الفرق بين المراجعتين لصفحة: «حجر بن عدي الكندي»

ط
استبدال النص - ' احد ' ب' أحد '
ط (استبدال النص - 'غضب' ب'غضب')
ط (استبدال النص - ' احد ' ب' أحد ')
سطر ٤٧١: سطر ٤٧١:
لم يطل [[التفكير]] بحجر طويلا، فقد اهتدى الدار [[عبد الله بن الحارث النخعي]]، وهو أخو [[مالك بن الحارث]] الشهير بالأشتر، وهو هو إخلاصاً وحباً لآل [[البيت]]، وكان عبد الله يترقب الأنباء عن الأوضاع المتوترة السائدة في [[البلد]] من أقصاه إلى أقصاه، وكان عبد الله مطرقاً مفكراً قد ملئت نفسه أسى وحزنا، وإذا بواحد من أسرته يسعى إليه ويخبره في لهفة: «إن حجر بن عدي ينتظر على باب الدار»، فيهرول عبد الله جذلا إلى حجر بن عدي، ويعتنقه، وقد انتشر [[البشر]] والفرح في ملامحه ثم يدخله الدار في حفاوة وإكرام، ويحتفي به، ويبسط له [[البسط]]، ويفرش له الفرش، وينضد المساند، ويأمر عبد الله أفراد أسرته أن يراقبوا المارين والعابرين حول الدار، وينتبهوا إلى الأوضاع حتى إذا شعروا بالخطر خفوا إليه، وأخبروه، وذلك حتى لا يفاجأوا برجال [[الشرطة]] أو [[الجواسيس]] المنبثين.
لم يطل [[التفكير]] بحجر طويلا، فقد اهتدى الدار [[عبد الله بن الحارث النخعي]]، وهو أخو [[مالك بن الحارث]] الشهير بالأشتر، وهو هو إخلاصاً وحباً لآل [[البيت]]، وكان عبد الله يترقب الأنباء عن الأوضاع المتوترة السائدة في [[البلد]] من أقصاه إلى أقصاه، وكان عبد الله مطرقاً مفكراً قد ملئت نفسه أسى وحزنا، وإذا بواحد من أسرته يسعى إليه ويخبره في لهفة: «إن حجر بن عدي ينتظر على باب الدار»، فيهرول عبد الله جذلا إلى حجر بن عدي، ويعتنقه، وقد انتشر [[البشر]] والفرح في ملامحه ثم يدخله الدار في حفاوة وإكرام، ويحتفي به، ويبسط له [[البسط]]، ويفرش له الفرش، وينضد المساند، ويأمر عبد الله أفراد أسرته أن يراقبوا المارين والعابرين حول الدار، وينتبهوا إلى الأوضاع حتى إذا شعروا بالخطر خفوا إليه، وأخبروه، وذلك حتى لا يفاجأوا برجال [[الشرطة]] أو [[الجواسيس]] المنبثين.


وكان عبد الله في حركة مستمرة مبديا مظاهر [[الفرح]] والابتهاج رغم الجو المتوتر المسيطر على [[الحي]]، وعلى الدار، وذلك للتخفيف من مشاعر حجر ابن عدي وأحاسيسه المضطربة، ولم يكد ينتهى عبد الله من استقبال الضيف الخطير، ولم يكد يلقى الضيف الخطير بنفسه المكدودة على الفراش، ويستند إلى الجدار حتى هرع احد المرابطين في الحي، وهو ممتقع اللون، مضطرب [[النفس]] إلى حجر بن عدي وقال وهو يلهت في نبرات متقطعة: «إن الشرط تسأل عنك في النخع»، فوثب حجر بن عدي محاولاً يخرج من الدار ليخوض غمار الأحياء إلا أن عبد الله بن الحارث طلب منه أن يتريث لقد أدرك عبد الله [[النخعي]] أن أحد [[الناس]] قد رأى حجرا، وهو يمشي في النخع حذراً متوجساً فراح وأخبر [[الحكومة]] الأمر الذي برقت في نفسه [[فكرة]] وكانت [[الفكرة]] بارعة، إقترح على حجر بن عدي أن لا يخرج بهيئته المعروفة بل لو تنكر في هيئته لكان أفضل، فقبل حجر بن عدي هذا الاقتراح وغير هيئته وخرج من دار عبد الله بن الحارث النخعي متنكرا، وصحبه عبد الله بن الحارث أيضاً نجدة منه، وكان [[الليل]] قد ضرب بسرادقه على أحياء البلدة، ودخل [[الناس]]، دورهم فلم يكن يشاهد في دروب الأحياء سوى [[الشرطة]]، ورجال [[التجسس]] يبحثون عن حجر بن عدي، وسار حجر بن عدي مع صديقه [[المجتبى]] عبد الله بن الحارث [[النخعي]] يقطع الدروب الغامضة متجنبا ما أسعفه الحظ المعالم الواضحة المطروقة، وكان حجر بن عدي يفكر في رجال المباحث، وترى من دلهم على مكانه في [[حي]] [[كندة]]؟
وكان عبد الله في حركة مستمرة مبديا مظاهر [[الفرح]] والابتهاج رغم الجو المتوتر المسيطر على [[الحي]]، وعلى الدار، وذلك للتخفيف من مشاعر حجر ابن عدي وأحاسيسه المضطربة، ولم يكد ينتهى عبد الله من استقبال الضيف الخطير، ولم يكد يلقى الضيف الخطير بنفسه المكدودة على الفراش، ويستند إلى الجدار حتى هرع أحد المرابطين في الحي، وهو ممتقع اللون، مضطرب [[النفس]] إلى حجر بن عدي وقال وهو يلهت في نبرات متقطعة: «إن الشرط تسأل عنك في النخع»، فوثب حجر بن عدي محاولاً يخرج من الدار ليخوض غمار الأحياء إلا أن عبد الله بن الحارث طلب منه أن يتريث لقد أدرك عبد الله [[النخعي]] أن أحد [[الناس]] قد رأى حجرا، وهو يمشي في النخع حذراً متوجساً فراح وأخبر [[الحكومة]] الأمر الذي برقت في نفسه [[فكرة]] وكانت [[الفكرة]] بارعة، إقترح على حجر بن عدي أن لا يخرج بهيئته المعروفة بل لو تنكر في هيئته لكان أفضل، فقبل حجر بن عدي هذا الاقتراح وغير هيئته وخرج من دار عبد الله بن الحارث النخعي متنكرا، وصحبه عبد الله بن الحارث أيضاً نجدة منه، وكان [[الليل]] قد ضرب بسرادقه على أحياء البلدة، ودخل [[الناس]]، دورهم فلم يكن يشاهد في دروب الأحياء سوى [[الشرطة]]، ورجال [[التجسس]] يبحثون عن حجر بن عدي، وسار حجر بن عدي مع صديقه [[المجتبى]] عبد الله بن الحارث [[النخعي]] يقطع الدروب الغامضة متجنبا ما أسعفه الحظ المعالم الواضحة المطروقة، وكان حجر بن عدي يفكر في رجال المباحث، وترى من دلهم على مكانه في [[حي]] [[كندة]]؟


ثم عرف بعد ذلك أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنه فالتقت بهم سوداء تسمى ب «أدماء» فرأت رجال [[الأمن]] يستفسرون، ويلحفون في [[السؤال]]، ويبحثون ويتحرون، فيسرفون في البحث والتحري، فتقدمت إلى الشرطة مستفسرة متسائلة: «من تطلبون»، وما أن ألقت السؤال حتى تجمهر حولها رجال الشرطة محملقين فاغرى الأفواه يسعون إلى كلمة تلقيها وقد أثارها الفضول ظاهرة البحث المستقصي فقال أحد الشرطة: «نطلب حجراً»، وكانت [[المرأة]] السوداء قد شاهدت آنفاً حجر بن عدي في البسته المعهودة، وهيئته المعلومة يمشي حذرا في حي النخع، وكانت تعرفه، وهل يجهل أحد من الناس حجر بن عدي الذي تحدى [[الحكومة]] مع كل صولتها وجبروتها.
ثم عرف بعد ذلك أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنه فالتقت بهم سوداء تسمى ب «أدماء» فرأت رجال [[الأمن]] يستفسرون، ويلحفون في [[السؤال]]، ويبحثون ويتحرون، فيسرفون في البحث والتحري، فتقدمت إلى الشرطة مستفسرة متسائلة: «من تطلبون»، وما أن ألقت السؤال حتى تجمهر حولها رجال الشرطة محملقين فاغرى الأفواه يسعون إلى كلمة تلقيها وقد أثارها الفضول ظاهرة البحث المستقصي فقال أحد الشرطة: «نطلب حجراً»، وكانت [[المرأة]] السوداء قد شاهدت آنفاً حجر بن عدي في البسته المعهودة، وهيئته المعلومة يمشي حذرا في حي النخع، وكانت تعرفه، وهل يجهل أحد من الناس حجر بن عدي الذي تحدى [[الحكومة]] مع كل صولتها وجبروتها.
سطر ١٬٢٠٠: سطر ١٬٢٠٠:
ثم قال للجلادين يستحضر جهاده [[الكريم]] في رفع راية [[الإسلام]] خفاقةً على هذه الربوع: «أما والله لئن قتلتموني بها أني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها» <ref>الطبري ٢٧٥: ٥: فيه «هلك» بدلاً من «سلك»، وهو بالتأكيد تصحيف. يراجع: الأغاني ١٦: ١٠، طبعة بولاق.</ref>.
ثم قال للجلادين يستحضر جهاده [[الكريم]] في رفع راية [[الإسلام]] خفاقةً على هذه الربوع: «أما والله لئن قتلتموني بها أني لأول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها» <ref>الطبري ٢٧٥: ٥: فيه «هلك» بدلاً من «سلك»، وهو بالتأكيد تصحيف. يراجع: الأغاني ١٦: ١٠، طبعة بولاق.</ref>.


ثم ان حجر بن عدي القىٰ نظرة مشفقة على ابنه همام ثم التفت إلى الجلاد وقال: «إن كنت اُمرت بقتل ولدي، فقدمه» فما كانت إلا لفتة من سيف الجلاد حتى شوهد رأس همام المخضب بالدم يتدحرج على [[الأرض]]، فقال احد الجلادين للوالد متندراً ساخراً: «لقد تعجلت الثكل»، فقال حجر بن عدي: «خفت أن يرىٰ هول السيف علىٰ عنقي، فيرجع عن [[ولاية]] علي{{ع}}، فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين» <ref>أعيان الشيعة ٢٠: ٢٠٠ - ٢٠١. قال: ولم يذكر قتل ولده غير المرزباني.</ref>.
ثم ان حجر بن عدي القىٰ نظرة مشفقة على ابنه همام ثم التفت إلى الجلاد وقال: «إن كنت اُمرت بقتل ولدي، فقدمه» فما كانت إلا لفتة من سيف الجلاد حتى شوهد رأس همام المخضب بالدم يتدحرج على [[الأرض]]، فقال أحد الجلادين للوالد متندراً ساخراً: «لقد تعجلت الثكل»، فقال حجر بن عدي: «خفت أن يرىٰ هول السيف علىٰ عنقي، فيرجع عن [[ولاية]] علي{{ع}}، فلا نجتمع في دار المقامة التي وعدها الله الصابرين» <ref>أعيان الشيعة ٢٠: ٢٠٠ - ٢٠١. قال: ولم يذكر قتل ولده غير المرزباني.</ref>.


ثم أن هدبة بن فياض القضاعي الجلاد أقبل بسيفه الذي كان يقطر منه الدم علىٰ حجر بن عدي، فأرعدت فصائله، فقال [[الأعور]] الجلاد ساخراً: «كلا زعمتَ أنك لا تجزع من [[الموت]]، فأنا أدعك فابرأ من صاحبك»، فقال حجر بن عدي يصور مشاهد الهول، ويرسم صورة عن أحاسيسه ومشاعره ثم موقفه الصامد أمام هذه الأحاسيس والمشاعر، وأمام الصور الخارجية المحيطة به، وانعكاساتها [[النفسية]]، واننا لنلمس [[الإيمان]] [[العظيم]] في هذه [[النفس]] العظيمة. لقد قال: «مالي لا أجزعُ، وأنا أرىٰ قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفاً مشهوراً، واني والله إن جزعت من [[القتل]] لا أقول ما يسخط [[الرب]]».
ثم أن هدبة بن فياض القضاعي الجلاد أقبل بسيفه الذي كان يقطر منه الدم علىٰ حجر بن عدي، فأرعدت فصائله، فقال [[الأعور]] الجلاد ساخراً: «كلا زعمتَ أنك لا تجزع من [[الموت]]، فأنا أدعك فابرأ من صاحبك»، فقال حجر بن عدي يصور مشاهد الهول، ويرسم صورة عن أحاسيسه ومشاعره ثم موقفه الصامد أمام هذه الأحاسيس والمشاعر، وأمام الصور الخارجية المحيطة به، وانعكاساتها [[النفسية]]، واننا لنلمس [[الإيمان]] [[العظيم]] في هذه [[النفس]] العظيمة. لقد قال: «مالي لا أجزعُ، وأنا أرىٰ قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفاً مشهوراً، واني والله إن جزعت من [[القتل]] لا أقول ما يسخط [[الرب]]».