التقوى
التمهيد
«التّقوى والورع»: هي ملكة رادعة عن مخالفة الله تعالى وهي ضدّ العصيان وهي - اعيني: التقوى - كلمة مقدّسة جيئت بها في القرآن مع مرادفاتها أكثر من مأتى وخمسين مرّة وقد كرّر الله تعالى وعده بأنّ الخير دنيويّاً كان أو اخرويّاً منطوٍ فيه. وعد الله تعالى مكرّراً بانّ فيها خير الدّنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ذَلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[١]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[٢]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[٣]
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[٤]
بل يظهر من آيات عديدة انّ المتّقين هم الّذين يرثون الأرض كما يرثون الفردوس.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[٥]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٦]
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٧]
وبالجملة، يظهر من القرآن انّه لا كرامة إلّا وهي لأهل التّقوى ولا قبول عمل إلّا من أهل التّقوى وانّ عالم الآخرة بما لها من النعم والمكارم خُلقت لأهل التّقوى كما انّ القرآن نزل لهم خاصّةً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾[٨]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[٩]
وقال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٠]
وقال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[١١]
وهذه الكلمة - لغةً - من الوقاية، فمن وقى نفسه عن مخالفة الله تعالى فهو المتّقى.
وفي اصطلاح علم الفقه هي وقاية النّفس عن مخالفة الله تعالى عن ملكةٍ، فمن كانت له ملكة التّقوى أي: ملكة رادعة عن مخالفة الله تعالى فهو المتّقى ويقال لصاحب هذه الملكة العادل ايضاً.
وفي اصطلاح علم الأخلاق هي وقاية القلب من رذائل الصفات فمن حاز مقامي التّخلية والتّحلية فهو المتّقى، وللمتقي علامة في القرآن الا وهي تعظيم شعائر الإسلام أي مظاهره وما يتحقّق هو به.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[١٢].
والمراد من تعظيم الشّعائر هو الاهتمام بها كإقامة الصّلوة والحجّ وكإقامة الولاية وما اكدّ عليه الشرع كالستر والعفّة للمرأة والغيرة للمرء وكإقامة قانون المواسات وإن شئت فقل في عبارةٍ موجزة هي تعظيم ما اهتمّ به الإسلام وتقيّد به، ولعلّ هذا قريب ممّا قال الفقهاء به من انّ العدالة هي الملكة وعلامة تلك الملكة هي حسن الظّاهر أي: التقيّد بظواهر الشّرع.
وعند أهل القلوب هي الاقتدار على عرض ما له من الاعمال والافكار والنيّات على غيره، بل على مولاه جلّ وعلا. فمن يقتدر ان يجعل في مرأى النّاس اعماله وأفكاره ونيّاته كلّها فهو المتّقى ولعلّ أصل هذا الكلام مأخوذٌ من القرآن الشريف لأنّ الذكر الحكيم عرّف المتّقى بعرضه أعماله يوم القيامة وعرّف الفاسق باخفائه ايّاها فيها.
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾[١٣]
وقد جاء الوحي المنير في اوّل سورة البقرة بأوصافٍ لأهل التُقى وهي الإيمان بالغيب وإقامة الصّلوة والانفاق ممّا آتاه الله تعالى والإيمان بالنبىّ وبما جاء به واليقين بالآخرة فمن يؤمن بالله وباليوم الآخر وبالنبوّة والإمامة - لانّها من اهمّ ما جاء به النبىّ - ويعمل الصالحات ويردع نفسه عن الطالحات فهو المتّقى.
وحيث انّ الصّلوة واقامتها والانفاق ممّا آتاه الله ممّا جاء به النبىّ فافرادهما بالذكر يدلّ على اهتمام الشرع بهما، وفي ذكر الإيمان واليقين للمتّقين دون العلم اشعارٌ على انّه يشترط في صدق التّقوى مضافاً إلى تصديق العقل بالمبدأ والمعاد والنبوّة والإمامة وما جاء به النبىّ، تصديق القلب بذلك ايضاً فالمتّقى من وجهة نظر القرآن هو الّذي أيقن وأذعن بقلبه بالمبدء والمعاد والنبوّة والرّسالة وعمل بما جاء به النبىّ (ص) مضافاً إلى علمه بذلك وإدراكه ايّاها عقلًا.
فعلى النظرة القرآنيّة المتّقي هو الّذي رأى الله بالبصيرة لا بالبصر، فما يكون غيباً لعامّة النّاس يكون له شهوداً ويرى حقيقة الرّسالة والإمامة، فما يكون مختفياً عن عامّة النّاس وهم بحاجةٍ إلى الاستدلال عليه يكون له ظاهراً، واضحاً لا يحتاج إلى السّؤال والاستدلال ويرى القيامة وما فيها من القبر والبرزخ والحساب والكتاب والجنّة والنّار كعلمه بنفسه لا خفاء فيها ولاأقلّ من رؤيتها كرؤيته الأمور المحسوسة وبعد ذلك يعمل الصّالحات كعبدٍ يرى نفسه بمحضرٍ من مولاه العليم بل نظير عمل الجائع والعطشان عند الأديم لرفع جوعه وعطشه ويجتنب عن المحرّمات كهذا العبد بل نظير فرار النّاس عن النار المشتعلة.
فجملة القول، انّ التّقوى في نظر القرآن هو الاعتقاد القلبي والعمل عليه وعلى مقتضاه الّذي لا ينفكّ عن الاعتقاد عادة، فالاعتقاد والعمل فيه متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.
وتحصيل التّقوى يحتاج إلى رياضات دينيّة من التّوبة واليقظة والتّخلية والتّحلية والتّجلية، وبهذا أشار تعالى بقوله: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[١٤]
والفرقان هو التّجلية وتنوير القلب بنوره تعالى.
كما انّه بحاجةٍ إلى الاهتمام بالواجبات كلّها والاجتناب عن المحرّمات كلّها والاهتمام بالمندوبات بالميسّر له والاجتناب عن المشتبهات بل المكروهات كذلك.
فالتقوى لا يحصل بالتعلّم لانّه ليس بعلمىّ بل يحصل بالعمل لانّه وجدانىّ كشفىّ شهودىّ والوجدان لا يحصل الّا بالعمل.
وفي آيات كثيرة دلالة واضحة على أنّ الغاية المتوخّاة عن التشريع بل التّكوينالتّقوى ومن المعلوم انّ ما يكون علّة غائيّة لشئ فذلك الشّيء موجد تلك العلّة فبالتّشريع يحصل التّقوى.
قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٥]
وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[١٦]
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[١٧]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[١٨]
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[١٩]
فهذه الآيات الّتي تمثّل نموذجاً ممّا أشرنا اليه، تدلّ على انّ التّقوى هي العلّة الغائية للتّشريع بل قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ تدلّ على انّه علّة غائيّة للتّكوين ايضاً. تدلّ على شرف التقوى وفضلها كما تدلّ على أنّها لا تحصل إلّا بالّتمسّك بالقرآن والأفعال العبادية كالصلاة والصوم وغيرهما، وبعبارة موجزة تدلّ على وجوب متابعة الصراط المستقيم والسير فيه.
أضف إلى الآيات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[٢٠]
فتلك الآية الشّريفة تدلّ على انّ الّتمسّك بالولاية شرط آخر في تحصيلها.
فيمكن الجمع بين الآيات بأنّ التّقوى لا تحصل إلّا بالّتمسّك بالقرآن والعترة كما دلّ عليه رواية الثّقلين المتواترة بين الفريقين.
قال رسول الله (ص) في موارد عدّة ذات خطرٍ كقبل حضور أجله صلوات الله وسلامه عليه بساعةٍ أو ساعتين، ووصّى أن يُكتب، لكن حال بينه وبين أمره أيدي السّائسين الّذين رأوا أنّ في كتابة الوصيّة مانعاً عن نيلهم إلى غاياتهم: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ» [٢١]
ثمّ ان موضوع البحث هيهنا هو الملكة، إلّا أنّ التقوى تستعمل في معان أخر أيضاً:
١ - الاهتمام بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات لاعن ملكة بل بتحميلها على النّفس وتكليفهما عليها والتّقوى هذه حسن عقلًا وشرعاً وموجبةٌ للمثوبات الدّنيويّة والاخرويّة، بل من الفقهاء من ذهب إلى انّ التّقوى والعدالة التين تشترطان في امام الجماعة والقاضي والحاكم والشّاهد ليس إلّا هذا، والبحث فيه موكول إلى الفقه.
ولكن الّذي ينبغي ان نذكر هنا انّ هذه التّقوى هي الّتي تكون مقدّمة لحصول الملكة لانّ الملكات كلّها تحت لواء الافعال، فمن اهتمّ بالواجبات ودام عليه واجتنب عن المحرّمات كذلك فباستدامته عليهما تحصل له الملكة وهذا كاف في تبيين شرفه ومنزلته.
فالملكة ايّة ملكة كانت محفوفة بعملين: العمل الّذي يحصّلها والعمل الّذي ينشأ منها، فالاعمال بعد تحقّق الملكة تنشأ عن الملكة والاعمال قبل تحقّقها محصّلة لها.
ولا يبعد ان يقال: انّ الاهتمام بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات قبل حصول الملكة أفضل ثواباً من الاعمال النّاشئة عن الملكة، لقاعدة: أفضل الأعمال احمزها[٢٢].
نعم، ما لم تحصل الملكة تكون الاعمال بلا عرق وأصل نظير شجرة لا عرق لها واجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[٢٣] فلذا نرى كثيراً من النّاس الّذين لم تستقرّ ملكة التّقوى في قلوبهم يهتمّون بالواجبات ويجتنبون عن المحرّمات هذا كلّه ما لم تعرض لهم معصيةٌ، أمّا بعد عروضها فهم ولهون إليها، وإذا اصابتهم بليّة يتركون الواجبات انتقاماً من الله تعالى فيتركون الصّلوة فضلًا عن غيرها من الواجبات.
٢ - يأتون بالواجبات ويتركون المحرّمات باختيار الاعتزال عن المجتمع فيتركون النشاط الجماعي ذاهبين إلى المساجد والمعابد والأمكنة المقدّسة مجاورين في تلك الأمكنة تاركين أقربائهم واصدقائهم فهم يعبدون الله لانّه لا عمل لهم إلّا ايّاها، ويتركون المحرّمات فهم لا يأكلون أموال النّاس ولا يغتابونهم ولا يكذبونهم ولا يظلمونهم لانّهم بعيدون عنهم فلا مخاطبة حتّى يحصل الاغتياب والكذب، وهذا النّحو من التّقوى قد وصّى به بعض الشّعراء والصّوفيّة والمقدّسين.
وهذا النّحو من التّقوى حسن لو لم يكن الانعزال بمذموم، بمعنى انّه فرّ عن مخالفة الله تعالى، لكنّه لم يكن له مثوبة كما أنّه ليس له عقوبة ايضاً.
إلّا انّه يرد عليه ما أوردناه على القسم الثاني من ولع المنعزل عن المجتمع على المحرّمات لو أقبلت عليه فيهلك من حيث يعلم ويضلّ على علم.
٣ - التّقوى النّخبّية بمعنى انّه يتّقى بالنّسبة إلى بعض الواجبات عن ملكة كالصّلوة مثلًا وبالنّسبة إلى بعض المحرّمات كذلك كالاجتناب عن أكل أموال النّاس بالباطل ولكنّه لا تقوى ولا ورع له بالنّسبة إلى بعض آخر فهو يقيم الصّلوة ولكنّه بالنّسبة إلى الخمس والزّكوة فاسق، أو يجتنب عن أكل أموال النّاس ولكنّه لا ورع له فيما يرجع إلى غريزته الشّهويّة.
وهذا النّحو من التّقوى هو الشائع بين النّاس فكثيراً ما يُرى من النّاس من يتبعّض في تقواه فهم الّذين لا يخافون الله تعالى ومأواهم جهنّم إلّا ان يتوبوا ويرجعوا عن مخالفته إلى طاعته تعالى.
قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٢٤].
ومن المعلوم انّ آثار التّقوى في علمي الفقه والأخلاق لا يترتّب على هذا القسم منها، وبعبارة أخرى انّ هذا المتّقى - لوصّح اطلاق هذا اللفظ عليه - لا يُعدّ بعادلٍ في الفقه ولا بالسالك إلى الله تعالى السائر إليه في الاخلاق.
وبما ذكرناه يظهر حال من يتبعّض في تقواه لا عن ملكة ولكنّه يأتي ببعض الواجبات دائماً ويترك بعض المحرّمات كذلك وأسوء حالًا منه من يتبعّض فيها لا عن ملكة ولا عن دوام فهو قد يصلّى وقد يتركها وقد يزكّى ماله وقد يتركها وهكذا وقد يغتاب وقد يتركها وقد يفعل ما يرجع إلى شهواته كالاجتناب عن النظر إلى الاجنبيّة وقد يتركه وهكذا...
هذا حال عموم النّاس إلّأقليلًا منهم، فهم مصاديق الآية الشّريفة ايضاً، فهم ان تابوا وإلّافلهم عذاب جهنّم إلّا ان يرحم الله تعالى عليهم بالشفاعة أو عفوه تعالى.
ولا يخفى انّهم بالنّسبة إلى اعمالهم الصّالحة مأجورون مثابون.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[٢٥]
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾[٢٦]
بل يظهر من آيات كثيرة انّ يوم القيامة يوم الحساب ومقابلة كفّى الميزان فمن ثقلت موازينه فهو من أهل الجنّة.
فكما أنّه تعالى في هذه الدّنيا يعفو عن كثير بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾[٢٧].
فكذلك يوم القيامة وقد أخبر عنه بقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[٢٨] وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾[٢٩]
والظّاهر منها كون حسنات المرء أزيد من سيّئاته، فيعفو عنها ولو بشفاعة الشّافعين.
ثمّ انّ ملكة التقوى كسائر الملكات ذات مراتب شدّةً وضعفاً.
الف: الاقتدار على الاتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات كلّها بسهولة، بل من غير التفاتٍ منه يأتي بالأوّل ويجتنب عن الثاني.
ب: الاقتدار على ترك المشتبهات بل المكروهات بسهولة إلّا ان يمنعه مانع يرجّح له فعل المكروه أو المشتبه بحيث لولا هذا المرجّح لَتَرَك المشتبه أو المكروه، مثلًا انّ الإنسان لو أراد ان يأكل حلالًا بيّناً لا يحتاج إلى جريان اصالة الحلّ، أو ان يأكل طاهراً بيّناً لا يحتاج إلى اصالة الطّهارة ليختلّ نظام عيشه وليس له بدّ من العزلة والتّعيّش في البرّ والجبال والصّحارى فباصالة الحلّ والطّهارة يرجّح ان يأكل المشتبهات أو المكروهات، فبجريان الأصل ووجود هذا المرجّح يشرّع له جواز اكلها بل حسن اكلها.
روى انّ الله يحبّ ان يؤخذ برخصه كما يحبّ ان يؤخذ بعزائمه [٣٠].
واستفادة الاستحباب عن الرّواية ليست بصعب بل سهلة يسيرة.
فلذلك قد استقرّت سيرة النبىّ (ص) والائمّة (ع) وكبراء الشيعة على عدم الاجتناب عن المشتبهات سيّما في بابي الطّهارة والنّجاسة.
نعم، انّ الضّرورات تتقّدر بقدرها، ففيما لا حرج ولا عسر ولا اختلال في العيش يجتنب عنها وعن المكروهات لانّه لا ترجيح للفعل، بل التّقوى يقتضى التّرك فالفعل خلاف التّقوى وللخواصّ معصية ومعصية الرّسل الّتي جيئت في القرآن كمعصية آدم ويونس وداوود ويعقوب ويوسف (ع) وأمثالهم من هذا القبيل.
ج: يقتدر على ترك التّوغّل في المشتهيات النّفسانيّة وزوائد العيش، لانّ المادّيات والمعنويّات ضدّان، فكلّما ثقلت كفّة إحداهما خفّت كفّة الأخرى.
فالتّوغّل في المشتهيات حتّى غير المحرّمة منها يوجب الفغلة عن المعنويّات وهو ردمٌ مستحكمٌ يمنع عن سلوك الطريق إلى الله تعالى وعقالٌ يحجب عن النظر إلى الملكوت الا على، فايّاكم ثمّ ايّاكم ثمّ ايّاكم والتّوغّل في المشتهيات متمسّكاً بحلّيته لانّ كثيراً من المحلّلات مانعٌ عن التّرقّى والتّعالى، فمن شغل نفسه باغذية طيّبة وأشربة لذيذة وحسناء النساء والدّور العاليات والأصدقاء المتوغّلة في عالم الكثرة فلا محالة لا يقتدر على تحصيل العلم وغيره من الفضائل الإنسانيّة فضلًا عن أن يطلب عالم الوحدة ويوفّق للسير إلى الله تعالى والتّوغّل في عالم المعنى، ويحرم بل يستحيل عليه الوصول إليه مع توغّله في المادّيات والشّهوات ولو كان من حلالها، فمن كان سيره إلى المادّيات فبكلّ خطوة من خطواته يبعد عن المعنويّات، فكيف يمكن ان يصل إليها؟! هيهات هيهات، وان توهّم امكان الجمع بينهما وخُيّل إليه ذلك فهو توهّم من الشّيطان الجنّى والانسىّ سيّما شيطان النّفس الّذي هو أخبث الشياطين وأكبر الأصنام.
د: يقتدر على ترك المباحات ويكتفى بالعيش الضّرورى مجتنباً عن زوائد العيش كاجتنابه عن العيش التجمّلى وهذا القسم من التّقوى هو المشهور من الزهد.
وقد مرّ في باب الزّهد انّ الزّهد في الأخلاق هو عدم تعلّق القلب بشيء غير الله تعالى إلّا انّه عند النّاس هو الاجتناب عن المباحات والكفاية بمقدار الضّرورة فهو وان لم يكن مصداق الزّهد ولكنّه مصداق التّقوى ومن مراتبها وهو أمر حسن سيّما لمن أراد السّير والسّلوك إلى جنابه تعالى، ولا شيء أجود وأحسن زاداً وراحلةً لمن أراد لقاء الله تعالى إلّا التّقوى بمراتبها.
قال الله تعالى: ﴿تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾[٣١]
وهو عيش يترتّب عليه فوائد كثيرة كالاستغناء عن النّاس والرّاحة عمّا في أيديهم والنّشاط والحرّية والفراغ وسعة الصّدر والتّهيّؤ للآخرة وامكان السير إلى الله وأعلى من ذلك كلّه فراغه عن المحاسبة في يوم الجزاء ؛ إذ الحوائج والهموم والغموم كلّها مانعٌ عن السير إليه والترفّه في العيش يوجب الحساب في الآخرة.
أمّا المعاش على قدر الكفاف فواجبٌ على من نصب نفسه أسوةً للمجتمع كالنبيّ والائمّة (ع) والعلماء سيّما المشهورين منهم كائمّة الجمعة والجماعة وكالمراجع الديني والحكّام الإسلامي.
وقد أُكدّ على ذلك في نصوصي الوحي وأهل العصمة، ومن الآيات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[٣٢]
ومن الرّوايات، رسالة أمير المؤمنين (ع) إلى عامله بالبصرة، عثمان بن حنيف وفيها: الا وانّ لكلّ مأموم اماماً يقتدى به ويستضيئ بنور علمه، الا وانّ امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، الا وانّكم لا تقدرون على ذلك ولكن اعينونى بورع واجتهاد وعفّة وسداد فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالى ثوبي طمراً.... ولو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ ولكن هيهات ان يغلبني هواي ويقودني جشعى إلى تخيّر الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطاناً وحولى بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون.
أاقنع من نفسي بان يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدّهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش..... [٣٣]
ونظير هذا الكلام في خطبه ورسائله وكلمات غيره من المعصومين كثير.
ولكنّه مع الوصف قد يرجّح العيش الهنىء الزائد عن قدر الكفاف فضلًا عن جوازه بالعنوان الثانوىّ كجعل عياله الّذين لا يرضون بالضّرورىّ من المعاش في الترفّه لمن لا يكون أسوة للمجتمع وقد حصل ذلك من أمواله الشّخصيّة وكدفع التّعيير عن العدوّ بل عن الصّديق ونحو ذلك الّذي يقتضيه الزّمان والمكان والافراد، هذا كما ورد فيما يُحكى عن اعتراض بعض الزّهاد على أبي عبد الله الصادق(ع) في كيفيّة معاشه وملبسه، فأجاب عنهم بما فيه أبواب من العلم والأخلاق ويفتّح من كلّ بابه أبواب، فراجع. [٣٤]
ه: يقتدر على دفع الوساوس النّفسانيّة والخطورات الشّيطانيّة والتّخيّلات والتوهّمات وبهذه المرتبة من التّقوى تحصل له النّفس المطمئنّة الّتي تليق ان تخاطب بخطاب ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾[٣٥].
قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[٣٦]
ويظهر من غير واحد من الرّوايات انّ تلك الخطورات والوساوس والتوهّمات والتّخيّلات ذنب مغفور عنه، فتلك الرّوايات تدلّ على مبغوضيّتها ولكن عناية الله ورحمته توجب عدم ترتّب عقاب عليها.
فمن شملته العناية الخاصّة الإلهيّة وحصلت له هذه المرتبة من ملكة التّقوى فهي رادعة مانعة من تلك الخطورات والوساوس فطوبى له.
و: يقتدر على أن لا يلهيه شيء من الدّنيا بل من الآخرة عن ذكر الله فهو دائم التّوجّه وان كان في الدّنيا ومشتغلًا بها.
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾[٣٧]
ولكن من المعلوم الفرق الواضح بين من لم تشغله الدنيا ولو بحلالها، ومن شغلته الدنيا بحرامها وحلالها، فشتّان بينهما!.
هذا كما في المعصومين (ع)، فانّهم وإن لا خطر للدنيا عندهم حتّى تلهيهم عن حبيبهم، ولكن حالهم في آنات العيش ليست كحالهم في آنات الصلاة ومناجاة الحبيب، إذ الأولى حالة قطع والثّانية حالة وصل وهل يمكن قياس أحدهما بالآخر؟
فما يترائى في حالاتهم من التضرّع والبكاء حتّى تعرض عليهم الغشي والاستغفار والاقرار بالتقصير والمعصية ليس إلّا لهذا القطع وان كان ذلك ممّا لابدّ منه وهل يمكن ان يجتاز أحد بنهرٍ ولا يبلّ ثوبه وبدنه وبذلك أشار الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾[٣٨]
فالعبور من جسر العالم وتأثيره في النّفس ممّا لابدّ منه فأهل الدّنيا يتأثّرون منها على حسب تأثّرهم من الدّنيا الدّنيّة وأهل الآخرة ايضاً يتأثّرون منها حسب تأثّرهم من الدّنيا الدّنيّة، فان شئت قلت: انّ ذلك الجسر هو باطن هذه الدّنيا الدّنيّة فالورود فيه ممّا لابدّ منه والنّاس كلّهم يتأثّرون حسب تأثّرهم من الدّنيا، فهذا هو ميزان تقواهم، كما انّ استغفارهم وعودهم إلى ربّهم أيضاً على وزانه.
وفي الخاتمة نذكر بعض فوائد هذه الملكة النّورانيّة. ١. درك حقيقة القرآن ونفوذ نوره في القلوب واهتدائه إلى سبل السلام، ويستفاد من القرآن بوضوح تامّ انّ الخروج من الظلمة إلى النور المطلق والوصول إلى المطلوب والمقصود وهو الله تعالى بحاجّةٍ إلى التّقوى.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[٣٩]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٤٠]
بناء على كون المراد من «الكفلين» هما نور القرآن ونور الولاية، وكون قوله ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾[٤١] عطفاً تفسيريّاً فيكون المعنى انّ التّقوى يوجب الوصول إلى نور القرآن ونور الولاية فمن اتّصل بهما فلن يضلّ ابداً بل يهدى غيره بالنّورين وينفذ كلامه فيه لأنّ كلامه يخرج من قلب فيه نور الإيمان.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[٤٢].
بناء على أن يكون المعنى انّ القرآن الكريم كتاب له حقيقة وراء ظاهره المحسوس للناس وتلك الحقيقة لا يمسّها إلّا المطهّرون وهم المتّقون المتزيّنون نفوسهم بتقوَى الظاهر والقلب.
توضيح ذلك، انّه يظهر من القرآن الكريم انّ لهذا الكتاب المبين مراتب والّتمسّك باىّ مرتبة من مراتبه مفيد للإنسان بل واجب عليه، والمرتبة الأولى منه هي أن يستفيد الإنسان من ظاهره وهي قرائته.
قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾[٤٣]
وهذا التّأكيد البالغ لا يوجد في غير الآية الشريفة من آي الذكر الحكيم.
والمرتبة الثّانية هي التّدبّر في القرآن ليدرك معناه والاجتهاد والتدقيق فيه والاستذكار منه.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[٤٤]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾[٤٥]
والمرتبة الثّالثة هي إدراك نور القرآن والاستهداء بهدايته الخاصّة العنائيّة، أي: الوصول إلى الله تعالى باهتدائه. وتحصيل هذه المرتبة تحتاج إلى التّقوى فكلّما زاد في تقواه زاد في إدراكه واستهدائه ووصوله إلى مرامه.
٢ - انّ الإنسان بذاته يطلب عيشاً هنيئاً لا همّ ولا غمّ ولا اضطراب ولا نصب ولا لغوب فيه، والقرآن وعد أن يحصل ذلك في الدّنيا والآخرة للمتّقين.
أمّا في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾[٤٦]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[٤٧]
والظّاهر انّ المراد منها فرح أصحاب الجنّة بما يشتغلون به فيها، وهو النّظر إلى وجه الله تعالى، وأشار بذلك قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[٤٨].
فهم بذلك الاشتغال دائموا السّير من كمال إلى كمال وهو السّير من الحقّ في الحقّ الّذي لا يتناهى بل لا يتصوّر له نهاية، وهم في ظلّ الله تعالى على أريكة العظمة ولهم ما يدّعون بحسب الرّوح والجسم ولهم سلام من الله تعالى، ولو لم يكن لهم شيء إلّا السّلام منه تعالى ليكفيهم ان يكونوا صعقين دائماً.
وأمّا في الدّنيا، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٤٩]
وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[٥٠]
ولا يخفى انّ الحيواة الطّيّبة الآمنة لا تحتاج إلى الّتمكّن والتّجمّل والّتموّل والرّئاسة بل هذا كلّه يوجب خروج العيش عن الطيب والأمن.
والحيواة الطيّبة الآمنة هي حيواة فرحون فيها بما آتاهم من فضله ويستغنون من النّاس ولا يحتاجون إلّا إلى الله تعالى ولا ينظرون إلّا إلى رحمة الله فهم قاصرون الطّرف محبّون للهتعالى فهم في شغل فاكهون فليس لهم سلطان إلّا الله وانّهم على ربّهم يتوكّلون ولهم في اللّيل لذّة من مناجاته تعالى لا يعلمها إلّا هو ولهم في انفاقاتهم للهتعالى لذّة لا يدركها إلّ امن وصل إلى ذلك المقام.
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٥١]
فهم في ظلّ الله تعالى وليس لهم سلطان إلّا الله تعالى فهم في نور الله تعالى وليس لهم ظلمة ولا وحشة.
قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾[٥٢].
٣ - أفضل النّعم المتصوّرة لكلّ أحدٍ أو لكلّ مجتمعٍ هو حُسن العاقبة، فلذا حينما سُئل المعصوم (ع): اىّ شيء نسئل الله تعالى ليلة القدر؟ أجاب: حسن العاقبة.
والذكر الحكيم في كثيرٍ من آية وعد للمتّقين حسن العاقبة وذلك بمنطوق الآيات أو مفهومها. ومعنى حسن العاقبة أن لا يخرج الإنسان في أواخر حياته الدنياويّة ومعاشه عن طريق السداد والعافية والحرمة بين الأقارب والأباعد، وأن لا يحتاج إليهم ولا يفتضح بينهم.
قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٥٣]
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾[٥٤]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٥٥]
وتدلّ آيات على انّ العاقبة السّوء محتومةٌ للمجرمين، منها،
قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[٥٦]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ﴾[٥٧]
والمعنى الاخر لحسن العاقبة هو ان يرزق الله للمرء أن يموت وهو مؤمنٌ، فله روح وريحان وجنّة نعيم.
وبهذا المعنى ايضاً انزل آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[٥٨]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[٥٩]
٤ - الإيمان ينقسم إلى اقسامٍ:
- الإيمان المنبعث عن القول الواقع في طرف اللسان، وهو مفيد لعموم النّاس ولكنّه لا يحفظ الإنسان عن الأخطار في المهالك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[٦٠]
- الإيمان العقلي والاستدلالي وهو مفيد للخواصّ وله ان يحفظ الإنسان عند عروض الشبهات في المباحثات العلميّة وعند المهالك في الجملة سيّما إذا صبغ القلب بلونه. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾[٦١] ويقال لهذا القسم من الإيمان علم اليقين لانّه يحتاج إلى تعلّم مبادئ التوحيد وعلومه والتوغّل في هذا العلم حتّى يرسخ في العقل ويصبغ القلب بلونه.
- الإيمان القلبي والوجداني والفطري وهو مقول بالتشكيك وسمّى المرتبة الأولى منه بعين اليقين والمرتبة الشّديدة منه بحقّ اليقين وفي الذكر الحكيم شُبّه المتّصف بالمرتبة الأولى بمن قرب من النار ولكنه لن يمسّها، والمتّصف بالثانية بمن دخل فيها. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[٦٢]
وهذه المرتبة هي الحافظة للنائل إليها من المهالك والمزالّ، وهي ردمٌ يمنع عن طغيان الغرائز، وهي لا تحصل إلّا بالتّقوى.
قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[٦٣]
٥ - انّ الإنسان بفطرته يطلب العزّ والأبّهة في قلوب النّاس وهذا سرّ ما يُرى من كثيرٍ من النّاس من اعطائهم جزئل الأموال ليحصل لهم العزّ في المجتمع، بل لا قدر عندهم للمال إذا قوبل بها العزّ والشرف، بل لا قدر لمذهبهم وشرعهم آنذاك.
ولكن لسان الوحي وأقوال أهل العصمة (ع) يدلّان على انّ العزّة كلّها للهو هي لا تحصل إلّا بالتّقوى. واستجلابه من غير طريق التّقوى كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماءً فهو وبال ووزر ولا عاقبة محمودة فيه، فالطّريق منحصر في التّقوى.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[٦٤]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾[٦٥]
وقال سيدنا الإمام المجتبى الحسن (ع): «مَنْ أَرَادَ عِزّاً بِلاَ عَشِيرَةٍ وَ هَيْبَةً مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ وَ غِنًى مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَ طَاعَةً مِنْ غَيْرِ بَذْلٍ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اَللهِ إِلَى عِزِّ طَاعَةِ اَللهِ فَإِنَّهُ يَجِدْ ذَلِكَ كُلَّهُ.» [٦٦]
وقال الإمام سيّد شهداء الأوّلين والآخرين الحسين (ع): «مَنْ حَاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اَللهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَ أَسْرَعَ لِمَجِيءِ مَا يَحْذَرُ» [٦٧]
٦ - قد اشتهر اشكال عند بعض من لا خبرة له من العلماء والمتعلّمين في العلوم غير الدّينيّة وهو انّه لماذا انقطع الوحي والربط بين الله تعالى وبين النّاس في عصرنا مع حصول الربط بين الله تعالى وعباده في عصورٍ متقدّمة، وذلك بألوفٍ من الرسل والأنبياء (ع) وليس هذا إلّا ظلم عظيم وامتياز ملّةٍ دون ملّة في الاهتداء مع انّ زماننا هذا بحسب الاستعداد لذلك والاخذ والقبول من الله تعالى أحسن بمراتب من العصور السالفة، الا ترى انّ رسول الله (ص) والائمّة الطّاهرين (ع) كانوا في الأمّيّين من الناس.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾[٦٨]
والقرآن الّذي لا يدانيه كتاب آخر في العلم والعمل نزل في قوم لاخلاق لهم من الإنسانيّة، كما انّ بيئة نزوله آنذاك كان أشدّ البيئات انحطاطاً وسقوطاً في الاخلاق.
وهذا اشكال يجلب نظر من لا خبرة له بالمباحث العلميّة الإسلامية.
والجواب: انّ الوحي بمعنى ارسال الرّسل وانزال الكتب بعد بعثة رسول الله (ص) وانزال القرآن الكريم لغو لا فائدة فيه حيث إن انزال كتابٍ آخر بعد القرآن وارسال رسولٍ بعد نبيّنا (ص) ليس إمّا لنقصان ذلك الكتاب وهذا الرسول، أو لفقدانهما، وكلاهما منتفيان عنهما، حيث لا نقصان في الكتاب لا في معانيه ولا في حفظه عن أيدي الخونة والأعداء، أو لنسيان ذكر الرسول وجعْل النّاس تعاليمه وراء ظهورهم، وليس كذلك، فلا معنى لارسال رسول آخر أو كتاب آخر بعدهما.
هذا ما يدّعيه القرآن في آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[٦٩]
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾[٧٠]
وأمّا الوحي بمعنى تلقّى القول من عالم الملكوت وبمعنى وجود الربط والصّلة بين الله تعالى وبين عباده، وبين عالم الملكوت وبين عالم الملك فهو موجود لا انقطاع فيه وقد دلّت على ذلك آيات كثيرة وروايات جازت حدّ الاستفاضة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[٧١]
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[٧٢]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾[٧٣]
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[٧٤]
وقال رسول الله (ص): «مَنْ أَخْلَصَ اَلْعِبَادَةَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ اَلْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ.»[٧٥]
ولأهل الكشف والشهود خلوات مع ربّهم لا تصل إليها يد الاغيار ولهم حكايات لا تليق ان تسمعها اذن الخواصّ فضلًا عن العوام ولا يجوز لهم ان يتكلّموا بها لغير أهل الاسرار.
والبحث والورود في هذا الوادي خارج عن هذا المقال، والأليق بهذا الكتاب هو كتاب الله الكريم وروايات أهل العصمة (ع) كما ذكرنا قسطاً منهما كأنموذجٍ يحكي عنهما.
فتلخّص من جميع ما ذكرناه انّ المتّقى يقتدر على أن يرتبط بالملكوت الاعلى وان يتكلّم الملائكة المقرّبين وان يرى ما لا يراه النّاس وان يتلقّى الالهامات من الله تعالى وان يصل إلى مقام اللّقاء وكلّما كان أتقى وارتقى في مدارجها كان ربطه بذاك العالم أشدّ وأوثق.
رزقنا الله وايّاكم تلك السّعادة ولله درّ الشاعر حيث قال تحسّراً على مقام عشّاق الله الّذين يتجرّعون ماء الحياة جرعةً جرعةً في جوف اللّيل عند قيامهم وسجودهم ويترنّمون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[٧٦].[٧٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٢-٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٩٦.
- ↑ سورة القمر، الآية ٥٤-٥٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٩.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ١٠-١١.
- ↑ سورة الحجرات، الآية ١٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٢٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢.
- ↑ سورة الحج، الآية ٣٢.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ١٨-٢٦.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١-٢.
- ↑ سورة طه، الآية ١٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٨٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣٥.
- ↑ بحار الأنوار، ح ٢٣، ص ١٣٢، باب ٧، ح ٦٩.
- ↑ المأخوذة عن السنّة
- ↑ سورة الحج، الآية ١١.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٢.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٢٠.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٧-٨.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٨.
- ↑ سورة القارعة، الآية ٦-٧.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٦٠، باب ٣٨
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٩٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢٨-٢٩.
- ↑ نهج البلاغة، الرسالة ٤٥
- ↑ الكافي، ج ٥، كتاب المعيشة، ص ٦٥، باب ١
- ↑ سورة الفجر، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الفجر، الآية ٢٧-٣٠.
- ↑ سورة النور، الآية ٣٦-٣٧.
- ↑ سورة مريم، الآية ٧١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١٥-١٦.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٧٧-٧٩.
- ↑ سورة المزمل، الآية ٢٠.
- ↑ سورة محمد، الآية ٢٤.
- ↑ سورة القمر، الآية ١٧.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٣٤-٣٥.
- ↑ سورة يس، الآية ٥٥-٥٨.
- ↑ سورة القيامة، الآية ٢٢-٢٣.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٨١-٨٢.
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٦-١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
- ↑ سورة هود، الآية ٤٩.
- ↑ سورة طه، الآية ١٣٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٧.
- ↑ سورة الروم، الآية ١٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٣.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٢٢.
- ↑ سورة الحج، الآية ١١.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٥٣.
- ↑ سورة النمل، الآية ٨.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩٩.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٩.
- ↑ سورة مريم، الآية ٩٦.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ١٣٩، باب ٢٢، ذيل ح ٦
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١١٩، باب ٢٠، ح ٢
- ↑ سورة الجمعة، الآية ٢.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٨٥.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٢.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٦٩.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٩.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٣٠-٣١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٥٣، ص ٣٢٦
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩١-١٩٥.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ١٣٩.