الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الكفر عند أهل السنة»
←المراجع
لا ملخص تعديل |
|||
| سطر ١٨٢: | سطر ١٨٢: | ||
#التقليد: قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }}<ref> سورة الزخرف، الآية ٢٢-٢٣.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أُمَّةٍ }} أي: دين <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٥٨٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٥/٩٧.</ref>، فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه <ref>أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤/٣٦٩.</ref>، لأن أصل الأمة الجماعة، والصنف، كقوله: {{ نص قرآني |وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٣٨.</ref>. (ثم يستعار في أشياء منها: الدين. كقوله: إ(ی ی ی ی ئج) أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام) <ref>انظر تفسير السمرقندي، ٣/٢٥٥.</ref>. وسبب تقليد أهل الكفر الألفة والعادة واتباع الهوى والجهل. يقول ابن كثير معلقًا على الآية: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}} «أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها الدين هاهنا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٢٢٤.</ref>. | #التقليد: قال تعالى: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }}<ref> سورة الزخرف، الآية ٢٢-٢٣.</ref>. ومعنى {{نص قرآني| أُمَّةٍ }} أي: دين <ref>انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/٥٨٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٥/٩٧.</ref>، فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه <ref>أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٤/٣٦٩.</ref>، لأن أصل الأمة الجماعة، والصنف، كقوله: {{ نص قرآني |وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٣٨.</ref>. (ثم يستعار في أشياء منها: الدين. كقوله: إ(ی ی ی ی ئج) أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام) <ref>انظر تفسير السمرقندي، ٣/٢٥٥.</ref>. وسبب تقليد أهل الكفر الألفة والعادة واتباع الهوى والجهل. يقول ابن كثير معلقًا على الآية: {{ نص قرآني |بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}} «أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها الدين هاهنا» <ref>تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/٢٢٤.</ref>. | ||
==صفات الكافرين== | |||
أخبر القرآن الكريم في كثير من آياته عن صفات الكافرين، ولعل من أبرزها الضلال والغرور، فلا يريدون السير في الطريق المستقيم، وظنهم أنهم على الحق وما سواهم على الباطل، أنعم الله تعالى عليهم بالجوارح فلم ينتفعوا بها، بل سخروها في محاربة الإسلام وأهله، فظلموا مَنْ تمسَّكَ بدينه، كل هذا بسبب الحسد والهوى الذي تمكن من قلوبهم، بل كانوا يتبعون الباطل ويجادلون به، فركنوا إلى هواهم، ولقد دلت آيات القرآن كما سأبين فيما يلي. | |||
===الضلال والإضلال=== | |||
يُقَسِّمُ الراغب الأصفهاني الضلال إلى قسمين فيقول: | |||
#ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}}<ref> سورة النساء، الآية ١٣٦.</ref>. | |||
#وضلالٌ في العلوم العملية، كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات، والضلال البعيد إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله: {{ نص قرآني |وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ}}. وقوله: {{ نص قرآني |إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا}}<ref> سورة النساء، الآية ١٦٧.</ref>.<ref>المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥١٠.</ref> | |||
ويذكر الفيروزآبادي قسمي الإضلال فيقول: «والإضلال أيضًا على قسمين: | |||
#أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: إما أن يضل عنك الشىء، كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني؛ وإما أن يحكم بضلاله. فالضلال فى هذين سبب للإضلال. | |||
#أن يكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل، كقوله تعالى: {{ نص قرآني |ُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}}<ref> سورة النساء، الآية ١١٣.</ref>. أي: يتحرون أفعالًا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم <ref>انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٤٨٢،٤٨٣ بتصرف.</ref>. | |||
ومن مظاهر الضلال: | |||
#الشرك بالله تعالى، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}}<ref> سورة النساء، الآية ١١٦.</ref>. | |||
#اتباع قرين السوء والشيطان، قال تعالى: {{ نص قرآني | وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا }}<ref> سورة الفرقان، الآية ٢٧-٢٩.</ref>. | |||
#عبادة الأصنام، قال تعالى على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام: {{ نص قرآني |رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٣٦.</ref>. | |||
#التقليد دون تفكير، قال تعالى: {{ نص قرآني | إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ }}<ref> سورة الصافات، الآية ٦٩-٧٠.</ref>. | |||
#الصد عن الحق، واستحباب الدنيا على الآخرة، قال تعالى: {{ نص قرآني | اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ }}<ref> سورة إبراهيم، الآية ٢-٣.</ref>. | |||
=== الغرور=== | |||
مدار الغرور الجهل، يقول [[العز بن عبدالسلام]]: «ومدار الغرور كله على الجهل، فما اغتر الكفار بعبادتهم إلا جهلًا منهم بحبوطها، وما اغتر المبتدعة ببدعهم إلا جهلًا منهم ببطلانها، وما اغتر الأغنياء بغناهم إلا جهلًا منهم بأنه فتنة ومحنة، وظنًّا منهم أنه كرامة ونعمة، وكذلك اغترار العابد بعبادته والزاهد بزهادته، والعارف بمعرفته، وربما أقدم هؤلاء على معصية ربهم ظنًّا منهم أن الله عز وجل لا يؤاخذهم بقربهم إليه وكرامتهم عليه» <ref>مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل، العز بن عبدالسلام ص ١٥٦.</ref>. | |||
وأسباب غرور الكفار: | |||
#شدة إعجابهم بالدنيا، وحرصهم عليها، قال تعالى: {{ نص قرآني |اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}}<ref> سورة الحديد، الآية ٢٠.</ref>. والمعنى: (أراد الكفار بالله، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، وأكثر حرصًا عليها) <ref>التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ٢/٣٤٧.</ref>. | |||
#الاستكبار والإعجاب بالنفس، قال تعالى: {{ نص قرآني |فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}}<ref> سورة فصلت، الآية ١٥.</ref>. والمعنى(استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا، وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات الله عز وجل وكفروا بها) <ref>الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٠/٦٤٩٨.</ref>. | |||
#عدم تعجيل العذاب للكافرين في الدنيا، فيجعلهم يتمادون في الغرور قال تعالى: {{ نص قرآني |وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٣٢.</ref>. | |||
#كثرة المال والعطاء، يجعل الكافر في غرور شديد، ولا ينسب العطاء لله تعالى، قال تعالى: {{ نص قرآني | أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا }}<ref> سورة مريم، الآية ٧٧-٧٨.</ref>. | |||
===عدم الانتفاع بالعقل والجوارح=== | |||
إن الكافر لا يشغل عقله بما ينفعه، ولا يستخدم جوارحه إلا في الذي يضره، وفي تقليد الأنعام. قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ}}<ref> سورة محمد، الآية ١٢.</ref>. | |||
ولقد ذم القرآن الكريم أهل الكفر بسبب عدم تعقلهم وتدبرهم، ومن أمثلة ذلك كما جاء في القرآن ما يلي: | |||
#عدم تعقلهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٧٩.</ref>. يقول البغوي: «لأن العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود» <ref>معالم التنزيل، البغوي، ١/١١٠.</ref>. | |||
#عدم إبصارهم رغم وجود أعينهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٧٩.</ref>. | |||
#عدم سماعهم رغم وجود آذانهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}}<ref> سورة الأعراف، الآية ١٧٩.</ref>. والمعنى: (وصفهم بأنهم لا يبصرون بعيونهم ولا يعقلون بقلوبهم. جعلهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه، بمنزلة من لا يبصر ولا يعقل. ثم قال جل وعز {{نص قرآني|بَلْ هُمْ أَضَلُّ}}. وذلك أن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما لا تبصره) <ref>معاني القرآن، الزجاج، ٢/٣٩٢.</ref>. | |||
#عدم استخدام حواسهم إلا في خدمة أغراضهم، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ١٧١.</ref>. وعدم استخدام الحواس في الطاعة والتفكر والتدبر يدل على عدم عمل العقل، مما لا ينتفع الكفار به. | |||
#عدم عظة الكافر ممن كان قبله، قال تعالى: {{ نص قرآني |أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}}<ref> سورة الحج، الآية ٤٦.</ref>. وعدم الاعتبار أو العظة يدل بالحال على فساد العقل، والمعنى (فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أو آذانٌ يسمعون بها التخويف. {{نص قرآني| فَإِنَّهَا }}، أي: النظرة بغير عبرة، ويقال: كلمة الشرك. {{نص قرآني|فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}}، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد) <ref>تفسير السمرقندي، ٢/٤٦٣.</ref> والدليل على أن الكافرين لم يجعلوا للعقل حظًّا من التفكير، ولم يجعلوا لجوارحهم نصيبًا من النظر والسمع قوله تعالى: {{ نص قرآني |وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}}<ref> سورة الملك، الآية ١٠.</ref>. نسمع سماع من يميز ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وينظر {{نص قرآني|مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}} والمعنى: إنَّا لم نسمع الحق ولم نعقله، أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا) <ref>انظر تفسير القرآن، السمعاني، ٦/١٠.</ref>. | |||
===الظلم=== | |||
الظلم في اللغة معناه: (الجور ومجاوزة الحد، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه)<ref>انظر: النهاية، ابن الأثير، ٣/١٦١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١١٣٤، المصباح المنير، الفيومي، ص ١٤٦.</ref>. | |||
وعرف الظلم في الاصطلاح بأنه: (وضع الشىء فى غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو زيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه) <ref>بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/٥٤١.</ref>. | |||
وفسر الشرك بالظلم، قال تعالى: {{ نص قرآني |ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}<ref> سورة لقمان، الآية ١٣.</ref>. | |||
تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كلٌّ على ما يليق به <ref>فتح الباري، ابن حجر ٨/٣٥٥.</ref>. | |||
ويدلل على هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح عن [[عبد الله بن مسعود]] قال: {{نص حديث|لَمَّا نَزَلَتْ {{نص قرآني|الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}}<ref>سورة الأنعام، الآية ٨٢.</ref>. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {{نص قرآني |وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}}<ref>سورة الأنعام، الآية ٨٢.</ref>. بَشَّرَكَ، أَوْلَمَ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {{ نص قرآني |يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}}}}<ref> سورة لقمان، الآية ١٣.</ref>.<ref>أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًا)، ٤/١٤١، رقم ٣٣٦٠.</ref>. | |||
وأسباب الظلم: دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الظلم منها: | |||
#الكفر، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٤.</ref>. دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه <ref>فتح البيان، صديق خان ٢/٨٨.</ref> | |||
#الكبر والغرور، ويتجلى ذلك في قصة النمروذ، عندما قال لنبي الله إبراهيم عليه السلام {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}<ref> سورة البقرة، الآية ٢٥٨.</ref>. فحمله غروره وكبره على مجادلة نبي الله إبراهيم، فنسب لنفسه الموت والحياة، وبأنه يقدر على فعل ما يفعله الله تعالى <ref>انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١.</ref>. | |||
#الكذب على الله تعالى، قال تعالى: {{ نص قرآني |وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٢١.</ref>. والمعنى: (لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، كمن زعم أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن غيره يَدَّعي معه أو من دونه أو يتخذ وليًّا له يقربه إليه زلفى ويشفع للناس عنده، أو زاد فى دينه ما ليس منه، أو من كذب بآياته المُنَزَّلَةِ كالقرآن، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته) <ref>انظر: تفسير المراغي ٧/٩٥.</ref>. | |||
#موالاة أعداء الله تعالى، والمقصد اتباع أرباب الكفر، قال تعالى: {{ نص قرآني |يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}}<ref> سورة التوبة، الآية ٢٣.</ref>. | |||
#السخرية من المرسلين، قال تعالى: {{ نص قرآني |نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا}}<ref> سورة الإسراء، الآية ٤٧.</ref>. | |||
=== اتباع الباطل والمجادلة به=== | |||
والباطل ضد الحق، ومقصوده هنا الكفر والانحراف، ولقد جاءت آيات القرآن الكريم كثيرة في هذا المعنى تبين أساليب الكافرين، في المجادلة الباطلة عن عقيدتهم بغية الانتصار للنفس، دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الباطل والمجادلة به، فجاءت الآيات مبينة ومؤكدة لحال الكافرين في الصد عن دين الله تعالى، وفي اقترافهم للسبل التي اتخذوها ليكذبوا الرسل، ومن هذه الآيات القرآنية ما يلي: | |||
#المجادلة في الدين، وهو بمعنى الخصام في الدين، ومن ذلك قول الله تعالى: {{ نص قرآني |وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ٢٥.</ref>. والمعنى: {{نص قرآني| وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ}}، علامة تدل على صدقك {{نص قرآني| لَا يُؤْمِنُوا بِهَا }} هذا حالهم في البعد عن الإيمان {{نص قرآني| حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ }} مخاصمين معك في الدين) <ref>الوجيز، الواحدي، ص ٣٤٨.</ref>. | |||
#جحود الحق، ومن ذلك قول الله تعالى: {{ نص قرآني |يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}}<ref> سورة الأنفال، الآية ٦.</ref>. والمعنى: جحود الحق بعد وضوح برهانه علم لاستكبار صاحبه، وهو- فى الحال- فى وحشة غَيِّه معاقب بالصد وتنغص العيش، يَمَلُّ حياته ويتمنى وفاته <ref>لطائف الإشارات، القشيري، ١/٦٠٤.</ref>، ومنه قول الله تعالى: {{ نص قرآني |أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ}}<ref> سورة غافر، الآية ٦٩.</ref>. يعني: يجحدون بآيات الله <ref>تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤/١٤٢.</ref>. | |||
#إيحاء الشياطين للكافرين بالجدال، قال تعالى: {{ نص قرآني |ٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}}<ref> سورة الأنعام، الآية ١٢١.</ref>. والمعنى(أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل) <ref>معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٢/٢٨٧.</ref>. | |||
#خصام الرسل وتكذيبهم، ومنه أيضًا قول الله تعالى: {{ نص قرآني |وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا}}<ref> سورة الكهف، الآية ٥٦.</ref>. وقوله تعالى: {{ نص قرآني |كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}}<ref> سورة غافر، الآية ٥.</ref>. والمعنى {{نص قرآني|وَجَادَلُوا }} أي: خاصموا رسولهم {{نص قرآني| بِالْبَاطِلِ }} من القول {{نص قرآني| لِيُدْحِضُوا}} أي: ليزيلوا {{نص قرآني|بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}} ومنه مكان دحض، أي: مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزول فلا يستقر، جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان <ref>فتح البيان، صديق خان ١٢/١٦٢.</ref>. | |||
==المراجع== | ==المراجع== | ||
# [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | # [[صورة:IM010701.jpg|22px]] [[موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (كتاب)|'''موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم]]''' | ||