البَرح في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

«البَرح»: الزوال، والانكشاف، والشدة، والأذى، والمشقة، والشر، والجمع: أبرَاح. والبرح: مصدر الفعل بَرِحَ الشيءُ يَبرَحُ بَرَحاً أو بَراحاً أو بُرُوحاً: زال عن مكانه وفارقه، وصار في البَرَاح؛ وهو البارز المنكشف، ويطلق على المكان المتسع الظاهر من الأرض؛ لا زرع فيه، ولا شجر، واعتبروا فيه الظهور والوضوح، فقيل: فعل ذلك براحاً؛ أي ظاهراً غير خفي، ثم أطلقوها اسماً للشمس.

والبارح من الظباء والطير، ولكن البارح يُتشاءَم به؛ لأنه ينحرف عن الرامي إلى جهة غير مناسبة، ويجمع على بوارح، والسانح عكس ذلك. ولما تصور من البارح التشاؤم، اشتقوا منه التبريح؛ وهو الشدة والمشقة، وجمعه: التباريح، وقيل: لقيتُ منه البُرَحاء والبُرَحين؛ أي الشدائد ومنه الخبر: «ضرباً غير مُبَرِّح» أي غير شاق.

وبَرَّحَت بيَ الحمى؛ أي أصابني منها البُرَحاء، وهو شدتها. وبرح الله عنه: فرج وكشف.

وخُصَ بَرِح بالإثبات، كقولهم: لا أزالُ؛ لأنَّ بَرِح وزال اقتضيا معنى النفي، و«لا» للنفي، والنفيان يحصل من مجموعهما إثبات، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ[١].

أي لا أزال مستمرا على السير حتى أبلغ مجمع البحرين، فيكون مضارع برح الذي هو فعل ناقص، ولا يستعمل إلا مع النفي.

وعن الرضي: أن حذف خبرها قليل، أو أن في الكلام حذفاً مضافاً، تقديره: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، ثم حذف مسير، وأُقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحل بارزة، وبقي ﴿حَتَّى أَبْلُغَ على حاله في الخبر.

وإن كانت بَرِح التامة فلا تحتاج إلى الخبر، وكأن المعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ بمعنى ألزم المسير والطلب، ولا أفارقه ولا أتركه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا يحتاج أيضا إلى حذف مفعول به.

وقيل: استعير ﴿لَا أَبْرَحُ لمعنى: لا أترك، أو لا أكف عن السير حتى أبلغ مجمع البحرين.

وأما قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي[٢].

فبرح هنا تامة ضمنت معنى أفارق؛ أي لن أفارق أرض مصر، و: ﴿الْأَرْضَ مفعول به، ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك كان معناها: ظهر، أو ذهب، ومنه برح الخفاء: أي ظهر، أو ذهب، ومعنى الظهور لا يليق، والذهاب لا يصل إلى الظرف المخصوص إلا بواسطة «في» تقول: ذهبت في الأرض، ولا يجوز: ذهبت الأرض. وقد جاء شيء لا يقاس عليه.

ولا يجوز في «أبرَح» هنا أن تكون ناقصة؛ لأنه لا ينتظم من الضمير الذي فيها، و«من الأرض» مبتدأ أو خبر، ألا ترى أنك لو قلت: أنا الأرض، لم يجز من غير «في» بخلاف: أنا في الأرض، وزيد في الأرض.

وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى[٣].

أي مقيمين على عبادة العجل؛ أي لا نزال[٤]، فهو من برح الناقصة، وخبرها «عاكفين».

قال(ع) مؤنباً أصحابه يوم التحكيم: «لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ! أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً»[٥].

«بَرْحاً»: شراً وأذى وشدة. ويروى: «تَرحا» أي حزنا. تأفف(ع) منهم وتذمر لما لاقاه منهم من الشدائد والقسوة والتعنت.

ومن وصية له(ع) بالتقوى: «عِبَادَ اللَّهِ! أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. وَ الْمُوجِبَةُ عَلَى اللَّهِ حَقَّكُمْ وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَ الْجُنَّةُ وَ فِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ، مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ، وَ سَالِكُهَا رَابِحٌ، وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ، لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ مِنْكُمْ وَ الْغَابِرِينَ؛ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً»[٦].

أي أن التقوى لم تزل تعرض نفسها على الأمم السالفة منكم والحاضرين، وهي حاجة ملحة لكل الأجيال؛ لأنهم بحاجة إليها غداً يوم الحساب.

ومن تأكيده(ع) على فضيلة الذكر وأهله: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ الذِّكْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلَاؤُهُ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ وَ فِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ»[٧].

أي ما زال لله - بمقتضى لطفه ورحمته جلت نعماؤه رجال هم أهل الذكر؛ وهم الأئمة المعصومون(ع).

ومن حديثه(ع) عن دوام رحمته تعالى ونعمائه: «الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ وَ لَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ»[٨]. أي لا تزال رحمته دائمة لا تنقطع، ومعلوم أن عدم الزوال مستلزم لدوام الله تعالى.

ومن أمره بالاتعاظ(ع) بأحوال المؤمنين السابقين: «وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَ الْبَلَاءِ. أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَ جَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَةِ»[٩].

«لَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ»: لم تزل بهم حالهم في ذل وقهر وغلبة إلى أن جاءهم نصر الله.[١٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة الكهف: ٦٠.
  2. سورة يوسف: ٨٠.
  3. سورة طه: ٩١.
  4. معجم مقاييس اللغة، ج١، ص٢٣٨.
  5. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٥.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ١٩١.
  7. نهج البلاغة، الخطبة. ٢٢٢.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٤٥.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
  10. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٣٦.