الفطرة عند أهل السنة

التعريف

الفطرة لغة: من مادة فطر، وتأتي بمعنى الشق، يقال: فطره؛ أي شقه، وتفطر الشيء: انشق، وكذلك انفطر.

وتأتي بمعنى الخلق، يقال: فطر الله الخلق؛ أي خلقهم وأنشأهم، والفطرة: الابتداء والاختراع والخلقة، وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[١].

قال أبو الهيثم: الفطرة الخلقة التي يخلق عليها المولود في بطن أمه[٢].

والفطور - بفتح الفاء - هو ما يفطر عليه الصائم، وبضم الفاء مصدر[٣] والفطرة - بكسر الفاء - جاءت بمعنى صدقة الفطر أيضا، وأفطر الصائم: أي حان له أن يفطر ودخل وقته، كما يقال أصبح وأمسى: إذا دخل في وقت الصباح والمساء، فالهمزة للصيرورة [٤]

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي[٥].

الألفاظ ذات الصلة

  1. الجبلة من جبل، تقول: جبل الله الخلق يجبلهم؛ أي خلقهم، وجبله على الشيء: طبعه عليه، وجبل فلان على هذا الأمر، أي طبع عليه[٦]. والصلة الترادف بين الفطرة والجبلة في بعض معاني الفطرة.
  2. السجية الطبيعة والخلق[٧]. والصلة بينهما أن السجية ترادف الفطرة في بعض معانيها.

خصال الفطرة

وردت أحاديث في بيان خصال الفطرة، منها: ما ورد عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله: عشر من الفطرة، قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء، قال زكرياء: قال مصعب، أحد الرواة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة[٨]. زاد قتيبة قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء[٩].

وبما ورد عن أبي هريرة عن النبي قال: الفطرة خمس، أو: خمس من الفطرة - شك من الراوي -: الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب[١٠].

وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: الفطرة خمس: الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط[١١].

وقد روى البخاري الحديث السابق بهذا اللفظ: عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: الفطرة خمس، الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الآباط[١٢].

وقد وردت أحاديث الفطرة بألفاظ مختلفة فجاءت بلفظ: «عشر من الفطرة»، وبلفظ: «خمس من الفطرة»، ونحو ذلك، وهذا لا يراد به الحصر، وإنما يشار به إلى ما هو الظاهر البين المحسوس منها، والذي يدركه كل إنسان بطبعه، وهذا ما أشار إليه النووي وبين أن الخصال غير منحصرة في العشرة، والمراد من الحديث أن معظمها عشرة فهو كقول الرسول: الحج عرفة[١٣] وعضد قوله بالرواية التي تقول: خمس من الفطرة. . . .[١٤]

وذكر ابن حجر العسقلاني أن ابن العربي قال: خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة، وقد عقب على هذا القول فقال: فإن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين بل يزيد كثيرا[١٥].

فخصال الفطرة إذن كثيرة، منها: أمهات الأخلاق، وكل ما هو بر كبر الوالدين، وصلة الرحم، وأداء حقوق الجار، ومعاونة المحتاج ماديا ومعنويا، وإكرام الضيف، والصدق في القول والعمل، والوفاء بالوعد وبالعهد، وغيرها من الخصال الحميدة[١٦].

أحكام خصال الفطرة

  1. فطرة الدين: أودع الله كل واحد من البشر عند خلقه وولادته فطرة سليمة يمكن أن توجهه إلى طريق الهداية، وتصل به إلى سبيل الرشاد، وذلك إن لم تشبها الشوائب، ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء[١٧]، هل تحسون فيها من جدعاء[١٨] وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[١٩] قال طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق الله عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة[٢٠] وجاء في شرح العقيدة الطحاوية: يظهر لكل عاقل أن لهذا الوجود خالقا، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها[٢١].
  2. قص الشارب: لا خلاف في قص الشارب[٢٢] بدليل ما سبق من الأحاديث، ولما رواه زيد بن أرقم قال: قال رسول الله: من لم يأخذ من شاربه فليس منا[٢٣].
  3. إعفاء اللحية: إعفاء اللحية من خصال الفطرة للحديث السابق، وقد اختلف الفقهاء في مفهوم الإعفاء.
  4. السواك: السواك يأتي بمعنى الفعل وهو الاستياك، وبمعنى الآلة التي يستاك بها التي يقال لها المسواك، بكسر الميم، والسواك مشتق من ساك الشيء: إذا دلكه[٢٤] والسواك سنة عند الشافعية والحنفية والحنابلة[٢٥]. بدليل ما روت عائشة أن النبي قال: السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب[٢٦] ولقوله ﵊: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وفي رواية: مع كل وضوء[٢٧].
  5. غسل البراجم: البراجم هي رءوس السلاميات في ظهر الكف[٢٨] وغسل البراجم متفق على استحبابه، وهو سنة مستقلة غير مخصصة بالوضوء، وألحق الغزالي بها إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح[٢٩] وقال الغزالي: كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك الغضوف وسخ، فأمر بغسلها[٣٠].
  6. نتف الإبط: نتف الإبط متفق على سنيته، والتوقيت فيه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والسنة نتفه، فلو حلقه جاز، قال الغزالي: المستحب نتفه وذلك سهل لمن تعوده، فإن حلقه جاز، لأن المقصود النظافة وعدم اجتماع الوساخة فيه، إذ يحصل بسببه رائحة كريهة[٣١]. وقال ابن قدامة: النتف سنة، لأنه من الفطرة، ويفحش تركه، ويجوز إزالته بالحلق والنورة غير أن نتفه أفضل لموافقته الخبر[٣٢] وأفضلية النتف هي ما صرح به الحنفية أيضا[٣٣].
  7. الختان: اختلف الفقهاء في حكم الختان: فذهب الحنفية والمالكية وهو رواية عن أحمد إلى أن الختان سنة في حق الرجال، وأما في النساء فذهب المالكية إلى أنه مندوب، وذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أنه مكرمة. وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه واجب على الرجال والنساء.
  8. تقليم الأظفار: تقليم الأظفار سنة إجماعا سواء فيه الرجل والمرأة وسواء فيه اليدان والرجلان، ويستحب أن يبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم اليسرى. أما التوقيت في التقليم فالاعتبار بالطول، فمتى طالت الأظفار يتم تقليمها، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال كما هو الضابط في قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة[٣٤].
  9. حلق العانة: حلق شعر العانة متفق على سنيته، وفي وجوبه على الزوجة إذا أمرها الزوج بالحلق عند الشافعية قولان، أصحهما الوجوب، هذا إذا لم يفحش بحيث ينفر الزوج ويؤثر على الرغبة في المخالطة ويقلل التوقان، أما إذا نفر الزوج فيجب عليها الحلق قطعا. وعلى المرء أن يحلق عانته بنفسه ويحرم إسناد القيام به إلى غيره لأنه إظهار للعورة الغليظة وهو لا يجوز، ولكن يجوز أن تتولى الحلق زوجته التي يباح لها النظر إلى عورته مع الكراهة[٣٥].
  10. المضمضة والاستنشاق: في المضمضة والاستنشاق أربعة آراء وهي:
    1. أنهما سنتان في الوضوء والغسل، وهو ما يراه المالكية والشافعية، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والزهري والحكم وقتادة وربيعة ويحيى الأنصاري والأوزاعي والليث، وهو رواية عن عطاء.
    2. أنهما واجبان في الوضوء والغسل، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن أبي ليلى وحماد وإسحاق، كما روي عن ابن المبارك وعطاء.
    3. أنهما واجبان في الغسل سنتان في الوضوء، وهو قول الحنفية وسفيان الثوري.
    4. الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل أما المضمضة فسنة، وهو مذهب أبي ثور وأبي عبيد وداوود وابن المنذر[٣٦].
  11. الفطرة بمعنى زكاة الفطر: أضاف الفقهاء إلى لفظ الفطرة لفظ الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان لأنه سبب وجوبها، وقيل لها فطرة كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، قال النووي: يقال للمخرج فطرة.[٣٧].[٣٨]

المراجع والمصادر

  1.   الموسوعة الفقهية

الهوامش

  1. سورة الأنعام، الآية ١٤.
  2. لسان العرب.
  3. المصباح المنير.
  4. القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب.
  5. الموسوعة الفقهية، ج٣٢، ص ١٨٢.
  6. لسان العرب.
  7. لسان العرب.
  8. حديث: «عشر من الفطرة. . .» أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣) من حديث عائشة.
  9. صحيح مسلم، بشرح النووي ٣ / ١٤٧ الطبعة الثانية سنة ١٣٩٢هـ ١٩٧٢م.
  10. المصدر السابق ٣ / ١٤٦ وحديث «الفطرة خمس. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٣٤)، ومسلم (١ / ٢٢١) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
  11. المصدر السابق وحديث: «الفطرة خمس: الاختتان. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٤٩)، ومسلم (١ / ٢٢٢) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.
  12. حديث: «الفطرة خمس. . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٤٩) .
  13. حديث: «الحج عرفة» أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٨)، والحاكم (٢ / ٢٧٨) من حديث عبد الرحمن بن يعمر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
  14. المجموع شرح المهذب ١ / ٢٨٤، ٢٨٥ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
  15. فتح الباري شرح البخاري ١٢ / ٤٥٦ ط مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة ١٣٧٨هـ - ١٩٥٩م.
  16. الموسوعة الفقهية، ج٣٢، ص ١٨٣.
  17. أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها.
  18. الجدعاء، هي ا.لتي قطعت أذنها. وحديث: «ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة» أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ٥١٢) ومسلم (٤ / ٢٠٤٧) من حديث أبي هريرة.
  19. سورة الروم، الآية ٣٠.
  20. تفسير القرطبي. ١٤١٤؟ / ٢٩ - الناشر دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة.
  21. شرح العقيدة الطحاوية ص٢١٢ نشر دار الكتاب العربي.
  22. المجموع للنووي ١ / ٢٨٧.
  23. حديث: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» أخرجه الترمذي (٥ / ٩٣) وقال: «حديث حسن صحيح».
  24. المجموع ١ / ٢٧٠.
  25. المجموع ١ / ٢٧٠ - ٢٧١، فتح القدير لابن الهمام ١ / ١٥، ١٦ طبعة بولاق، بدائع الصنائع للكاساني ١ / ١٢٤، الناشر زكريا علي يوسف، مطبعة العاصمة بالقاهرة، والمغني ١ / ٩٦.
  26. حديث: «السواك مطهرة للفم. . .» أخرجه النسائي (١١ / ١٠) وصححه النووي في المجموع (١ / ٢٦٧) .
  27. حديث: «لولا أن أشق على أمتي. . .» أخرجه مسلم (١ / ٢٢٠) والرواية الأخرى أخرجها ابن خزيمة (١ / ٧٣) .
  28. المصباح المنير.
  29. المجموع ١ / ٢٨٨.
  30. فتح الباري ١٢ / ٤٥٧.
  31. المجموع ١ / ٢٨٨، ٢٨٩.
  32. المغني ١ / ٨٧.
  33. الاختيار ٣ / ١٢١.
  34. المجموع ١ / ٢٨٥، والمنتقى ٧ / ٢٣٢، والمغني ١ / ٨٧، الاختيار ٣ / ١٢١.
  35. المجموع ١ / ٢٨٩، المغني ١ / ٨٦، الاختيار ٣ / ١٢١.
  36. تبيين الحقائق ١ / ١٠، والمجموع ١ / ٣٦٢، المغني ١ / ١١٨، وجواهر الإكليل ١ / ١٤، ٢٢.
  37. مغني المحتاج ١ / ٤٠١، وكشاف القناع ٢ / ٢٤٥.
  38. الموسوعة الفقهية، ج٣٢، ص ١٨٣.