الإثبات
التعريف
لغةً: الإثبات لغةً: مصدر أثبتَ، بمعنى اعتبر الشيء دائماً مستقرّاً[١]، وضدّه الزوال[٢].
اصطلاحاً: استعمله الفقهاء تارةً في مجال الأحكام الشرعيّة بمعنى إقامة الدليل المعتبر على حكم شرعي أو تحقّق موضوعه في الخارج. والأثر المطلوب من الإثبات بهذا المعنى هو ثبوت ذلك الحكم الشرعي وترتيب آثاره ومقتضياته. وقد وضع الشارع طرق ووسائل عدّة لإثبات الحكم الشرعي، والبحث في ذلك موكول إلى علم الأُصول. وأُخرى يستعمل في كلماتهم بمعنى خاصّ يرتبط بكتاب القضاء، وهو إثبات حقّ أو مسؤوليّة على الغير أمام القاضي، وأثر الإثبات بهذا المعنى تمكين القاضي من القضاء، فيثبت ذلك الحقّ أو المسؤولية بحكم القاضي.[٣]
الإثبات القضائي
المكلّف بالإثبات
اتفق الفقهاء على أنّ الإثبات يطلب من المدّعي دون المنكر؛ لقول النبي(ص): «البينّة على المدّعي واليمين على من ادُّعي عليه»[٤]، ولأنّ المدّعي يدّعي خلاف ما يقتضيه ظاهر الحال فعليه إثبات ما يدّعيه[٥].
التوكيل في الإثبات
تعرّض الفقهاء لصحّة التوكيل في إثبات الحجج والحقوق والحدود والقصاص وعدمها، وإليك الموارد تباعاً:
- التوكيل في إثبات الحقوق والحجج: ذهب فقهاء الإماميّة إلى جواز التوكيل فيه مطلقاً - حاضراً كان الموكّل أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً، رضي الخصم بالوكيل وعدمه - ذهب إليه فقهاء الإماميّة[٦].
- التوكيل في إثبات الحدود: ذهب فقهاء الإماميّة إلى جواز التوكيل في إثبات الحدود[٧]
- الوكالة في إثبات القصاص: ذهب فقهاء الإماميّة إلى جواز الوكالة لإثبات القصاص[٨].
طرق الإثبات القضائي
اتفق الفقهاء على أنّ الإقرار والشهادة واليمين والنكول والقسامة - على تفصيل يأتي في محلّه - حجج شرعيّة يعتمد عليها القاضي في قضائه، ويعوّل عليها في حكمه، ونتعرّض هنا بإجمالٍ لهذه الحجج، وهي:
- الإقرار: وهو إخبار الإنسان بما له أثر عليه، لا على الغير ولا له، وهو من الطرق التي يثبت بها كلّ ما يكون قابلاً للإثبات من الموضوعات القضائيّة.
- البيّنة: وهي شهادة ما يتحقّق به النصاب لثبوت موضوع الحكم الشرعي أو القضائي، وما يتحقّق به النصاب يختلف من موضوع لآخر، فبعض موضوعات الحدود لا يثبت إلّا بشهادة أربعة كما في الزنى عند جميع الفقهاء[٩]، واللواط والسحق أيضاً عند الإماميّة[١٠]، وصرّح مشهور الإماميّة الذكورة في الشهادة على اللواط والسحق، ويثبت الزنى الموجب للرجم عندهم أيضاً بشهادة ثلاثة رجال وامرأتين، والموجب للجلد بشهادة رجلين وأربع نساء على المعروف بينهم[١١]، وأمّا موضوعات الحدود الباقية فلا تثبت إلّا بشاهدين من الرجال[١٢]. وسائر موضوعات الأحكام الشرعيّة والقضائيّة تثبت بشهادة رجلين أيضاً، وبعضها كالحقوق المالية تثبت بشهادة رجل وامرأتين ورجل ويمين[١٣]. ومن الموضوعات ما يقبل فيه شهادة النساء منفردات كالولادة والاستهلال وعيوب النساء الباطنة[١٤] وإن اختلفوا في عدد النساء الذي تثبت به هذه الأُمور.
- اليمين: وهي الحلف بالله تعالى أو أحد أسمائه المختصّة به على صدقه - المدعي أو المنكر - فيما أخبر به. وتنقسم اليمين القضائية إلى أقسام:
- يمين الإنكار: وهي اليمين التي يحلفها المنكر على صحّة قوله لحسم الدعوى، وموضع توجيهها هو عند إنكار المدّعى عليه الحقّ، وعدم تقديم بيّنة من قبل المدّعي. ويوجد هنا تفصيل حيث ذهب الإماميّة[١٥] إلى أنّ المدّعي بالخيار بين تقديم البيّنة أو طلب اليمين من المنكر.
- اليمين المردودة: وهي اليمين التي يحلفها المدّعي بعد نكول المنكر عن الحلف على صحّة قوله، وبموجبها يثبت الحقّ لصالح المدّعي، وإذا نكل المدّعي عن اليمين المردودة عليه، ولم يتعلّل بشيء ولم يطلب مهلة لأداء اليمين سقطت دعواه[١٦].
- يمين الاستظهار: وهي اليمين التي يحلفها المدّعي على صحّة دعواه إضافة إلى البيّنة. وموردها ما إذا كانت الدعوى على ميّت[١٧].
- اليمين المكمّلة: وهي اليمين التي تقوم مقام الشاهد في تكميل نصاب البيّنة، وموردها الحقوق المالية والأموال وما يؤول إليها دون غيرها، وبه قال فقهاء الإماميّة[١٨].
- القسامة: وتعتبر من طرق إثبات الموضوعات القضائيّة في خصوص الجنايات وهي الأيمان التي يقسمها طرف المدّعي لإثبات جناية المدّعى عليه عند فقده البيّنة على دعواه، هذا ما عليه الإماميّة[١٩]. وهناك تفصيل واختلاف في شروط القسامة وصيغ القسم وكيفيّة توزيعها على الحالفين وحكم معارضة أدلّة الإثبات الأُخرى للقسامة، يأتي البحث عنها في محلّه.
- الكتابة: عدّها بعض فقهاء الإماميّة من جملة طرق الإثبات في الأحكام والموضوعات القضائيّة، وذلك في خصوص حقوق الناس دون حقوق الله، إلّا أنّ المشهور - بل دعوى الإجماع عليه من أكثر من واحد - منهم أنكروا حجيّة الكتابة[٢٠]؛ لورود بعض الروايات الناهية عن ترتيب الأثر عليها، وعلّل في بعضها بعدم الأمن من التزوير[٢١].
- علم القاضي: اختلف الفقهاء في المراد من علم القاضي هل هو العلم الشخصي أم النوعي؟ فذهب بعض فقهاء الإماميّة إلى القول بالعلم الشخصي[٢٢]، وذهب جمع آخر من فقهاء الإماميّة إلى كون المراد العلم النوعي[٢٣]. كما اختلف الفقهاء في جواز حكم القاضي بعلمه وعدمه على أقوال:
- القضاء بالقرينة القاطعة:
- القرعة: اتفق الفقهاء في كون القرعة طريق من طرق الإثبات القضائي، وهناك تفصيلات وبحوث اختلفوا في بعضها يتعرّض إليها في محلّها.
- القضاء بقول القافة.[٢٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ المصباح المنير: ٨٠. انظر: لسان العرب ٧٩: ٢ (ثبت).
- ↑ المفردات: ١٧١.
- ↑ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج١، ص ٢٣٥.
- ↑ وسائل الشيعة ٢٣٣: ٢٧، ب ٣ من كيفية الأحكام، ح ١. وقريب منه ما رواه البيهقي ٣٣٢: ٥. و٨٣: ٦ بلفظ: (إنّ رسول الله: قضى أنّ اليمين على المدعى عليه). وانظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية ١٧٥: ٢، ط الفجالة الجديدة.
- ↑ التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد): ٣٨٧. القواعد الفقهيّة (للبجنوردي) ٧٨: ٣. الاختيار (للموصلي) ١٠٩: ٢. مغني المحتاج ٤٦١: ٤.
- ↑ المبسوط ٢٢٨: ٥. شرائع الإسلام ١٩٦: ٢. التحرير ٢٧: ٣-٢٨، ٤٧.
- ↑ المبسوط ٢٢٨: ٥. شرائع الإسلام ١٩٦: ٢. التحرير ٢٧: ٣-٢٨، ٤٧.
- ↑ المبسوط (للطوسي) ٢٢٨: ٥. بدائع الصنائع ٢٢: ٦-٢٣. فتح القدير ١٠٥: ٦، ط بولاق. نهاية المحتاج ٢٥: ٥. بداية المجتهد ٣٠٢: ٢. المهذب ٣٥٥: ١.
- ↑ جواهر الكلام ١٥٥: ٤١، ٣٧٧. حاشية ابن عابدين ١٤٢: ٣. الشرح الصغير ٢٦٥: ٤. بداية المجتهد ٤٦٤: ٢. روضة الطالبين ٩٧: ١٠.
- ↑ غنية النزوع: ٤٣٨. الجامع للشرائع: ٥٤٢.
- ↑ جواهر الكلام ١٥٥: ٤١، ٣٧٧. مباني تكملة المنهاج ١١٨: ١-١١٩.
- ↑ جواهر الكلام ١٧٣: ٣٥. و٦٤٢: ٤١.
- ↑ بلغة الفقيه ٥٣: ٤. مباني تكملة المنهاج ٣١: ١. تحرير الوسيلة ٩٦: ٢،م ٦٣. الهداية ١١٧: ٣. فتح القدير ٧: ٦. الشرح الكبير ٩٠: ١٢. حاشية الدسوقي ٨٧: ٤. شرح الخرشي ٢٠١: ٤. مغني المحتاج ٤١: ٤. روضة الطالبين ٢٥٤: ١١. المغني ٩: ١٢.
- ↑ الخلاف (للطوسي) ١٠٧: ٥،م ٢٠. قواعد الأحكام ٢٨: ٣، ٤٩٩-٥٠٠. الدروس الشرعية ١٣٨: ٢. انظر: المغني ١٦: ١٢-١٧. الشرح الكبير ٩٧: ١٢-٩٨. المبسوط (للسرخسي) ١٤٢: ١٦-١٤٤. بداية المجتهد ٤٥٤: ٢.
- ↑ انظر: جواهر الكلام ٢١٣: ٤٠-٢١٤.
- ↑ تكملة العروة ٦٤: ٣. العناوين الفقهيّة ٦١٣: ٢. الهداية وفتح القدير ٢٥١: ٣. بدائع الصنائع ٢١٤١: ٥، ٢١٤٣. التاج والإكليل ١٣٨: ٤. روضة الطالبين ٣٥٦: ٨. مغني المحتاج ١٢١: ٧. المغني ٤٤٤: ٧.
- ↑ بلغة الفقيه ٣٨٤: ٣. القضاء في الفقه الإسلامي: ٧٢٠-٧٢٥. حاشية ابن عابدين ٤٢٣: ٤. الفروق (للقرافي) ١٤٣: ٤. تبصرة الحكّام ١٩٦: ١. منتهى الإرادات ٦٨٠: ٢. نهاية المحتاج ٣٣٠: ٨.
- ↑ القضاء في الفقه الإسلامي: ٧٢٠-٧٢٥. شرح منح الجليل ٣٣٥: ٤. كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي ٣١٢: ٢. القوانين الفقهيّة (لابن جُزَي): ٢٩٨، ط دار الكتاب العربي. حاشية الدسوقي ٢٩٥: ٤.
- ↑ انظر: جواهر الكلام ٢٢٦: ٤٢-٢٣٢.
- ↑ المبسوط ١٢٢: ٨. شرائع الإسلام ٩٥: ٤. قواعد الأحكام ٤٥٦: ٣. مسالك الأفهام ٧: ١٤. جواهر الكلام ٣٠٣: ٤٠.
- ↑ انظر: وسائل الشيعة ٣٢١: ٢٧، ٣٢٣، ب ٨ من الشهادات.
- ↑ الانتصار: ٤٨٦. السرائر ١٧٩: ٢. و٤٣٢: ٣.
- ↑ حكم القاضي بعلمه (للهاشمي) مجلة فقه أهل البيت ١١: ١٦.
- ↑ جواهر الكلام ٨٦: ٤٠-٨٨. مفتاح الكرامة ٣٦: ١٠.
- ↑ مفتاح الكرامة ٣٦: ١٠. بدائع الصنائع ٧: ٧.
- ↑ حاشية العدوي ١٦٤: ٥-١٦٩. تبصرة الحكّام ١٦٧: ١. نهاية المحتاج ٢٤٦: ٨. المغني ٤٠٠: ١١ وما بعدها، ط المنار. مفتاح الكرامة ٣٦: ١٠.
- ↑ السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، موسوعة الفقه الإسلامي المقارن، ج١، ص ٢٣٧-٢٤١.