البُطءُ في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

«البُطءُ والإبطاءُ»: نقيض الإسراع، أو التأخر والتخلف، أو ثقل الحركة، وخص في التلكؤ في تنفيذ عمل ما، أو التمهل في الحديث أو في أمر من الأمور. وبَطُؤَ يبطؤُ بُطئاً وبِطَاءً وبُطُوءاً، - من باب قرب -: تمهل وتأخر، أو تثاقل وتوانى ولم يسرع، فهو بَطِيء، وهي بطيئة، والجمع: بِطَاءٌ، وكذلك أبطأ، يقال: أبطأ إبطاءً: توانى وفتر، وأبطأ عليه: تأخر، وأبطأ به: أَخره.

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ[١].

من التَبطِئَة؛ وهو التأخُّر عن الأمر. والمبطُّئون: المنافقون، تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد[٢].

وفي الخبر: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَنْفَعْهُ نَسَبُهُ»[٣]؛ أي من أخره عمله السيء وتفريطه في العمل الصالح، لم ينفعه في الآخرة شرف النسب.

من مدحه(ع) لمالك الأشتر: «فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَا يُخَافُ وَهْنُهُ وَ لَا سَقْطَتُهُ وَ لَا بُطْؤُهُ عَمَّا الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ وَ لَا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ»[٤].

الوَهن: الضعف، و«السَّقطَة»: الغلطة والخطأ، وفي نسخة: «ممن لا يخاف رهقه، ولا سقاطه» والرهق: السفه والخفة وركوب الشر والظلم، والسقاط والسقطة: العثرة والزلة. و«أَحْزَمُ»: أي أدخل من باب الحزم والاحتياط، و«لَا بُطْؤُهُ» عطف على وهنه؛ أي لا يخاف بطؤه، والبطء: التأني والتريث.

أوجز الإمام(ع) بهذه الكلمات المعكوسة، تعقيدات النفس الإنسانية من رضي وإعراض، وما يترتب عليهما من البطء والإسراع في الإحجام والإقبال على السلوك[٥]، فوصف الإمام(ع) مالكا الأشتر بأنه حكيم يضع الأمور مواضعها، فإن كان الإسراع هو المطلوب في أمر ما، فإنه لا يتأخر، بل يسرع فيه، وإذا كان البطء هو المطلوب، فإنه لا يبادر، ولا يسرع، بل يتأنى ويتأخر حتى يأتي الوقت المناسب لذلك الأمر[٦].

ومن بيانه(ع) لسبب تأخر استجابة الدعاء: «فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ»[٧]. الإبطاء: التأخر.

ومن ذمه(ع) المتقاعدين عن نصرة الحق: «اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ وَ الْمُصْلِحَةَ غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَ الْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ»[٨].

وصفهم بصفتين هما غاية الشدة في تقصيرهم وعظيم انحرافهم؛ فهم خذلوا نصرة الحق، وأذلوا عز الدين وأهله. ومن حديثه(ع) عن أصحاب معاوية: «وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي»[٩]. أي تأخركم وتلكئكم عن حقي.

ومن بيانه(ع) لتقدم العمل على النسب: «مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[١٠]. أي من لم يجد في عمله، بل قصر وتماهل لم ينفعه في الآخرة شرف النسب.

وفي تحذيره(ع) مالكاً من أهل الخاصة: «وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَ أَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ... مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ»[١١]. أي هم أقل الناس عذرا للوالي عندما يمنعهم عطاء.

ومن بيانه(ع) لصفات قادة الجيش: «فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ وَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ»[١٢]. «يُبْطِئُ»: يتريث.

ومن بيانه(ع) لتقدير الرزق على العبد: «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَا قَسَمَ لَكَ وَ إِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْهَمِّ فِيمَا لَيْسَ لَكَ؟! وَ لَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ وَ لَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ وَ لَنْ يُبْطِئَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ‏»[١٣]. أي لن يتوانى عنك.

ومن تقسيمه(ع) الناس إلى ثلاثة: «سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِي‏ءٌ رَجَا وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى»[١٤].

«السريع»: في الطلب، فهو سابق بالخيرات بإذن الله، وأما الطالب البطيء: فهو المقتصد، وأما المقصر: فهو ظالم لنفسه[١٥]، فأقسام الناس عند الإمام لا تتعدى هذه المذكورة، ومن خلال إيقاع الجمل الثلاث وحسن تنسيقها وبراعة تأليفها، وترابط الأفكار وتسلسلها، حصلت قوة ودقة في أداء المعنى المطلوب.

ومن وصفه(ع) لنفسه الشريفة: «مَكِيثُ الْكَلَامِ بَطِي‏ءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ»[١٦].

«مَكِيثُ الْكَلَامِ»: بطيئه، أو رزين، والمعنى: أنه ذو أناة وتؤدة، ثم أكد ذلك بقوله(ع): «بَطِي‏ءُ الْقِيَامِ» أي أنه يبادر إلى وجوه المصلحة، وانتهاز الفرص، كما أكده بقوله: «سَرِيعٌ إِذَا قَامَ» إي إذا نهض جد وبالغ، فاستقصى بهذه المعاني وصف حال نفسه الشريفة. ولا يخفى ما في هذه العبارات من الكناية عن التفخيم والإجلال، وإلى فن التعريض الذي تجسد من خلال شمولية العبارة.

ومن عظته(ع) لابنه الإمام الحسن(ع): «وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِنَ الْمُثْقِلِ، وَ الْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ»[١٧]. أي المتأخر عنها أقبح حالاً من المسرع إليها.

ومن استعانته(ع) بالباري سبحانه: «وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ»[١٨].

«الْبِطَاءِ»: جمع بطيئة، ضد السريعة؛ أي نطلب الإعانة على هذه النفوس البطيئة عن إقامة ما أمرت من صلاة وصيام، وحج وجهاد، وأداء الواجبات؛ لأن هذه الأمور خلاف طبع الإنسان من جهة، ولأن فيها مشقة على النفس الأمارة بالسوء والتي تسارع إلى ما نهيت عنه، وتبادر إلى القيام به؛ لأنه يلائمها، ويوافق مزاجها[١٩].[٢٠]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. سورة النساء: ٧٢.
  2. قال الجوهري: اللام الأولى في الآية للتأكيد، والثانية جواب القسم؛ لأن القسم جملة توصل بأخرى -وهي المقسم عليه - لتوكيد الثانية بالأولى، ينظر صحاح اللغة، مادة: «بطأ».
  3. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص١٣٤.
  4. نهج البلاغة، الكتاب ١٣.
  5. الأثر القرآني في نهج البلاغة، ص١٩٣، رسالة دكتوراه، جامعة الكوفة.
  6. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج١٥، ص٧٧.
  7. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٢١٢.
  9. نهج البلاغة، الخطبة ٩٧.
  10. نهج البلاغة، قصار الحكم ٢٣.
  11. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  12. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  13. نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٩.
  14. نهج البلاغة، الخطبة ١٦.
  15. معارج نهج البلاغة، البيهقي، ج١، ص٢٦٢.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٠.
  17. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١١٤.
  19. ينظر: شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٢٩١.
  20. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٤٢.