الطمع

من إمامةبيديا

تمهيد

«الطّمع»: ضدّ الاستغناء عن الناس، وهو شوق النّفس إلى ما في أيدي الناس، من أموالهم واعراضهم ومراتبهم الدنياوية ونحو ذلك، ولكن أكثر استعمالها في اشتياق النّفس إلى أموالهم، كما هو في ضدها وهو استغناء النّفس عما في أيدي الناس، فهو وان كان عامة المعنى، الا ان أكثر استعماله في الاستغناء عمّا في أيدي الناس من أموالهم، وهي رذيلة فبيحة، قال أبو عبد الله (ع): «مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ»[١]

والقرآن نهى عنه نهياً بالغاً، والروايات دلّت على أنّه تترتب عليها عقوبات في الدّنيا والآخرة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[٢]

وقال الله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[٣]

والمراد من مدّ العين إلى متاع الناس هو الطمع، وفسّر رسول الله (ص) الآيتين بذلك وقال: «وَ مَنْ أَتْبَعَ بَصَرَهُ مَا فِي أَيْدِي اَلنَّاسِ طَالَ هَمُّهُ وَ لَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ» [٤] واما الروايات فنأتى بها بعد الفراغ عن صلب المبحث ونكتفي هنابواحدةٍ منها:

عن أبي عبد الله (ع) قال: «اِشْتَدَّتْ حَالُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَتْ لَهُ اِمْرَأَتُهُ لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَسَأَلْتَهُ فَجَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَلَمَّا رَآهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اِسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اَللهُ فَقَالَ اَلرَّجُلُ مَا يَعْنِي غَيْرِي فَرَجَعَ إِلَى اِمْرَأَتِهِ فَأَعْلَمَهَا فَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَشَرٌ فَأَعْلِمْهُ فَأَتَاهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اِسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اَللهُ حَتَّى فَعَلَ اَلرَّجُلُ ذَلِكَ ثَلاَثاً ثُمَّ ذَهَبَ اَلرَّجُلُ فَاسْتَعَارَ مِعْوَلاً ثُمَّ أَتَى اَلْجَبَلَ فَصَعِدَهُ فَقَطَعَ حَطَباً ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَبَاعَهُ بِنِصْفِ مُدٍّ مِنْ دَقِيقٍ فَرَجَعَ بِهِ فَأَكَلَهُ ثُمَّ ذَهَبَ مِنَ اَلْغَدِ فَجَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَبَاعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ وَ يَجْمَعُ حَتَّى اِشْتَرَى مِعْوَلاً ثُمَّ جَمَعَ حَتَّى اِشْتَرَى بَكْرَيْنِ وَ غُلاَماً ثُمَّ أَثْرَى حَتَّى أَيْسَرَ فَجَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَأَعْلَمَهُ كَيْفَ جَاءَ يَسْأَلُهُ وَ كَيْفَ سَمِعَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُلْتُ لَكَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اِسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اَللهُ.» [٥]

وهذه الرواية تعلّمنا رموزاً كثيرة ودروساً عالية منها ان رسول الله (ص) كان يقلع الطمع عن قلوب الأصحاب ولو كان واحدٌ منهم بحاجة إلى مُدّ طعام ولعلّ ما روى من عقيل وأمير المؤمنين (ع) والحديدة المحماة من هذا القبيل، فلو رأى رسول الله (ص) وعترته الطاهرة ان قلع صفة الطمع عن رجل يحتاج إلى اعمال الشّدة لقاموا به، كرفع الجرب عن الجمل بالحديدة المحماة، وانه وان كان شديداً على ذلك الطامع، ولكن لاتُرفَع تلك الرذالة إلّا بتلك الشّدة.

ومن تلك الدروس ان اليأس عمّا في أيدي الناس يوجب رفع الفقر، وهذا من آثاره الوضعية.

ومنها، ان الغنى والسعادة رهين النشاط والهمّة، ولو قام الإنسان بما أراد لوصل إليه وان كان في غاية العسر، ولقد أجاد من قال بالفارسية: نمىشود، نمىتوانم در قاموس إنسان راه ندارد....

ثمّ ان الطمع يلازم رذائل أخرى وتترتب عليه مفاسد خلقية ومعاصي كبيرة كثيرة، ولو لم‌يلزمه إلّا حب الدّنيا فيكفيك ان تقول انه جار سوء ولازم سوء.

ولو لم يلزمه مفسدة خلقية إلّا التّلهى عن ذكر الله والتكالب على أموال الناس فيكفي ان يقال إنه خلقٌ سوء يترتّب عليه أسواء أخرى، وهذا يخرج الإنسان عن إنسانيّته والمؤمن عن ايمانه ويجعل الإنسان حيران كالسكران، لا مسلما ولا كافرا.

فانظر إلى سيرة الدول المستكبرة الإمبريالية فترى انّها تقوم بقتل الأنفس واحراق ما في الأرض وذبح الأبناء وذهاب الأعراض وهلاك الحرث والنسل طلباً للسلطة على العالم، وما ذلك إلّا لرسوخ هذه الصفة الرذيلة في صميم نفسيّة قائديها ورؤسائها، فبؤساً ثمّ بؤساً للطمع والطامع، وبالجملة ان الطمع سكر من الشيطان، ومن يسكره الشيطان فيشترى الضلالة بالهدى ويخرج من رقبة الإيمان من حيث لا يشعر.

قال الصادق (ع): «وَ اَلطَّمَعُ خَمْرُ اَلشَّيْطَانِ يَسْقِي بِيَدِهِ لِخَوَاصِّهِ فَمَنْ سَكِرَ مِنْهُ لاَ يَصْحُو إِلاَّ فِي أَلِيمِ عَذَابِ اَللهِ تَعَالَى بِمُجَاوَرَةِ سَاقِيهِ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي اَلطَّمَعِ سَخْطَةٌ إِلاَّ مثارات [مُشَارَاةُ] اَلدِّينِ بِالدُّنْيَا لَكَانَ سَخَطاً عَظِيماً قَالَ اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ[٦] وَ اَلطَّامِعُ مَنْزُوعٌ عَنْهُ اَلْإِيمَانُ وَ هُوَ لاَ يَشْعُرُ» [٧]

وفي رواية أخرى، قلت لأبي عبد الله (ع): «مَا اَلَّذِي يُثْبِتُ اَلْإِيمَانَ فِي اَلْعَبْدِ قَالَ اَلْوَرَعُ وَ اَلَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهُ قَالَ اَلطَّمَعُ.» [٨] ومن المؤسّف عليه أنّه يظهر من القرآن الكريم أنّ الناس بأجمعهم إلّا قليلاً منهم مبتلون بهذه الرذيلة الخُلقية.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ[٩].

فترى ان الله تعالى قد نصّ على ثبوت هذه الرذيلة في جميع الناس إلّا المؤمنين منهم الّذين هم في حصن الإيمان المانع عنها ثمّ على أنّ الطمّاع يشتاق إلى ضمّ ما في أيدي الناس إلى أمواله، ولو كانوا معدمين، ولا يفرّق في ذلك بين الحلال والحرام والأجانب والارحام والعوام والخواص.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ[١٠].

وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ[١١].

وقال الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً[١٢].

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ[١٣].

فترى ان القرآن يشير إلى أن الطمّاع، كما يطمع في الحلال، يطمع في الحرام والسحت فكما يأكل أموال الأجانب، يأكل ميراث الأقارب، وكما ينظر إلى الأجانب ويطمع فيهنّ ينظر إلى نساء النبي (ص) نظرَ طامعٍ غير حيىٍ.

ويشير أيضاً إلى أنّ الطمّاع لا يرضى بتصاحب أموال الناس فقط، بل يشتهى ان يتصاحب مذاهبهم ومللهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[١٤] بل يدلّ على أن ذلك الطامع السفيه يتخيّل ان الجنّة تختصّ به فكان يطمع فيها أيضاً.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ[١٥]

فسيرة الطمّاع سيرة الذئب وعمله عمله فيحشر على صورته وسيرته.

لهذه الرذيلة مراتب ضعفاً وشدة.

  • فمن الناس من يطمع في الحلال ولا يرضى بالحرام.
  • ومن الناس من يرضى بذلك ويطمع في الحرام ايضاً.
  • ومن الناس من له الطمع في الأجانب دون الارحام والأقارب.
  • ومن الناس من لا يفرّق بين الصغير وبين الكبير وبين الأجنبي وبين الرحم.
  • ومن الناس من يتّقى من الخواص ويطمع إلى ما في أيدي العوام.
  • ومن الناس من لا يرحم حتّى على الأقارب كالآباء والأمّهات، كما لا يرحم على أموال الخواص واعراضهم، كأموال رسول الله والأئمة (ع)، فهو يأكل الخمس اكلاً لمّا من غير أن يبالي بها.

فاليهود ومن يحذو حذوهم، وهم كثيرون، يريدون ان يأكلوا الدّنيا وما فيها فبطونهم وادٍ من أودية السقر، ومع هذا يتخيّلون انّ الجنّة لهم خاصة والناس كلّهم هالكون مبعّدون عنها، فتبّاً للطمع والطامع.

فراجع الشّره وحبّ الدّنيا والحرص وبالجملة جميع الرذائل وما يترتب عليها من المفاسد، ثمّ احمل تلك المفاسد كلها على الطمع وكُن على يقينٍ ممّا فعلتَ، فانّه امّ الرذائل بأجمعها، ونأتى بطائفةٍ من روايات الباب مذيلاً على هذا المبحث متيمّناً ومتبرّكاً.[١٦]

المراجع والمصادر

  1. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج۲

الهوامش

  1. الكافي، ج ٢، ص ٣٢٠، باب الطمع، ح ١.
  2. سورة طه، الآية ١٣١.
  3. سورة الحجر، الآية ٨٨.
  4. تفسير الصافي، ذيل آية ١٣١ من سورة طه
  5. الكافي، ج ٢، ص ١٣٩، باب القناعة، ح ٧
  6. سورة البقرة، الآية ١٧٥.
  7. مصباح الشريعة باب الطمع
  8. الكافي، ج ٢، ص ٣٢٠، باب الطمع، ح ٤.
  9. سورة ص، الآية ٢٣-٢٤.
  10. سورة ص، الآية ٢٣.
  11. سورة المائدة، الآية ٤١-٤٢.
  12. سورة الفجر، الآية ١٩-٢٠.
  13. سورة الأحزاب، الآية ٣٢.
  14. سورة البقرة، الآية ١٢٠.
  15. سورة البقرة، الآية ١١١.
  16. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٣١٣.