تمهيد

الغيبة: هي من متفاقم الأمراض الاجتماعية، وشر خصال النفس الإنسانية. يحوك الخاطر السوء سوءاً فلا يقر له قرار حتى يلفظه في محفل وقد ارتاح بما أزاح من علته، وقذفه من خبيثه وقد هتك به حرمات الله حيث استباح عرض أخيه المؤمن وأكل لحمه ولم يرعَ له حرمة ولم يحفظ له غَيبة ولم يدخر له كرامة.

ويتناول الإمام حديث الداء العضال والمرض الفتاك بنظرة المربي الإلهي الخبیر والحكيم البصیر فينفذ إلى الأعماق فكرة وهدياً وإصلاحاً وعلاجاً، فاستمع إلى ما يُتلى عليك من الحق عبر النقاط التالية.

موقف المطيعين من العصاة

«وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَالْمصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلاَمَةِ أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَالَمعْصِيَةِ وَيَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَالْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ»[١].

فهم فئتان: معافاة ومبتلاة.

وجدير بأهل العافية من الذنوب والسلامة من العيوب أن يعرفوا عظيم توفيق الله لهم، وجليل نعمته عليهم، وتجلي ذلك قلباً وقالباً فيهم.

  1. رحمة أهل الطاعة أهل الذنوب والمعصية.
  2. شكرهم الغامر للنعمة السابغة.
  3. أن يكون صلاحهم حاجزاً لهم عن الخوض في شأنهم.

الغيبة عيب أكبر

«فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَعَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ».

فإذا كان اللائق بشأن المعافى تجاه المبتلى ما مر ذكره من التحلي بطيب الذات وكريم الخلق، فكيف إذا خرج وتجاوز الحد فاشتغل عائباً، ولمن؟! «أخاه»، ومعراً له ب «بلواه» متجرداً بذلك عما تقتضيه الإنسانية وتوجبه الأخوة مماثلاً بذلك صنيع العدو الشامت.

حواجز وموانع الاغتياب

«أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَكَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ فَقَدْ عَصَى اللهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ وأَيْمُ اللهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِیرِ وَعَصَاهُ فِي الصَّغِیرِ لَجَرَاءَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ».

فليُعْنَ العاقل بشأن ذاته، وليكن همه خاصة نفسه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيب سواه، فطالما ستر الله عيباً وأخفى فاضحة، ولم يشهر مرتكبها بین الملأ، فكيف بهذا يجهد في إسقاط غیره بما لا يرضاه لنفسه، أما في ذلك ذكرى لمدكر وعبرة لمعتبر!

ويوغل الإمام (ع) في التذكیر والتوجيه فينفذ إلى أعماق طبيعة الإنسان ودخيلته فإن ذاكر أخيه بسوء ومعیّره بعيب لا يخلو من ذنب ارتكبه أو جرم اقترفه إن لم يكن مثل ما نبز به أخاه عيناً فهو قد عصى الله بغیر ذلك فهو في واقعه من أهل معصية الله.

بل وإن ألمّ بذنب صغیر ولم يجترح كبیراً فليس ذلك بمجرده من العيب، ولا بمبيح له الوقوع في الغیر، ألا يدري أن إقدامه وجراءته على النيل من الناس بنشر عيوبهم أعظم عيباً وأكبر ذنباً.

تحذير وتبصير

«يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَلَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِیرَ مَعْصِيَةٍ فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَیْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ وَلْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلاً لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَیرُهُ».

ترويض للنفس العجِلة الوثابة، ودعوة حكيمة لعقل صاحبها ليكبح جماحها، فالعاقل لا يوقع نفسه في ورطة غیره فقد يسلم الغیر ويبقى هو المبتلى، وربما كان أمر السلامة خفياً وقد تاب الجاني توبة نصوحاً وآب إلى ربه منيباً فغفر له ذنبه وتجاوز عن خطيئته فصحيفته بيضاء.

وهذا العَجِل يطلق لسانه ويكشف ما عنه الله ستر وله غفر فمحي الذنب عن ذاك وسُجل على هذا فصحيفته سوداء.

والعاقل يأخذ نفسه بالتقصیر دائماً، ولا يستهنين صغیر ذنب فشر الذنب ما استهان به صاحبه فيربو حتى يكون كبیراً.

إذاً فالعقل يحكم والحكمة تقضي بأن المرء لا يخلو من وضعين:

  1. مبتلى بعيب: فليكن همه إصلاح عيبه وسد خلله، وتدارك تقصيره.
  2. معافى: فهو في نعمة فليشكر المولى المنعم عيها حيث عافاه مما ابتلى به غيره.

حكم سماع الغيبة

«أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرَّجَالِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَتُخْطِئُ السَّهَامُ وَيُحِيلُ الْكَلَامُ وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَاللهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَیْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ فسُئل (ع) عن معنى قوله هذا فجمع أصابعه ووضعها بین أذنه وعينه، ثم قال: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ»[٢].

والحق إنه ميزان دقيق، فالغالب على طباع الناس وأوضاعهم إصغاؤهم للقالة وأهل الإذاعة وفي ذلك خطر عظيم فالعواطف لا تضبط، والانفعالات لا تقف عند حد، وربما كان إفراز ذلك غلطاً وإبرازه شططاً فإذا ما أصغى إليه السامع ورتّب عليه أثراً فَحُشَ الغلط وعَمَّ الشطط.

وفي تصوير الإمام (ع) الحق والباطل محسوساً تأكيد على لزوم الدقة وتحري الحق «الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ»[٣].

وهذه نظرة أخلاقية اجتماعية مهمة قويمة.

وأما حديث البينة والشهادات وجرح الشهود وما إلى ذلك من شؤون الفقه ومسائله فلا تنافي بينه وبین الخلق الكريم الفاضل ولكلٍ بابه ومجاله.

جهد العاجز وسلاح الضعيف

  1. «وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيَّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ»[٤].
  2. «الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ»[٥].

والجملة الثانية بيان للأولى، فالعبد وهوانه على مولاه وبطش مولاه به وشدته عليه تضطره لإطاعته حاضراً، فإذا ما استراح من مشهده نفّس عن بلواه بالوقيعة فيه فهو لا يملك سوى ذلك متنفّساً.

وهكذا شأن كل مغتاب فهو عاجز أن يصنع شيئاً إصلاحاً أو رداً لمن ذكره بسوء، وغاية جهده وقصارى قدرته أن ينفّس عن نفسه بثلبه في مغيبه.

هذا وكما ألمحت آنفاً إنّ للمسألة بعداً فقهياً يراعى كما للجنبة الأخلاقية موطن يراعى، وبالله العصمة ومنه السداد.[٦]

المراجع والمصادر

  1.   محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة

الهوامش

  1. خطبة ١٤٠/ ١٩٧.
  2. خطبة ١٤١/ ١٩٧- ١٩٨.
  3. خطبة ١٤١/ ١٩٨.
  4. خطبة ٩٨/ ١٤٣- ١٤٤.
  5. خطبة ٤٦١/ ٥٥٦.
  6. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٤٦٣.