أبو شمر ابرهة بن الصباح الحميري
نبذة
أبو شمر ابرهة بن الصباح الحميري كان رجلاً ثورياً، ذا نفس وثابة وطموحة نحو الحق أينما وجده، وخاصة وان هذه النفس صقلتها ثقافة اسلامية، فأحتل مكانة في جيش عبد الله بن سعد، غزا وادي الأساود في افريقية، فوقعت حرب طاحنة وكان صاحب الترجمة من الرماة المسددين، ولما اشتدت ضراوة الحرب أمر القائد بحفر خندق حفاظاً على الجيش من التبييت، فكان الرماة من الفريقين يسددون السهام الى جانب عدوهم، وفي هذه المعركة الحامية اصيبت أحدى عيني ابن الصباح، فاشتهر برامي الخندق. وفي سنة ٣٥ حينما شاهد مظالم الولاة، وتهاون الحاكم سار في جماعة من مصر حتى أحتلوا المدينة، ثم ثاروا ضد الحاكم واردوه قتيلاً.
عاد ابرهة بعد هذه المهمة الى مصر هو وجماعته، وكان حاكم دمشق يتربص بهؤلاء الثوار عله يستطيع القاء القبض عليهم، وفي ذات يوم خرج ابرهة وجماعته يرتادون دمشق، وفي الطريق أبلغ جواسيس حاكم دمشق الحاكم برحلة ابن الصباح ورفاقه من مصر، فأمر الحاكم أن يختلسوا الحذر ثم يختطفوا الجماعة، وتمت عملية الاختطاف، فأودعهم الحاكم في السجن، ولكن الثوار لم تسكن نفوسهم الى المعتقل فدبروا مؤامرة حتى يستطيعوا الفرار من السجن، وبالفعل نجحت المؤامرة وهربوا من السجن الا ابن الصباح، فانه أبى أن يهرب وقال: لا أكون دخلته أسيراً وأخرج منه آبقاً.
وتركه رفاقه وهربوا فأقام ابن الصباح في السجن، وحينما علم الحاكم بنبأ فرار المسجونين وبقاء ابن الصباح في السجن ايثاراً منه على الهروب، استشاط غضباً على الفارين وقال في لهجة قاسية: من يأتيني برؤوسهم ولكنه شعر تجاه ابن الصباح بأكبار، فحاول أن يقربه من بلاطه وخاصة وأنه رأى في ابن الصباح ملامح الشخصية العصامية، وقد نجح الحاكم في خطته حيث اضحى ابن الصباح أحد المقربين لدى الحاكم والأثيرين عنده، الا ان الصباح لم يخلص الود للحاكم لقد كان يشاهد مظالم الحاكم وخداعه للشعب، فكان الشعب ينقاد للحاكم على أساس الخداع والدهاء الذي كان يمارسه الحاكم في سياسته، كان ابن الصباح وهو العالم ذو الثقافة الواسعة والخطيب المفوّه، وقد جمع تلامذة حوله يتعلمون منه ويدرسون عليه، وفي نفس الوقت كان المثقفون قد اتخذوه سيدهم وكبيرهم يأتمرون بأمره ويسيرون على ضوءه، وحينما حدثت معركة صفين كان ابن الصباح وجماعته وتلامذته في جانب الحاكم ولكنه كان يبطن في نفسه شيئاً هاماً لم يفصح عنه إلا في اللحظة الحاسمة، إن ابن الصباح شاهد القتلى يوميا تتساقط في سوح المعارك، وكان على علم بنوايا الحاكم من هذه الحرب، أنه يحاول أن سلطانه على هذه الأشلاء المتهافته على أرض المعركة، تماماً كما كان معجباً بشخصية الإمام ومبادئه التي كان يسير على ضوءها، وكانت هذه المبادئ قد سيطرت على عقل ابن الصباح، وعلى ضميره، فرأى ابن الصباح أنّه لو بقى في جانب الحاكم، فإنّ يوماً ليس بعيداً سيسقط في حومة المعركة قتيلاً في سبيل تركيز صولة الحاكم وتحكيم كرسي الحكم إي انه سيكون سلعة رخيصة، أو لبنة في بناء قصر الحكم، وهذا ما يأباه ضميره، فكيف سيلاقي هذا المصير وهو الذي يبتغي الجنة التي لا عوض عنها، نعم إن الجنة ستكون في جانب الإمام (ع) الذي كافح ويكافح في سبيل إقامة دعائم الدين واشاعة العدالة في صفوف الامة، أما الحكم والسلطة فهي وسيلة لتركيز دعائم الدين، لا غاية أو هدف يسعى اليه، ومن هذا المنطلق شاهد ابن الصباح نفسه بين الجنة والنار فإذا قتل وهو في موقفه مع الأموي فإن النار هو المصير الذي سينتهي اليه لأن الغايات التي يسعى اليها الأموي هي غايات نارية محرقة، وأما لو استشهد وهو في جانب الإمام فإن الجنة هي المأوى، إن هذه الأفكار استبدت بابن الصباح، فراح يتدبر أمره حتى يحصل على فرصة مؤاتية لكي ينهزم من جانب الأموي ويعبر الى جانب الإمام.
والجدير بالذكر ان ابن الصباح عرض فكرته على جماعته وتلامذته واتباعه في وضوح، وبرهن لهم أن ما يسعون اليه سيكون في جانب الإمام لا في وكر الأموي، وحينما عرض ابن الصباح فكرته على اتباعه سرعان ما آمن الاتباع بفكرته وتبنوها وأعطوه يد الصدق والوفاء: أن يكونوا معه حتى تحقيق الفكرة حيث إنّ الفكرة ليست ملكا له بل اضحت فكرة عامة اعتنقها الاتباع عن آخرهم، كان ابن الصباح يدبر الأمر جماعته في كتمان وسرية، ولما أن سنحت الفرصة، فرصة الفرار كان ابن الصباح وجماعته على أهبة الاستعداد، وما هي الا ساعات كان ابن الصباح وجماعته قد هربوا من معسكر القاسطين ولحقوا بمعسكر الإمام، وهناك عند ما اكتشف جنود الإمام عن النوايا الحسنة التي تنطوى عليها جوانح ابن الصباح وجماعته رحبوا بهم وهنأوهم على هذا التوفيق العظيم، ثم زف الجنود البشري إلى الإمام فرحب بهم الإمام وقربهم في قيادته، وما أن مضت ساعات على التحاق ابن الصباح وجماعته المثقفة بمعسكر الإمام حتى انتشر النبأ في صفوف جيش العدو، فارتسمت علامات الاستفهام بين الجنود، وذلك لأن ابن الصباح وجماعته كانوا يشكلون النخبة في الجيش وفي القيادة: سواءاً في جهة الثقافة والعلم أو في جهة العمل العسكري والممارسة لأبعاد الجندية ومنطلقاتها، فلقد كان ابن الصباح وجماعته مثقفين وفي نفس الوقت مستوعبين للعمل العسكري وأبعاد الجندية يمارسونها بمهارة وتفوق.
نعم ارتسمت في ملامح جنود العدو علامات الاستفهام وتساؤلات حول التحاق ابن الصباح وجماعته بمعسكر الإمام أمير المؤمنين (ع)، لماذا التحقوا بمعسكر الإمام؟ وما هي الدوافع؟ ما هي الحوافز في هذه الحركة في الاتجاه الى جانب الإمام؟ أحدثت حركة ابن الصباح لغطاً في صفوف جيش الأموي الأمر الذي شعر بخيبة أمل بل فتتت الحركة عضد الأموي وحطمته، وتركت في كيانه جرحا لم يندمل.
إن أبعاد الحركة سلباً وإيجاباً نستطيع أن ندركها وتتشوفها من ثنايا كلام ابن العاص المزيد الهائج، قال يخاطب معاوية:... إنك تريد أن تقاتل بهذا الجيش رجلاً له من محمد قرابة قريبة، ورحما ماسة، وقدماً في الاسلام لا يعتد بمثله، ونجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد، وإنه قد سار اليك بأصحاب المعدودين... ولهم في النفوس مهابة.
ثم يوصيه في جنوده ويقول: وأحملهم على الجهد وآتهم من باب الطمع، قبل أن ترفههم، فيحدث عندهم طول المقام مللاً، فيظهر فيهم كآبة الخذلان، ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل.
و في معسكر الإمام اطمأن ابن الصباح وجماعته على مصائرهم حيث شاهدوا أصحاب رسول الله(ص) يتهجدون في الليل، وإذا أصبح الصباح، فإذا بهم أسود يخوضون المعارك في بطولة مستميتة.
وفي ذات يوم كان ابن الصباح يمشي في المعسكر مقبلاً على فسطاط الإمام، وكان الإمام يتحدث مع قادته حديثاً ودياً بعيداً من أجواء المعركة وكان (ع) يقول: «ثلاث قبائل يقولون إنهم من العرب وهم أقدم من العرب: جرهم وهم بقية عاد، وثقيف وهم بقية ثمود» وفي هذه اللحظة بلغ ابن الصباح إلى الفسطاط فرمقه الإمام وقال: «و قوم هذا – وأشار إليه- وهم بقية تبع»[١].
عاش ابن الصباح أياماً عطرة في جانب الإمام إلى أن حان اليوم الموعود في لقاء الله تعالى، في هذا اليوم لبس ابن الصباح وجماعته لبوس الحرب، وخاضوا غمار المعركة، وأبدوا بطولة متفوقة، وبعد جولات انقشع الغبار عن ابن الصباح، فإذا به يجود بنفسه، وفي لحظات استشهد والتحق بالرفيق الأعلى، وقد انطبعت البسمة على شفتيه معبرة عن أطمأنانه على استشهاده في جانب الإمام وعلى تدبيره وحركته الخاطفة التي نقلته من معسكر النار إلى معسكر الجنة. أنه كان حراً في عزيمته وفى اتخاذ قراره النهائي[٢].
وكان أحد الموقعين على وثيقة كتبها الإمام حول سرياته وهذا نصها: «أما بعد فإن ولائدي اللائى أطوف عليهن السبعة عشر منهن اُمهات أولاد معهن أولادهن، ومنهن حبالى، ومنهن من لا ولد له، فقضائي فيهن أن حدث بي حدث أنه كان منهن ليس لها ولد وليست بحبلى، فهي عتيق لوجه الله عز وجل ليس لأحد عليهن سبيل، ومن كان منهن لها ولد أو حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه، فإن مات ولدها وهي حيّة فهي عتيق ليس لأحد عليها سبيل». «هذا ما قضى به عليّ في ماله الغد من يوم قدم مسكن».
أبو شمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان، ويزيد بن قيس، وهياج بن أبي هياج. وكتب علي بن أبي طالب بيده لعشر خلون من جمادى الاُولى سنة ٣٧ ه[٣].[٤]
العلماء
الطوسي قال: أبو شمر بن أبرهة بن الصباح الحميري وكان من أهل الشام ومعه رجال من أهل الشام لحقوا بأمير المؤمنين يوم صفين[٥].
ابن داوود: أبو شمر بن ابرهة بن الصباح الحميري كان من أهل الشام ومعه رجال من أهل الشام لحقوا بأمير المؤمنين (ع) يوم صفين[٦].[٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ نهج السعادة ٢: ٤٦٧.
- ↑ يراجع: الاصابة ٤: ١٣٠.
- ↑ نهج السعادة ٢: ٤٦٣٠؛ البحار ٤١: ٤٠.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ١٩٥ - ٢٠٠.
- ↑ رجال الطوسي ٦٥: ٣٤.
- ↑ رجال ابن داوود ٢١٩: ٥٣.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٠٠.