الغبطة
التمهيد
هذه الفضيلة تُسمّى في الذكر الحكيم بالمنافسة والسباق والمسارعة والمراقبة.
ومعنى هذه الفضيلة استجلاب الفضائل والنعم الفردية والجماعية لنفسه ولذويه من أولاده وأقربائه وبلديّه ومواطنيه ليكونوا في زمرة الا فاضل مترقّين إلى ذرى الكمال، بل مضافاً إلى السباق يتمنّى الغابط ان يكون مائزاً بينهم غير متمنٍّ أن يُسلب عنهم النعم.
قال في المفردات: والمنافسة مجاهدة النّفس للتشبّه بالأفاضل واللحوق بهم من غير ادخال ضرر على غيره وهذا كقوله ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[١] وهذا كقوله ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[٢].
وللقرآن الكريم اهتمامٌ بالغ بهذه الفضيلة فوق الاهتمام.
قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[٣]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[٤].
وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾[٥].
وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[٦].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾[٧].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾[٨].
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾[٩].
وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[١٠].
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[١١]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[١٢]
وقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾[١٣]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾[١٤].
ونظير هذه الآيات كثير فراجع، واجتهد حتّى يجتمع عندك أزيد من ذلك.
ويظهر من الكريمات القرآنيّة ان العبد الصالح يريد الترقّى لنفسه ولذويه، بل يريد أن لا يوجد مثيلًا له بين أقرانه في زمانه.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾[١٥]
وقال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[١٦]
وغير خفى أنّ حكاية القرآن مثل هذه الأدعية من عباده المقرّبين ليس إلّا لترغيب الناس وتحريصهم إلى المسارعة إلى الخيرات، بحيث يقدّموا على اقرانهم، بل على أفاضلهم في الدّنيا والآخرة.
والسباق في الفضائل هو مفتاح سعادة الأمم، وعدم الاهتمام به هو مفتاح سقوطها وتدانيها وهذا هو سرّ ما يتراءى من الجبابرة في كلّ عصر من بثّ الرخاوة والفشل في الأمم المقهورة، كما نشاهد اليوم في العالم.
ومن المؤسّف عليه جدّاً بحيث ينبغي أن يموت المرء عليه أنّ المسلمين ولا سيما جيلهم الشابّ ابتلوا بذلك الفشل والرخوة.
فهم غفلوا عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[١٧].
ويا ليت انهم لو غفلوا عن مثل هذه الآية الشريفة لتنبّهوا بما امرهم الله تعالى به في مثل قوله ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[١٨] وقوله ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[١٩].
نعم الغفلة عن الوحي لا تنتج إلّا هذه الرخوة المذلّة.
روى الحارث الأعور قال: «دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ سَمِعْنَا اَلَّذِي نَسُدُّ بِهِ دِينَنَا وَ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ سَمِعْنَا أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً مَغْمُوسَةً لاَ نَدْرِي مَا هِيَ قَالَ أَ وَ قَدْ فَعَلُوهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَقُولُ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِكَ فِتْنَةٌ قُلْتُ فَمَا اَلْمَخْرَجُ مِنْهَا فَقَالَ كِتَابُ اَللهِ فِيهِ بَيَانُ مَا قَبْلَكُمْ مِنْ خَيْرٍ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ حُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَ هُوَ اَلْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ وَلِيَهُ مِنْ جَبَّارٍ فَعَمِلَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اَللهُ وَ مَنِ اِلْتَمَسَ اَلْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اَللهُ وَ هُوَ حَبْلُ اَللهِ اَلْمَتِينُ وَ هُوَ اَلذِّكْرُ اَلْحَكِيمُ وَ هُوَ اَلصِّرَاطُ اَلْمُسْتَقِيمُ لاَ تُزَيِّفُهُ اَلْأَهْوَاءُ وَ لاَ تُلَبِّسُهُ اَلْأَلْسِنَةُ وَ لاَ يَخْلُقُ عَنِ اَلرَّدِّ وَ لاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَ لاَ يَشْبَعُ مِنْهُ اَلْعُلَمَاءُ هُوَ اَلَّذِي لَمْ تُكِنَّهُ اَلْجِنُّ إِذَ سَمِعَهُ أَنْ قَالُوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾[٢٠] مَنْ قَالَ بِهِ صُدِّقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَ مَنِ اِعْتَصَمَ بِهِ ﴿هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[٢١] هُوَ اَلْكِتَابُ اَلْعَزِيزُ اَلَّذِي﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[٢٢]» [٢٣]
وتلازم هذه الفضيلة فضائل أخرى كالنشاط والرجاء والاستقامة والصبر والحلم ومعاونة غيره ونحوها، لان من يتمنّى نعمةً على أن لا تحوّل عن صاحبها يهدى مجتمعه إلى سبيل السعادة أو يعينه عليه.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٢٤].
ويظهر من كثيرٍ من الكريمات الّتي تزيد على مأةٍ أو أكثر، أن السبيل الوحيد للوصول إلى السعادات فرديةً كانت أو جماعية هو المنافسة إلى الفضائل، فتلك المنافسة هي مفتاح السعادات كلّها. وليس ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من كون الإنسان خليفته ووارثه وانّ العالَم خُلق له إلّا لبعثه نحو السبق إلى الخيرات حتّى يصل إلى مقام قربه جلّ وعلا، فيكون متصرّفاً في جميع العوالم.
ونحن نذكر نموذجاً من تلك الآيات المباركات، ثم نذيّلها بقسط من روايات الباب، لنعُدّ من المتمسّكين بكتاب الله وسنّة المعصومين، سلام الله عليهم أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾[٢٥]
تأمّل في هذه الآية الشريفة كيف نفث في روع الإنسان روح المراقبة إلى التعالى، وذلك في قوله ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾[٢٦].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾[٢٧].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾[٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾[٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾[٣٠].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[٣١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[٣٢].[٣٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢١.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٦.
- ↑ سورة الزمر، الآية ١٧-١٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١١٤.
- ↑ سورة المؤمنون، الآية ٦١.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٩٠.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ١٠-١١.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢١.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٠.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢٠٠.
- ↑ سورة الحج، الآية ٧٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٨.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٧٤.
- ↑ سورة ص، الآية ٣٥.
- ↑ سورة ص، الآية ٣٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٣.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢١.
- ↑ سورة الجن، الآية ١-٢.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٠١.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٤٢.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٨٩، ص ٢٤، باب ١، ح ٢٥ وسنن الدارمي، ح ٣١٩٧، مع اختلاف.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٦٥.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٤.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٢٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٩-٣١.
- ↑ سورة فصلت، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٤٠٧.