البِر في نهج البلاغة
تمهيد
البِر: بكسر «الباء» كلمة جامعة لكل صفات الخير، أو خصوص اتساع في الإحسان والخير والصلاح، أو الصدق والطاعة، أو الصلة والعطاء، أو طاعة الوالدين. وأصل البر من السعة؛ لاتساع الخير فيه، مأخوذة من كلمة البر؛ أي الأرض الواسعة التي تقابل البحر، وقد تصوروا فيها التوسع، فاشتقوا منه كلمة «البِر؛ بمعنى التوسع في اللطف والإكرام، وكل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به والتقى وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[١]. أي على فعل الطاعات، واجتناب المنكرات، وترك المعصية.
وقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾[٢].
ومنه الحديث: «فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتَّى يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[٣].
ومنه قيل: «خير البر عاجله»: أي أفضل أعمال البر ما كان سريعا؛ وهو فعل الخير والإكرام.
وفي الحديث: «لَيْسَ مِنَ اَلْبِرِّ اَلصِّيَامُ فِي اَلسَّفَرِ»[٤]: أي ليس من التقى والصلاح والطاعة. وقال(ص): «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ»[٥].
وأصل كل بر: الإيمان بما جاء به النبي(ص) وكان أحبار اليهود يأمرون الناس بالطاعة، والكف عن المعصية، ولا يفعلون ذلك.
من تذكيره(ع) أهل الكوفة بأياديه الكريمة عليهم، وإحسانه إليهم: «وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّيْمِ؛ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ»[٦].
بين(ع) لهم شكره لإحسانهم القليل مقابل ما قدمه لهم من خير كثير، فعلى الرغم من كثرة منكراتهم التي ترى وتشاهد وتلمس، فإنه غض النظر عنها، ونظر إلى قليل إحسانهم، فجازاهم به}}[٧].
ومن بيانه(ع) لما ينبغي التعصب له: «فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ وَ الْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ الطَّاعَةِ لِلْبِرِّ وَ الْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ»[٨].
أي تعصبوا لأعمال الخير والصلاح، والصدق والوفاء، وغيرها من الفضائل الحميدة. قابل بين: «الطَّاعَةِ لِلْبِرِّ» و«الْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ». وبين «البر» و«الكبر» جناس مذيل، وسجع متواز. وبين: {{نص حديث|الطاعة، البر» و{{نص حديث|المعصية، الكبر» طباق.
ومن تأكيده(ع) على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «وَ مَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إِلَّا كَنَفْثَةٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»[٩]؛ أي إن أعمال البر - المتمثلة بالصدقات، والصلاة، وحتى الجهاد في سبيل الله -لا تعادل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما هي إلا شيء ضئيل في بحر لجي.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المائدة: ٢.
- ↑ سورة البقرة: ٤٤.
- ↑ الخصال، ص٩؛ مجمع البحرين، ج١، ص١٣٩.
- ↑ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج١، ص١١٧.
- ↑ المعجم الكبير، ج٢، ص٢١٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٩.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٣، ص٢٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٧٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٤٥.