتَتَمَّ رَسُولُ اَللهِ كَلاَمَهُ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئِيلُ يَقُولُ لَهُ اِقْرَأْ {{نص قرآني|إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٥٥.</ref>}}.<ref>تذكرة الخواص، ص ١٥؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٣٠؛ فرائد السمطين، ج ١، ١٥؛ ص ١٩٢.</ref>. كما وردت رواية مشابهة لهذه الرواية في المصادر [[الشيعية]]، ولكن لا يسع المجال إلى ذكرها هنا<ref>انظر: موسوعة الإمام علي{{ع}}، ج ٢، ص ٢٠٢، وانظر أيضاً: تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة في مختلف التفاسير.</ref>. | ||
٤. [[آية التبليغ]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ | ٤. [[آية التبليغ]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧، للمزيد من التوضيح بشأن هذه الآية والآية التالية، انظر: مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٨٨ - ٩٠٧.</ref>. | ||
نزلت هذه [[الآية الشريفة]] في يوم [[غدير خم]] - أو قبله بأيام قلائل في الحد الأدنى - على [[رسول الله]]{{صل}}، وهي تتحدث عن المهمة الأساسية والجوهرية الملقاة على عاتق [[النبي الأكرم]] في الأيام الأخيرة من حياته [[المباركة]]. وقد تلخصت هذه المهمة بإبلاغ [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، وهو ما توضحه النقاط الآتية أيضاً: | نزلت هذه [[الآية الشريفة]] في يوم [[غدير خم]] - أو قبله بأيام قلائل في الحد الأدنى - على [[رسول الله]]{{صل}}، وهي تتحدث عن المهمة الأساسية والجوهرية الملقاة على عاتق [[النبي الأكرم]] في الأيام الأخيرة من حياته [[المباركة]]. وقد تلخصت هذه المهمة بإبلاغ [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، وهو ما توضحه النقاط الآتية أيضاً: | ||
#ليس هناك فيما رصده [[التاريخ]] من [[التعاليم الدينية]] للنبي الأكرم{{صل}} في أواخر أيام حياته الشريفة ما هو أهم من حادثة الغدير. وعليه فإن النبي الأكرم{{صل}} إما أن لا يكون قد قام بواجبه تجاه [[الأمة]] في حادثة الغدير - والعياذ بالله - أو أن نقول بأن حادثة الغدير قد انطوت على أمر في غاية الأهية للإسلام والمسلمين. ولمّا كانت الفرضية الأولى لا تتناسب مع شأن النبي الأكرم{{صل}} وعصمته، تتعين الفرضية الثانية، فضلاً عن أن هذه [[الآية]] تخبر عن [[إكمال الدين]] الذي هو من أهم الأمور المتعلقة بالرسالة السماوية على ما سيأتي بيانه. إذن تكون الفرضية الثانية القائلة بأمر [[الله]] لنبيه بتنصيب علي{{ع}} [[خليفة]] من بعده على [[المسلمين]] في يوم غدير خم هي المتعينة. | #ليس هناك فيما رصده [[التاريخ]] من [[التعاليم الدينية]] للنبي الأكرم{{صل}} في أواخر أيام حياته الشريفة ما هو أهم من حادثة الغدير. وعليه فإن النبي الأكرم{{صل}} إما أن لا يكون قد قام بواجبه تجاه [[الأمة]] في حادثة الغدير - والعياذ بالله - أو أن نقول بأن حادثة الغدير قد انطوت على أمر في غاية الأهية للإسلام والمسلمين. ولمّا كانت الفرضية الأولى لا تتناسب مع شأن النبي الأكرم{{صل}} وعصمته، تتعين الفرضية الثانية، فضلاً عن أن هذه [[الآية]] تخبر عن [[إكمال الدين]] الذي هو من أهم الأمور المتعلقة بالرسالة السماوية على ما سيأتي بيانه. إذن تكون الفرضية الثانية القائلة بأمر [[الله]] لنبيه بتنصيب علي{{ع}} [[خليفة]] من بعده على [[المسلمين]] في [[يوم غدير خم]] هي المتعينة. | ||
#إن هذا الأمر المهم والأساسي لا يمكن أن يكون مجرد الأمر بمحبة علي أو تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً ومعيناً للنبي الأكرم{{صل}} ؛لعدم وجود سنخية ومناسبة بين هذا المفهوم ومحتوى الآية بحيث يعد عدم إبلاغه تركاً للرسالة [[الإلهية]] وعدم إبلاغها من رأس. | #إن هذا الأمر المهم والأساسي لا يمكن أن يكون مجرد الأمر بمحبة علي أو تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً ومعيناً للنبي الأكرم{{صل}} ؛لعدم وجود سنخية ومناسبة بين هذا المفهوم ومحتوى الآية بحيث يعد عدم إبلاغه تركاً للرسالة [[الإلهية]] وعدم إبلاغها من رأس. | ||
#يثبت صريح الآية أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعيش صراعاً وخوفاً من إبلاغ محتوى [[رسالة]] الآية، وكأنه حدث نوع من [[الإبطاء]] في إبلاغ ذلك المضمون. وقد كان محتوى الآية من الأهمية والخطورة بالنسبة إلى البعض بحيث كان [[النبي]] يستشعر صدور نوع من [[الخطر]] عنهم يمس جوهر الدین والمجتمع [[الإسلامي]]. ومن الواضح أن هذا النوع من [[الخطاب]] لا يتناسب مع مجرد تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً للرسول أو [[دعوة]] المؤمنين إلى مجرد محبّته، ومعه لا يبقى هناك معنى لافتراض مخاوف [[الرسول]]{{صل}} . وأما إذا فسرنا محتوى | #يثبت صريح الآية أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعيش صراعاً وخوفاً من إبلاغ محتوى [[رسالة]] الآية، وكأنه حدث نوع من [[الإبطاء]] في إبلاغ ذلك المضمون. وقد كان محتوى [[الآية]] من الأهمية والخطورة بالنسبة إلى البعض بحيث كان [[النبي]] يستشعر صدور نوع من [[الخطر]] عنهم يمس جوهر الدین والمجتمع [[الإسلامي]]. ومن الواضح أن هذا النوع من [[الخطاب]] لا يتناسب مع مجرد تعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه ناصراً للرسول أو [[دعوة]] المؤمنين إلى مجرد محبّته، ومعه لا يبقى هناك معنى لافتراض مخاوف [[الرسول]]{{صل}}. وأما إذا فسرنا محتوى الآية ومضمونها بإمامة علي{{ع}} تكون الفرضية منسجمة مع الواقع تمام الانسجام. كما لا يبدو معقولاً أن يجمع النبي الأكرم]]{{صل}} ما يقرب من مئة ألف حاج في يوم شديد الحرارة في [[صحراء]] مقفرة لا لشيء إلا لمطالبتهم بأن يحبّوا علياً، أو إخبارهم بأنه كان ناصراً الرسول [[الله]]{{صل}} طوال ما يربو على العقدين من الزمن، كما عليه [[قراءة]] [[أهل السنة]] لواقعة [[غدير خم]]. | ||
#يمكن [[الاستدلال]] بالنص الذي تلاه [[النبي الأكرم]]{{صل}} يوم الغدير على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، بوصفه ناظراً إلى هذا الأمر، وذلك حيث يمهد له بحقيقة أولويته وولايته على [[الناس]] وتقدم نفسه على أنفسهم، إذ يقول: «ألست أولى ...»، على ما سيأتي توضيحه في الصفحات القادمة عند وقوفنا على [[حديث الغدير]]. | #يمكن [[الاستدلال]] بالنص الذي تلاه [[النبي الأكرم]]{{صل}} يوم الغدير على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}، بوصفه ناظراً إلى هذا الأمر، وذلك حيث يمهد له بحقيقة أولويته وولايته على [[الناس]] وتقدم نفسه على أنفسهم، إذ يقول: «ألست أولى...»، على ما سيأتي توضيحه في الصفحات القادمة عند وقوفنا على [[حديث الغدير]]. | ||
#التزم أكثر علماء أهل السنة بنزول هذه الآية في غدير خم. | #التزم أكثر علماء أهل السنة بنزول هذه الآية في غدير خم. | ||
| سطر ١٤٢: | سطر ١٤٢: | ||
إن هذه [[الآية الشريفة]] تتميماً للآية السابقة ناظرة إلى إمامة الإمام علي{{ع}} فيما يتعلق بواقعة غدير خم أيضاً، وظاهر الآية على تأييدها. ومع ذلك لا بد من الإشارة في تقريرها إلى الأمور الآتية: | إن هذه [[الآية الشريفة]] تتميماً للآية السابقة ناظرة إلى إمامة الإمام علي{{ع}} فيما يتعلق بواقعة غدير خم أيضاً، وظاهر الآية على تأييدها. ومع ذلك لا بد من الإشارة في تقريرها إلى الأمور الآتية: | ||
#يذهب الكثير من علماء أهل السنة إلى القول بأن هذه الآية ناظرة إلى حادثة غدير خم<ref>انظر: الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، ج ١، ص ٢٠٠؛ فرائد السمطین، ج ١، ب ٢٢، ج ٣٩، وب،٨٢، ج ٤٠ ؛ البداية والنهاية، ج ٥، ص ٢١٣. وهناك من قال بنزول الآية في يوم عرفة، وقد رووا في ذلك بعض الروايات، وبهذا المضمون روايات في المصادر الشيعية أيضاً. (الكافي، ج ١، ص ٢٩٠؛ تفسير العياشي، ج ١، ص ٣٣٣). وفي هذا الشأن يجب القول: يمكن الجمع بين الروايات من خلال افتراض زمنين مختلفين، بمعنى أنه كما كان يبدو من ظاهر آية التبليغ أن أصل رسالة الغدير كانت قد نزلت على النبي في وقت سابق، بيد أن النبي كان يخشى من إبلاغها، وعليه يمكن القول إن الروايات التي تقول بنزول هذه الآية في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) أي قبل ثمانية أيام من يوم الغدير تنظر إلى أصل الصدور، والروايات التي ترى أن مبدأ الآية يكمن في حادثة الغدير إنما تنظر إلى يوم الإبلاغ. (تفسير الميزان، ج ٥، ص ١٩٦؛ امام شناسی، ج ٨، ص ٥٣).</ref>. | #يذهب الكثير من علماء أهل السنة إلى القول بأن هذه الآية ناظرة إلى حادثة غدير خم<ref>انظر: الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، ج ١، ص ٢٠٠؛ فرائد السمطین، ج ١، ب ٢٢، ج ٣٩، وب،٨٢، ج ٤٠ ؛ البداية والنهاية، ج ٥، ص ٢١٣. وهناك من قال بنزول الآية في يوم عرفة، وقد رووا في ذلك بعض الروايات، وبهذا المضمون روايات في المصادر الشيعية أيضاً. (الكافي، ج ١، ص ٢٩٠؛ تفسير العياشي، ج ١، ص ٣٣٣). وفي هذا الشأن يجب القول: يمكن الجمع بين الروايات من خلال افتراض زمنين مختلفين، بمعنى أنه كما كان يبدو من ظاهر آية التبليغ أن أصل رسالة الغدير كانت قد نزلت على النبي في وقت سابق، بيد أن النبي كان يخشى من إبلاغها، وعليه يمكن القول إن الروايات التي تقول بنزول هذه الآية في يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) أي قبل ثمانية أيام من يوم الغدير تنظر إلى أصل الصدور، والروايات التي ترى أن مبدأ الآية يكمن في حادثة الغدير إنما تنظر إلى يوم الإبلاغ. (تفسير الميزان، ج ٥، ص ١٩٦؛ امام شناسی، ج ٨، ص ٥٣).</ref>. | ||
#وصف [[الآية]] لمضمون ما يجب إبلاغه بيأس [[الكفار]] وإكمال [[الدين]] وإتمام [[النعمة]]، لا ينسجم مع حمل [[خطاب]] الغدير على مجرد [[الدعوة]] إلى [[حب]] على{{ع}} أو الإخبار عن أنه ناصر للنبي الأكرم{{صل}}، بل إن هذه [[الصفات]] يجب أن تقوم على أمر أساسي وجوهري، والفرضية الوحيدة التي يمكن افتراض وجودها في أخريات [[حياة]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} هي مسألة [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} . | #وصف [[الآية]] لمضمون ما يجب إبلاغه بيأس [[الكفار]] وإكمال [[الدين]] وإتمام [[النعمة]]، لا ينسجم مع حمل [[خطاب]] الغدير على مجرد [[الدعوة]] إلى [[حب]] على{{ع}} أو الإخبار عن أنه ناصر للنبي الأكرم{{صل}}، بل إن هذه [[الصفات]] يجب أن تقوم على أمر أساسي وجوهري، والفرضية الوحيدة التي يمكن افتراض وجودها في أخريات [[حياة]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} هي مسألة [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}. | ||
٦. [[آية أولي الأمر]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا | ٦. [[آية أولي الأمر]]: وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٩.</ref>. | ||
يذهب [[الشيعة]] إلى القول بدلالة «[[أولي الأمر]]» على [[عصمة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته، حيث يمكن استنتاج ذلك من خلال الالتفات إلى الأمور الآتية: | يذهب [[الشيعة]] إلى القول بدلالة «[[أولي الأمر]]» على [[عصمة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته، حيث يمكن استنتاج ذلك من خلال الالتفات إلى الأمور الآتية: | ||
#حيث تم عطف {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} على {{نص قرآني|الرَّسُولَ}} يتضح أن إطاعة أولي الأمر من قبيل إطاعة [[رسول الله]]. ومن هنا يتضح أن {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} يجب أن يكونوا مثل رسول الله{{صل}} في عصمته، كي يصح من [[الله]] أن يأمر بإطا. بشكل [[مطلق]]. وقد التفت [[الفخر الرازي]] في تفسيره إلى هذه المسألة، ولكنه لم يثبت [[العصمة]] لأشخاص بعينهم، وإنما طبقها على [[الأمة]] بأسرها. وفي هذا الشأن يجب القول: تقدم في رواية العصمة أنه طبقاً لها لم تتوفر في عصر النبي الأكرم{{صل}} إلا في شخص [[الإمام علي]]{{ع}} . | #حيث تم عطف {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} على {{نص قرآني|الرَّسُولَ}} يتضح أن إطاعة أولي الأمر من قبيل إطاعة [[رسول الله]]. ومن هنا يتضح أن {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} يجب أن يكونوا مثل رسول الله{{صل}} في عصمته، كي يصح من [[الله]] أن يأمر بإطا. بشكل [[مطلق]]. وقد التفت [[الفخر الرازي]] في تفسيره إلى هذه المسألة، ولكنه لم يثبت [[العصمة]] لأشخاص بعينهم، وإنما طبقها على [[الأمة]] بأسرها. وفي هذا الشأن يجب القول: تقدم في رواية العصمة أنه طبقاً لها لم تتوفر في [[عصر النبي الأكرم]]{{صل}} إلا في شخص [[الإمام علي]]{{ع}}. | ||
#لمّا كان [[أهل السنة]] لا يذهبون إلى [[الاعتقاد]] بوجود تنصيب لأحد، فعليهم إما القول بتطبيق مفهوم {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} على [[الإمام علي]]{{صل}} وأبنائه [[المعصومين]] الأحد عشر{{عم}}، أو القول بعدم وجود مصداق لهذا المفهوم ؛ فيلزم من ذلك اللغوية والعياذ بالله. | #لمّا كان [[أهل السنة]] لا يذهبون إلى [[الاعتقاد]] بوجود تنصيب لأحد، فعليهم إما القول بتطبيق مفهوم {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} على [[الإمام علي]]{{صل}} وأبنائه [[المعصومين]] الأحد عشر{{عم}}، أو القول بعدم وجود مصداق لهذا المفهوم ؛ فيلزم من ذلك اللغوية والعياذ بالله. | ||
#وفيما يتعلق بذهاب [[الفخر الرازي]] إلى تطبيق [[العصمة]] على [[الأمة]]، يجب القول: | #وفيما يتعلق بذهاب [[الفخر الرازي]] إلى تطبيق [[العصمة]] على [[الأمة]]، يجب القول: | ||
| سطر ١٥٣: | سطر ١٥٣: | ||
##إن {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} تعني (أصحاب الأمر والحكم)، وهذا لا يتناسب مع تفسير العبارة بالأمة لكي يصح تطبيق الآية عليها. | ##إن {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} تعني (أصحاب الأمر والحكم)، وهذا لا يتناسب مع تفسير العبارة بالأمة لكي يصح تطبيق الآية عليها. | ||
##إن الآية تريد لـ «[[أولي الأمر]] أن يطاعوا بشكل [[مطلق]]، وعليه يجب على الأمة أن تطيع. وعلى تفسير الفخر الرازي تتحول الأمة من مطيعة إلى مطاعة. | ##إن الآية تريد لـ «[[أولي الأمر]] أن يطاعوا بشكل [[مطلق]]، وعليه يجب على الأمة أن تطيع. وعلى تفسير الفخر الرازي تتحول الأمة من مطيعة إلى مطاعة. | ||
#بالإضافة إلى [[التحليل]] المفهومي للآية، فإن [[الروايات النبوية]] تذهب إلى تحديد مصاديق {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} بعلي{{ع}} والأئمة من ولده{{عم}}، من قبيل [[الحديث النبوي]] القائل: {{نص حديث|شُرَكَائِي اَلَّذِينَ قَرَنَهُمُ | #بالإضافة إلى [[التحليل]] المفهومي للآية، فإن [[الروايات النبوية]] تذهب إلى تحديد مصاديق {{نص قرآني|أُولِي الْأَمْرِ}} بعلي{{ع}} والأئمة من ولده{{عم}}، من قبيل [[الحديث النبوي]] القائل: {{نص حديث|شُرَكَائِي اَلَّذِينَ قَرَنَهُمُ اَللهُ بِنَفْسِهِ وَ بِي - وَ أَنْزَلَ فِيهِمْ: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}}<ref> سورة النساء، الآية ٥٩.</ref>}}؛ فسأله الإمام علي{{ع}} عن هؤلاء الشركاء؛ فقال له{{صل}}: {{نص حديث|أَنْتَ أَوَّلُهُمْ}}<ref>شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٨٩.</ref> | ||
وفى بداية [[خلافة]] عثمان طلب الإمام علي{{ع}} في حضور جماعة من [[الصحابة]] أن يشهدوا ويعترفوا في [[حق]] من نزلت آيات «أولي الأمر» و«[[الولاية]]» و«[[التبليغ]]»؟ أفهل نزلت هذه [[الآيات]] في حق غيره{{ع}}؟! ألم يكن [[أبو بكر]] وعمر قد سألا [[رسول الله]] بعد نزول هذه الآيات: {{نص حديث|يَا رَسُولَ | وفى بداية [[خلافة]] عثمان طلب الإمام علي{{ع}} في حضور جماعة من [[الصحابة]] أن يشهدوا ويعترفوا في [[حق]] من نزلت آيات «أولي الأمر» و«[[الولاية]]» و«[[التبليغ]]»؟ أفهل نزلت هذه [[الآيات]] في حق غيره{{ع}}؟! ألم يكن [[أبو بكر]] وعمر قد سألا [[رسول الله]] بعد نزول هذه الآيات: {{نص حديث|يَا رَسُولَ اَللهِ هَؤُلاَءِ اَلْآيَاتُ خَاصَّةٌ فِي عَلِيٍّ؟}}<ref>التفسير الكبير، ج ١٠، ص ١٤٤، تفسير الآية.</ref> فقال{{صل}} في جوابهما: {{نص حديث|بَلَى فِيهِ وَ فِي أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ}}<ref>فرائد السمطين، ج ١، ص ٣١٢؛ الغدير، ج ١، ص ١٦٥.</ref>. | ||
نقل الحسكاني عن [[الإمام الباقر]]{{ع}} أنه سُئل عن هذه الآية؛ فقال: إنها نزلت في حق [[علي بن أبي طالب]]<ref>تفسير العياشي، ج ١، ص ٣١٢؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩٠، نقلاً عن: موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٤، ص ٢١.</ref>. | نقل [[الحسكاني]] عن [[الإمام الباقر]]{{ع}} أنه سُئل عن هذه الآية؛ فقال: إنها نزلت في حق [[علي بن أبي طالب]]<ref>تفسير العياشي، ج ١، ص ٣١٢؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩٠، نقلاً عن: موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٤، ص ٢١.</ref>. | ||
وقد روي ما يشبه هذه [[الرواية]] عن [[الإمام الصادق]]{{ع}} أيضاً<ref>انظر: ينابيع المودة، ج ١، ص ٣٤١.</ref>.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٤٥-٢٥٦.</ref> | وقد روي ما يشبه هذه [[الرواية]] عن [[الإمام الصادق]]{{ع}} أيضاً<ref>انظر: ينابيع المودة، ج ١، ص ٣٤١.</ref>.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٤٥-٢٥٦.</ref> | ||
==[[شبهة]] عدم ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن الكريم]] == | ==[[شبهة]] عدم ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن الكريم]] == | ||
اتضح أن اسم الإمام علي{{ع}} وإن لم يذكر صراحة في [[آيات القرآن الكريم]]، ولكن نزلت في شأنه كثير من [[الآيات]]، وكان [[المسلمون]] في صدر [[الإسلام]] يعلمون جيداً أن المعنى بها هو [[الإمام علي]]{{ع}}، وقد تقدم أن ذكرنا بعض الآيات التي تدل على [[إمامة الإمام علي]] بشكل صريح، وتقدم أن قلنا إنها موضع تسليم واعتراف من قبل الفريقين. إلا أن اختلافهم يكمن في تفسير الآيات، وفي مفهوم الآيات. | اتضح أن اسم الإمام علي{{ع}} وإن لم يذكر صراحة في [[آيات القرآن الكريم]]، ولكن نزلت في شأنه كثير من [[الآيات]]، وكان [[المسلمون]] في صدر [[الإسلام]] يعلمون جيداً أن المعنى بها هو [[الإمام علي]]{{ع}}، وقد تقدم أن ذكرنا بعض الآيات التي تدل على [[إمامة الإمام علي]] بشكل صريح، وتقدم أن قلنا إنها موضع تسليم واعتراف من قبل [[الفريقين]]. إلا أن اختلافهم يكمن في تفسير الآيات، وفي مفهوم الآيات. | ||
وعلى الرغم من [[الدلالة]] الواضحة للآيات السابقة، يطرح بعض [[أهل السنة]] شبهة عدم ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في القرآن الكريم بشكل خاص، ببيان أنه لو كان علي{{ع}} هو [[الإمام]] لكان على [[الله]] أن يذكره في [[القرآن]] باسمه حسماً للنزاع ومنعاً للخلاف. وقد كانت هذه [[الشبهة]] مطروحة حتى في عصر [[الأئمة الأطهار]]{{عم}} مثل [[الإمام الباقر]]{{ع}}<ref>انظر: شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.</ref>، وقد خاض فيها بعض المعاصرين أيضاً<ref>انظر: شاهراه اتحاد، ص ١٠٥ و١٦٦ .</ref>. | وعلى الرغم من [[الدلالة]] الواضحة للآيات السابقة، يطرح بعض [[أهل السنة]] شبهة عدم ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في القرآن الكريم بشكل خاص، ببيان أنه لو كان علي{{ع}} هو [[الإمام]] لكان على [[الله]] أن يذكره في [[القرآن]] باسمه حسماً للنزاع ومنعاً للخلاف. وقد كانت هذه [[الشبهة]] مطروحة حتى في عصر [[الأئمة الأطهار]]{{عم}} مثل [[الإمام الباقر]]{{ع}}<ref>انظر: شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.</ref>، وقد خاض فيها بعض المعاصرين أيضاً<ref>انظر: شاهراه اتحاد، ص ١٠٥ و١٦٦.</ref>. | ||
===نقد ورأي=== | ===نقد ورأي=== | ||
في معرض الإجابة عن هذه الشبهة يجدر [[التدبر]] في الأمور الآتية: | في معرض الإجابة عن هذه الشبهة يجدر [[التدبر]] في الأمور الآتية: | ||
١. ذكر [[الصفات]] الخاصة يغني عن التصريح بالاسم: اتضح من الآيات السابقة أن [[الله سبحانه وتعالى]] أراد من خلال إنزالها التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه إماماً وخليفة بعد [[النبي الأكرم]]{{صل}} . ومع ذكر هذا [[العدد]] من الآيات لا تعود هناك من حاجة إلى التصريح بالاسم الخاص؛ إذ إن بعض الآيات تشتمل على خصائص حصرية ومتعينة في شخص الإمام علي{{ع}} لا يشاركه فيها غيره، من قبيل: [[آية الولاية]]، وإيتاء [[الزكاة]] أثناء | ١. ذكر [[الصفات]] الخاصة يغني عن التصريح بالاسم: اتضح من الآيات السابقة أن [[الله سبحانه وتعالى]] أراد من خلال إنزالها التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه إماماً وخليفة بعد [[النبي الأكرم]]{{صل}}. ومع ذكر هذا [[العدد]] من الآيات لا تعود هناك من حاجة إلى التصريح بالاسم الخاص؛ إذ إن بعض الآيات تشتمل على خصائص حصرية ومتعينة في شخص الإمام علي{{ع}} لا يشاركه فيها غيره، من قبيل: [[آية الولاية]]، وإيتاء [[الزكاة]] أثناء [[الركوع]]، وهناك من الآيات ما يعرف الإمام علي{{ع}} بوصفه إماماً وولياً ومولى وهادياً في [[دلالة]] واضحة وصريحة يتفق في فهمها جميع [[الصحابة]] أو أغلبهم في الحد الأدنى. | ||
إذن ليس هناك أي مشكلة أو سوء فهم فيما يتعلق بأصل تطبيق [[آيات الولاية]] وأهل [[البيت]] وأولى الأمر والهادي والمولى على الإمام علي{{ع}} حتى تكون هناك حاجة إلى التصريح باسم علي في القرآن بشكل خاص. فمثلاً لو كان لدى والد كثير من [[الأولاد]] وكان هناك واحد من أولاده حافظاً للقرآن فقط، وقال [[الأب]] عند احتضاره إن وصيي من بين جميع أولادي هو الحافظ للقرآن منهم، وحيث أن الجميع يعرفون من هو الحافظ للقرآن من بينهم؛ لأنه واحد لا غير، لا يشعرون بوجود حاجة أو [[ضرورة]] لتسميته، ولا يرد إشكال حقوقي على الأب من هذه الناحية. وخاصة إذا كان الأب قد اهتم شخصياً بمسألة حفظ هذا [[الابن]] للقرآن أو كونه وصياً. وعليه الشيء نفسه ينطبق على ما نحن فيه من [[خلافة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته وزيادة. | إذن ليس هناك أي مشكلة أو سوء فهم فيما يتعلق بأصل تطبيق [[آيات الولاية]] وأهل [[البيت]] وأولى الأمر والهادي والمولى على الإمام علي{{ع}} حتى تكون هناك حاجة إلى التصريح باسم علي في [[القرآن]] بشكل خاص. فمثلاً لو كان لدى والد كثير من [[الأولاد]] وكان هناك واحد من أولاده حافظاً للقرآن فقط، وقال [[الأب]] عند احتضاره إن وصيي من بين جميع أولادي هو الحافظ للقرآن منهم، وحيث أن الجميع يعرفون من هو الحافظ للقرآن من بينهم؛ لأنه واحد لا غير، لا يشعرون بوجود حاجة أو [[ضرورة]] لتسميته، ولا يرد إشكال حقوقي على الأب من هذه الناحية. وخاصة إذا كان الأب قد اهتم شخصياً بمسألة حفظ هذا [[الابن]] للقرآن أو كونه وصياً. وعليه الشيء نفسه ينطبق على ما نحن فيه من [[خلافة الإمام علي]]{{ع}} وإمامته وزيادة. | ||
٢. تحويل [[الشبهة]] إلى [[شبهة]] أخرى: قد يشكك شخص أو يشتبه لا في تطبيق هذه [[الآيات]] والصفات على [[الإمام علي]]{{ع}}، وإنما في تفسير هذه المفاهيم والمعاني. كأن يقول: صحيح أن | ٢. تحويل [[الشبهة]] إلى [[شبهة]] أخرى: قد يشكك شخص أو يشتبه لا في تطبيق هذه [[الآيات]] والصفات على [[الإمام علي]]{{ع}}، وإنما في تفسير هذه المفاهيم والمعاني. كأن يقول: صحيح أن القرآن قد وصف [[الإمام]] علياً{{ع}} بأنه «[[ولي]] المؤمنين» وأنه «من [[أهل البيت]]» أو «[[الهادي]]» إلا أن [[الكلام]] في معنى «[[الولي]]»، فهل هو الإمام والحاكم والخليفة أو مجرد المحب والناصر؟ وفي هذه [[الصورة]] يجب القول: إذن لا يعود أصل الشبهة إلى عدم ذكر [[اسم]] علي{{ع}} في القرآن؛ إذ حتى لو فرضنا أن القرآن ذكر [[اسم الإمام علي]] صراحة بأن قال: «إنما وليكم علي ابن [[أبي طالب]]» سيرد [[السؤال]] أيضاً عن معنى الولي في هذه العبارة. وعليه فإن الشبهة تعود إلى تفسير معنى [[صفات الإمام]] علي{{ع}} الواردة في القرآن، وليس في انطباقها عليه. وبعبارة أخرى: إن الشبهة تتحول من موضوعها (عدم ذكر اسم الإمام علي في القرآن) إلى شبهة أخرى مفادها: (إجمال صفات الإمام علي{{ع}} وإبهامها)، وهذه شبهة أخرى. | ||
وفي حل هذه الشبهة سوف نثبت من خلال القرائن والشواهد المختلفة في الآيات وكذلك التمسك بالروايات [[النبوية]] أن أصل [[دلالة]] صفات الإمام علي{{ع}} على مسألة [[الحكم]] والإمامة واضحة وصريحة. | وفي حل هذه الشبهة سوف نثبت من خلال القرائن والشواهد المختلفة في الآيات وكذلك التمسك بالروايات [[النبوية]] أن أصل [[دلالة]] صفات الإمام علي{{ع}} على مسألة [[الحكم]] والإمامة واضحة وصريحة. | ||
٣. ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في [[الروايات النبوية]]: إذا كان المراد من ذكر [[الاسم]] الخاص للإمام علي{{ع}} هو التعرف على إمامته في [[الإسلام]] ومن قبل [[الله سبحانه وتعالى]]، وجب القول: إن هذه [[الغاية]] غاية [[عقلانية]] ودينية، إلا أن تحصيلها لا ينحصر بذكر الاسم الخاص للإمام علي{{ع}} في [[القرآن الكريم]] فقط، بل هناك قنوات أخرى يمكن لها أن تفي بالغرض، ومن بينها [[الروايات]] المأثورة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} بوصفه حامل [[الوحي]] ومفسر [[القرآن]]. وفي الصفحات القادمة سوف نشير إلى مجموعة من [[الروايات النبوية]] المتعددة والمتواترة التي يسعى [[النبي]] من خلالها - وبمختلف الأساليب والطرق - إلى التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه [[خليفة]] له من بعده وعليه فإن | ٣. ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في [[الروايات النبوية]]: إذا كان المراد من ذكر [[الاسم]] الخاص للإمام علي{{ع}} هو التعرف على إمامته في [[الإسلام]] ومن قبل [[الله سبحانه وتعالى]]، وجب القول: إن هذه [[الغاية]] غاية [[عقلانية]] ودينية، إلا أن تحصيلها لا ينحصر بذكر [[الاسم]] الخاص للإمام علي{{ع}} في [[القرآن الكريم]] فقط، بل هناك قنوات أخرى يمكن لها أن تفي بالغرض، ومن بينها [[الروايات]] المأثورة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} بوصفه حامل [[الوحي]] ومفسر [[القرآن]]. وفي الصفحات القادمة سوف نشير إلى مجموعة من [[الروايات النبوية]] المتعددة والمتواترة التي يسعى [[النبي]] من خلالها - وبمختلف الأساليب والطرق - إلى التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه [[خليفة]] له من بعده وعليه فإن الغاية المتمثلة بمعرفة [[خليفة النبي]]{{صل}} متحققة بالرجوع إلى الروايات النبوية، ومعها لا حاجة إلى ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في القرآن الكريم. | ||
وإذا قال شخص إنه لا يؤمن بالنبي الأكرم{{صل}} - والعياذ بالله - وأصر على [[ضرورة]] أن يذكر اسم الإمام علي في القرآن حصرياً، وجب القول أولاً: إن الذي لا يؤمن بمن أنزل عليه القرآن، كيف يمكنه تحصيل [[العلم]] بأن ما جاء به إنما نزل عليه من [[السماء]]. وثانياً: إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون | وإذا قال شخص إنه لا يؤمن بالنبي الأكرم{{صل}} - والعياذ بالله - وأصر على [[ضرورة]] أن يذكر اسم الإمام علي في القرآن حصرياً، وجب القول أولاً: إن الذي لا يؤمن بمن أنزل عليه القرآن، كيف يمكنه تحصيل [[العلم]] بأن ما جاء به إنما نزل عليه من [[السماء]]. وثانياً: إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون | ||
| سطر ١٨٤: | سطر ١٨٤: | ||
٤. [[تفويض]] الأمور [[الدينية]] إلى النبي الأكرم{{صل}}: إن القرآن الكريم هو الذي فوض إلى النبي الأكرم{{صل}} مهمة تفسير الأمور والتعاليم الدينية الضرورية وبيانها، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>.{{نص قرآني|يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٤.</ref>. | ٤. [[تفويض]] الأمور [[الدينية]] إلى النبي الأكرم{{صل}}: إن القرآن الكريم هو الذي فوض إلى النبي الأكرم{{صل}} مهمة تفسير الأمور والتعاليم الدينية الضرورية وبيانها، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>.{{نص قرآني|يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}}<ref> سورة آل عمران، الآية ١٦٤.</ref>. | ||
لقد ترك [[الله سبحانه وتعالى]] في هذه [[الآيات]] أمر بيان [[الذكر]] - أي القرآن الكريم - وتعليمه إلى النبي الأكرم{{صل}} . من هنا فإن [[الأحكام]] [[التشريعية]] للنبي التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. من قبيل: عدد ركعات [[الصلاة]] اليومية، والطواف حول [[البيت]] في [[الحج]] سبعا عند | لقد ترك [[الله سبحانه وتعالى]] في هذه [[الآيات]] أمر بيان [[الذكر]] - أي القرآن الكريم - وتعليمه إلى النبي الأكرم{{صل}}. من هنا فإن [[الأحكام]] [[التشريعية]] للنبي التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. من قبيل: عدد ركعات [[الصلاة]] اليومية، والطواف حول [[البيت]] في [[الحج]] سبعا عند [[الفريقين]]، تعد [[حجة]] إلهية. وعلى هذا الأساس حيث أن النبي الأكرم{{صل}} طبقاً للآيات المتقدمة والروايات [[النبوية]] قد نسب أمر تعيين [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} إلى الله سبحانه وتعالى، تعدّ إمامته مسألة سماوية وإلهية، وتكون حجة شرعية على جميع [[المسلمين]]. | ||
وقد جاء مضمون ما تقدم في رواية مأثورة عن [[الإمام الباقر]]{{ع}} يقول فيها: {{نص حديث|قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثاً أو أربعاً، حتى كان رسول الله هو الذي يفسّر ذلك، وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا سبعاً حتی فسّر ذلك لهم رسول الله ...}}<ref>شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.</ref>. | وقد جاء مضمون ما تقدم في رواية مأثورة عن [[الإمام الباقر]]{{ع}} يقول فيها: {{نص حديث|قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثاً أو أربعاً، حتى كان رسول الله هو الذي يفسّر ذلك، وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا سبعاً حتی فسّر ذلك لهم رسول الله...}}<ref>شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٩١.</ref>. | ||
بعبارة أخرى لمّا كان [[القرآن الكريم]] كتاب محدود، والأمور الجزئية والتفصيلية غير متناهية، واضح أن الكتاب المحدود يجب أن يقتصر على بيان الأمور الكلية والعامة، فإن [[القرآن]] قد ترك بيان الأمور الجزئية ومن بينها تسمية من يتولى [[الإمامة]] بعد [[النبي]] إلى رسوله [[الكريم]]<ref>انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٤، كتاب الإمامة والقيادة؛ الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١٣٠ - ١٣١.</ref>. | بعبارة أخرى لمّا كان [[القرآن الكريم]] كتاب محدود، والأمور الجزئية والتفصيلية غير متناهية، واضح أن الكتاب المحدود يجب أن يقتصر على بيان الأمور الكلية والعامة، فإن [[القرآن]] قد ترك بيان الأمور الجزئية ومن بينها تسمية من يتولى [[الإمامة]] بعد [[النبي]] إلى رسوله [[الكريم]]<ref>انظر: مرتضى مطهري، الأعمال الكاملة، ج ٤، ص ٩٠٤، كتاب الإمامة والقيادة؛ الإمام الخميني، كشف الأسرار، ص ١٣٠ - ١٣١.</ref>. | ||
| سطر ١٩٨: | سطر ١٩٨: | ||
٦. [[الوقاية]] من الآفات [[السياسية]] والأمنية: المسألة الأخرى التی خطرت في ذهني هي أن [[الله سبحانه وتعالى]] قد تعمد عدم ذكر اسم [[الإمام]]{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً وحاكماً بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}}، وذلك لا على لكي يقوم الله من هذا الطريق بتمييز [[المؤمن]] الحقيقى من غيره وفصل الغث عن السمين، وإنما لأن الله يعلم بعلمه [[الأزلي]] أن بحث [[الحكومة]] والسياسة ساحة للنقاش والمنافسات، بل حتى [[الحروب]] السياسية الدامية. وعليه لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً بعد رسول الله{{صل}} في القرآن والوحي بشكل خاص وبوصفه أصلاً وركناً من أركان الإسلام، سوف يكون هناك اصطفاف بين جماعة تتذرّع بالدفاع عن [[الأصل]] [[القرآني]] وجماعة بمختلف الذرائع الأخرى من قبيل تفسير منزلة [[الإمامة]]، والخلافة، أو [[الاستيلاء]] على هرم [[الحكم]] والسلطة، ويحتدم [[النزاع]] بين الطرفين، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من [[الخطر]] على [[شجرة]] الإسلام الفتية، بل قد يشكل ذلك تهديداً لأصل [[بقاء]] الإسلام. وقد تقدم أن ذكرنا في بداية الفصل السابق في بحث [[شبهة]] [[التكفير]] بعض مشاهد اتهام المتعصبين من [[أهل السنة]] للشيعة والعكس أيضاً بالكفر والخروج عن [[الإسلام]] والعمل على [[اغتيال]] وقتل بعضهم بعضاً، وقد رصد [[التاريخ]] المئات بل الآلاف من هذه المشاهد. في حين أن الإسلام والقرآن لا يتضمن أي بيان واختلاف لمن يخالف [[الإمام علي]]{{ع}} صراحة. فلو افترضنا وجود مثل هذا [[النص]] في [[القرآن]] فإن نسبة [[الصراع]] ستكون أكبر، ولأخذت وتيرة [[القتل]] والتكفير منحى تصاعدياً، وسوف يشكل هذا الأمر أكبر [[تهديد]] للإسلام والمسلمين ولمّا كان [[الهدف]] من [[الإمامة]] هو تعزيز الإسلام والقيادة، فإن ذكر [[اسم]] [[الإمام]] في القرآن سيكون نقضاً لهذا [[الغرض]]<ref>بعد تدوين هذا الجواب وجدته ضمن إجابة لسماحة الإمام الخميني(رحمه الله علیه). (انظر: كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤).</ref>. | ٦. [[الوقاية]] من الآفات [[السياسية]] والأمنية: المسألة الأخرى التی خطرت في ذهني هي أن [[الله سبحانه وتعالى]] قد تعمد عدم ذكر اسم [[الإمام]]{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً وحاكماً بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}}، وذلك لا على لكي يقوم الله من هذا الطريق بتمييز [[المؤمن]] الحقيقى من غيره وفصل الغث عن السمين، وإنما لأن الله يعلم بعلمه [[الأزلي]] أن بحث [[الحكومة]] والسياسة ساحة للنقاش والمنافسات، بل حتى [[الحروب]] السياسية الدامية. وعليه لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} بوصفه خليفة وإماماً بعد رسول الله{{صل}} في القرآن والوحي بشكل خاص وبوصفه أصلاً وركناً من أركان الإسلام، سوف يكون هناك اصطفاف بين جماعة تتذرّع بالدفاع عن [[الأصل]] [[القرآني]] وجماعة بمختلف الذرائع الأخرى من قبيل تفسير منزلة [[الإمامة]]، والخلافة، أو [[الاستيلاء]] على هرم [[الحكم]] والسلطة، ويحتدم [[النزاع]] بين الطرفين، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من [[الخطر]] على [[شجرة]] الإسلام الفتية، بل قد يشكل ذلك تهديداً لأصل [[بقاء]] الإسلام. وقد تقدم أن ذكرنا في بداية الفصل السابق في بحث [[شبهة]] [[التكفير]] بعض مشاهد اتهام المتعصبين من [[أهل السنة]] للشيعة والعكس أيضاً بالكفر والخروج عن [[الإسلام]] والعمل على [[اغتيال]] وقتل بعضهم بعضاً، وقد رصد [[التاريخ]] المئات بل الآلاف من هذه المشاهد. في حين أن الإسلام والقرآن لا يتضمن أي بيان واختلاف لمن يخالف [[الإمام علي]]{{ع}} صراحة. فلو افترضنا وجود مثل هذا [[النص]] في [[القرآن]] فإن نسبة [[الصراع]] ستكون أكبر، ولأخذت وتيرة [[القتل]] والتكفير منحى تصاعدياً، وسوف يشكل هذا الأمر أكبر [[تهديد]] للإسلام والمسلمين ولمّا كان [[الهدف]] من [[الإمامة]] هو تعزيز الإسلام والقيادة، فإن ذكر [[اسم]] [[الإمام]] في القرآن سيكون نقضاً لهذا [[الغرض]]<ref>بعد تدوين هذا الجواب وجدته ضمن إجابة لسماحة الإمام الخميني(رحمه الله علیه). (انظر: كشف الأسرار، ص ١١٢ - ١١٤).</ref>. | ||
٧. أخذ [[مصلحة]] [[المسلمين]] بنظر [[الاعتبار]]: المسألة الأخرى التي تبدو لنا هي أنه لو ذكر اسم | ٧. أخذ [[مصلحة]] [[المسلمين]] بنظر [[الاعتبار]]: المسألة الأخرى التي تبدو لنا هي أنه لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في [[القرآن الكريم]] بوصفه أصلاً أو مفردة [[دينية]] على غرار المفردات والتعاليم [[الدينية]] الأخرى، من قبيل: [[النبوة]] والمعاد، أو [[الأحكام الفقهية]]، مثل: [[الصلاة]] والصوم، لكان إنكاره أو [[الشك]] فيه بمنزلة [[إنكار الله]] والنبي الأكرم{{صل}}، ولكان ذلك مساوقاً للكفر والإلحاد والارتداد، ولازم ذلك هو الخروج عن ربقة الإسلام والانحراف عن [[الصراط المستقيم]]. وعليه لو ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في القرآن الكريم لتوسل المخالفون للإمام علي بمختلف أنواع السبل والحيل لإنكار وتكذيب هذا [[الأصل]]، ولعملوا على استقطاب كثير من [[الناس]] نحو أهدافهم، وهو أمر يؤدي إلى خروج الكثير من الناس عن الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة للغاية والحكمة والرحمة [[الإلهية]]. | ||
من هنا يذهب علماء [[الشيعة]] إلى اعتبار الإمامة أصلاً من [[أصول]] [[المذهب]]، ولا يرونها أصلاً من [[أصول الدين]]، ولذلك لا يرون إخوتهم [[السنة]] بإنكارهم لأصل [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} خارجين من [[الدين]]، وإنما خارجين من [[مذهب]] [[التشيع]] فقط<ref>لمزيد من التوضيح، انظر: محمد حسن قدردان قراملکي، کلام فلسفي، فصل الإمامة من أصول المذهب.</ref>. | من هنا يذهب علماء [[الشيعة]] إلى اعتبار الإمامة أصلاً من [[أصول]] [[المذهب]]، ولا يرونها أصلاً من [[أصول الدين]]، ولذلك لا يرون إخوتهم [[السنة]] بإنكارهم لأصل [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} خارجين من [[الدين]]، وإنما خارجين من [[مذهب]] [[التشيع]] فقط<ref>لمزيد من التوضيح، انظر: محمد حسن قدردان قراملکي، کلام فلسفي، فصل الإمامة من أصول المذهب.</ref>. | ||
وأما لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في القرآن الكريم بوصفه إماماً وخليفة مباشراً، لما بقي هناك من مجال لهذه [[الرؤية]] والقراءة للإمامة؛ لأن [[منكر]] إمامة الإمام علي في مثل هذه الحالة سيكون مثل الذي ينكر أصل [[النبوة]] أو [[الصلاة]]، وسوف تجري عليه [[أحكام]] [[المرتد]]. | وأما لو ذكر اسم الإمام علي{{ع}} في القرآن الكريم بوصفه إماماً وخليفة مباشراً، لما بقي هناك من مجال لهذه [[الرؤية]] والقراءة للإمامة؛ لأن [[منكر]] [[إمامة الإمام علي]] في مثل هذه الحالة سيكون مثل الذي ينكر أصل [[النبوة]] أو [[الصلاة]]، وسوف تجري عليه [[أحكام]] [[المرتد]]. | ||
وعليه فإن [[الله]] إنما تعمد عدم ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن الكريم]] باللحاظ السابق من باب [[اللطف]] وأخذ [[مصلحة]] [[المسلمين]] بنظر [[الاعتبار]].<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٥٦-٢٦٤.</ref> | وعليه فإن [[الله]] إنما تعمد عدم ذكر [[اسم الإمام علي]]{{ع}} في [[القرآن الكريم]] باللحاظ السابق من باب [[اللطف]] وأخذ [[مصلحة]] [[المسلمين]] بنظر [[الاعتبار]].<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٥٦-٢٦٤.</ref> | ||
==شبهة عدم وجود التنصيب في الروايات النبوية== | ==[[شبهة]] عدم وجود [[التنصيب]] في [[الروايات النبوية]]== | ||
إن من بين الشبهات المعروفة والهامة لمخالفي الإمامة وتعيين الإمام بالتنصيب دعوى فقدان وعدم وجود النص على إمامة الإمام علي اللا في الروايات النبوية. فهؤلاء يدعون أنه لو كان هناك تنصيب من قبل النبي الأكرم{{صل}} لوصل إلينا<ref>انظر : المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج | إن من بين [[الشبهات]] المعروفة والهامة لمخالفي [[الإمامة]] وتعيين [[الإمام]] بالتنصيب [[دعوى]] فقدان وعدم وجود [[النص]] على إمامة الإمام علي اللا في الروايات النبوية. فهؤلاء يدعون أنه لو كان هناك تنصيب من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} لوصل إلينا<ref>انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج ٢٠ ص ٩٩؛ شرح المواقف، ج ٣، ص ٢٦٥؛ تئوري امامت در ترازوي نقد، ص ٥٠؛ أحمد الكاتب، تطوّر الفكر السياسي الشيعي، ص ١٦ فما بعد.</ref>. | ||
===نقد ورأي=== | ===نقد ورأي=== | ||
لقد سبق لعلماء الشيعة منذ مرحلة الإمامة أن ألفوا كتباً تفصيلية في إثبات تنصيب الإمام علي{{ع}} وإثبات إمامته وإمامة سائر الأئمة الأطهار{{عم}} ، وقد سجل ذلك في المصادر المعتبرة. وفيما يأتي نشير - على سبيل المثال - إلى المؤلفات المفردة لأصحاب من أمثال: [[عيسى بن روضة]]، و [[ابن رئاب]]، و [[الخليل بن أحمد الفراهيدى]]، و [[مؤمن الطاق]]، و [[هشام بن الحكم]]<ref>انظر: ابن النديم، الفهرست، ص | لقد سبق لعلماء [[الشيعة]] منذ مرحلة الإمامة أن ألفوا كتباً تفصيلية في [[إثبات]] [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} وإثبات إمامته وإمامة سائر [[الأئمة الأطهار]]{{عم}}، وقد سجل ذلك في المصادر المعتبرة. وفيما يأتي نشير - على سبيل المثال - إلى المؤلفات المفردة لأصحاب من أمثال: [[عيسى بن روضة]]، و[[ابن رئاب]]، و[[الخليل بن أحمد الفراهيدى]]، و[[مؤمن الطاق]]، و[[هشام بن الحكم]]<ref>انظر: ابن النديم، الفهرست، ص ١٧ و٣٦ و٥٧ و١٢٣ و٣٠٦ و٣٠٧؛ عبد الجبار الرفاعي، معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت، ج ٥، ص ١٣٤، ش ١١٩٧٤، وج ٩، ش ٢٣٣٦٢.</ref>. | ||
وحيث يوجد كثير من المصادر في هذا الشأن فإننا سنكتفي بنقل الأدلة النقلية المثبتة لنظرية أصل التنصيب لدى الشيعة باختصار: | وحيث يوجد كثير من المصادر في هذا الشأن فإننا سنكتفي بنقل [[الأدلة النقلية]] المثبتة لنظرية أصل التنصيب لدى الشيعة باختصار: | ||
====أحاديث الخلافة==== | ====[[أحاديث]] [[الخلافة]]==== | ||
لقد كان النبي الأكرم{{صل}} في بداية رسالته يمارس الدعوة السرية إلى الإيمان بالله الواحد القهار ، واستمر الأمر على سريته مدة ثلاث سنوات مكتفياً بدعوة أهله والأقربين من أفراد عشيرته. وفي الرواية الواردة في كتب الفريقين من الشيعة والسنة عن الإمام علي{{ع}} : {{نص حديث|لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ {{ نص قرآني |وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}}<ref> | لقد كان النبي الأكرم{{صل}} في بداية رسالته يمارس [[الدعوة]] السرية إلى [[الإيمان بالله]] الواحد [[القهار]]، واستمر الأمر على سريته مدة ثلاث سنوات مكتفياً بدعوة أهله والأقربين من أفراد عشيرته. وفي [[الرواية]] الواردة في كتب [[الفريقين]] من الشيعة والسنة عن [[الإمام علي]]{{ع}}: {{نص حديث|لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ {{نص قرآني|وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}}<ref> سورة الشعراء، الآية ٢١٤.</ref> دَعَانِي رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ اَلْأَقْرَبِينَ فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعاً وَ عَرَفْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِئُهُمْ بِهَذَا اَلْأَمْرِ أَرَى مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَتُّ حَتَّى جَاءَنِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لاَ تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ وَ اِجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ وَ اِمْلَأْ لَنَا عُسّاً مِنْ لَبَنٍ وَ اِجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ حَتَّى أُعْلِمَهُمْ وَ أُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ لَهُ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَ حَمْزَةُ وَ اَلْعَبَّاسُ وَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَا بِالطَّعَامِ اَلَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ فَجِئْنَا بِهِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اَللهِ جَذْرَةَ لَحْمٍ فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نَوَاحِي اَلصَّحْفَةِ ثُمَّ قَالَ خُذُوا بِسْمِ اَللهِ فَأَكَلَ اَلْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ وَ لاَ أَرَى إِلاَّ مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ وَ اَيْمُ اَلَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ ثُمَّ قَالَ اِسْقِ اَلْقَوْمَ فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوُوا جَمِيعاً وَ اَيْمُ اَللهِ إِنْ كَانَ اَلرَّجُلُ اَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَشْرَبُ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُمْ أَبُو لَهَبٍ إِلَى اَلْكَلاَمِ فَقَالَ لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ وَ لَمْ يُكَلِّمْهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَلْغَدَ يَا عَلِيُّ إِنَّ هَذَا اَلرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ فَتَفَرَّقَ اَلْقَوْمُ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ فَأَعِدَّ لَنَا مِنَ اَلطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اِجْمَعْهُمْ لِي فَفَعَلْتُ ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقَرَّبْتُهُ لَهُمْ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ وَ أَكَلُوا حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ ثُمَّ قَالَ اِسْقِهِمْ فَأَتَيْتُهُمْ بِذَلِكَ اَلْعُسِّ فَشَرِبُوا حَتَّى رَوُوا مِنْهُ جَمِيعاً ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي وَ اَللهِ مَا أَعْلَمُ شَابّاً فِي اَلْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى أَمْرِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَأَحْجَمَ اَلْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعاً قَالَ قُلْتُ وَ إِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنّاً وَ أَرْمَضُهُمْ عَيْناً وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْناً وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقاً قُلْتُ أَنَا يَا نَبِيَّ اَللهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا فَقَامَ اَلْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ تُطِيعَ}}ref>الكامل في [[التاريخ]]، ج ٢، [[ص]] ٦٣؛ موسوعة [[الإمام علي]]، ج ٢، ص ٢٣.</ref> | ||
لا كلام في سند هذا الحديث، فجميع رواته ثقاة طبقاً لمذهب أهل | لا [[كلام]] في سند هذا الحديث، فجميع رواته ثقاة طبقاً لمذهب [[أهل السنة]]، باستثناء [[أبي مريم عبد الغفار]] حيث ضعفه بعض أهل السنة، ويأتي سبب تضعيفه من تشيعه، أما الآخرون من أهل السنة فقد مدحوه<ref>انظر: لسان الميزان، ج ٤، ص ٤٣.</ref>. | ||
كما أن دلالة نص الحديث ومتنه واضحة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض المسائل في هذا الشأن: | كما أن [[دلالة]] [[نص]] الحديث ومتنه واضحة أيضاً، وفيما يأتي نشير إلى بعض المسائل في هذا الشأن: | ||
#لقد تحدّث النبي الأكرم في هذه الرواية بشكل مطلق عن الخلافة في أمر نبوته، وهي تشمل الخلافة في الحقل السياسي والعلمي والديني. | #لقد تحدّث [[النبي الأكرم]] في هذه [[الرواية]] بشكل [[مطلق]] عن [[الخلافة]] في أمر نبوته، وهي تشمل الخلافة في الحقل [[السياسي]] والعلمي والديني. | ||
#الدليل الآخر على وضوح وصراحة دلالة الحديث ما قام به بعض المؤرخين من أهل السنة من التحريف والحذف في مضامينه. فهذا الطبري مثلاً رغم روايته لواقعة الغدير في تاريخه لجأ في تفسيرها وبيانها إلى التقطيع، حيث حذف عبارة «وصيي وخليفتي» الواردة بعد كلمة «أخي» عبارة «وكذا وكذا»<ref>انظر: تفسير الطبري، ج | #[[الدليل]] الآخر على وضوح وصراحة دلالة الحديث ما قام به بعض المؤرخين من أهل السنة من [[التحريف]] والحذف في مضامينه. فهذا [[الطبري]] مثلاً رغم روايته لواقعة الغدير في تاريخه لجأ في تفسيرها وبيانها إلى التقطيع، حيث حذف عبارة «وصيي وخليفتي» الواردة بعد كلمة «أخي» عبارة «وكذا وكذا»<ref>انظر: تفسير الطبري، ج ١٩، ص ٧٥.</ref>. وقام [[ابن كثير]] في كتابه التاريخى المعروف باسم ([[البداية والنهاية]]) رغم أنه يذكر عين عبارة تاريخ الطبري، إلا أنه في تقرير حديث [[الدعوة]] يعمد إلى اقتباسها من تفسير الطبري، ويقوم للأسف الشديد بحذف [[الكلام]] الناظر إلى [[إمامة الإمام علي]]{{ع}}. كما قام [[محمد حسين هيكل]] في كتابه «[[حياة محمد]]» بذكر جملة [[سؤال]] النبي الأكرم{{صل}}، ولكنه حذف [[كلام النبي]] في التعريف بالإمام علي. ثم عمد ناشر الكتاب في الطبعات اللاحقة إلى حذف كل ما يشير إلى [[فضيلة]] من فضائل [[الإمام علي]] بالكامل. | ||
#القرينة الأخرى تكمن في فهم المخاطبين والحاضرين حيث استفادوا من كلام النبي الأكرم{{صل}} الخلافة والإمرة والولاية، كما يلوح ذلك من رفضهم وسخريتهم واستهزائهم بأبي طالب وقولهم له: «قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع». | #القرينة الأخرى تكمن في فهم المخاطبين والحاضرين حيث استفادوا من [[كلام النبي الأكرم]]{{صل}} [[الخلافة]] والإمرة والولاية، كما يلوح ذلك من رفضهم وسخريتهم واستهزائهم بأبي طالب وقولهم له: «قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع». | ||
=====التصريح بخلافة الإمام علي{{ع}}===== | =====التصريح بخلافة الإمام علي{{ع}}===== | ||
لقد عمد النبي الأكرم{{صل}} طوال حياته المباركة إلى التصريح مراراً بخلافة الإمام علي{{ع}} ، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد: عن [[عبد الله بن مسعود]] قال: «استتبعني رسول الله{{صل}} ليلة الجن فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة فخط علي خطة وقال: لا تبرح ثم انصاع في أجبال فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه فاخترطت السيف وقلت لأضر بن حتى استنقذ رسول الله{{صل}} ثم ذكرت قوله : لا تبرح آتيك قال: فلم أزل كذلك حتى أمنا الفجر فجاء النبي{{صل}} وأنا قائم فقال كما زلت على حالك؟ قلت: لو لبثت شهراً ما برحت حتى تأتيني ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال : لو خرجت ما التقيت أنا ولا أنت إلى يوم القيامة ثم شبك أصابعه في أصابعي فقال: إني وعدت أن يؤمن بي الجن والإنس، فأما الإنس فقد آمنت بي وأما الجن فقد رأيت قال وما أظن أجلي إلا قد اقترب قلت: يارسول الله ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف | لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} طوال حياته [[المباركة]] إلى التصريح مراراً بخلافة الإمام علي{{ع}}، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الموارد: عن [[عبد الله بن مسعود]] قال: «استتبعني [[رسول الله]]{{صل}} ليلة [[الجن]] فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى [[مكة]] فخط علي خطة وقال: لا تبرح ثم انصاع في أجبال فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه فاخترطت [[السيف]] وقلت لأضر بن حتى استنقذ رسول الله{{صل}} ثم ذكرت قوله: لا تبرح آتيك قال: فلم أزل كذلك حتى أمنا [[الفجر]] فجاء [[النبي]]{{صل}} وأنا قائم فقال كما زلت على حالك؟ قلت: لو لبثت شهراً ما برحت حتى تأتيني ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: لو خرجت ما التقيت أنا ولا أنت إلى [[يوم القيامة]] ثم شبك أصابعه في أصابعي فقال: إني وعدت أن يؤمن بي الجن والإنس، فأما [[الإنس]] فقد آمنت بي وأما الجن فقد رأيت قال وما أظن أجلي إلا قد اقترب قلت: يارسول [[الله]] ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف [[عمر]]؟ فأعرض عنى فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله ألا تستخلف علياً؟ قال: ذاك والذي لا [[إله]] غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم [[الجنة]] أكتعين»<ref>المعجم الكبير، ج ١٠، ص ٦٧، ش ٩٩٦٩ و٩٩٧٠؛موسوعة الإمام علي، ج ٢، ص ١٣٨؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٢١ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٧٣؛ البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٦١.</ref>. | ||
وقال النبي الأكرم{{صل}} : {{نص حديث|لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ ثُمَّ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهَى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ فَقَالَ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقِي فَأَيَّهُمْ وَجَدْتَ أَطْوَعَ لَكَ قَالَ قُلْتُ رَبِّ عَلِيّاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلِ اِتَّخَذْتَ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً يُؤَدِّي عَنْكَ وَ يُعَلِّمُ عِبَادِي مِنْ كِتَابِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ قَالَ قُلْتُ اِخْتَرْ لِي فَإِنَّ خِيَرَتَكَ خِيَرَتِي قَالَ قَدِ اِخْتَرْتُ لَكَ عَلِيّاً فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً وَ وَصِيّاً}}<ref>مناقب الخوارزمي، ص | وقال النبي الأكرم{{صل}}: {{نص حديث|لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ ثُمَّ مِنَ اَلسَّمَاءِ إِلَى سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهَى وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ وَ سَعْدَيْكَ فَقَالَ قَدْ بَلَوْتُ خَلْقِي فَأَيَّهُمْ وَجَدْتَ أَطْوَعَ لَكَ قَالَ قُلْتُ رَبِّ عَلِيّاً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَهَلِ اِتَّخَذْتَ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً يُؤَدِّي عَنْكَ وَ يُعَلِّمُ عِبَادِي مِنْ كِتَابِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ قَالَ قُلْتُ اِخْتَرْ لِي فَإِنَّ خِيَرَتَكَ خِيَرَتِي قَالَ قَدِ اِخْتَرْتُ لَكَ عَلِيّاً فَاتَّخِذْهُ لِنَفْسِكَ خَلِيفَةً وَ وَصِيّاً}}<ref>مناقب الخوارزمي، ص ٣٠٣، ش ٢٩٩ ؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٢٦٨، ش ٢١٠.</ref>. | ||
وروى [[ابن عباس]] أنه رأى النبي الأكرم{{صل}} ممسكاً بيد علي{{ع}} وهو يقول: {{نص حديث|هُوَ فَارُوقُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ، وَ هُوَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلظَّلَمَةِ، وَ هُوَ بَابِيَ اَلَّذِي أُوتَى مِنْهُ، وَ هُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي}}<ref>تاريخ مدينة دمشق، ج | وروى [[ابن عباس]] أنه رأى [[النبي الأكرم]]{{صل}} ممسكاً بيد علي{{ع}} وهو يقول: {{نص حديث|هُوَ فَارُوقُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ، وَ هُوَ يَعْسُوبُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلظَّلَمَةِ، وَ هُوَ بَابِيَ اَلَّذِي أُوتَى مِنْهُ، وَ هُوَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي}}<ref>تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٢، ش ٨٣٧١ و٨٣٧٣.</ref>. | ||
كما يصرّح الحديث الآتي بمسألة الإمامة والخلافة للإمام علي{{ع}} : {{نص حديث|يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلْإِمَامُ وَ اَلْخَلِيفَةُ بَعْدِي وَ أَنْتَ {{ نص قرآني |أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}}<ref> | كما يصرّح الحديث الآتي بمسألة [[الإمامة]] والخلافة للإمام علي{{ع}}: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ أَنْتَ اَلْإِمَامُ وَ اَلْخَلِيفَةُ بَعْدِي وَ أَنْتَ {{نص قرآني|أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٦.</ref>}}<ref>شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، ج ٣، ص ٦٤٣ ؛ البيهقي، دلائل النبوة، ج ٦، ص ٤٣٦؛ أسد الغابة، ج ٣، ص ٣٢٥؛ بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ٣٤٩.</ref>. | ||
'''حديث خاصف النعل :''' | '''حديث خاصف النعل: ''' | ||
ومن بين الروايات الدالة صراحة على خلافة الإمام علي{{ع}} | ومن بين [[الروايات]] الدالة صراحة على [[خلافة الإمام علي]]{{ع}} [[الحكم]]، حديث [[أم سلمة]] الذي تقول فيه لعائشة ضمن حديث طويل: {{نص حديث|أُذَكِّرُكِ أَيْضاً كُنْتُ أَنَا وَ أَنْتِ مَعَ رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي سَفَرٍ لَهُ وَ كَانَ عَلِيٌّ يَتَعَاهَدُ نَعْلَيْ رَسُولِ اَللهِ فَيَخْصِفُهُمَا وَ يَتَعَاهَدُ أَثْوَابَهُ فَيَغْسِلُهَا فَنَقِبَتْ لَهُ نَعْلٌ فَأَخَذَهَا يَوْمَئِذٍ يَخْصِفُهَا فِي ظِلِّ سَمُرَةٍ وَ جَاءَ أَبُوكِ وَ مَعَهُ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَا عَلَيْهِ فَقُمْنَا إِلَى اَلْحِجَابِ وَ دَخَلاَ فَحَادَثَاهُ فِيمَا أَرَادَا ثُمَّ قَالاَ يَا رَسُولَ اَللهِ إِنَّا لاَ نَدْرِي قَدْرَ مَا تَصْحَبُنَا فَلَوْ أَعْلَمْتَنَا مَنْ تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا لِيَكُونَ لَنَا بَعْدَكَ مَفْزَعاً فَقَالَ لَهُمَا أَمَا إِنِّي قَدْ أَرَى مَكَانَهُ وَ لَوْ فَعَلْتُ لَتَفَرَّقْتُمْ عَنْهُ كَمَا تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ فَسَكَتَا ثُمَّ خَرَجَا فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ اَللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُلْتِ لَهُ وَ كُنْتِ أَجْرَأَ عَلَيْهِ مِنَّا مَنْ كُنْتَ يَا رَسُولَ اَللهِ مُسْتَخْلِفاً عَلَيْهِمْ فَقَالَ خَاصِفَ اَلنَّعْلِ فَنَظَرْنَا فَلَمْ نَرَ أَحَداً إِلاَّ عَلِيّاً فَقُلْتُ [فَقُلْتِ] يَا رَسُولَ اَللهِ مَا أَرَى إِلاَّ عَلِيّاً فَقَالَ هُوَ ذَاكِ}}<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ٢١٨؛ الكافي، أبو جعفر الإسكافي، المعيار والموازنة، ص ٢٩؛ أعلام النساء، ج ١ و٢، ص ٧٨٩.</ref>. | ||
يتضح من هذا الحديث أن الخليفة الحقيقي للنبي الأكرم{{صل}} ليس شخصاً آخر غير علي{{ع}}، إلا أن النبي الأكرم{{صل}} قد لحظ مصلحة ما، فلم يصرح باسمه لأبي بكر وعمر، ولكنه صرّح به لزوجتيه أم سلمة وعائشة. ولكنه فيما بعد صرّح باسمه لجميع المسلمين في عددٍ من المواطن ومن أشهرها غدير خم. | يتضح من هذا الحديث أن [[الخليفة]] الحقيقي للنبي الأكرم{{صل}} ليس شخصاً آخر غير علي{{ع}}، إلا أن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد لحظ [[مصلحة]] ما، فلم يصرح باسمه لأبي بكر وعمر، ولكنه صرّح به لزوجتيه [[أم سلمة]] وعائشة. ولكنه فيما بعد صرّح باسمه لجميع [[المسلمين]] في عددٍ من المواطن ومن أشهرها [[غدير خم]]. | ||
==== أحاديث إمامة أمير المؤمنين واستيزاره==== | ==== [[أحاديث]] [[إمامة أمير المؤمنين]] واستيزاره==== | ||
كان النبي الأكرم{{صل}} منذ البداية يسعى إلى التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه حاكماً وأميراً للمؤمنين، وبذلك كان يعمل على تمهيد الطريق إلى إمامته في المستقبل، ومن هنا كان يوصي أصحابه بأنهم إذا أرادوا التسليم على أمير المؤمنين أن لا يسلموا عليه بسلام مجرّد من المحتوى، وإنما عليهم أن يضيفوا إلى سلامهم قيد | كان النبي الأكرم{{صل}} منذ البداية يسعى إلى التعريف بالإمام علي{{ع}} بوصفه حاكماً وأميراً للمؤمنين، وبذلك كان يعمل على تمهيد الطريق إلى إمامته في المستقبل، ومن هنا كان يوصي أصحابه بأنهم إذا أرادوا [[التسليم]] على [[أمير المؤمنين]] أن لا يسلموا عليه بسلام مجرّد من المحتوى، وإنما عليهم أن يضيفوا إلى سلامهم قيد «[[إمارة المؤمنين]]» أيضاً. | ||
وفي هذا الشأن يروي صاحب تاريخ مدينة دمشق عن [[بريدة الأسلمي]] أنه قال: كنا سبعة فأمرنا رسول الله{{صل}} أن نسلم على علي بأمير المؤمنین<ref>تاريخ مدينة دمشق، ج | وفي هذا الشأن يروي صاحب تاريخ مدينة [[دمشق]] عن [[بريدة الأسلمي]] أنه قال: كنا سبعة فأمرنا [[رسول الله]]{{صل}} أن نسلم على علي بأمير المؤمنین<ref>تاريخ مدينة دمشق، ج ٢، ص ٣٠٣.</ref>. | ||
كما قام رسول الله في موضع آخر بتعريف الإمام علي{{ع}} بوصفه اماماً ونسب ذلك إلى جبرائيل{{ع}}، إذ يقول: {{نص حديث| أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِنْ تساءلتم عَلَيْهِ لَمْ تهلكوا، إِنَّ وَلِيُّكُمُ | كما قام رسول الله في موضع آخر بتعريف [[الإمام علي]]{{ع}} بوصفه اماماً ونسب ذلك إلى [[جبرائيل]]{{ع}}، إذ يقول: {{نص حديث|أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا إِنْ تساءلتم عَلَيْهِ لَمْ تهلكوا، إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللهُ، وَ إِنْ إِمَامَكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فناصحوه وَ صَدَّقُوهُ، فَإِنْ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ}}<ref>ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٩٨.</ref>. | ||
كما ورد هذا النوع من الأحاديث في المصادر الشيعية بكثرة<ref>انظر: فضائل ابن شاذان، ص | كما ورد هذا النوع من [[الأحاديث]] في المصادر [[الشيعية]] بكثرة<ref>انظر: فضائل ابن شاذان، ص ١١٣.</ref>. | ||
وفي بعض المواطن يذكر النبي الأكرم الإمام علياً{{ع}} بوصفه وزيراً له وإماماً للمسلمين من بعده، وينسب ذلك إلى الله سبحانه | وفي بعض المواطن يذكر النبي الأكرم [[الإمام]] علياً{{ع}} بوصفه وزيراً له وإماماً للمسلمين من بعده، وينسب ذلك إلى [[الله سبحانه وتعالى]]، ومن ذلك قوله: {{نص حديث|يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَكُمْ إِمَاماً وَ وَصِيّاً يَكُونُ وَصِيَّ نَبِيِّكُمْ فِيكُمْ وَ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ بَعْدِي... يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكُمْ مَفْزَعَكُمْ وَ إِمَامَكُمْ بَعْدِي وَ دَلِيلَكُمْ وَ هَادِيَكُمْ وَ هُوَ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ}}<ref>النعماني، غيبة النعماني، ص ٧١؛ كمال الدين وإتمام النعمة، ص ٢٧٧.</ref>. | ||
لقد استعمل رسول الله{{صل}} في هذه الرواية عنوان | لقد استعمل [[رسول الله]]{{صل}} في هذه [[الرواية]] عنوان «[[الخليفة]]» و«[[الإمام]]» و«[[الولي]]» و«[[الهادي]]» في وصف خليفته، وهي تدل بأجمعها على [[المرجعية العلمية]] والسياسية والمعنوية للإمام{{ع}}. | ||
وفي رواية أخرى يضيف رسول الله{{صل}} إلى الصفات الآنفة صفات أخرى من قبيل : أن أمر علي{{ع}} ونهيه هو أمر النبي{{صل}} ونهيه، وأنه حجة الله على | وفي رواية أخرى يضيف رسول الله{{صل}} إلى [[الصفات]] الآنفة صفات أخرى من قبيل: أن أمر علي{{ع}} ونهيه هو أمر [[النبي]]{{صل}} ونهيه، وأنه [[حجة الله]] على [[الناس]]، وأنه أمين [[الله]] على سره، إذ يقول: {{نص حديث|يَا عَلِيُّ مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي وَ مَنْ أَبْغَضَكَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَ مَنْ سَبَّكَ فَقَدْ سَبَّنِي لِأَنَّكَ مِنِّي كَنَفْسِي رُوحُكَ مِنْ رُوحِي وَ طِينَتُكَ مِنْ طِينَتِي إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَ إِيَّاكَ وَ اِصْطَفَانِي وَ إِيَّاكَ وَ اِخْتَارَنِي لِلنُّبُوَّةِ وَ اِخْتَارَكَ لِلْإِمَامَةِ فَمَنْ أَنْكَرَ إِمَامَتَكَ فَقَدْ أَنْكَرَ نُبُوَّتِي يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي وَ أَبُو وُلْدِي وَ زَوْجُ اِبْنَتِي وَ خَلِيفَتِي عَلَى أُمَّتِي فِي حَيَاتِي وَ بَعْدَ مَوْتِي أَمْرُكَ أَمْرِي وَ نَهْيُكَ نَهْيِي أُقْسِمُ بِالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَ جَعَلَنِي خَيْرَ اَلْبَرِيَّةِ إِنَّكَ لَحُجَّةُ اَللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَمِينُهُ عَلَى سِرِّهِ وَ خَلِيفَتُهُ عَلَى عِبَادِهِ}}<ref>عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٧، ش ٥٧ ؛ أمالي الصدوق، ص ١٥٥، ش ١٤٩.</ref>. | ||
وفي رواية أخرى يضيف النبي الأكرم{{صل}} صفة | وفي رواية أخرى يضيف [[النبي الأكرم]]{{صل}} صفة «[[أمير المؤمنين]]» إلى [[الإمام علي]]، وهو عنوان ناظر إلى مسألة [[الحكم]] وإدارة [[الدولة]]، وذلك إذ يقول: {{نص حديث|إِمَامُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَوْلاَهُمْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ}}<ref>أمالي الصدوق، ص ٣٧٤.</ref>. | ||
==== [[حديث الغدير]]==== | |||
إن أشهر حديث في هذا الموضوع هو حديث الغدير، الذي صدر عن رسول الله عند عودته من [[حجة الوداع]] في موضع يقال له [[غدير خم]]، عندما نزل عليه [[الوحي]] يأمر بتنصيب الإمام علي{{ع}} ولياً لجميع [[المسلمين]]، إذ يقول: {{نص حديث|أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَّا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيُّ مَوْلَاهُ}}. | |||
يعدُّ هذا [[الحديث الشريف]] موضع اتفاق من قبل [[الشيعة]] وأهل [[السنة]]، بحيث رواه ١١٠ صحابياً، و٨٤ تابعياً<ref>انظر: مستدرك الحاكم النيسابوري، ج ٣، ص ١٠٩ ؛ سنن الترمذي، ج ٥، ص ٢٩٧؛ شرح صحيح الترمذي، ج ١٣، ص ١٦٥ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١؛ الغدير، ج ١،ص ٤١ فما بعد.</ref>. وعلى الرغم من أن بعضهم حاول [[التشكيك]] في [[دلالة]] الحديث على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} وحكمه من خلال حذف صدر الحديث وعبارة {{نص حديث|مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}}؟، ولكن مصادر [[أهل السنة]] الأخرى ذكرت صدر الحديث<ref>انظر: تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٤٨١ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١؛ المعجم الكبير، ج ٥، ص ١٩٤.</ref>. | |||
إلا أن البحث يدور حول مفهوم الحديث ودلالته، حيث ذهب أكثر علماء أهل السنة إلى تفسير «[[المولى]]» بالمحب، وهكذا فإنهم لا يرون فيه دلالة على إمامة الإمام علي{{ع}}. | |||
'''[[الأدلة]] والشواهد على دلالة المولى على الأولى: ''' | |||
فيما يتعلق بتفسير كلمة «المولى» يجب القول: إن هذه [[الكلمة]] وإن كانت ذات معاني كثيرة ومختلفة، إلا أننا إذا أخذنا القرائن الآتية بنظر [[الاعتبار]] فسوف ندرك أنها في هذا الحديث تعنى [[الإمامة]] والحكومة حصراً: | |||
#مفردة «الأولى»: لقد عمد [[النبي الأكرم]]{{صل}} نفسه قبل وصف [[الإمام]] علی{{ع}} بالمولى، إلى تفسير المولى بقوله هو: «الأولى بالمؤمنين من أنفسهم»<ref>انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥١ ؛ تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٤٨١ ؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤ - ٣٧١.</ref>. وإن هذه الأولية لا تعني [[النصرة]] أو [[المحبة]]، بل تعني تقدّم المولّى وسلطته على المولّى عليه بحيث يكون المولى أحق بالمولى عليه من نفسه؛ وهو أمر يعنى أن مولوية [[الإمام علي]]{{ع}} تعني أنه أولى من المؤمنين في كل شيء، بل هو أولى بهم حتى فيما يتعلق بأنفسهم. | |||
#[[خشية]] [[النبي]] من إبلاغ الأمر: طبقاً لروايات [[الفريقين]] فإن النبي الأكرم{{صل}} كان قد أمره [[الوحي]] [[الإلهي]] بإبلاغ أمر استدعى خوفه وخشيته من إبلاغه، ولما أبطأ في إبلاغه لذلك، أنزل [[الله]] عليه قوله: {{نص قرآني|يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}}<ref> سورة المائدة، الآية ٦٧.</ref>. وهكذا أكد له [[الوحي]] أنه سيكون في مأمن من إساءة المخالفين، وأن عدم إبلاغه ذلك الأمر الخاص مهما كانت الأسباب يساوق عدم إبلاغ [[الرسالة]] [[الإلهية]] برمتها، وقد أجمع [[العلماء]] من [[الفريقين]] أن هذه [[الآية]] نزلت في سياق [[غدير خم]]<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٢١٣ - ٢٣٧ ؛ أسباب نزول القرآن، ص ٢٠٣؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٤٨-٢٥٤؛كنزل العمال، ج ١٣، ص ١٤٠، ش ٣٦٤٤١.</ref>. واضح أنه لو كان مراد الآية من إبلاغ الرسالة الإلهية مجرد إضمار [[المحبة]] للإمام علي{{ع}} أو اعتباره مجرد ناصر، لا يستدعي [[خوف]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} ولن يكون عدم إبلاغ مثل هذا الأمر مساوقاً لعدم إبلاغ [[الرسالة الإسلامية]] أصلاً؛ إذن لابد من أن يكون المراد أمراً أكبر من مجرد محبّة [[الإمام علي]]{{ع}}، ويجب أن يكون ذلك الأمر هو إمامته، ومن الطبيعي أن يكون هناك خوف من هذه الناحية؛ إذ كان من الوارد أن يثقل هذا [[البلاغ]] على بعض [[المسلمين]] لمختلف السباب، من قبيل الأسباب القبلية والثأرية، واعتبار الإمام علي صغير السن، وأنه قد [[قتل]] بعض [[المقربين]] من هؤلاء المسلمين في صدر [[الإسلام]]. ومن شأن هذه الأسباب أن تزعزع [[وحدة]] المسلمين وتلاحمهم. | |||
#يأس [[الكفار]] وإكمال [[الدين]]: القرينة الثالثة على تفسير «[[المولى]]» بالإمام، الآية التي نزلت بعد إبلاغ [[الرسول]]{{صل}} ما أنزل عليه من ربه، وهي قوله تعالى: {{نص قرآني|الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً}}<ref> سورة المائدة، الآية ٣.</ref>. طبقاً لرواية [[المفسرين]] من [[أهل السنة]]<ref>انظر: تفسير الدر المنثور، ج ٣،ص ١٩؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢، ص ٢٣٤ - ٢٣٧؛ تاریخ بغداد، ج ٨، ص ٢٩٠؛ شواهد التنزيل، ج ١، ص ٢٠٠؛ مناقب الخوارزمي، ص ١٥٦.</ref> والشيعة كان نزول هذه [[الآية الشريفة]] بعد حادثة [[غدير خم]]، وتنصيب [[الإمام علي]]{{ع}} في مقام [[الولاية]]، حيث اعتبر [[الله]] هذا اليوم يوم يأس [[الكفار]] من [[القضاء]] على [[الدين الإسلامي]]، كما اعتبر هذا اليوم يوم إكمال [[الإسلام]] وإتمام [[النعمة]] ورضا الله باختيار [[الناس]] للإسلام بوصفه ديناً وشريعة للمسلمين. واضح أن [[الآية]] لم تكن بصدد نصح الناس بمجرد حبّ الإمام علي{{ع}}، إذ أولاً: إن هذا الأمر كان صادراً في مواطن سابقة بما فيه الكفاية. وثانياً: لا ملازمة بين الأمر بمحبة [[الإمام]] وبين [[إكمال الدين وإتمام النعمة]] ويأس الكفار، بل يتضح من نتيجة إبلاغ نداء الغدير (إكمال الدين وإتمام النعمة والرضا بالإسلام) أن وهو أمر تم إبلاغه في غدير خم كان أمراً في غاية الأهمية والخطورة ويلعب دوراً محورياً في مجمل حركة الإسلام، ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد الأمر بمحبة الإمام علي، بل هو القول بإمامته ومرجعيته العلمية والدينية وممارسة [[الحكم]] والسلطة على جميع [[المسلمين]]. | |||
#مبادرة وجوه [[القوم]] إلى تهنئة الإمام علي{{ع}}: القرينة الأخرى على ذلك ما قام به كبار [[الصحابة]] والشخصيات [[السياسية]] والاجتماعية بعد إبلاغ [[النبي الأكرم]] لذلك [[الأمر الإلهي]] الخاص بالتهنئة والتبريك للإمام علي{{ع}}. فهاهو [[عمر بن الخطاب]] بعد فراغ [[النبي]] من خطبته يتقدم للإمام علي قائلاً: «هنيئاً يا ابن [[أبي طالب]].. أصبحت وأمسيت [[مولى]] كل [[مؤمن]] ومؤمنة»<ref>مسند أحمد بن حنبل، ج ٦، ص ٤٠١؛ ابن حنبل، فضائل الصحابة، ج ٢، ص ٥٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٤-٣٧١؛تاريخ مدينة دمشق، ج٤٢،ص ٢٢٠؛ الغدير، ج ١، ص ٥٠٨.</ref>. وفي بعض [[الروايات]] أضيفت عبارة «بخ بخ لمستهل عبارة عمر بن الخطاب، وهي تدل على [[المبالغة]] في [[الفخر]] والاعتزاز<ref>انظر: النهاية، ج ١، ص ١٠١.</ref>. فهل كان هناك من داع لكل هذه المبالغة من وجوه القوم في تهنئة الإمام علي{{ع}} إذا كان الأمر مجرد الأمر بالمحبة والنصرة؟! وهل كان مراد [[عمر]] من [[المولى]] في قوله: «هنيئاً يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» مجرد [[المحبّة]]، أم أنها إشارة إلى [[مقام الإمامة]] والخلافة التى تم الإعلان عنها والمصادقة عليها من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} في [[غدير خم]]؟ | |||
#ذهب بعض علماء [[أهل السنة]]، من أمثال: [[ابن الجوزى]] و[[الحافظ أبو الفرج يحيى الثقفي]]، إلى الاعتراف بأن «[[المولى]]» يعني الأولى بالتصرف<ref>انظر: ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص ٣٧، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم.</ref>. | |||
#عبارة «بعدي»: تشتمل بعض نصوص [[حديث الغدير]] في روايات أهل السنة على كلمة (بعدي»: «من كنت مولاه فإن علياً بعدي مولاه مولاه»<ref>ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٧، ص ٣٤٩؛ خلاصة عبقات الأنوار، ج ٩، ص ٩٣.</ref>. | |||
#فهم [[الحضور]] والشعراء: القرينة الأخرى قرينة أدبية؛ حيث كان بإمكان الحاضرين في يوم الغدير أن يدركوا المعنى الحقيقي من [[كلام النبي الأكرم]]، وكان من بين الحاضرين [[الشاعر]] المعروف [[حسان بن ثابت]]، وقد طلب من [[النبي]] النبي الأكرم{{صل}} بعد الفراغ من خطبته أن يقول شعراً في المناسبة؛ فأذن له النبي فقال قصيدة، نذكر منها البيتين الآتيين: | |||
{{بداية قصيدة}} | |||
{{بيت|إلهك مولانا وأنت نبينا|ولم تلق منا في الولاية عاصيا}} | |||
{{بيت|فقال له: قم يا علي فإنني|رضيتك من بعدي إماماً وهادياً)<ref>الغدير، ج ٢، ص ٣٤. قال العلامة الأميني أن هناك اثنى عشر راوياً سنياً ذكروا هذا الشعر في كتبهم.</ref>}} | |||
{{نهاية قصيدة}} | |||
إن [[حسّان بن ثابت]] فى شعره هذا لا يعتبر [[الإمام]] علياً{{ع}} بوصفه شخصاً يستحق الحب فقط، بل يصفه بأنه [[إمام]] وهاد، وقد قرأ شعره هذه بحضور النبي الأكرم وجميع [[الصحابة]]، من دون أن يصدر عنهم أي [[اعتراض]] على مضمون شعره<ref>يستعمل المولى في اللغة العربية غالباً بمعنى الأولى بالتصرف، وقد استشهد العلامة الطهراني لذلك بالمصادر الأدبية في عصر الإسلام من قبيل المعلقات السبعة (انظر: امام شناسي، ج ٧، ص ٢٤٢ - ٣٩٣).</ref>. | |||
ومن القرائن الأخرى التي تعدُّ من أقوى القرائن وأكثرها اعتباراً فهم [[الإمام علي]]{{ع}} نفسه وتفسيره، حيث فسر حديث الغدير بأنه ناظر إلى إمامته وحكومته، وكان يتمسك بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}} بهذا الحديث للاستدلال على أحقيته بالخلافة والحكم، ولم ينكر الخصوم عليه [[دلالة]] هذا الحديث على [[الإمامة]] والخلافة. وسيأتي تفصيل [[الأحاديث]] والاحتجاجات التي احتج بها [[الإمام علي]] على أصل تنصيبه في الصفحات القادمة في معرض نقد [[الشبهة]] القائلة بعدم تمسك الإمام علي{{ع}} بأصل [[التنصيب]]. | |||
واضح أن الأمر من قبل [[النبي]] بالولاية لعلي إذا كان بمعنى [[المحبة]] فإنه يكون بشكل [[مطلق]]، ولا معنى لتقييد هذه المحبة بأن تبقى معلقة إلى ما بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}}، ولكن حيث أنه قيد [[الولاية]] بلفظ بعدي يتضح أن مراده هو [[الحكم]] والخلافة. | |||
وقد ذكر المحققون من أمثال [[العلامة الأميني]] قرائن وشواهد كثيرة على [[دلالة]] [[حديث الغدير]] على خلاف مدعى الشبهة، وعليه فإننا نحيل القارئ [[الكريم]] إلى موسوعة الغدير القيمة<ref>انظر: الغدير، ج ١، ص ٦٥٠، حيث ساق هناك عشرين شاهداً على دلالة الحديث على الإمامة والولاية والخلافة.</ref>. | |||
====[[أحاديث]] [[المنزلة]]==== | |||
في واقعة [[تبوك]] قام [[النبي الأكرم]]{{صل}} بتعيين الإمام علي{{ع}} [[خليفة]] له على [[المدينة المنورة]]، وتوجّه هو إلى [[القتال]] بسائر [[المسلمين]]؛ فاغتنم [[المنافقون]] هذا الأمر لتشويه [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} غامزين من قناة أن النبي لم يُشركه في جيشه. فسارع الإمام علي بعد [[سماع]] هذا الإرجاف إلى إيصال نفسه إلى [[جيش]] النبي وسأله الموافقة على انضمامه إلى [[الجيش]] وعدم إبقائه في [[المدينة]]، إلا أن النبي الأكرم [[كذب]] مقالة [[المنافقين]]، وأضاف قائلاً: «أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي»<ref>صحيح البخاري، ج ٣، ص ١٣٥٩، وج ٤، ص ١٦٠٢؛ صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٨٧١؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ١٧٠ فما بعد. وإذا قام القارئ ببحث عن عبارة (بمنزلة هارون) في برنامج المكتبة الإلكترونية (المكتبة الإسلامية الكبرى الشاملة) انتاج العربية السعودية، فسوف يعثر على ما يزيد على الستمئة مورد بهذا الشأن في مصادر أهل السنة المعتبرة.</ref>. | |||
وبذلك يكون النبي الأكرم{{صل}} قد جعل الإمام علي{{ع}} منه بمنزلة [[هارون]] من [[موسى]] في كل الأمور ولم يستثن من ذلك إلا [[النبوة]]. وأما منزلة هارون من موسى فيبينها قوله تعالى: {{نص قرآني|وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}}<ref> سورة طه، الآية ٢٩-٣٢.</ref>. | |||
فإن هذه [[الآية]] تثبت لهارون صفة [[الوزارة]] لموسى{{ع}} وأنه [[الناصر]] والمؤازر له في [[تبليغ الرسالة]] السماوية، وهو ما فوّضه [[النبي الأكرم]]{{صل}} للإمام علي{{ع}} باستثناء [[النبوة]]. | |||
وعليه فإنّ هذا الحديث من الناحية المفهومية يدلّ على [[إمامة]] [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} وخلافته. كما أنه من الناحية السندية حظي بتأييد أكثر [[العلماء]] من [[أهل السنة]]، ولم يشكك فيه سوى [[الآمدي]]<ref>انظر: الإلهيات، ج ٤، ص ٧٩ (الهامش).</ref>، وشكه بالمقارنة إلى الأغلبية الغالبة من أهل السنة لا يؤثر شيئاً. | |||
وروي عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال للإمام علي{{ع}} في حديث آخر: {{نص حديث|يا علي أنت الذي تبين لأمتي ما يختلفون فيه بعدي، وتقوم فيهم مقامي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي، وطاعتي طاعة الله، ومعصيتك معصيتي، ومعصيتي معصية الله عز وجل}}<ref>من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.</ref>. | |||
ففي هذا الحديث يبين النبي الأكرم{{صل}} أن لا فرق بينه وبين [[الإمام علي]]{{ع}} في حل المسائل الخلافية، ولزوم إطاعة [[الناس]] له وللإمام علي، ويصرح بأن [[شخصية الإمام علي]]{{ع}} [[القانونية]] مثل الشخصية القانونية والحقوقية لرسول [[الله]]{{صل}} في هذه الأمور، وبذلك تكون هذه [[الرواية]] [[خير]] جواب لأولئك الذين يرون [[خاتمية النبي]] خاتمية لجميع مسؤولياته ومهامه. | |||
الأمر الآخر أن النبي الأكرم{{صل}} قد أكد على مفهوم [[حديث المنزلة]] مراراً وفي مختلف المواضع من قبيل مستهل [[الدعوة]]، ويوم [[المؤاخاة]]، ويوم إغلاق أبواب المسجد في [[المدينة المنوّرة]]، ويوم فتح [[خيبر]]، وفي واقعة [[تبوك]]<ref>انظر: موسوعة الإمام علي{{ع}}، ج ٢، ص ١٥٢ فما بعد.</ref>. | |||
====حديث الدواة والقلم ([[الوصية]] غير المكتوبة)==== | |||
إن من بين [[الأدلة]] التى يمكن التمسك بها بوصفها دليلاً على [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} إماماً على [[المسلمين]]، [[الحديث ]]المعروف بحديث الدواة والقلم. وذلك ببيان أن النبي الأكرم{{صل}} أراد في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة أن ينصب الإمام علي [[خليفة]] له على المسلمين وأن يوثق ذلك في سند مكتوب، فطالب بإحضار دواة وقلم وقرطاس؛ حيث قال: {{نص حديث|ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً}}<ref>الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠؛ تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٥٠٥؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ١٨٨؛ امتاع الأسماع، ج ١٤، ص ٤٤٩؛ البدأ والتاريخ، ج ٥، ص ٥٩.</ref>. | |||
ولكن حيث أدرك بعضهم ما أراد [[النبي الأكرم]]{{صل}} كتابته، فقد أثار اللغط واتهم [[النبي]] باشتداد [[المرض]] عليه وأنه - والعياذ بالله - يهجر ولا يعي ما يقول، واختلف الحاضرون بين من قال بمقالة الرجل وبين من أصر على الاستجابة لطلب [[الرسول]]؛ فخاف النبي أن تتفرّق [[وحدة]] [[المسلمين]]، وبان على وجهه [[الغضب]] وأمرهم بالخروج من عنده وعدم [[التنازع]] في حضرته. | |||
=====دراسة وتحليل===== | |||
إن القرائن والشواهد الآتية تثبت أن النبي الأكرم{{صل}} كان يروم أن يثبت [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} في [[وصية]] مكتوبة له: | |||
١. يفهم من التعبير بـ «لن تضلوا بعدي» أن مراد النبي تعيين [[خليفة]] وإمام يقوم مقامه بعد رحيله. كما أن النبي الأكرم{{صل}} حيث صدرت منه عبارات مشابهة لهذه العبارة مراراً فيما يتعلق بالوصية لأهل بيته وعترته، من قبیل: [[حديث الثقلين]]، فقد أدرك المخاطبون - وخاصة أولئك الذين يمتلكون [[حاسة]] شم [[سياسية]] قوية - ما كان يرمي إليه الرسول؛ ولذلك سارع من فوره إلى الحيلولة دون [[كتابة]] الرسول لذلك الكتاب، فأثار تلك الضجة المفتعلة في حضرة النبي رغم ما به من [[العلة]] والمرض، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اتهم النبي - والعياذ بالله - بأنه يهذي ويهجر، وقد صرحت المصادر السنية والشيعية بأن من تجرأ على [[رسول الله]] بهذه الكلمات هو [[عمر بن الخطاب]]، حيث قيل: «فقال [[عمر]]: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم [[القرآن]]، [[حسبنا كتاب الله]]»<ref>صحيح البخاري، ج ٥، ص ٢١٤٦؛ وأيضاً: صحيح مسلم، ج ٣، ص ١٢٥٩؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١، ص ٣٣٦؛ الطبقات الكبرى، ج ٢، ص ٢٤٣؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٠٥؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٠. ومن الجدير ذكره أن بعض هذه المصادر قد عمدت إلى حذف اسم عمر - ربما رعاية لحرمته - وهو من مصاديق تحريف التاريخ.</ref>. | |||
إن هذه المقالة لا تنطوي على جرأة من قبل عمر بن الخطاب في نسبة الهجر إلى النبي - والعياذ بالله - فحسب، وهو الذي يقول عنه تعالى: {{نص قرآني|وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}}<ref> سورة النجم، الآية ٣-٤.</ref>. بل ذهب إلى حد اعتبار نفسه فوق [[النبي الأكرم]]؛ إذ يقول: لا حاجة إلى [[وصية]] [[النبي]]، وإن [[القرآن]] يكفينا. وهنا نتساءل: ما هو [[تكليف]] [[المسلمين]]؟ هل عليهم [[اتباع]] أمثال [[عمر]] أم عليهم اتباع تعاليم [[رسول الله]]؟ نترك الإجابة عن هذا [[السؤال]] لأصحاب الضمائر الحية من بني [[البشر]]! | |||
٢. لقد اعترف [[عمر بن الخطاب]] نفسه فيما بعد بأن النبي كان ينوي [[تنصيب الإمام]] علي [[خليفة]] من بعده فمنعته من ذلك، وذلك في حديث له [[ابن عباس]] قال فيه: «إن رسول الله{{صل}} أراد أن يذكره للأمر في مرضه فصددته عنه خوفاً خوفاً من [[الفتنة]]»<ref>ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٧٩.</ref>. | |||
كما روى [[ابن أبي الحديد]] عن عمر بن الخطاب قوله: «يا ابن عباس وأراد رسول الله{{صل}} الأمر له فكان ماذا إذا لم يرد [[الله تعالى]] ذلك؟ إن رسول الله{{صل}} أراد أمرا وأراد [[الله]] غيره» <ref>المصدر أعلاه، ص ٧٨. وهذا الكلام من عمر بن الخطاب ينطوي على اتهام آخر منه لرسول الله، وهو القول بأنه كان يريد أمراً مخالفاً لإرادة الله والعياذ بالله. والإشكال الآخر أن عمر بن الخطاب برد مخالفته لإحضار الدواة والقلم والقرطاس لكتابة وصية النبي للإمام علي بالخلافة، بالخوف من الفتنة! وهنا يرد السؤال الآتي: لماذ لم يقم أبو بكر وعمر بن الخطاب بعد تثبيت أركان السلطة والخلافة والقضاء على المخالفين في الداخل والخارج بتطبيق وصية النبي وإعادة الخلافة والإمامة إلى الإمام علي{{ع}}، ولماذا قام أبو بكر بتنصيب غير الذي أراده رسول الله{{صل}} وهو الإمام علي، وإنما أوصى لشخص آخر لعب الدور الأبرز في إيصاله إلى السلطة في حادثة السقيفة ولماذا لم يوص عمر بن الخطاب العلي{{ع}} بعده وجعل الأمر في شورى تم الترتيب لها كي تؤدي بشكل طبيعي إلى نقل الخلافة إلى عثمان بن عفان؟! سيكون لنا بحث تفصيلي بشأن الشورى.</ref>. | |||
وبطبيعة [[الحال]] فإن عمر بن الخطاب عمد إلى تبرير موقفه في منع [[رسول الله]] من [[كتابة]] وصيته بالقول: «فصددته... خوفا منالفتنة». وفي هذاالتبرير يرى [[عمر بن الخطاب]] نفسه فوق [[النبي الأكرم]]{{صل}} - والعياذ بالله - إذ يتهمه بعدم لحاظ [[مصلحة الإسلام]] والأمة [[الإسلامية]]، أو أنه [[عاجز]] عن إدراكها، وأنه بحاجة إلى توجيه وهداية من عمر بن الخطاب! هل [[النبي]] الذي هو أشرف الكائنات وأعظم [[الأنبياء]] والمسدد بالوحي يعجز عن تشخيص [[مصلحة]] [[الدين]] والمجتمع، ولم يكن يمتلك من [[الإدراك]] والوعي ما يملكه عمر بن الخطاب؟! نترك الإجابة مرة أخرى عن هذا [[السؤال]] إلى أصحاب الضمائر الحية والحرة المنزهة عن [[العصبية]]. | |||
٣. أضف إلى ذلك أن أبا بكر عندما كان على فراش [[الموت]] تنتابه الإغماءات بين الحين والآخر أوصى لعمر بن [[الخطاب]] فكان هو الذي يملي وعثمان يكتب، بل إن عثمان هو الذي أدرج [[اسم]] عمر بن الخطاب في لحظة إغماءة أبي بكر اعتماداً منه على حدسه في ذلك، تقول الوثيقة [[التاريخية]]: «أحضر [[أبو بكر]] عثمان وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهداً وقال: أكتب [[بسم الله الرحمن الرحيم]] هذا ما عهد [[عبد الله]] بن عثمان إلى [[المسلمين]] أما بعد - ثم أغمي عليه - وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، وأفاق أبو بكر...»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٦٥؛ نهاية الأرب، ج ٣، ص ١٢٩.</ref>! ومع ذلك لم يصدر من [[عمر]] ولا غيره [[معارضة]]، ولم يتهمه عمر بغلبة الوجع أو أثقل عليه [[المرض]] أو أنه يهجر! | |||
فالحقيقة إذن هي أن أمثال عمر بن الخطاب كانوا يرون في تطبيق [[وصية]] النبي الأكرم{{صل}} ضرباً لمصالحهم، والدليل على ذلك منع النبي من كتابة وصيته مهما كلف الأمر، بل حتى إذا بلغ الأمر حدّ اتهام النبي في عقله واتزانه الذهنى والعياذ بالله. وهكذا كان مصير هذه [[الوصية]] التي تصب في مصلحة غريم عمر بن الخطاب وهو [[الإمام علي بن أبي طالب]]{{ع}} أن تخنق في مهدها، بل وحتى قبل أن تولد! | |||
٤. القرينة الأخرى أن النبي الأكرم{{صل}} كان يعلم مسبقاً أن بعض [[الصحابة]] لا يطيق أن يتولى [[الإمام علي]]{{ع}} أعباء [[السلطة]] والإمامة، ولذلك أمر وهو على [[فراش المرض]] أن يُسيّر [[جيش]] بقيادة أسامة بن زيد وهو شاب لم يتجاوز الثمان عشرة سنة، رغم أنه لم تكن هناك حاجة ملحة إلى إنفاذ ذلك [[الجيش]]. وإنما أراد [[النبي]] من وراء ذلك إبعاد العناصر المؤثرة في المشهد [[السياسي]] والاجتماعي من أمثال أبي بكر وعمر بن [[الخطاب]] وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص (وغيرهم من العناصر المؤثرة في حادثة [[السقيفة]]). إلا أن هذه الشخصيات امتنعت عن [[امتثال]] أمر [[النبي الأكرم]]{{صل}} بشتى الذرائع والحجج، رغم أن النبي لعن من يتخلف عن [[جيش أسامة]]<ref>انظر: عبد الحسين شرف الدين، المراجعات، المراجعة رقم: ٩٢.</ref>. واضح لو أن [[الصحابة]] قد امتثلوا لأمر النبي في الالتحاق بجيش أسامة، لتمت عملية [[انتقال]] السلطة إلى الإمام علي{{ع}} بعد [[رحيل النبي الأكرم]]{{صل}} بانسيابية. ولكن يبدو أن هؤلاء الأشخاص أدركوا بحاسة شمهم [[السياسية]]، المغزى الذي كان يرمي إليه النبي من وراء [[عقد]] [[اللواء]] لهذا الجيش وإلزامهم بالالتحاق به، وإبعادهم عن المشهد السياسي المقبل، وعندها لن يحصلوا على شيء من السلطة التي كانوا يمنون أنفسهم بها. | |||
والمغزى الآخر الذي أراد النبي التلويح به للصحابة من خلال تأمير [[أسامة بن زيد]] - رغم صغر سنه - على كبار [[القوم]] بمن فيهم المخضرمين من [[قادة]] الجيوش، قطع الطريق عليهم إذا أرادوا [[الاعتراض]] على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} لجميع [[الأمة]] وهو في شرخ الشباب حيث كان في الرابعة والثلاثين من عمره [[الشريف]]. وبذلك يثبت لهم عملياً أن ملاك [[القيادة]] والإمامة هو [[الكفاءة]] الذاتية التي لا صلة لها بالأعمار وصغر السن أو كبره<ref>انظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٨، ص ٥١ - ٦٣ كنز العمال، ج ١٠، ص ٥٧١؛ الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٦٦.</ref>. | |||
==== [[أحاديث]] [[الحجة]]==== | |||
ورد التعريف بالإمام علي{{ع}} في بعض [[الروايات النبوية]] بوصفه [[حجة الله]]، فقد روي أن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال: «نزل علي [[جبرئيل]]{{ع}} صبيحة يوم فرحاً مستبشراً، فقلت: حبيبي مالي أراك فرحاً مستبشراً؟ فقال: يا [[محمد]] وكيف لا أكون كذلك وقد قرّت عيني بما أكرم [[الله]] به أخاك ووصيك وإمام أمتك [[علي بن أبي طالب]]{{ع}} فقلت: وبمَ أكرم الله أخي وإمام أمّتي؟ قال: باهى بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه، وقال: ملائكتي انظروا إلى حجتي في أرضي على عبادي بعد نبيي، فقد عفر خده في [[التراب]] تواضعاً لعظمتي، أشهدكم أنه [[إمام]] خلقي ومولى بريتي»<ref>مناقب الخوارزمي، ص ٣١٩، ش ٣٢٢.</ref>. | |||
وروي عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: «يا على أنت إمام [[المسلمين]]، وأمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وحجة الله بعدي على [[الخلق]] أجمعين»<ref>أمالي الصدوق، ص ٣٧٥؛ بشارة المصطفى ص ٣٥؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٠.</ref>. | |||
وقال في موضع آخر: «إنك لحجة الله على خلقي، وأمينه على سره، وخليفته على عباده»<ref>عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٩٧؛ أمالي الصدوق، ص ١٥٥، ش ١٤٩.</ref>. | |||
إن هذه [[الأحاديث]] تمثل الجواب الواضح والشافي لأولئك الذين يتذرعون بمفهوم [[الخاتمية]] لحصر [[الحجة]] [[الإلهية]] بالنبي الأكرم{{صل}}، وأنكروا لذلك [[إمكان]] أن يكون [[الأئمة]]{{عم}} أيضاً. | |||
==== روايات [[المرجعية العلمية]] والدينية==== | |||
وصف النبي الأكرم{{صل}} في كثير من رواياته [[الإمام]] علياً{{ع}} بوصفه مرجعاً علمياً ودينياً، وأنه نصب في هذا [[المنصب]] من قبل الله ورسوله. | |||
روی [[أنس مالك]] عن النبي الأكرم{{صل}} أنه قال لـ [[أبي ذر الأسلمي]]: {{نص حديث|إن ربِّ العالمين عهد إلى عهداً في على بن أبي طالب أنه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني...}}<ref>حلية الأولياء، ج ١، ص ٦٦؛ تاريخ مدينة دمشق، ج،٤٢، ص ٢٧٠ و٢٩١ و٣٣٠؛ تاریخ بغداد، ج ١٤، ص ٩٩، ش ٧٤٤١؛ مناقب الخوارزمي، ص ٣١١.</ref>. | |||
وروي عن النبي الأكرم{{صل}} في رواية أخرى أنه قال: {{نص حديث|يا علي... إنك السبيل الجنة، وراية الهدى، وعلم الحق، وإمام من آمن بي، وولي من تولاني}}<ref>شرح الأخبار، ج ٢، ص ٢٦٤.</ref>. | |||
وقد صرّح النبي الأكرم{{صل}} في رواية أن [[الإمام علي]] يمثل الفيصل والمرجع الأخير عند [[الاختلاف]]، كما قال لـ [[عبد الرحمن بن سمرة]]: {{نص حديث|يا ابن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن أبي طالب؛ فإنه إمام أمتي، وخليفتي عليهم من بعدي}}<ref>كمال الدين، ص ٢٥٧؛ أمالي الصدوق، ص ٧٨؛ بحار الأنوار، ج ٣٦، ص ٢٦٦.</ref>. | |||
وفي رواية أخرى، أنه قال: {{نص حديث|ألا أدلكم على ما إن تساءلتم عليه لم تهلكوا؟ إن وليكم الله، وإن إمامكم علي بن أبي طالب؛ فناصحوه وصدقوه، فإن جبريل أخبرني بذلك}}<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٩٨؛ أمالي الصدوق، ص ٥٦٤؛ بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ١٠٤.</ref>. | |||
وفي رواية أخرى عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} أنه قال: {{نص حديث|أيها الناس، قد بينت لكم مفزعكم بعدي وإمامكم بعدي ووليكم وهاديكم، وهو أخي علي بن أبي طالب وهو فيكم بمنزلتي فيكم. فقلدوه دينكم وأطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده جميع ما علمني الله من علمه وحكمته فسلوه وتعلموا منه ومن أوصيائه بعده}}<ref>كتاب سليم بن قيس، ص ٢٠٠.</ref>. | |||
وبعد نزول قوله تعالى: {{نص قرآني|إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}}<ref> سورة الرعد، الآية ٧.</ref>، عرف صَلَى النبي الأكرم{{صل}} نفسه بأنه هو المنذر، ثم أشار إلى [[الإمام علي]]{{ع}} وقال: {{نص حديث|أنت الهادي يا على، بك يهتدي المهتدون بعدي}}<ref>تفسير الطبري، ج ٨، ص ١٠٨؛ التفسير الكبير، ج ١٩، ص ١٥؛ الدر المنثور، ج ٤، ص ٦٠٨.</ref>. | |||
وفي قضية [[المعراج]] قال النبي الأكرم{{صل}}: طرقت هذه [[الآية]] سمعي؛ فسألت [[الله]] عن [[الهادي]]؟ فقال: ذلك على بن [[أبي طالب]] غاية المهتدين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين»<ref>تفسير فرات الكوفي، وشواهد التنزيل، تفسير الآية السابعة من سورة الرعد.</ref>. | |||
كما عرف النبي الأكرم{{صل}} علياً{{ع}} بوصفه مبيناً للدين ومرجعاً لحلّ اختلاف [[الأمة الإسلامية]]، ومن ذلك قوله: «يا علي أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي»<ref>من لا يحضره الفقيه، ج ٤، ص ١٧٩.</ref>. يا علي أنت الذي تبين لأمتي ما يختلفون فيه بعدي، وتقوم فيهم مقامي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي، وطاعتي [[طاعة الله]]، ومعصيتك معصيتي، ومعصيتي [[معصية]] الله عز وجل»<ref>كنز العمال، ج ١١، ص ٦١٥؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٣٨٧.</ref>. | |||
وفيما يتعلق بعلم الإمام علي{{ع}}، وردت كثير من [[الروايات]] في مصادر [[الفريقين]]، حيث يقول [[رسول الله]] لعل الله: «أنا مدينة [[العلم]] وعلي بابها»<ref>صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٦٣٧ ؛ مستدرك الحاكم، ج ٣، ص ١٢٧ و١٣٦؛ إحياء علوم الدين، ج ٢، ص ١٩٠؛ أبو سعيد السمعاني الأنساب، ج ١٣، ص ٤٠٤؛ ابن الجوزي، المنتظم، ج ١١، ص ٢٤٣؛ الزركلي، الأعلام، ج ٥، ص ١٧.</ref>. | |||
وفيما يتعلق بعلم [[الإمام علي]]{{ع}} نكتفى بذكر هذه النقطة وهي أن [[علم الإمام]] لم يكن علماً اعتيادياً، بل هو مؤيد من قبل [[الله]] ومن جنس [[الإلهام]]. | |||
ومثل هذا [[العلم]] لا يتطرق إليه [[الخطأ]]، ولا يكون هناك شك في الإجابة عن المسائل. وحيث تقدم البحث عن علم الإمام{{ع}} والإلهام في [[الشبهة]] السابعة من هذا الفصل فإننا نحيل القارئ [[الكريم]] إلى ذلك العنوان. وأما هنا فنشير إلى أن [[المرجعية العلمية]] والدينية للإمام على{{ع}} وتفوقه في هذا المجال على [[الخلفاء الثلاثة]] كان من الوضوح والبداهة بحيث نقل عن [[الخليفة الثاني]] مراراً أنه قال معترفاً: لولا على هلك [[عمر]]»<ref>سنن أبي داوود، ج ٤، ص ١١٤؛ كنز العمال، ج ٣، ص ٩٥. ولمزيد من التوضيح انظر: العلامة الطهراني امام شناسي، ج ١١.</ref>. | |||
وفي موضع آخر عرّف عمر [[الإمام]] علياً{{ع}} بوصفه مرجعاً لحل [[الخلافات]]، إذ يقول: «أمرنا إذا اختلفنا في شيء أن نحكم عليا»<ref>مناقب الخوارزمي، ج ١، ص ٢٥٨.</ref>. | |||
وروي في مصادر [[أهل السنة]] المعتبرة عن [[النبي الأكرم]]{{صل}} انه قال: «علي أقضاكم، علي أفقهكم، وأعلم أمتي بكتاب الله، وعلي مع [[الحق]] والحق مع علي حيثما دار، وأنا مدينة العلم وعلي بابها»<ref>فرائد السمطين، ج ١، ص ٩٧، ب،١٨؛ مناقب الخوارزمي، ص ٤٠.</ref>. | |||
سجل [[التاريخ]] ورصد كثيراً من الأمثلة على [[خطأ]] الخلفاء الثلاثة في المسائل القضائية، ومبادرة الإمام علي{{ع}} إلى [[إصلاح]] هذه [[الأخطاء]]، وإن [[استقراء]] تلك الأمثلة يحتاج إلى تأليف كتاب مستق<ref>انظر: العلامة الحسيني الطهراني، امام شناسي، ج ١١، ص ١٧٠ و١٧٨ و٢٢٩ وغيرها من الصفحات.</ref>. | |||
وقد وصف النبي الأكرم{{صل}} الإمام علياً{{ع}} في روايتين مختلفتين قائلاً: «أنت [[يعسوب الدين]]... أنت يعسوب المؤمنين»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.</ref>. | |||
واليعسوب لغة يعني: رئيس أو [[ملكة]] [[النحل]]. وقال [[ابن أبي الحديد]] [[المعتزلي]] في شرح هذه [[الرواية]]: «كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم أو جعل [[الدين]] يتبعه ويقفو أثره حيث سلك كما يتبع النحل [[اليعسوب]]»<ref>ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٩، ص ٢٢٥؛ تاريخ الإسلام، ج ٤٦،ص٣٩١.</ref>. | |||
روايات [[الإمام علي]]{{ع}}: يُعدُّ الإمام علي{{ع}} بالنسبة إلى [[الشيعة]] [[حجة]] وإماماً إلهياً، وقوله وفعله وتقرير معتبر عندهم ودليل يُستدل به. كما أنه مقبول من قبل [[أهل السنة]] بوصفه - في الحد الأدنى - أحد كبار [[الصحابة]] الذين يستدلون بأقوالهم وأحاديثهم. | |||
وعليه لو رويت عن الإمام علي{{ع}} رواية أو روايات تدل على أصل تنصيبه، كانت هذه [[الروية]] المأثورة عنه [[حجّة]] ومعتبرة ويجب الأخذ بها. ولحسن الحظ هناك روايات صريحة وواضحة مروية عن الإمام علي{{ع}} بهذا الشأن، وسوف نأتي على ذكرها إن شاء [[الله تعالى]] عند التعرض إلى [[شبهة]] عدم تمسك الإمام علي بأصل [[التنصيب]]. وسنكتفى هنا بذكر روايتين يشكو فيهما الإمام علي من [[المسلمين]] في صدر [[الإسلام]] بسبب عدم معرفتهم بمكانته قائلاً: | |||
«قَلِيلٌ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَفَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِ [[الله]]»<ref>الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج ٨، ص ٥٩.</ref> | |||
كما صرح{{ع}} في موضع آخر - في إطار [[اختيار]] [[عثمان بن عفان]] بوصفه [[خليفة]] ثالثاً، وإبعاد [[الإمام]] عن حقه - بأن [[حق]] [[الحاكمية]] على المسلمين من حقوقه الحصرية، إذ يقول: «فنحن [[بيت النبوة]] ومعدن [[الحكمة]]، وأمان أهل [[الأرض]]، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نُعطه نأخذه، وإن نُمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى»<ref>الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٧٤.</ref>. | |||
روايات سيدي شباب [[أهل الجنة]] ينظر أهل السنة إلى [[الإمام الحسن]]{{ع}} والإمام [[الحسين]]{{ع}} نظرة احترام وتبجيل لما صح عندهم من [[الروايات]] الكثيرة التى يروونها عن [[رسول الله]] في فضلهما، بل ربما فضلوهما على الإمام علي{{ع}}، ذلك أنهم إذا أرادوا وصف على{{ع}} قالوا: والد سيدي شباب أهل الجنة. | |||
وعلى هذا الأساس يجب على أهل السنة أن يأخذوا بجميع الروايات المروية عن الإمام الحسن{{ع}} والإمام الحسين{{ع}} بوصفهما راويين تقتين وبوصفهما سبطي [[رسول الله]]{{صل}}. وإلا فإن أخذهم ببعض رواياتهما ونبذ رواياتها الأخرى سيكون من قبيل [[الإيمان]] ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر. | |||
بعد هذه المقدمة نقول: إننا عندما نطالع [[سيرة]] هذين الإمامين الهمامين ندرك بوضوح أنهما يذهبان إلى القول بأن [[الإمامة]] تكون بالتنصيب [[الإلهي]]، ومن ذلك [[تنصيب الإمام]] علی{{ع}}. وفيما يأتي نشير إلى بعض ما روي عنهما في هذا الشأن: أشار [[الإمام الحسن]]{{ع}} في [[خطبة]] له إلى [[السنة الإلهية]] القائمة على [[تعيين الخليفة]] والإمام بعد [[النبي]]، وعرف مصداق ذلك في [[النبي الأكرم]]{{صل}} وأهل بيته{{عم}} قائلاً: «إن [[الله]] لم يبعث نبياً إلا اختار له نقيباً ورَهْطاً وبيتاً، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لا ينتقص من حقنا [[أهل البيت]] أحد إلا نقصه الله من عَمَله مثله، ولا تكون علينا [[دولة]] إلا وتكون لنا [[العاقبة]]»<ref>المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.</ref>. | |||
ويروى أيضاً أن الإمام الحسن الله قد اعتلى [[المنبر]] بعد [[شهادة]] [[الإمام]] علی{{ع}} وصرّح بأن إمامته كانت بتنصيب من [[رسول الله]]{{صل}}، حيث قال: «... قد نصبه رسول الله»<ref>نقلاً عن: رونالد سن، عقيدة الشيعة، ص ٨٤.</ref>. | |||
وقد أشار الإمام الحسن{{ع}} إلى الأمانتين ([[الثقلين]]) اللتين استودعهما الله عند [[المسلمين]] وقال إنهما تعنيان [[القرآن]] وأهل [[البيت]]، وأكد أن طاعتهم قد فرضت على المسلمين في [[القرآن الكريم]] وسنة النبي الأكرم{{صل}}، إذ يقول: «نحن حزب الله المفلحون، وَعِتْرَة رسول الله{{صل}} الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خَلَّفهما رسول الله{{صل}} والثاني [[كتاب الله]] فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه [[الباطل]] من بين يديه، ولا من خَلْفِه والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة»<ref>المسعودي، مروج الذهب، ج ٣، ص ١١.</ref>. | |||
وقال{{ع}} في خطبة له فى [[مسجد الكوفة]]: «يا [[أهل الكوفة]]! اتقوا الله فينا فإنا،أمراؤكم وإنا أضيافكم ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم: {{نص قرآني|إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}}<ref> سورة الأحزاب، الآية ٣٣.</ref>.<ref>سير أعلام النبلاء، ج ٤، ص ٣٩٤؛ شواهد التنزيل، ج ٢، ص ٣١.</ref> | |||
وحيث كان يعلم أسباب وجود [[النفاق]] في معسكره فقد اضطر إلى [[الصلح]] مع [[معاوية بن أبي سفيان]] ثم قال: «أيها [[الناس]]، إن [[معاوية]] زعم أني رأيته للخلافة أهلاً ولم أرَ نفسي لها أهلاً، وكذب معاوية. أنا أولى الناس بالناس في [[كتاب الله]] وعلى [[لسان]] [[نبي الله]]»<ref>كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.</ref>. | |||
وقد دعا [[الإمام الحسين]]{{ع}} كبار قومه في منى وطلب منهم [[الشهادة]] بأن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد [[نصب الإمام]] عليا{{ع}} في مقام [[الولاية]] بغدير خم، قائلاً: «أنشدكم [[الله]]، أتعلمون أن [[رسول الله]]{{صل}} نصبه يوم غدیر خم فنادی له بالولاية»<ref>كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص ٤٥٩.</ref>. | |||
وروي عنه عنه أنه وقف خطيباً في [[كربلاء]]، فقال: | |||
«أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا [[الحق]] لأهله يكن أرضى الله، ونحن [[أهل البيت]] أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم»<ref>ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٤، ص ٤٧ ؛ تاريخ الطبري، ج ٥، ص ٤٠٢؛ وقعة الطف، ص ١٧٠.</ref> | |||
==[[شبهة]] [[التنصيب]] عنصر تفرقة== | |||
إن من بين [[الأدلة]] والشبهات التي يطرحها [[أهل السنة]] على إنكار أصل التنصيب، هو ما ينطوى عليه التنصيب من الأضرار والآفات بزعمهم بمعنى أنه لو كان هناك [[نص]] من النبي الأكرم{{صل}} بشأن [[الإمامة]] والحكم فإن هذا [[النص]] سيؤدي إلى استقطاب جماعة من [[المسلمين]] معه، وجماعة أخرى من المسلمين ضده، ولا يخفى ما في ذلك من الخلاف والفرقة وشق [[وحدة]] [[المجتمع الإسلامي]]، وهذا لا ينسجم مع مصالح [[الإسلام]] والمسلمين. | |||
وقد عمد [[سيف الدين الآمدي]] إلى بيان كيفية لزوم الفرقة والضرر الذي يتسبب به التنصيب على النحو الآتي: | |||
#بعد [[كراهة]] بعض من الناس للإمام والخليفة المنصوب، يتعرض [[المجتمع]] للفتنة والاختلاف، وهذا إضرار بالآخرين. | |||
#إن [[الإمام]] المنصوب هو واحد من الناس، وإن [[رئاسة]] فرد على الآخرين من أمثاله هو من التحكّم والظلم، ولا يخفى ما في ذلك من الإضرار بالغير. | |||
#إن الإمام المنصوب لا يخلو أمره، فهو إما أن يكون معصوماً أو غير [[معصوم]]، والأول ممتنع طبقاً لمتبنيات [[أهل السنة]]، وفي مورد غير [[المعصوم]] يحتمل [[كفر]] [[الإمام]] وفسقه، فإن لم يتم عزله في مثل هذه الحالة فإن [[ضرر]] كفره وفسقه سيطال [[المجتمع]]، وإن عزل لا يخفى ما في عزله من [[الفتنة]] والاختلاف أيضاً<ref>انظر: الآمدي، أبكار الأفكار، ج ٣، ص ٤٢٠ - ٤٢١.</ref>. | |||
وقد عمد بعض علماء أهل السنة إلى المقاربة والموازنة بين ضرر [[التنصيب]] من جهة، وضرر عدم التنصيب من جهة أخرى؛ ليصل إلى القول بأن [[الضرر]] المترتب على التنصيب أكبر من الضرر المترتب على عدم التنصيب، وبذلك مال إلى القول بترجيح عدم التنصيب<ref>شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٤.</ref>. | |||
===مناقشة وتحليل=== | |||
لقد عرضنا في الفصل الأول من هذا الكتاب إلى [[إثبات]] نظرية التنصيب بالأدلة والشواهد الوافية والكافية، وهو أمرٌ يثبت [[ضعف]] هذه [[الشبهة]] من [[الأصل]]. وفيما يأتي نشير إلى نقاط أخرى في ردّ هذه الشبهة: | |||
==== لزوم التبعية للحكم [[الشرعي]]==== | |||
قبل الدخول في تفاصيل تحليل هذا المدعى ونقده لابد من التذكير بأن [[المسلم]] الحقيقى يجب أن يكون ملتزماً ومنقاداً وممتثلاً لتكاليفه [[الدينية]] والشرعية، وأن لا يكون بصدد الموازنة بين أداء تكاليفه وترجيح مصالحه. | |||
وعلى هذا الأساس إذا ثبت لنا بالأدلة الشرعية والدينية أن [[النبي الأكرم]]{{صل}} قد نصب للخلافة والإمامة شخصاً مثل على بن [[أبي طالب]]{{ع}}، وجب علينا [[الالتزام]] بذلك. وعليه فإن ادعاء أهل السنة بأن التنصيب يؤدى إلى الضرر والإضرار بالآخرين، مضافاً إلى عدم واقعيته، خارج في حد ذاته عن دائرة أهل السنة، بمعنى أن السني الحقيقي هو الذي يلتزم بكل ما يقوله [[رسول الله]]{{صل}}. | |||
====التنصيب الخاص أفضل خيار==== | |||
إن ما ادعي من أن التعريف بالخليفة وتنصيبه على المجتمع يؤدي إلى [[الاختلاف]]، مجرد ادعاء لا يلازم التنصيب. بعبارة أخرى: يجب [[النظر]] في من يتولى عملية التنصيب (الناصب)، والشخص الذي يتم تتصيبه (المنصوب). فإن كان الناصب آخذاً بنظر [[الاعتبار]] جميع الخيارات والملاكات اللازمة لمنصب [[الإمامة]] والخلافة، وكان هذا الناصب عالماً وخبيراً ومخلصاً وحريصاً على المجتمع، وكان المجتمع بدوره مدركاً لهذه الأمور ومؤمناً بحسن [[اختيار]] الناصب وحكمته، فإن تنصيبه للإمام والخليفة سيحظى بترحيب عامة [[الناس]]. وحيث أن الفرض يقوم على أنه يحيط بجميع أبعاد مسألة [[القيادة]] وحاجة [[المجتمع]]، ولا يلاحظ إلا [[مصلحة]] المجتمع والدين، فإن مثل هذا [[التنصيب]] سيكون بالضرورة نافعاً للمجتمع، بل يجب تطبيقه على أرض الواقع. | |||
إذن أصل التنصيب لا يشتمل على [[ضرر]] يطال المجتمع، بل على العكس من ذلك يمكن القول على الفرض المتقدّم (الشخصية [[الجامعة]] للناصب والمنصوب): تكون مصلحة المجتمع في التمسك بهذا التنصيب. | |||
ثم لو أن شخص الناصب - بدلاً من لحاظ مصالح المجتمع - مال إلى تغليب مصلحته الشخصية ومصالح أسرته وقبيلته، فإن الشخص الذي سيتم تنصيبه لن يكون هو الخيار الأمثل. ففي مثل هذا الفرض هناك [[إمكان]] [[الاختلاف]] والفرقة والنقاش، ولو تم إجبار الناس وإكراهههم على القبول بهذا التنصيب، أو جرى في غيابهم، فإن مثل هذا الأمر سيؤدي إلى الإضرار في حقوق المواطنين بل وتشويه [[الدين]] نفسه. | |||
بهذه المقدمة نتوجه بالسؤال إلى [[أهل السنة]] قائلين: لو اختار [[النبي الأكرم]]{{صل}} شخصاً بعينه لمنصب [[الإمامة]] والخلافة (وهو ما حصل بالفعل)، فهل سيلاحظ في ذلك [[اختيار]] الفرد والجامع والكفوء والمتصف بأفضل [[الصفات]] والشروط المناسبة؟ | |||
أم أنه بدلاً من ذلك - والعياذ بالله - سيلاحظ المصالح الفردية والقبلية؟ | |||
إن جواب كل [[مسلم]] عن هذا [[السؤال]] سيتم عبر اختيار الشق الأول. | |||
وعليه هل سيؤدي اختيار هذا الشخص الذي هو وحده [[الصالح]] لإدارة وقيادة المجتمع إلى الإضرار بالمجتمع، أم أن المجتمع سيرى فيه الخيار الأفضل، لعلمه بحرص [[النبي]] وحكمته في هذا الخيار، ويتصدى للدفاع عنه بكل ما أوتي من [[قوة]]. | |||
نعم قد يخرج علينا بعض الأشخاص الذين يخالفون شخص المنصوب، ويسعون إلى تشويه سمعته واغتيال شخصيته من خلال التذرّع بمختلف [[الأدلة]] الواهية، كما حصل ذلك مع [[الإمام علي]]{{ع}}، حيث قيل: إنه حديث السن ا، ولا خبرة له بالقيادة ولا يصلح لها، أو أنه شخص به [[دعابة]]، أو أن قريشاً لن ترضى به (وقد أشرنا إلى هذه الذرائع في الصفحات السابقة). في مثل هذه الحالة قد يؤدي عزل الشخص المنصوب إلى تسنم غير الصالحين سدة [[حكم]] [[المجتمع]]، أو يؤدي ذلك إلى [[ظهور]] [[النزاع]] والاختلاف في المجتمع. إلا أن هذه [[الآفة]] لا تنشأ بسبب أصل [[التنصيب]]، وإنما تنشأ من جهة التآمر والتخطيط من قبل أصحاب المصالح الشخصية الضيقة. | |||
وقد صرّح بهذه الإجابة - تنصيب الشخص الأفضل، واقتران عدم من أمثال [[الشيخ]] تنصيبه بلوازم سلبية من قبيل التشتت والاختلاف - فلاسفة الرئيس [[ابن سينا]]، حيث قال بعد الإشارة إلى خيار التنصيب والانتخاب: «[[الاستخلاف]] بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف»<ref>ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٥١.</ref>. | |||
==== [[إمكان]] [[الخطأ]] في [[الانتخاب]]==== | |||
اتضح أن الشخص الناصب إذا كان فرداً جامعاً وعالماً بجمیع الأمور وحريصاً ومؤثراً على المستوى [[الاجتماعي]]، فإن [[الناس]] سوف ينتفعون بالشخص الذي ينصبه [[خليفة]] وإماماً عليهم. في حين أن [[اختيار]] [[القائد]] من قبل الناس مباشرة أو الجماعات أو [[الشورى]]، ينطوي على احتمال أن يخطئوا في اختيارهم لمختلف الأسباب عمداً أو سهواً، ولا يخفى ما في اختيار الناس للشخص غير الكفوء من الأضرار والمخاطر الجسيمة على مستوى [[النزاعات السياسية]] والاجتماعية والاقتصادية، والأهم من ذلك الجانب الديني والقيمي. | |||
بعبارة أخرى: لو أجرينا مقارنة بين اختيار الناس والنصب الخاص (الشخصية [[الجامعة]] للفرد الناصب والمنصوب)، سندرك أن أرضية الوقوع في [[الأخطاء]] [[السياسية]] والاجتماعية فيما يتعلق بالنسبة إلى الشخص المنتخب من قبل الناس أكثر بكثير من الفرد الذي ينصبه الفرد الأكمل ([[النبي]]) ؛ لأن كل قوم أو [[قبيلة]] تميل إلى [[تقليد]] فرد منها، مضافاً إلى أن ملاكات تحديد الفرد [[الأصلح]] للقيادة والإمامة هي الأخرى عرضة للخلافات والنزاعات، في حين لا وجود لهذه المحاذير فيما يتعلق بالتنصيب الخاص؛ إذ الفرض أن الجميع [[مؤمن]] ومعتقد بشخصية الفرد الناصب، وإن الجميع سيذعن لاختياره. | |||
====صفح علي{{ع}} محور المحافظة على [[وحدة الأمة]]==== | |||
إن [[الاختلاف]] في أصل التنصيب أقل منها في الانتخاب الديمقراطي، وربما خطر على [[الذهن]] تساؤلاً مفاده: أن اختيار [[الخليفة الأول]] بعد رحيل [[النبي الأعظم]]{{صل}} لم يكن بتنصيب منه، وإنما تم ذلك عبر [[شورى]] [[السقيفة]]، ومع ذلك لم يحدث أي خلاف أو نزاع يهدّد [[المجتمع الإسلامي]] وبيضة [[الإسلام]]. | |||
في الجواب عن هذه [[الشبهة]] يجب القول: إن الخلاف قد احتدم منذ اللحظة الأولى من تشكيل [[شورى]] [[السقيفة]]، حيث كان [[الأنصار]] يريدون [[الخليفة]] منهم، وفي المقابل أصر المهاجرون ([[أبو بكر]] وعمر) على أن يكون الخليفة منهم، ثم صار بعضهم إلى القول أن يكون لكل فصيل أميره وخليفته، وبعد [[الأدلة]] التي ساقها أبو بكر بادر بعض الأنصار إلى مبايعته، في حين ذهب آخرون منهم إلى الالتحاق بشيعة [[الإمام علي]]{{ع}}، وطالبوا بخلافته. وعلاوة على الأنصار ذهب جماعة من [[الصحابة]] إلى [[البقاء]] في صفّ على{{ع}} من أمثال: [[ابن عباس]] والمقداد وسلمان. | |||
وفي هذا الخضم كان هناك احتمال أن يؤدي هذا [[الاختلاف]] إلى [[حرب]] طاحنة داخل المجتمع الإسلامي بين أبي بكر وأنصاره من جهة، وبين الإمام علي{{ع}} بوصفه منصباً للإمامة من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} وشيعته من جهة أخرى. ولكن الإمام علي{{ع}} سحب البساط من تحت اقدام [[المنافقين]] والأعداء الخارجيين، حفاظاً على [[الوحدة]] [[الإسلامية]]، فغض الطرف عن هضم حقه، وقدم [[مصلحة]] [[المسلمين]] العامة على مصلحته الخاصة. | |||
ولذلك حالت [[حكمة]] [[أمير المؤمنين]]{{ع}} دون أن يتعرض [[الخلفاء الثلاثة]] طوال ربع قرن من حكمهم لأي حرب داخلية، فشكل الإمام علي بموقفه هذا صمّام [[أمان]] حال دون اندلاع [[الحروب]] الداخلية. وعلاوة على ذلك فإن [[الإمام]] لم يتنازل عن حقه فحسب، بل بادر في بعض المواطن حيث كان [[الخطر]] محدقاً بالإسلام إلى مساندة [[الخلفاء]] لتعزيز جبهة الإسلام ورفد المجتمع الإسلامي والحفاظ على وحدته وتماسكه. | |||
====جواب نقضي (تنصيب [[الخليفة الأول]] والثاني)==== | |||
تذرّع [[أهل السنة]] بالآفات والأضرار والمحاذير المترتبة على تنصيب النبي الأكرم{{صل}} للخليفة بعده، لإثبات عدم حصول [[التنصيب]]، والقول بمشروعية [[خلافة]] الخليفة الأول بانتخاب [[الناس]]. بيد أن هذا المبنى لم يتم تطبيقه بعد ذلك، حيث نقض من قبل الخليفة الأول والثاني، فقد عمد أبو بكر إلى تنصيب [[عمر بن الخطاب]]، كما قام [[عمر]] بتشكيل شورى من ستة أشخاص ووضع عليها شروطاً تؤدي تلقائياً إلى [[اختيار]] [[عثمان بن عفان]]. | |||
فقد تذرّع أهل السنة بالمحاذير التي صوروها للتنصيب من أجل إنكار تنصيب النبي الأكرم{{صل}}، وهنا عليهم الإجابة عن هذا [[السؤال]]: لماذا لم يواصل [[الخليفة الأول]] والخليفة الثاني [[سيرة رسول الله]]{{صل}} في هذا الشأن؟ ولماذا أصراً على تنصيب من يخلفهما رغم الآفات والمحاذير المترتبة على [[التنصيب]] طبقاً لمنهج [[أهل السنة]]؟ | |||
ليس من السهل على أهل السنة الإجابة عن هذه الأسئلة، إلا إذا التزموا بأن الخليفة الأول والثاني كانا - والعياذ بالله - أقدر من [[رسول الله]]{{صل}} على تحديد من هو الأجدر والأصلح لقيادة [[الأمة]]، وجاز لهما لذلك ما لم يجز لرسول [[الله]]{{صل}}. | |||
ولكن لا يبدو أن [[السنة]] يلتزمون بذلك، إذ ليس فيهم من يعتبر [[الخلفاء]] أفضل من رسول الله{{صل}}، مضافاً إلى ذلك يستفاد منه أن أصل التنصيب لا يستوجب [[الضرر]] والخلاف في حد ذاته. في حين أنهم اعتبروا أول الأمر أن [[مطلق]] التنصيب يساوق الضرر. | |||
====جواب [[الآمدي]]==== | |||
يتضح مما تقدّم [[ضعف]] وفساد الفرضيات الثلاثة التي ساقها سيف [[الدين]] الآمدي. | |||
أما الفرض الأول [[القائم]] على أن [[كراهة]] البعض للإمام المنصوب سوف تؤدي إلى حدوث [[الفتنة]] في [[المجتمع]]. | |||
وأما الفرض الثاني القائل بأن [[تنصيب الإمام]] والخليفة على [[الناس]] الذين هم مثله، تحكّم وتعسف، فيجب القول فيه: إن افتراض تنصيب الإمام من قبل [[النبي]]{{صل}} يعود في واقع الأمر إلى تنصيب الله وهو [[خالق]] الناس، ويمكن للخالق أن يعيّن حاكماً أو يفرض قانوناً على مخلوقاته، وهذا يعود إلى [[التوحيد في الحاكمية]] والتشريع، وليس هناك أي خدشة فيه. وأما على الفرضية الأخرى القائلة باختيار [[الحاكم]] من طريق [[البيعة]]، فيجب القول: | |||
أولاً: إن اتفاق [[الأكثرية]] على حاكمية شخص واحد لا يكتب له التحقق حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية، بل لا يشارك في الانتخابات إلا ما يقرب من نصف المجتمع الذي تتوفر فيه الشرائط، وعلى هذا النصف تتوزع النسبة المئوية من الآراء، ومن ثَمَّ لا يحصل الفائز في الانتخابات إلا على أقل من نصف الآراء؛ فكيف يمكن لهذا الحاكم أن يحكم أكثرية الناس أو جميعهم؟ ألا يكون في ذلك تحكم وتعسف؟! | |||
وثانياً: على فرض حصول المرشح على أكثرية الآراء، فما هو [[الدليل]] يبيح له [[الحكم]] على [[الأقلية]] التي لم تنتخبه؟ | |||
وفيما يتعلق بالفرضية الثالثة التي ساقها [[الآمدي]]، فيجب القول: إن [[الشيعة]] يذهبون إلى القول بعصمة [[الإمام]]، ويثبتون ذلك بالأدلة القطعية على ما سيأتي بيانه. وأما بناء على فرض عدم [[عصمة الإمام]]، فيجب القول: إن هذا الإشكال من قبل الآمدي يرتد على [[أهل السنة]] أيضاً، حيث لا يرون اشتراط [[العصمة]] بالنسبة إلى [[الخليفة]] والإمام، ولو ألقينا نظرة على [[تاريخ الخلفاء]] فسوف ندرك حجم [[البدع]] والانحرافات في [[الدين]] بسبب عدم عصمتهم؛ وقد أشار [[الإمام علي]]{{ع}} إلى بعض هذه البدع والانحرافات. | |||
==[[شبهة]] عدم اشتهار [[التنصيب]]== | |||
إن من [[الشبهات]] القديمة والمعروفة بين أهل السنة قولهم: إنه لو كان هناك حديث على التنصيب من قبل [[النبي الأكرم]]{{صل}} للإمام علي{{ع}} بالإمامة، لكان ذلك [[النصّ]] معروفاً لدى [[المسلمين]] في صدر [[الإسلام]] ومشتهراً بينهم، ولنقلوه إلى الأجيال اللاحقة، في حين لا وجود لمثل هذا [[النص]] والشهرة، أو ما يعبّر عنه بين القدماء بـ «[[النص الجلي]]»؛ فيستنتج من ذلك عدم وجود مثل هذا النص. | |||
ويضيف مقرّرو هذه [[الشبهة]] لتأييد عدم وجود النص الجلي: أن افتراض وجود مثل هذا النص يستلزم [[كفر]] منكره، وسيؤدي تبعاً لذلك [[تكفير]] جميع أصحاب النبي الأكرم{{صل}}<ref>انظر: شرح الأصول الخمسة، ص ٧٦٢؛ عبد القادر البغدادي، كتاب أصول الدين، ١٤٨؛ سيف الدين الآمدي، غاية المرام في علم الكلام، ص ٣١٩؛ الجويني، كتاب الإرشاد، ص ٣٥٤ التفتازاني شرح المقاصد، ج ٣، ص ٤٩١؛ شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٦.</ref>. | |||
===مناقشة وتحليل=== | |||
في معرض تحليل هذه الشبهة يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية: | |||
====[[تأويل]] النص من قبل بعض [[الصحابة]]==== | |||
لو التزمنا بصحة هذا الادعاء، وقلنا بأنه لو ورد عن النبي الأكرم{{صل}} [[نص]] على [[إمامة الإمام علي]]{{ع}} بشكل متكرر؛ لعلم. يجب القول إن الشيعة يدعون علم الصحابة بأصل التنصيب ووجود هذه النصوص ولا ينكرونها أبداً، ولكنهم يقومون بتأويلها، وقد تقدم تفصيل هذه التأويلات وتحليلها ونقدها فلا نعيد. | |||
إذن هذا النص بالتنصيب موجود، وقد بلغت [[معرفة]] الصحابة له حدّ الاشتهار، ولكن أهل السنة عمدوا إلى تأويله. | |||
====[[إمكان]] الاختفاء==== | |||
على الرغم من وجود النص على [[إمامة]] الإمام{{ع}} من قبل النبي الأكرم{{صل}}، يحتمل أن يكون هذا [[النص]] قد خفي على أكثر [[المسلمين]] في صدر [[الإسلام]]، وليس هذا بالأمر [[المحال]] ؛ إذ له نظائر، كما هو [[الحال]] بالنسبة إلى كيفية [[وضوء]] [[النبي الأكرم]]{{صل}} وبعض [[الأحكام الفقهية]] الأخرى التي اختلف فيها [[السنة]] والشيعة، فكان لكل منهما رأيه الخاص، أو [[الاختلاف]] فيما بين [[أهل السنة]] أنفسهم عندما نطالع [[الكتب]] [[الفقهية]] للفقهاء الأربعة. | |||
كما يدعم رأينا هذا توجه [[الخليفة الأول]] ومن تلاه من [[الخلفاء]] الذين منعوا من تدوين [[الحديث النبوي]]، فقد صار الخليفة الأول إلى منع رواية [[أحاديث]] النبي الأكرم{{صل}} لمختلف الأسباب والحجج، وكان شعارهم الأهم «[[حسبنا كتاب الله]]»، في حين أن هذا الكتاب نفسه قد فوّض للنبي أمر شرح [[الدين]] وبيانه للناس، إذ يقول تعالى: {{نص قرآني|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}}<ref> سورة النحل، الآية ٤٤.</ref>. | |||
لقد أمر [[الخليفة الثاني]] بجمع المكتوب من أحاديث النبي الأكرم{{صل}} وحرقه، وقد بلغ تشدّده في هذا الأمر حداً حبس معه بعض [[الرواة]] من أمثال [[عبد الله بن مسعود]] و[[أبي الدرداء]] و[[أبي مسعود الأنصاري]]<ref>انظر: شمس الدين الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج ١، ص ٢ - ٧؛ المتقي الهندي، منتخب الكنز (المدرج في حاشية مسند أحمد، ج ٤، ص ٦٤).</ref>. | |||
وقد استمر هذا النهج على وتيرة أشد في المراحل اللاحقة، فها هو [[معاوية بن أبي سفيان]] يكتب إلى عامله بإهدار دم كل من يروي [[فضيلة]] في [[علي بن أبي طالب]] وأهل [[البيت]]<ref>انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ١٥ - ١٦.</ref>. | |||
وعليه مع أخذ هذه [[الحقائق]] بنظر [[الاعتبار]]، هل يمكن لنا أن نتوقع شیوع وانتشار روايات [[الإمامة]] والخلافة في مصادر أهل السنة؟ | |||
إذن خفاء أمر على أكثر [[الناس]] وعدم شيوعه بينهم لا يدل على عدم وجوده من الناحية [[المنطقية]]. | |||
وبالعودة إلى [[التاريخ]] يتعزز هذا الاحتمال ويظهر ذلك من خلال تذكير [[الإمام علي]]{{ع}} بعض [[الأنصار]] بعد حادثة [[السقيفة]]، حيث أعاد على بشير بن سعد نصوص النبي الأكرم{{صل}} في إمامته وخلافته، وطالبهم بمبايعته؛ فقال بشير في جواب [[الإمام]]: لو كنت ذكرتنا بهذه النصوص قبل بيعتنا لأبي بكر لما عدوناك، ولكن الأمر قد مضى<ref>انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ١١ - ١٢.</ref>. | |||
==== وجود الدوافع [[السياسية]] في مسألة [[الإمامة]]==== | |||
ذكرنا أن هناك اختلافاً بين [[المسلمين]] حتى في المسائل العبادية صلى [[الله]] والتعبدية، من قبيل: كيفية [[وضوء]] [[النبي الأكرم]]{{صل}}، في حين أن وضوء [[النبي]] كان يتم بشكل يومي وعلى مرأى ومسمع من جميع المسلمين. وعليه يجب أن نضيف هنا إلى احتمال [[الخفاء]] أن المسألة المتنازع عليها إذا كانت من المسائل السياسية والدنيوية وكانت تتصل بالمصالح السياسية والاجتماعية الجوهري والحيوية، بل والقبلية أو المناطقية، فإن الدوافع إلى إخفائها والتحفظ عليها ستكون أشدّ وأقوى. | |||
واضح أن مسألة [[الخلافة]] والسلطة وما هي المنطقة أو العشيرة التي ينتمي إليها [[الخليفة]]، ينطوي على ما لا يحصى من المصالح والمنافع لهذا الطيف الخاص من [[الناس]]، ولذلك يكون احتمال إنكار [[النص]] أو تأويله لمصلحة فئة دون فئة أخرى أشد. | |||
فضلاً عن أنه بعد سيطرة [[الحكومة]] الفاقدة لدعامة شرعية وتدعي عدم وجود [[نص]] على أحد أو تنصيب لأحد، فإن أكثر [[الرواة]] لن يتمكنوا - بسبب خوفهم من بطش الحكومة القائمة - من بيان [[الحقائق]] ونقلها. من هنا يكون لاختفاء النص كثير من [[الدواعي]] والدوافع. | |||
====تصريح [[الإمام علي]]{{ع}} وبعض [[الصحابة]] بوجود النص==== | |||
الأمر الآخر هو أن [[أهل السنة]] حيث يؤمنون بعدالة جميع الصحابة كيف يتعاملون مع الإمام علي{{ع}} وبعض الصحابة الآخرين، من أمثال: [[أبي ذر الغفاري]] وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وأبي أيوب [[الأنصاري]] وعمار بن ياسر وخزيمة بن [[ثابت]] وأبي بن كعب وعثمان بن حنيف وغيرهم، وقد صدر عنهم التأكيد مراراً وتكراراً بوجود النص على [[التنصيب]] والإمامة؟ وقد تقدم ذكر كثير من [[الروايات]] عن النبي الأكرم{{صل}} والإمام علي{{ع}} فى أنه معيار [[الحق]] فيما يتعلق بالنص على إمامته. وسنأتي على ذكر نصوص الصحابة على أصل التنصيب في الصفحات القادمة إن شاء الله وتعالى. | |||
على أهل السنة أن يحسموا أمرهم، فهل ما يدعيه الإمام علي{{ع}} وغيره من الصحابة بشأن وجود النص، أمر واقعي وحقيقي أم لا؟ | على أهل السنة أن يحسموا أمرهم، فهل ما يدعيه الإمام علي{{ع}} وغيره من الصحابة بشأن وجود النص، أمر واقعي وحقيقي أم لا؟ | ||
فإن كان ما يدعيه هؤلاء حقاً، ثبت ما يدعيه [[الشيعة]]. وإن لم يكن حقاً - والعياذ بالله - فهل يعني ذلك أنهم كانوا يكذبون والعياذ بالله؟ وعليه كيف يتم [[التوفيق]] بين هذا [[الكلام]] وبين قولهم بعدالة جميع [[الصحابة]]؟! | |||
غاية ما يقوم به [[أهل السنة]] في معرض الإجابة عن هذه الأسئلة هي اللجوء إلى [[التأويل]]، وقد ذكرنا في نقد هذه التأويلات أنها لا تمثل حلاً للمشكلة، فهي في أغلبها اجتهاد في مقابل [[النص]]، وإنما تأتي في سياق [[الجمع]] بين [[الخلفاء الأربعة]]، فهي تنفعهم لإقناع أنفسهم، من دون أن تنطوي على أسس علمية. | |||
====الفصل بين [[الإمامة]] والخلافة==== | |||
إن النقطة الدقيقة التي تجب علينا ملاحظتها بدقة وعناية خاصة هي البحث في [[أبعاد الإمامة]] وقد تقدم في بحث تعريف الإمامة أن أشرنا إلى مختلف أبعادها، من قبيل: [[المرجعية العلمية]] والدينية والولاية المعنوية والسياسية والاجتماعية. فلو فرضنا - جدلاً - اختفاء النص على [[التنصيب]]، فإن هذا يقتصر على الدائرة [[السياسية]] والاجتماعية من الإمامة، بمعنى أنه سينحصر بمسألة [[الحكم]] والخلافة. وأما فيما يتعلق بالبعد الآخر من الإمامة والذي يتمثل بالمرجعية العلمية والدينية - [[الممكن]] طرحه حالياً، ويمكن الاستناد إليه من قبلعموم [[المسلمين]] - فهناك نصوص متعددة ومتواترة في مصادر [[الفريقين]]، من قبيل [[حديث الثقلين]]، مما لا مجال إلى إنكاره أو تأويله. | |||
وعليه فإن أقصى ما ينكره أهل السنة وغيرهم من الذين ينكرون وجود النص، إنما ينكرونه في دائرة التنصيب بمعنى [[الخلافة]] والحكم. وأما الإمامة بمعنى المرجعية العلمية والدينية والولاية المعنوية فيجب عدم إنكارها، وعليهم اعتبار [[السيرة]] النظرية والعملية للإمام على{{ع}} معياراً للحق والحجة [[الإلهية]]، وأن يلتزموا بها؛ ذلك لأن مصادرهم مفعمة بأمثال هذه النصوص. | |||
وعندما ننظر إلى الإمامة من هذه [[الزاوية]] يجب أن يكون هناك [[إجماع]] بين الشيعة والسنة في التمسك بسيرة [[الإمام علي]]{{ع}} وحجيتها، وإن [[الاختلاف]] بينهما يقتصر على [[حكومة الإمام علي]] وغيره من [[الخلفاء]] مما لا ثمرة عملية له حالياً. من هنا كان بعض مراجع الشيعة من أمثال [[آية الله]] [[السيد]] البروجردي - طبقاً لرواية بعض تلاميذه - يتمسك بحديث [[الثقلين]] (مبنى [[المرجعية العلمية]] والدينية)، دون [[حديث الغدير]]<ref>انظر: محمد واعظ زادة الخراساني، مجلة كتاب نقد، صيف عام ١٣٨٠ ه_ ش، العدد: ١٩، ص ٢٧؛ مجلة نهج البلاغة، العدد: ٤ و٥، ص ١٩٤؛ ندای وحدت، ص ٢٥١ فيما بعد.</ref>. | |||
====عدم [[دلالة]] عدم الاشتهار على [[العدم]]==== | |||
لو سلمنا بفقدان اشتهار [[النص]] وتنصيب [[الإمام علي]]{{ع}} للإمامة، مع ذلك لا يستفاد من ذلك [[إثبات]] عدم إمامته، وذلك لأننا إذا اعتبرنا [[الآيات]] والروايات [[النبوية]] [[حجة]] ومعتبرة، وجب الأخذ بها بوصفها حجة شرعية معتبرة حتى لو اقتصرت على [[آية]] أو رواية واحدة غير مدعومة بروايات أخرى أو لم تبلغ حدّ الشهرة. إن ما يقوله [[أهل السنة]] من عدم بلوغ [[تنصيب الإمام]] علي{{ع}} حد الشهرة ليس سوى ذريعة، فإنهم يعملون بالروايات النبوية الضعيفة ويأخذون بخبر الواحد في المجالات الأخرى من قبيل: المستحبّات، ولكن ما أن يصل الأمر إلى [[الإمامة]] تراهم يختلقون المعاذير اختلاقاً من أجل التنصل عن [[العمل]] بها، في حين يجب عدم التفريق بين [[الروايات]] في مقام العمل. | |||
====عدم الملازمة بين ترك النص والكفر==== | |||
إن من بين [[الأدلة]] الهامة التي تمسك بها أهل السنة لإنكار النص والشهرة، هى الفرار من محذور [[تكفير]] [[الصحابة]]. وفى هذا الشأن يجب القول: | |||
أولاً: إن كان هناك من وجود لأصل النص على [[التنصيب]]، فيجب عدم التهرب من الواقع بدفن الرؤوس في الرمال كما تصنع النعامة، بل يجب مواجهة [[الحقيقة]] والإقرار بلوازمها أيضاً. فإن عدم التزام البعض بالنص لا يمكنه أن ينهض دليلاً على عدم وجود النص أو عدم اشتهاره. | |||
وثانياً: يمكن [[الجمع]] بين هذين الأمرين بالالتزام بوجود النص وشهرته، وكذلك عدم تكفير الصحابة، وذلك من خلال القول بأن الصحابة رغم علمهم بوجود النص، لم ينكروه وإنما قاموا بتأويله. | |||
.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص | وثالثاً: لقد ذكر [[الشيعة]] وجود نصوص من الآيات والروايات العديدة والمتواترة بمختلف الأسانيد من طرق [[الفريقين]]، وهو أمر يبطل [[دعوى]] عدم اشتهار النص.<ref>[[محمد حسن قدردان قراملكي]]، [[الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية (كتاب)|الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية]]، ص ٢٤٥-٣١١.</ref> | ||
==المراجع والمصادر== | ==المراجع والمصادر== | ||