أبو فضالة الأنصاري

من إمامةبيديا

نبذة

أبو فضالة الأنصاري من صحابة الإمام ومن أصدقائه المتفانين في سبيل مبادئه، ولدّاته، لقد اتخذ أبو فضالة الإمام صديقاً له في مطلع المعارك التي دارت رحاها بين الاسلام والجاهلية، لقد خاض أبو فضالة معركة بدر في بسالة وشجاعة[١].

ثم أن أبا فضالة طفق يشاهد عن كتب شخصية الإمام وأبعادها في كل مجالات الحياة، تماماً كما شاهد رسول الله وتكريمه للامام في العشرات من المواطن، إنّ هذه المشاهدات تركت في نفس أبي فضالة انطباعات لا يكاد ينساها اطلاقاً، أنّها انطباعات الزمالة والصداقة، انطباعات التفاعل مع شخصية الإمام، واستلهام تلك السيرة الفذة من حياة عملاقة نشطة ذات رصيد عظيم باهر.

ولقد وطدت الحياة في المدينة، والتفاعل مع معارك الرسول بين الإمام وبين أبي فضالة، بل أن أبا فضالة كان يرى في الإمام تجسيداً للاسلام، ومثله الأعلى، يرى فيه الاستاذ الفذ وقائد المسيرة بعد رسول الله.

وهذا التقارب بين وجهات النظر وطدت الوشائج بين الإمام وبين أبي فضالة، فكان أبو فضالة إذا غاب الإمام عن المدينة يشعر بأن عاصمة الرسول فقدت شيئاً هاماً الأمر الذي أضحى أبو فضالة إذا ما غاب الإمام ينشط لتفقده والاستفسار عن موطن تواجده.

ففي ذات يوم بعد أعوام طويلة من وفاة الرسول الكريم سمع أبو فضالة انّ الإمام مريضٌ فهرع إلى دار الإمام ملتاع النفس، ولكن أخبره من كان هناك في الدار ان الإمام هو في ينبع يقضي بضعة أسابيع هناك، وسرعان ماهياً أبو فضالة الزاد والراحلة، وسار في صحبة إبنه فضالة إلى ينبع، وقبل أن يصل أبو فضالة إلى ينبع ترامت إلى سمع صديق الإمام ان الإمام يعاني من مرض عضال مما دعاه أن يحث السير نحو «سيد العرب» آملاً أن يلقي عليه النظرة الأخيرة إن كان ولابد من أجابة دعوة الله تعالى، وهناك وفي ينبع في «مزرعة الإمام» التقى أبو فضالة وابنه فضالة بالإمام.

كانت آثار المرض بادية من خلال ملامح الإمام، ومن ثنايا اشاراته ولفتاته، ونبرات صوته، شعر أبو فضالة بان الحزن يكاد يودي به، وكانت عينه مدرارة حباً للامام وقائد المسيرة، وفي نفس الوقت لم ير في أطراف الإمام أحداً، كان الإمام وحده يعيش في صومعته، ويعاني مرضه إلا أن يكون هناك خادمه وبعض أفراد أسرته، لمس أبو فضالة في ملامح الإمام بعض معالم الموت فقدّر في نفسه أن الإمام لو توفى بعيداً عن عاصمة الرسول فلا يلي تجهيزه إلى مثواه الأخير إلا أعراب «جُهينَة» الضارية أطنابها في ينبع والمنتشرة في صحراءها.

ثم انه - أي الإمام (ع) - يكون بعيداً عن أسرته، وعن صحبه وعن أجواء المدينة، لقد فكر أبو فضالة طويلا وهو مطأطئ الرأس، وفي لحظة بارقة شعر أنه لا يستطيع أن يكتم ما في نفسه، فلابد ان يبوح بلواعج أشجانه للامام (ع)، ولكن قبل أن يبوح بذات نفسه دعا الإمام أن يرحل إلى المدينة، ولكن الإمام أبى، فكرر أبو فضالة الدعوة، فلم يلبي الإمام الدعوة الأمر الذي أضطر أبو فضالة أن يسفر عن ذات نفسه، فقال في نبرة معاتبة حزينة: «لو مُت لم يلك الّا أعراب جهينة»، ثم سكت هنيهة ثم قال: «فاحتمل إلى المدينة، فان أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك»، وهنا رفع الإمام لثام الغيب البعيد فقال: «لست ميتاً من وجعي هذا».

و حينما اطلق الإمام وهو يعاني مرضه الذي سار في جسمه الهزال والضعف، حينما أطلق هذه الكلمة وبهذا الوضوح شعر أبو فضالة ان وراء هذا التأكيد الجازم السافر لمحات مشعة، فما عليه الا أن يصغي للامام حتى يتم كلامه... أضاف الإمام قائلاً: «إنّ رسول الله عهد إليّ أنّي لا أموت حتى اُأمر، ثم تخضب هذه من هذه. وأشار الإمام إلى لحيته الكريمة وإلى هامته[٢]- أي انّ لحيته ستخضب بدم هامته، ويعني نبأ النبي صلى الله عليه وآله لفتاه الإمام انّ استشهاد الإمام سوف يأتي في أعقاب الامارة، في أعقاب خلافة الإمام، اذن انّ الامارة لا تزال بعيدة عن متناول يد الإمام، ولا تزال إمارة الإمام إمارة فكرية وعقائدية، لا إمارة زمنية.

وهنا أطمأن بال أبي فضالة على حياة سيده، ومولاه، وفي نفس الوقت كانت للنبوءة اشراقة أضاءت الطريق امام أبي فضالة الطريق الذي عليه أن يقطعه في المستقبل، والشخصية التي يجب أن يتبعها في عزيمة وصدق، ومن هذا المنطلق الفكري سار أبو فضالة يقتدي بالإمام، وما ان تحلت الخلافة بالإمام حتى كان أبو فضالة أحد كبار المنضوين تحت راية الإمام، وأحد الشخصيات الكبيرة في الدولة الداعية إلى مؤازرة الإمام، ومساندته ضد أعداء مبادئ الإمام المثلى.

وحينما دقت طبول معارك «صفين» طفق أبو فضالة يدعو الشعب إلى خوض غمار المعارك في حركة إعلامية صادقة نابعة عن تجاربه وتفاعله مع الاسلام، ورسول الاسلام، رسول الاسلام الذي أشاد بالإمام، والقى الأضواء على شخصية الإمام العملاقة الرصينة.

هذا وقد خاض أبو فضالة الأنصاري البدري غمار معركة صفين حتى وقع في ساحة المعركة شهيداً مضمخاً بدمه الطاهر[٣].

وأعلن أبو فضالة وأخوته في الطريق، اعلنوا للأمة المسلمة وللأجيال عن نهج الإمام وعن مسار المناوئين وتحركاتهم المقنعة ضد الاسلام، ان هذه الدماء الطاهرة ناطقة تنطق بالأهداف والمبادئ.[٤]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج١

الهوامش

  1. الاستيعاب ٤: ١٥٣، أسد الغابة ٥: ٢٧٣، التراجم الملحق بتاريخ الطبري ١٣: ٢٣٢٠ (ط ليدن)، الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار ٣٤٢، الروضة الندية ٣٠٤ - ٣٠٥.
  2. الاستيعاب ٤: ١٥٣ – ١٥٤، أسد الغابة ٥: ٢٧٣.
  3. الاستيعاب ٤: ١٥٤، أسد الغابة ٥: ٢٧٣، التراجم الملحق بتاريخ الطبري ١٣: ٢٣٢٠، الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار ٣٤٢، الروضة الندية ٣٠٤ - ٣٠٥.
  4. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٣٠٢-٣٠٥.