دعوة الأقربين
تمهيد
استمر النبي (ص) يدعو إلى دينه سرّاً مدّة ثلاثة أعوام، عمد فيها إلى بناء الكوادر وإعدادها من أفراد محدّدين، كانوا السبب في أن ينجذب إلى الدين الجديد جماعة آخرون تقبّلت دعوته.
واشتهر من بين السابقين إلى الإيمان برسول الله (ص): [١]
- السيدة خديجة بنت خويلد(ع)
- علي بن أبي طالب(ع)
- زيد بن حارثة
- الزبير بن العوام
- عبد الرحمن بن عوف
- سعد بن أبي وقاص
- طلحة بن عبيد الله
- أبو عبيدة الجراح
- أبو سلمة
- الأرقم بن أبي الأرقم
- عثمان بن مظعون
- قدامة بن مظعون
- عبد الله بن مظعون
- عبيدة بن الحارث
- سعيد بن زيد
- خباب بن الارت
- أبو بكر بن أبي قحافة
- عثمان بن عفان
وكان النبي (ص) يخرج مع بعض أتباعه إلى شعاب مكّة للصلاة فيها بعيداً عن أنظار قريش، إلاّ أنّ البعض منهم رأوهم يصلُّون، فحدث نزاعٌ قصيرٌ بين الطرفين، حين استنكروا فعلهم، وهو ما جعلَ النبي (ص) يقرر اتّخاذ بيت «الأرقم بن أبي الارقم» مكاناً للعبادة[٢] حيث آمن في هذا البيت عددٌ آخر من المشركين، كان أبرزهم: عمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي.
وقد ركّز الرسول (ص) جهده في الدعوة السرية، دون عجلة أو تسرّع، يعرض فيها دينه على كلّمن وجده أهلاً لتقبل المبادئ السامية، من الناحية الفكرية، ففي خلال ثلاثة أعوام اكتفى بالاتّصال الشخصي بمن وَجَدَه موَهلاً وصالحاً للدعوة ومستعداً لقبول الدين الجديد، ممّا ساعده في أن يكسب فريقاً من الاتباع الذين اهتدوا إلى دينه بقبول دعوته.
أمّا زعماء قريش فإنّهم لم يعتنوا بالدعوة الجديدة، كما لم يتعرضوا بأي عمل عدائي للرسول (ص) بل ظلوا ينظرون إليه باحترام، مراعين قواعد الآداب والسلوك، في الوقت الذي لم يتعرض فيه النبي (ص) أيضاً لاَصنامهم وآلهتهم بسوء، ولا تناولها بالنقد والاعتراض بصورة علنية، وذلك أنّ زعماء قريش كانوا متأكدين من أنّ دعوته ستنتهي في العاجل بقولهم: إنّها أيّام وتنطفىَ بعدها شعلة الدعوة هذه فوراً، كما انطفأت من قبل دعوة «ورقة وأُميّة» اللذين دعيا إلى نبذ الوثنية واعتناق المسيحية، ثم نسي الأمر.
وقد جمع النبي (ص) في السنوات الثلاث الأولى، أربعين شخصاً، لم يكن فيهم كفاية لاَن يصبحوا قوة دفاعية لحماية النبي (ص) ورسالته، ممّا جعله يسعى إلى دعوة أقربائه، فكسر بذلك جدار الصمت، بالشروع في دعوة الأقربين ثمّ الناس أجمعين، فالنبي (ص) كان يوَمن ويعتقد أنّ أي إصلاح وتغيير لابدّ أن يبدأ من إصلاح الداخل وتغييره، ومن هنا أمره الله تعالى بأن يدعو عشيرته الأقربين، الذين تمنّى أن يكوّنَ منهم سياجاً قوياً يحفظه ويحفظ رسالته من الاخطار المحتملة: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾[٣] كما خاطبه بصدد دعوة الناس عامة ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾[٤]
وقد اتّخذ النبي (ص) أُسلوباً مميزاً في دعوة أقربائه، إذ أنّه أعدّ لهم مائدةً كبرى، لـ٤٥ فرداً من سراة بني هاشم ووجهائهم، ليكشف لهم أمر رسالته خلال تلك الضيافة، إلاّ أنّالجو لم يناسب الحدث، فانفضّ المجلس دون تحقيق الغرض، ممّا اضطرّه إلى إعادتها في اليوم التالي. فقام النبي (ص) بعد تناول الطعام، خطيباً فيهم وقال: «إِنَّ اَلرَّائِدَ لاَ يَكْذِبُ أَهْلَهُ وَ اَللَّهِ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ حَقّاً خَاصَّةً وَ إِلَى اَلنَّاسِ عَامَّةً وَ اَللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ وَ لَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ وَ لَتُحَاسَبُنَّ كَمَا تَعْلَمُونَ وَ لَتُجْزَوْنَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً وَ بِالسُّوءِ سُوءاً وَ إِنَّهَا اَلْجَنَّةُ أَبَداً وَ اَلنَّارُ أَبَداً. يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، إِنِّي وَ اَللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابّاً فِي اَلْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ، وَ قَدْ أَمَرَنِي اَللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤْمِنُ بِي وَ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الامر عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ؟»
فقام علي (ع) وهو في الثالثة عشرة أو الخامسةعشرة من عمره قائلاً: «أَنَا يَا نَبِيَّ اَللَّهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَى مَا بَعَثَكَ اَللَّهُ». وبعدما تكرّر هذا الموقف ثلاث مرّات، أخذ النبي (ص) بيد عليّ (ع) والتفت إلى القوم قائلاً: «إِنَّ هَذَا أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا».
فضحك الجميع مستهزئين، وقالوا لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه وجعله عليك أميراً.[٥]
إنّ هذا الإعلان عن وصاية الإمام علي (ع) وخلافته في مطلع عهد الرسالة وبداية أمر النبوة، يفيد أنّ هذين المنصبين ليسا منفصلين، فقد أعلنهما الرسول(ص) في يوم إعلانه للدعوة والنبوة، ممّا يوَكد أنّ النبوة والإمامة يشكّلان قاعدة واحدة، وإنّهما حلقتان متصلتان لا يفصل بينهما شيء، كما أنّ موقف الإمام علي (ع) يكشف عن مدى شجاعته الروحية، حينما أعلن بكلّ جرأة وشجاعة، موَازرة النبي (ص) في حضور قوم ضمّ شيوخهم وسادتهم، معلِناً استعداده للتضحية في سبيل دينه، وهو غلام لم يتعد الخامسة عشرة.
وقد تناول «أبو جعفر الإسكافي» هذا الموقف موضحاً إذ كتب يقول: هل يكلّف عمل الطعام، ودعاء القوم، صغيرٌ غير مميّز وغيرُ عاقل؟! وهل يوَتَمن على سرّ النبوة طفل؟! وهل يُدعى في جملة الشيوخ والكهول إلاّ عاقل لبيبٌ وهل يضع رسول اللهقالب:ص يده في يده، ويعطيه صفقة يمينه بالاَخوة والوصية والخلافة، إلاّ وهو أهلٌ لذلك، بالغُ التكليف، محتمل لولاية الله، وعداوة أعدائه، ما بالُهذا الطفل لم يأنس بأقرانه ولم يلصق بأشكاله، ولم يُر مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه، ولم ينزَع إليهم في ساعة من ساعاته، بل ما رأيناه إلاّماضياً على إسلامه، مصمّماً في أمره، محقّقاً لقوله بفعله، ولصق برسول الله (ص) من بين جميع من حضره، فهو أمينه وأليفه في دنياه وآخرته. [٦].[٧]
المراجع
الهوامش
- ↑ السيرة النبوية: ١/ ٢٤٥.
- ↑ وكان البيت عند جبل الصفا عرف إلى فترة بدار الخيزران. أُسد الغابة: ٤/ ٤٤؛ السيرة الحلبية: ١/ ٢٨٣.
- ↑ سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٩٤-٩٥.
- ↑ هذا ملخّص لتفصيل ما رواه أكثر المفسرين والموَرّخين دون أن يشكّك في صحته أحد، إلاّ ابن تيمية الذي اتخذ موقفاً فريداً من أهل البيت «(ع)» راجع تاريخ الطبري: ٢/ ٦٢؛ الكامل: ٢/ ٤٠؛ مسند أحمد: ١/ ١١؛شرح نهج البلاغة: ١٣/ ٢١٠.
- ↑ شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٢٤٤ - ٢٤٥.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٦٤-٦٨.