الصبر في نهج البلاغة
تمهيد
الإسلام... «وَجُنَّةً لَمِنْ صَبَرَ»[١] .
الصبر من مظاهر الإيمان: «لا إيمان كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ»[٢].
الصبر من دعائم الإيمان وشعبه أربع: «وَسُئِلَ (ع) عَنِ الْايمان، فَقَالَ: الْايمان عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ... وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَي الَجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالمُصِيبَاتِ وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلَی الْخَیْرَاتِ»[٣].
الصبر والإيمان
«أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الْإبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلاً... وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإيمان كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا خَیْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَهُ وَلَا فِي إيمان لَا صَبْرَ مَعَهُ»[٤].
المتقون... «صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً»[٦].
المتقي... «وَصَبْراً فِي شِدَّةٍ»[٧].
«وَفِي المَكَارِهِ صَبُورٌ»[٨].
«وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ».
«مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الْأَحْرَارِ وَإِلَّا سَلَا سُلُوَّ الْأَغْمَارِ»[٩].
وفي خبر آخر أنه (ع) قال للـ أشعث بن قيس معزياً عن ابن له: «إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الْأَكَارِمِ وَإِلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ»[١٠].
وفي نص تعزية آخر: «وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ يَا أَشْعَثُ إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ»[١١] .
«فَمَا صَبَّرَكَ عَلَى دَائِكَ وَجَلَّدَكَ عَلَى مُصَابِكَ وَعَزَّاكَ عَنِ الْبُكَاءِ عَلَى نَفْسِكَ وَهِيَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكَ»[١٢].
وهذا المقطع من كلامه (ع) قاله عند تلاوته ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾[١٣].
وقبله كلم عجيب وقول دونه الوصف بالجليل الجميل: «أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَیْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ أَوْ تَرَى المُبْتَلَى بِأَلَمٍ يُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْكِي رَحْمَةً لَهُ».
«وَالْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَقَدْ يُخَفِّفُهُ اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللهَّ لَهُمْ»[١٤] .
الصلاة والصبر
«وَكَانَ رَسُولُ الله (ص) وسلم... يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ»[١٥]
وعلى مكاره الدهر: «وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرِ»[١٦]
«الصبرُ يناضلُ الحِدْثانَ»[١٧]
«يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ المُصِيْبَةِ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلى فَخْذِهِ عِنْدَ مُصِيْبَتِهِ حَبِطَ عَمَلُه»[١٨].
«مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الجَزَعُ»[١٩].
الصبر مركب النجاة
فمن خطبة له (ع) يمثل فيها المؤمن الحق لتقمّصه صالح الأعمال ومحاسن الخصال: «جعلَ الصرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ»[٢٠].
الصبر على أحكام الله
«فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ وَاصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِیرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ وَالتَّشَاغُلُ عَنِ المَوْعِظَةِ»[٢١].
الصبر في الفتن
«الْزَمُوا الْأَرْضَ وَاصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ وَلَا تُحَرَّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَسُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ وَلَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ»[٢٢].
وقال في فتنة مقتل عثمان والمطالبة بمعاقبة قاتله: «فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً»[٢٣].
إلى عمال الخراج
«وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ وَوُكَلَءُ الْأُمَّةِ وَسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ»[٢٤].
الصبر في الحرب
- «فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وأَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا وعَلَا سَنَاهَا واسْتَشْعِرُوا الصَّبَرْ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَی النَّصِرْ»[٢٥]
- «وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الَحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَیْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقَّ فَامْضُوا لَمِا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ وَلَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِیرَاً»[٢٦].
- «فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمُ الَّذِينَ يُخَفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ وَيَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا وَوَرَاءَهَا وَأَمَامَهَا»[٢٧]
الصبر على الرزق
«وَقَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا وَقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَالسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا وَلِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا»[٢٨].
أهل الدنيا قليل صبرهم
«وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِیرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَیَّنَّ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ»[٢٩].
الصبر على المكروه والمحبوب
«الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَی مَا تَكْرَهُ وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ»[٣٠].
الصبر على الطاعة
«وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ»[٣١].
«العَمَلَ العَمَلَ، ثُمَّ النِّهايةَ النِّهايةَ، والاسْتِقامَةَ الاسْتِقامَةَ، ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، والوَرَعَ الوَرَعَ»[٣٢].
الصبر على المعصية
ومن كلمه في الزهد: «وَالتَّوَرُّعُ عِنْدَ المَحَارِمِ فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الَحْرَامُ صَبَرْكُمْ»[٣٣].
الصبر على بذل المال في وجوهه
«فَمَنْ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ ولْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ ولْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِیرَ والْعَانِيَ ولْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِیرَ والْغَارِمَ ولْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ والنَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا ودَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ»[٣٤].
الصبر محمودة عواقبه
- المتقون:
- «صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِیرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم، أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا»[٣٥].
- «فَإِنْ أَتَاكُمُ اللهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ»[٣٦].
- من عبر المؤمنين:
- «تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ المَاضِینَ مِنَ المُؤْمِنِینَ قَبْلَكُمْ كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَالْبَلَاءِ أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً وَأَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالاً اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَجَرَّعُوهُمُ المُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَقَهْرِ الْغَلَبَةِ لَا يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاعٍ وَلَا سَبِيلاً إِلَی دِفَاعٍ حَتَّى إِذَا رَأَى اللهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ وَالِحْتِماَلَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ وَالْأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وَأَئِمَّةً أَعْلَاماً وَقَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ»[٣٧].
- «لا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وإِنْ طالَ بِهِ الزَّمانُ»[٣٨].
- «وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (ص) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إيماناً وَتَسْلِيماً وَمُضِيّاً عَلىَ اللَّقَمِ وَصَبرْاً عَلىَ مَضَضِ الْأَلَمِ وَجِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ». ثم عرض صورة الاستماتة والحرب الضروس بین المتحاربین المؤمنین والكافرين، ثم عقّب ذلك بقوله (ع): «فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَلَا اخْضَرَّ لِلْإيمان عُودٌ وأَيْمُ اللهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً»[٣٩] . وله- سلام الله عليه- في هذا المعنى ما خاطب به الخوارج: «وَإِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ عَلَى الْآباءِ وَالْأبْنَاءِ وَالْإخْوَانِ وَالْقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَشِدَّةٍ إِلَّا إيماناً وَمُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ»[٤٠].
- التفاوت في التحمّل: «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ المَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ. وَإِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ المُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لُهَمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ»[٤١].
الوالي والصبر
«وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ. وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلاَّ بِالِاهْتِمامِ وَالاستعَانَةِ بِاللهِ، وَتَوْطِینِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقَّ. وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ»[٤٢].
ومن سماة القاضي والحاكم:
- «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ... وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ»[٤٣].
- «وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ»[٤٤].
- «وَلاَ يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللهِ، إلى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَیْرِ الْحَقَّ، فَإنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ، خَیْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ»[٤٥].
حديث صبره عليه السلام
- في عظيم رزئه بفقد رسول الله (ص):
- قال وهو يلي غسل رسول الله (ص) وتجهيزه: «بِأَبِ أَنْتَ وَأُمَّي يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَیْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّماَءِ خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَوَاءً وَلَوْ لَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّئُونِ وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً وَقَلَّا لَكَ وَلَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَكُ رَدُّهُ وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ»[٤٦].
- «إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ وَإِنَّ المُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ»[٤٧] .
- وفي عظيم مصيبته ببضعة النبي السيدة الزهراء (ع) قال عند دفنها كالمناجي رسول الله (ص): «السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهَّ عَنَّي وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ قَلَّ يَا رَسُولَ اللهَّ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزًّ... فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ»[٤٨].
- البشرى بالشهادة: ««فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللهِ أَ وَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَحِيزَتْ عَنَّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَالشُّكْرِ»[٤٩].
- ملابسات الحكم والخلافة:
- «فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَیْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجاً أَرَى تُرَاثِي نَهْباً»[٥٠] .
- «فَصَبَرْتُ عَلَی طُولِ المُدَّةِ وَشِدَّةِ المِحْنَةِ»[٥١] .
- «فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِینٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ المَوْتِ وأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا وصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ»[٥٢] .
- «اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَئُوا إِنَائِي وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَی بِهِ مِنْ غَیْرِي وَقَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَفِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَلَا ذَابٌّ وَلَ مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ المَنِيَّةِ فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ»[٥٣] .
- «إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ»[٥٤]
- وفي جوابه لأخيه في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء، وقد بثّ فيه همومه وعظيم بلائه وشديد محنته من قريش ومن مالأهم ووالاهم- تمثّل وقال: «وَلَكِنَّهُ كَمَ قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ:
| فإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي | صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ | |
| يَعِزُّ عَيلََّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ | فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ[٥٥] |
وبعد...
فهذا حديث الإمام (ع) في الصبر بثّه في كلمه، وأداره في متّسع شؤونه من حياة الإنسان فكراً وعقيدة وعملاً وخلقاً وسمتاً، وهو يمثّل حكاية خلقه وسريرة ذاته وسیرة حياته سلماً وحرباً وتربية لولاته ورعيته.
هذا وقد كان من دعائه (ع) ختام خطبه وشدائد خطوبه: «أَخَذَ اللهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَی الْحَقَّ وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ» [٥٦].[٥٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ خطبة ١٠٦/ ١٥٣
- ↑ خطبة ١١٣/ ٤٤٨
- ↑ خطبة ٣١/ ٤٧٣
- ↑ خطبة ٨٢/ ٤٨٢
- ↑ خطبة ٣٣٣/ ٥٣٢
- ↑ خطبة ١٩٣/ ٣٠٤
- ↑ خطبة ١٩٣/ ٣٠٥
- ↑ خطبة ١٩٣/ ٣٠٦
- ↑ خطبة ٤١٣/ ٥٤٨
- ↑ خطبة ٤١٤/ ٥٤٨
- ↑ خطبة ٢٩١/ ٥٢٧
- ↑ خطبة ٢٢٣/ ٣٤٤
- ↑ سورة الإنفطار، الآية ٦.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٣١
- ↑ خطبة ١٩٩/ ٣١٧
- ↑ خطبة ٣٩٦/ ٥٤٦
- ↑ خطبة ٢١١/ ٥٠٦
- ↑ خطبة ١٤٤/ ٤٩٥
- ↑ خطبة ١٨٩/ ٥٠٢
- ↑ خطبة ٧٦/ ١٠٣
- ↑ خطبة ٨٦/ ١١٧
- ↑ خطبة ١٩٠/ ٢٨٢.
- ↑ خطبة ١٦٨/ ٢٤٣.
- ↑ خطبة ٥١/ ٤٢٥.
- ↑ خطبة ٢٦/ ٦٨.
- ↑ خطبة ١٧٣/ ٢٤٨.
- ↑ خطبة ١٢٤/ ١٨٠- ١٨١.
- ↑ خطبة ٩١/ ١٣٤.
- ↑ خطبة ١١٣/ ١٦٨.
- ↑ خطبة ٥٥/ ٤٧٨.
- ↑ خطبة ١٧٣/ ٢٤٨- ٢٤٩.
- ↑ خطبة ١٧٦/ ٢٥٢.
- ↑ خطبة ٨١/ ١٠٦.
- ↑ خطبة ١٤٢/ ١٩٨.
- ↑ خطبة ١٩٣/ ٣٠٤.
- ↑ خطبة ٩٨/ ١٤٤.
- ↑ خطبة ١٩٢/ ٢٩٦- ٢٩٧.
- ↑ خطبة ١٥٣/ ٤٩٩.
- ↑ خطبة ٥٦/ ٩١- ٩٢.
- ↑ خطبة ١٢٢/ ١٧٨.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٢٩.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٣٢.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٣٤- ٤٣٥.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٤١- ٤٤٢.
- ↑ خطبة ٥٣/ ٤٤٣.
- ↑ خطبة ٢٣٥/ ٣٥٥.
- ↑ خطبة ٢٩٢/ ٥٢٧.
- ↑ خطبة ٢٠٢/ ٣٢٠.
- ↑ خطبة ١٥٦/ ٢٢٠.
- ↑ خطبة ٣/ ٤٨.
- ↑ خطبة ٣/ ٤٩.
- ↑ خطبة ٢٦/ ٦٨.
- ↑ خطبة ٢١٧/ ٣٣٦.
- ↑ خطبة ١٦٩/ ٢٤٤.
- ↑ خطبة ٣٦/ ٤١٠.
- ↑ خطبة ٣ / ٢٤٩، وخ ٢٠٥ / ٣٢٢
- ↑ محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ٢٩٢.