المبرم في نهج البلاغة
تمهيد
«المبرم والإبرام»: الإحكام، من أبرم الحبل: جعله طاقتين، ثم فتله[١]. وأبرم فلاناً: أمَلّهُ وأضجره. وأبرَمَ الحُكمَ يُبرِمُ إبراماً: قطع به وأيده. وأبرم الأمر، استعمال مجازي؛ بمعنى أحكمه، فهو مُبرَم، والنقض خلاف ذلك.
قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾[٢].
أي أحكموا أمرا؛ بأن كادوا كيدهم، ومكروا مكرهم بالنبي(ص) فإنا محكمون أمرنا وكيدنا ومكرنا لهم[٣]. فحقيقة الإبرام: الفتل المحكم، وهو هنا مستعار لإحكام التدبير والعزم والتصميم على ما دبروه. وفيه مخالفة بين ﴿أَبْرَمُوا﴾ و﴿مُبْرِمُونَ﴾ لأن إبرامهم واقع، وأما إبرام الله جزاء لهم، فهو توعد بأن الله قدر نقض ما أبرموه.
وفي الدعاء: «يَا مُدَبِّرَ الْإِبْرَامِ وَ النَّقْضِ». وفيه استعارة، والمراد تدبير أمور العالم على ما تقتضيه حكمته البالغة من الإبقاء والإفناء، والإعزاز والإذلال، والتقوية والإضعاف، وغير ذلك[٤].
ومن تحذيره(ع) من الشكوى للعاجز: «فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَ لَا يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ»[٥].
«أَبْرَمَ لَكُمْ»: أي المشكلة التي وقعتم فيها مبرم مقبولة تحتاج إلى النقض حتى تنجوا منها، فلا تشكوا إلى من لا يتمكن من نقض هذه المشكلة، ولا يقدر أن ينقض برأيه ما قد أبرم وأشكل.
ومن ذمه(ع) للدنيا وتزهيده بها: «فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا وَ لَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا وَ لَهَجاً بِهَا وَ لَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ»[٦].
فمن أبرم وأحكم السيطرة على أموال الدنيا لا محالة أن ينتقض كل ذلك؛ إذ ينقطع من الجميع.
ومن دعائه(ع) على طلحة والزبير لنقضهم البيعة وتحريض الناس عليه: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا»[٧].
أي لا تجعل ما أبرما محكماً؛ حتى لا يقبل النقض والنكث. «نَكَثَا بَيعَتي»: نقضاها وما وفيا بها، و«ألبا»: حرضا، والتأليب: الإفساد.
وفي حديثه(ع) عن العلم الإلهي: «وَ لَا وَلَجَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فِيمَا قَضَى وَ قَدَّرَ بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ»[٨].
«أَمْرٌ مُبْرَمٌ»: مقطوع به ومؤيد.
وقال(ع) في بعثة النبي(ص): «أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ انْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ»[٩].
أي المحكم: أي أن أحكام الله تعالى المبرمة على ألسنة الأنبياء السابقين، كانت منقوضة زمن الجاهلية لا يعمل بها.
ومن حديثه(ع) عن إدراك العقول لآثاره تعالى: «بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ»[١٠].
«الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ»: الذي لا راد له، ولا مهرب منه.[١١]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أساس البلاغة، ج١، ص٥٨؛ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص١٢٠؛ بصائر ذوي التمييز، ج٢، ص٢٤٣؛ المعجم الكبير، ج٢، ص٢٦٧.
- ↑ سورة الزخرف: ٧٩.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن، ج١، ص٩٤.
- ↑ مجمع البحرين، ج١، ص١٤٦، ماده «برء».
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٥.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٤٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٧٣.