الدنيا في علم الأخلاق

من إمامةبيديا

التمهيد

ان الدنيا مرة تطلق على نشأة الوجود النازلة والتي هي دار تصرم وتغير ومجاز، والآخرة تطلق على الرجوع من هذه النشأة إلى ملكوت الإنسان وباطنه والتي هي من دار بقاء وخلود وقرار... وهذه النشأة النازلة الدنيوية وان كانت ناقصة بذاتها وانها آخر مراتب الوجود، ولكن لما كانت مهد تربية النفوس القدسية ودار تحصيل المقامات العالية ومزرعة الآخرة فانها من احسن مشاهد الوجود واعز النشآت، وهي المغنم الافضل عند الأولياء واهل السلوك[١].

الدنيا ليست بالنسبة للجميع واحدة، فهي ليست اما خيرا أو شراً، بل ان الدنيا دنياوان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة... ليست الدنيا الا لكي يتزود العبد من دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه. فان الدنيا خلقت لكم وانتم خلفتم للآخرة[٢].

ان الدنيا والآخرة وصفان لحياة وجود حي يمكن ان يكون ذا نوعين من الحياة. احداهما حياة فعلية وقريبة منه والأخرى في حياته المستقبلية الابعد[٣].

الدنيا وما فيها مرحلة عبور وانتقال ولم تكن غاية ومحطة بقاء ولذلك فإن جميع ما في الدنيا موسوم بالفناء والاضمحلال[٤].

ان دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من احوال قلبك، القريب الداني منها يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت، والمتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت. فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا[٥].

ان الدنيا قد تكون مرآة ينظر بها الإنسان وقد تكون غاية ينظر اليها الإنسان وهما نحوان من الرؤية[٦].

اعلم ان الدنيا عبارة عن أعيان موجودة وللإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل[٧].

الدنيا عبارة عن كل شيء يوجب البعد عن الله وان كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وانفاقاً وزهداً وقناعة والآخرة كل شيء يوجب القرب من الله تعالى وان كان مالاً ونساءً او خدماً وحشماً.

الدنيا والآخرة عبارتان عن حالتين من احوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى دنيا لدنوه وهو كل ما في قلبك قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت فكل ما لك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك الا ان جميع مالك اليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم[٨].

خلق الله الدنيا وجعلها دار ممر ودار امتحان واختبار واحاطها بالعبر والمسرات وزودها بالطيبات من الرزق ليكون الإنسان شاكراً لنعمه ذاكراً لفضله تعالى مطيعاً لاوامره منزجراً عن نواهيه لا أن يتخذ الدنيا مركباً يركبه للوصول إلى شهوات نفسه[٩].

كل ما هو في معرض الفناء والزوال ويسبق الموت ما عدا الآخرة فهو الحياة الدنيا وحقيقة الدنيا هي كل ما خلق الله من الأرض وما عليها وما فيها والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وغيرها، والرجل والمرأة والأولاد والمال وكل الموجودات التي خلقها الله وابدعها كذلك الجوانب المعنوية والروحية من رغبات وميول وغرائز وغيرها[١٠].

إن ما ورد في القرآن والأحاديث عن ذم هذه الدنيا، لا يكون عائدا في الحقيقة إلى الدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجه نحوها وانشداد القلب بها ومحبتها. وعليه، يتبين من ذلك أن أمام الإنسان دنياوان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة. فالممدوح هو الحصول في هذه النشأة وهي دار التربية ودار التحصيل ومحل التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية سعيدة، مما لا يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى هذه الدنيا. كما جاء في خطبة لمولى الموحدين أمير المؤمنين علي(ع) ردا على من ذم الدنيا: "إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ وَ مُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ وَ رَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ..."[١١].

المذموم هو دنيا الإنسان نفسه، أي التوجه إليها والتعلق بها وحبها، وهذا هو منشأ كلّ المفاسد والخطايا القلبية والظاهرية. كما جاء في كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق(ع): قال(ع): "رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ حُبُّ الدُّنْيَا"[١٢].

أن المقصود من الآخرة النهاية القصوى لدائرة الوجود، ونهاية الرجوع. وهي الآخرة بالقول المطلق. فعليه تكون الدنيا كل دائرة الظهور[١٣].[١٤]

المراجع والمصادر

  1. معجم المصطلحات الأخلاقية

الهوامش

  1. روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، ص١٥٤.
  2. هادي المدرسي، أخلاقيات أمير المؤمنين(ع)، ص٢٠٤-٢٠٥.
  3. محمد تقي مصباح اليزدي، ص٢٠١.
  4. علي حيدر المؤيد، الموعظة الحسنة، ص٥٦.
  5. الفيض الكاشاني، عبقات الدنيا، ص٣٣.
  6. محمد مهدي الآصفي، الهوى في حديث أهل البيت(ع)، ص١٤٠.
  7. الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج٤، ص٢٧.
  8. عبد الله شبّر، الأخلاق، ص١٧٩.
  9. علي فضل الله الحسني، الأخلاق الإسلامية، ص١٨١.
  10. صاحب الموسوي، حب الدنيا، ص١٢.
  11. نهج البلاغة، الحكمة رقم ١٣١.
  12. روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، ص١٥٥.
  13. روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، ص٣٧٦.
  14. معجم المصطلحات الأخلاقية: ٣٧.