الأمانة في الفقه المقارن
التعريف
الأمانة لغةً: ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، وهي في الأصل مصدر أمن، بمعنى اطمأن، والأمانة بهذا المعنى تكون للشخص أو صفة له، وقد استعملت في الأعيان مجازاً، فقيل: الوديعة - أي الشيء المستودع - أمانة[١].
وليس للفقهاء اصطلاح خاصّ للأمانة، بل استعملها الفقهاء في المعنيين المتقدّمين في التعريف اللغوي: استعملوها في الحالة أو الصفة، مثل اعتبار الأمانة في المؤذّن والشاهد، ويراد منها الوثاقة والعدالة ونحوهما، فأحكام الأمانة هي أحكام الوثاقة والعدالة[٢]. أو مثل ما يسمّى بيع الأمانة، كالمرابحة والتولية والاسترسال (الاستئمان )، وهي العقود التي يحتكم فيها المبتاع إلى ضمير البائع وأمانته[٣]. أو في الولايات، سواء كانت عامة كالقاضي، أم خاصّة كالوصي وناظر الوقف[٤].
وتستعمل الأمانة في باب الأيمان، كمُقْسَم بها باعتبارها صفة من صفات الله تعالى بقوله: أمانة الله لأفعلن كذا[٥].
استعملوها أيضاً في العين التي تكون عند الأمين، وذلك في مثل الوديعة، ومال المضاربة، فيقال: الوديعة أمانة، ومال المضاربة أمانة، والأمانة بهذا المعنى، تارةً تكون بالعقد الذي تكون الأمانة فيه هي المقصود الأصلي كما في الوديعة، التي توضع عند شخص ليحفظها، وأُخرى تكون بالعقد الذي تكون الأمانة فيه ضمناً وليست أصلاً، وتبعاً كالإجارة والعارية والمضاربة والرهن، وثالثة بدون عقد كاللقطة، وما ألقته الريح من دار الجار، ونحو ذلك[٦].[٧]
أقسام الأمانة
كلّ مالٍ لإنسان إذا وقع في يد الغير، وكان استيلاؤه عليه بإذن المالك، فهو أمانة مالكية، وإذا كان بإذن الشارع، فهو أمانة شرعية.
- إمّا أن يكون لمصلحة المالك فقط، أو لمصلحة القابض، أو لمصلحتهما، ومن الأوّل: الأمانة بالمعنى الأخصّ وهي الوديعة، أي القيام بحفظ مال الغير بإذنه بغير جعل ولا فائدة، ومن الثاني: العارية، وهي: إباحة للانتفاع أو تمليك للمنفعة بغير عوض، ومن الثالث: الإجارة، فإنّها لمنفعة المالك من حيث أخذ الأُجرة، ولمنفعة المستأجر من حيث استيفاء المنفعة، وكلّ هذه تعدّ من الأمانات، ولكن بالمعنى الخاصّ.
- وهو ما كان بإذن الشارع فقط فمنه: اللقطة، ومجهول المالك؛ كالذي أطارته الريح إلى دار إنسان، وما دخل إلى ملك الغير من طائر أو حيوان، وما أشبه ذلك.
وكلّ هذه الأنواع تعدّ أيضاً من الأمانات، ولكنّها بالمعنى الأعم، وهي أمانات شرعيّة[٨].
فاتّضح ممّا تقدّم، أنّ الأمانة المالكية ما يكون الاستيمان فيها حاصلاً من قبل المالك وبإذنه، وهذا، قد يكون من خلال عقد من عقود الاستيمان، كالعارية، والوديعة، والوكالة، والمضاربة، والإجارة، والرهن، وغيره.
وقد يكون من خلال إذن المالك ورضاه، ببقاء العين تحت يد الغير، وما يكون بالعقد، قد يكون بنحو المطابقة، بأن يكون مضمون العقد هو الاستيمان لدى الغير كما في الوديعة، وتسمّى بالأمانة بالمعنى الأخصّ.
وقد يكون بنحو التضمّن والالتزام، كما في عقد الإجارة والرهن بالنسبة للعين، فإنّها أمانة بيد المستأجر والأجير والمرتهن، لاستلزام عقد الإجارة أو الرهن، ذلك وإن كان مضمونها المنشأ هو تمليك منفعة العين، وتسمّى بالأمانة بالمعنى الأعم[٩].[١٠]
الحكم الإجمالي
الأصل إباحة أخذ الأمانة، وجعل الإنسان نفسه أميناً في حفظها لصاحبها، فيجوز أخذ الوديعة واللقطة، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّه قد يستحبّ ذلك، لمن قدر على الحفظ والأداء[١١]، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[١٢]، وقد يكون أخذ الأمانة وحفظها واجباً، إذا خيف عليها من التلف، أو إيداعها والتقاطها من قبل شخص غير أمين[١٣]، وقد يحرم الأخذ، لمن يعجز عن الحفظ أو لا يثق بأمانة نفسه في حفظ الوديعة[١٤].
وهناك أحكام عامة للأمانة بقسميها، بالإضافة إلى الأحكام الخاصّة المتعلّقة بكلّ قسم منهما، والتي ذكرها الفقهاء في أبواب شتى من الفقه.
ومن الأحكام العامّة للأمانة بقسميها ما يلي:
وجوب حفظ الأمانة
يجب على الأمين حفظ الأمانة حتى يوصلها إلى صاحبها؛ للأدلّة على وجوب أداء الأمانة، مع ما ذكر من الإجماع على ذلك، بل الضرورة الفقهيّة، إن لم تكن دينية وسيرة المتشرعة[١٥].
وهذه الأدلّة تدلّ على وجوب الحفظ بالدلالة الالتزامية، حيث إنّ الحفظ مقدّمة للأداء، كما أنّه ملازم له عرفاً، وملازم لترك التفريط والخيانة[١٦].
وذهب فقهاء المذاهب إلى أنّ الحفظ يكون بحسب كلّ أمانة، فالوديعة مثلاً، يكون حفظها بوضعها في حرز مثلها.
والعارية والشيء المستأجر، يكون حفظهما بعدم التعدّي في الاستعمال المأذون فيه وبعدم التفريط. وفي مال المضاربة، يكون بعدم مخالفة ما أذن فيه للمضارب من التصرفات، وهكذ [١٧].
وذكر بعض فقهاء الإماميّة، أنّه يجب على المستودع حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به؛ لأنّه لم يرد فيه تحديد شرعي، بل هو موكول إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الودائع والخصوصيات وسائر الجهات[١٨].
وروي عن رسول الله (ص) قوله: «الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر»[١٩].
وجوب ردّ الأمانة
يجب ردّ الأمانة إلى أهله[٢٠]، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[٢١].
وقال النبي (ص ): «أَدِّ اَلْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ اِئْتَمَنَكَ وَ لاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[٢٢].
وروى الفضيل بن يسار قال: كنت عند أبي عبد الله الصادق (ع) ودخلتْ عليه امرأة، وكنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسئله، فقلت: عمّاذا ؟ فقالت: إن ابني مات وترك مالاً كان في يد أخي فأتلفه، ثمّ أفاد مالاً فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء ؟ فأخبرته بذلك فقال: «لا، قال رسول الله (ص ): «أَدِّ اَلْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ اِئْتَمَنَكَ وَ لاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[٢٣].
وعن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله الصادق (ع) عن رجل وقع لي عنده مال، فكابرني عليه ثمّ حلف، ثمّ وقع له عندي مال، آخذه لمكان مالي الذي أخذه وجحده، وأحلف كما صنع ؟ قال: «إِنْ خَانَكَ فَلاَ تَخُنْهُ وَ لاَ تَدْخُلْ فِيمَا عِبْتَهُ عَلَيْهِ»[٢٤].
ثمّ إنّ وجوب ردّ الأمانة لا يختصّ بمال المسلم، بل تحرم الخيانة حتى في مال الكافر؛ لإطلاق الأدلّة الدالّة على حرمة الخيانة، ووجوب ردّ الأمانة[٢٥]، ولما دلّت عليه بعض الروايات[٢٦].
وقد فصّل بعض الفقهاء بين الكافر الحربي وغيره، فلا يجب ردّ الأمانة إلى الكافر الحربي دون غيره[٢٧].
الضمان بالتعدّي أو التفريط: [٢٨]
لا يضمن الأمين تلف الأمانة، إذا كان بغير تعدّ أو تفريط في الحفظ ولم يكن شرط عليه الضمان[٢٩] وهذا في غير العارية عند الحنابلة[٣٠] والشافعيّة[٣١]، فالعارية عندهم مضمونة.
قبول قول الأمين بالتلف
إذا اختلف في كون التلف الحاصل في الأمانة كان بتعدّ، أو تفريط، أوليس ذلك، كان القول قول الأمين مع اليمين، من غير فرق في ذلك بين الأمانة المالكيّة والأمانة الشرعيّة، وعلى المالك إقامة البيّنة على التعدّي[٣٢].
نعم، ورد في بعض الروايات أنّ على الأمين البيّنة، إذا كان أجيراً أو كان متّهماً[٣٣].
وللفقهاء في جميع ذلك تفصيلات، يُرجع إليها في مواضعها من الأبواب الفقهيّة: كالوديعة، والعارية، والإجارة، والرهن، والوكالة، والشركة، والوقف، والوصيّة، والشهادة، والقضاء، واللقطة، وغيرها.[٣٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ العين ٨: ٣٨٨ - ٣٨٩. الصحاح ٥: ٢٠٧. معجم مقاييس اللغة ١: ١٣٣. لسان العرب ١: ٢٢٣ - ٢٢٤. المصباح المنير: ٢٤.
- ↑ انظر: موسوعة الفقه الإسلامي ١٧: ٤٧. المغني ٩: ١٦٥. المهذب (الشيرازي) ٢: ٣٢٥.
- ↑ بدائع الصنائع ٥: ٢٢٥، ط الجمالية. المغني ٣: ٥٨٤. و٤: ٢٠٣، ٢٠٨، ط الرياض. حاشية الدسوقي ٣: ١٦٤، ط دار الفكر.
- ↑ الفتاوى الهندية ٦: ١٣٧، ١٤٦، ١٤٨، ١٥٠، ط المكتبة الإسلامية. المهذب ٢: ٤٧١، ط دار المعرفة. منتهى الإرادات ٢: ٥٠٤، ط دار الفكر. المغني ٩: ٤٠.
- ↑ منح الجليل ١: ٦٢٤، ط النجاح. المهذب ١: ١٣١. المغني ٨: ٧٠٣.
- ↑ انظر: موسوعة الفقه الإسلامي ١٧: ٤٧. حاشية القليوبي ٣: ١٨٠، ط مصطفى الحلبي. مجمع الأنهر ٢: ٣٣٨. مجلة الأحكام العدلية: ١٤٤. مغني المحتاج ٣: ٩٠، مصطفى الحلبي. القواعد في الفقه (ابن رجب ): ٥٣، ٥٤، ط دار المعرفة.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٣٦٠.
- ↑ تحرير المجلة ٢: ٤١٥ - ٤١٦.
- ↑ بحوث في الفقه (الإجارة ): ٣٠. انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢٣٩.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة (كتاب)|موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٣٦١.
- ↑ المبسوط (الطوسي) ٣: ٤٩. المهذب (ابن البرّاج) ١: ٤٢٨. حاشية إعانة الطالبين ٣: ٢٨٩. تحفة الفقهاء ٣: ١٧٠. وانظر: الموسوعة الكويتيّة ٦: ٢٣٦.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٢.
- ↑ المبسوط (الطوسي) ٣: ٣٣٦. تذكرة الفقهاء ١٧: ٣٠٩، ٣٢١. المجموع ١٥: ٢٥٠، ٢٨٤.
- ↑ لم يذكر الحرمة، بل ذكر الأحوط وجوباً، يراجع: الهداية ٢: ١٧٥، ط المكتبة الإسلامية. المهذب (الشيرازي) ١: ٣٦٥ - ٤٣٦. منح الجليل ٣: ٤٠٢. و١٢٠. ٤، ط النجاح.
- ↑ جامع المدارك ٣: ٤٣٤. موسوعة الفقه الإسلامي ١٧: ٤٩. الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢٣٧.
- ↑ مهذب الأحكام ١٨: ٢٦٤. فقه الصادق ١٩: ٣١٨.
- ↑ تكملة ابن عابدين ٢: ٢٣١، ٢٣٢، ط مصطفى الحلبي. منتهى الإرادات ٢: ٣٢٧.
- ↑ مهذب الأحكام ١٨: ٢٦٤.
- ↑ وسائل الشيعة ١٩: ٧٦، ب ٣ من الوديعة، ح ١. كنز العمال ٣: ٦٠، ح ٥٤٩٣.
- ↑ مجمع الفائدة ١٠: ٣١٥. وانظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة ٦: ٢٣٧.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٨.
- ↑ وسائل الشيعة ١٧: ٢٧٣، ب ٨٣ ممّا يكتسب به، ح ٣. سنن أبي داوود ٣: ٨٠٥، ط عزت عبيد دعّاس. انظر: تذكرة الفقهاء ٢: ١٩٦. بدائع الصنائع ٦: ٢١٠.
- ↑ وسائل الشيعة ١٧: ٢٧٣، ب ٨٣ ممّا يكتسب به، ح ٣.
- ↑ وسائل الشيعة ١٧: ٢٧٤، ب ٨٣ ممّا يكتسب به، ح ٧.
- ↑ الحدائق الناضرة ٢١: ٤٢٥.
- ↑ وسائل الشيعة ١٩: ٧٣، ب ٢ من الوديعة، ح ٥.
- ↑ رسالة توضيح المسائل (بهجت ): ٤٤٠،م ١٨١٦. مباني المنهاج ٨: ٥٧١.
- ↑ تحرير الأحكام ٣: ٢١٧. القواعد الفقهية (البجنوردي) ٢: ٩. بدائع الصنائع ٦: ٢١٧. المهذب ١: ٣٦٩. منتهى الإرادات ٢: ٤٥٦.
- ↑ المبسوط (الطوسي) ٢: ٣٧٩ - ٣٨٠. مدارك الأحكام ٨: ٧١. ذخيرة المعاد: ٦٧٦. القواعد الفقهية (البجنوردي) ٢: ٩. بدائع الصنائع ٦: ١٨. المهذب (الشيرازي) ١: ٣٦٩. منتهى الإرادات ٢: ٤٥٦.
- ↑ منتهى الإرادات ٢: ٣٩٧.
- ↑ المهذب (الشيرازي) ١: ٣٧٠.
- ↑ إيضاح الفوائد ٢: ٦٤٨. الحدائق الناضرة ٢١: ٥٢٥. يراجع المطلب. المبسوط (السرخسي) ١١: ١١٣. المجموع ١٤: ١٦٦.
- ↑ انظر: وسائل الشيعة ١٩: ١٤١ - ١٤٢، ب ٢٩ من الإجارة،م ٢، ٥ و١٤٨، ب ٣٠، ح ١.
- ↑ محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج٣، ص ٣٦٢-٣٦٤.