التبديل

من إمامةبيديا

تمهيد

«التبدیل»: تغيير الشيء بآخر، تقول: هذا بَدَل هذا؛ أي عوضه، أو تغييره وتحريفه وإن لم تأت ببدل. ويقال: بدل الشيء تبديلا: غيره، وبدل الكلام: غيره، أو حرفه عن مواضعه، وبدل الشيء بالشيء، أو بدله شيئا آخر، أو بدله مكانه: جعله بدله[١].

والتبديل أعم من العوض؛ فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل: تغيير الشيء وإن كان بغير عوض[٢]. وفرق ابن عُرفة بين التبديل والإبدال، فقال: التبديل: تغيير حال الشيء، والإبدال: جعل الشيء مكان غيره.

قال تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً[٣]. أي ماتوا على دينهم غير مبدلين، ولا محرفين.

وقال تعالى: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ[٤]. أي ما يكون لي أن أغيره كله، أو بعضه.

وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ[٥]. أي يغيروا، أو يحرفوا.

وقال تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً[٦]. أي ليجعلن لهم الأمن بدلا من بعد خوفهم.

وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ[٧]. أي وضعوا مكان «حطة» قولاً غيرها؛ بمعنى: غيروه، أو حرفوه[٨]، والمبدل به محذوف تقديره: فبدل الذين ظلموا بقولهم: حطة، قولا غير الذي قيل لهم.

وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ[٩]. أي جعل الحسن بدلاً من ظلمه وسوئه[١٠].

قال(ع) في بيان سبب بعثة الرسل: «لَمَّا بَدَّلَ‏ أَكْثَرُ خَلْقِهِ‏ عَهْدَ اللَّهِ‏ إِلَيْهِمْ‏ فَجَهِلُوا حَقَّهُ وَ اتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ وَ اجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَ اقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ»[١١]. أي غير الناس عهدهم الذي قطعوه على أنفسهم؛ وهو ما فطر الله تعالى عليه الناس[١٢].

ومن حديثه(ع) عن بعض ظواهر الفساد الاجتماعي: «اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ‏ نِعْمَةَ اللَّهِ‏ كُفْراً أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً»[١٣].

«يُكَابِدُ»: من الكبد؛ وهي المشقة والشدة والصعوبة، و«بَدَّلَ‏ نِعْمَةَ اللَّهِ‏ كُفْراً» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ[١٤] أي جعلوا الكفر بدلاً من شكر نعمته. واستعير التبديل لوضع الشيء في الموضع الذي يستحقه شيء آخر؛ لأنه يشبه تبديل الذات بالذات. وتبديل النعمة كفرا يراد به عدم صرف النعمة في المحل اللائق بها، وكان من حقه أن يشكر نعمة الله؛ فيضعها في محلها، فإذا به يعصيه فيها، ويتمرد عليه بها. وهذا البخيل اتخذ البخل بحق الله وفرا؛ أي وسيلة لزيادة ثروته، فلا يصرفها أصلا، وآخر متمرد كأن في أذنيه وقرا؛ أي صمما، فلا يسمع النصائح والمواعظ، ولا يتأثر بهما.

وبين «فَقْراً» و«كُفْراً» و«وَفْراً» و«وَقْراً» سجع متواز تتجسد من خلاله حالة الوضع الذي وصل إليه المجتمع الإسلامي.

ومن حثه(ع) على الاعتبار بالأمم الماضية: «وَ اعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَ أَسْمَاعُهُمْ وَ ذَهَبَ‏ شَرَفُهُمْ‏ وَ عِزُّهُمْ‏ وَ انْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَ نَعِيمُهُمْ فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا وَ بِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا»[١٥]. أي جعلوها بدلا منها.

ومن وصفه(ع) لحال الموتى: «وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ آلَافاً[١٦] فَافْتَرَقُوا وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً»[١٧].

«بَدَّلَتْهُمْ»: غير كأس الموت أوضاعهم، وقلب أمورهم؛ فبدل ذلك المنطيق المتكلم والخطيب المفوه إلى إنسان آخر يعجز عن النطق والتعبير[١٨].[١٩]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج۲

الهوامش

  1. معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٣.
  2. ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، ص١١١.
  3. سورة الاحزاب: ٢٣.
  4. سورة يونس: ١٥.
  5. سورة الفتح: ١٥.
  6. سورة النور: ٥٥.
  7. سورة البقرة: ٥٩.
  8. معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٨٣.
  9. سورة النمل: ١١.
  10. ن. م.
  11. نهج البلاغة، الخطبة ١.
  12. شرح النهج، الموسوي، ج١، ص٤٢.
  13. نهج البلاغة، الخطبة ١٢٩.
  14. سورة إبراهيم: ٢٨.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
  16. وفي نسخة: «ألافا» بدل: «آلافا».
  17. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢١.
  18. شرح النهج، الموسوي، ج٤، ص١٦.
  19. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٩٤-٩٧.