الإبطال في نهج البلاغة
تمهيد
«الإبطال»: الإزالة مطلقاً، أو الحكم بعدما الصحة، يقال: أبطَلَ الشيء: أفسده وأزاله حقاً كان أو باطلاً. وأبطل البيع والحكم والدليل والعمل: ألغاه وأدحضه وفنده، نحو قول ابن خلدون: أنكر القياس طائفة من العلماء، وأبطلوا العمل به؛ أي ألغوه. وأبطل فلان: إذا ادعى باطلاً، أو قال شيئاً لا حقيقة له، فهو مبطل، وهم مبطلون.
قال تعالى: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾[١].
وقال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾[٢]. أي لا تجعلوها باطلة لا يترتب عليها ثواب الآخرة؛ وذلك بمعصية الله سبحانه والرسول(ص)، أو بالشك، أو النفاق، أو بالرئاء والسمعة.
من حديثه(ع) عن صفات الله جل جلاله: «وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ»[٣]. «أَبْطَلَ أَزَلَهُ»: أي ألغى أزليته، والأزل: القدم الذي ليس له ابتداء، أو ما لا أول له.
ومن وصيته(ع) للأشتر النخعي بأن لا يمن على رعيته: «وَ إِيَّاكَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ»[٤].
«أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ»: أي يزيد في قوله وفعله حتى يبلغ منتهاه، والمراد يبالغ في قدر معروفه «أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ»: أي لا تفي بوعدك، ولا تصدق في كلامك، حذره الإمام(ع) من الفخر والمباهاة بإحسانه؛ لأنه يجعله مشوبا بالكدر والتنغيص، فيذهب بروعته، كما نهاه(ع) عن المبالغة في الإخبار عن قدر معروفه.
ومن ذمه(ع) لبعض أصحابه: «لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ وَ لَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ!»[٥].
اجتمعت المطابقة والعكس بشكل متشابك، فتجد أن الفكرتين سرعان ما كشفتا عن خفايا عميقة لما يعانيه بعض أصحابه من أمراض نفسية عقائدية بالغة الأهمية قلما تدرك من خلال هذا النص؛ لإيجازه وبلاغته.
ومن تعريضه(ع) بمعاوية: «وَ لَا الْمُحِقُّ كَالْمُبْطِلِ وَ لَا الْمُؤْمِنُ كَالْمُدْغِلِ»[٦].
«الْمُبْطِلِ»: المتخبط في الضلال، و«الْمُدْغِلِ»: المفسد الذي يبغي أصحابه الشر، يضمره لهم ويحسبونه يريد لهم الخير. وبين: «الْمُبْطِلِ» و«الْمُدْغِلِ» سجع متواز أخرجه في صورة الاستنكار وهو يعرض الصفات المتقابلة فكل صفة كريمة فيه يقابلها صفة ذميمة في معاوية.
ومن حثه(ع) على التقوى: «فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ»[٧]. فإن إضاعة التقوى موجبة لخسران الضال للآخرة ونعيمها.
ومن كتابه(ع) لشريح حينما اشترى داراً بثمانين ديناراً: «هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ... اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ... هَذِهِ الدَّارَ... فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلُوكِ... وَ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ... إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَ الْحِسَابِ وَ مَوْضِعِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ»[٨].[٩]