شهادة يوم القيامة في علم الكلام

من إمامةبيديا

حقيقة الشهادة الأخروية

إنّ حقيقة وكيفية شهادة الشهود يوم القيامة من الأمور المستورة عنّا، مع ذلك لا شك في أنها شهادة تختلف عن شهادة الدنيا، أي: أنّ الشهادة الأخروية لا يراد منها أطلاع الحاكم على الواقعة لأنّ الله - قاضي محكمة يوم القيامة - عالم مطلق، غني عن إخبار الغير بالوقائع، وبالتالي فإنّ لشهادة الشهود في الآخرة غاية أخرى، بل غايات، ولعل أهمها إتمام الحجة على الإنسان، حيث لا مجال لإتهام الشهود الأخروية بالكذب أو الخطأ أو، خصوصاً وأنها تنظر إلى باطن الأعمال فتشهد. علّة أساسية أخرى هي أنّ نشأة الآخرة هي نشأة زوال كل الحجب وظهور كل الحقائق التي كانت مكنونة في الدنيا، فإنّ شهادة الشهود الأخروية على أعمال الإنسان تعني إشرافها واطلاعها على الأعمال، فيظهر هذا الإشراف - الذي كان مكتوماً وخفياً في الدنيا - في الآخرة. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ شهادة أولياء الله تتضمن نوع من الإكرام الإلهي لهم، لأنه بواسطة شهادتهم يظهر مقامهم المعنوي لأهل المحشر.[١]

الشهود يوم القيامة

أشارت بعض الآيات والروايات إلى أنّ هناك شهود على الإنسان بالإضافة إلى صحيفة الأعمال، يشهدون على أعمال الإنسان الدنيوية، ويتم الحكم الإلهي العادل بالاستناد إلى شهادتهم. وتختلف هذه الشهادة اختلافاً جوهرياً عن شهادة الشهود في الدنيا، لأنهم مصونون من الخطأ بالإضافة إلى أنّ معيار شهادتهم هو باطن أعمال الإنسان، أي: أنّ الشهداء يوم القيامة هم الذين حضرت عندهم حقيقة أعمال الإنسان الدنيوية، فهم يحضرون تلك الحقيقة في الآخرة، أولئك الشهداء هم:

  1. الله: هو أوّل الشهداء لأنّ منبع كل الخصوصيات اللازمة للشهادة الأخروية قد تجلّت في الذات الإلهية المقدسة: فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ[٢].
  2. الأنبياء وأولياء الله(ع): يُستفاد من بعض الآيات أنّ لكل أمة شهيد (يظهر أنه نبي تلك الأمة) وأنّ الرسول الأكرم(ص) هو شهيد على أولئك الشهداء: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ[٣] ففي الأمة الإسلامية يكون الأئمة(ع) شهداء على الناس والرسول(ص) هو شهيد على سائر الأمم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[٤]، وبالرغم من أنّ ظاهر الآية هو أنّ المخاطب فيها كل الأمة الإسلامية إلا أنه بالتدبّر في خصوصيات الشهداء على الأعمال الأخروية يتضح أنّ المقصود من الآية ليس هو كل الأمة الإسلامية وإنما يُراد بالأمة في الآية بعض أفراد الأمة الذين هم أفضل الأفراد فيها، أي: الأئمة(ع)، والسبب في إطلاق (الأمة) عليهم أنهم من الأمة الإسلامية، وقد وردت روايات كثيرة تؤيّد هذا المعنى، كالحديث الوارد عن الإمام الباقر(ع) في تفسير الآية المذكورة: «وَ لَا يَكُونُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ وَ الرُّسُلُ»[٥].
  3. ملائكة الله: بعض الملائكة هم من الشهداء يوم القيامة: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ[٦]، هناك اختلاف في المقصود من (السائق) و(الشهيد) في الآية الكريمة إلا أنّ المعنى الأنسب هو أنه عندما يحضر الإنسان يوم القيامة، يحضر معه ملكان أحدهما يسوقه نحو المحشر والآخر يُشهده على أعماله، روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال بعد تلاوة الآية المباركة: «سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا»[٧].
  4. أعضاء الإنسان وجوارحه: الكثير من الآيات والروايات تكشف عن هذه الحقيقة، أنّ الله سبحانه وتعالى سوف يجعل أعضاء المذنب تشهد عليه يوم القيامة: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٨]، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[٩]، يُستفاد من الآيات بالإضافة إلى أصل شهادة الأعضاء والجوارح على الإنسان، أنّ كل الموجودات الماديّة تتمتع بمرتبة من الإدراك والحياة وإن لم تتمكن العين الباصرة من مشاهدة ذلك في الدنيا. والدليل على المُدّعى أنّ الإنسان لو كانت أعضاءه وجوارحه تفقد الإدراك والشعور في الدنيا لما صحت شهادتها لأنها ستكون غير قادرة على مشاهدة أعمال الإنسان وبالتالي فإنّ شهادتها عليه في الآخرة لن تكون مصداقاً حقيقياً للشهادة، لأنّ الشاهد في الشهادة الواقعية يدرك العمل عند وقوعه وصدوره من الفاعل[١٠]. وقد أشارت بعض الروايات إلى مسألة شهادة أعضاء الإنسان في الآخرة، منها حديث عن الإمام الباقر(ع): «وَ لَيْسَتْ تَشْهَدُ الْجَوَارِحُ عَلَى مُؤْمِنٍ إِنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ»[١١].
  5. الأرض: تشهد على الأعمال التي وقعت على سطحها: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا[١٢]، يقول الرسول(ص) في بيان الأخبار التي تحدث الأرض بها: «أَخْبَارُهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَ أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ عَمِلَ كَذَا وَ كَذَا يَوْمَ كَذَا وَ كَذَا فَهَذَا أَخْبَارُهَا»[١٣].
  6. الزمان: أشارت إلى هذا الشاهد بعض الروايات، منها ما روي عن الإمام الصادق(ع): «إِنَّ النَّهَارَ إِذَا جَاءَ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلْ فِي يَوْمِكَ هَذَا خَيْراً أَشْهَدْ لَكَ بِهِ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنِّي لَمْ آتِكَ فِيمَا مَضَى وَ لَا آتِيكَ فِيمَا بَقِيَ وَ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ»[١٤].[١٥]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي

الهوامش

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦٢٣-٦٢٤.
  2. سورة يونس: ۴۶.
  3. سورة النحل: ۸۹.
  4. سورة البقرة: ۱۴۳.
  5. المجلسي، بحار الأنوار، ج۲۳، ص۳۵۱.
  6. سورة ق: ۲۱.
  7. نهج البلاغة: خطبة ۸۵.
  8. سورة النور: ۲۴.
  9. سورة فصلت: ۲۰؛ راجع أيضاً: سورة يس: ۶۵، سورة النور: ۲۴، قد يكون سبب سؤال هؤلاء لجلودهم (و ليس السمعهم وأبصارهم) أنه حسب الظاهر الجلود أقرب إلى عالم المادة من العين والأذن وأبعد منهما عن الحياة والإدراك. (العلامة الطباطبائي، رسالة الإنسان بعد الدنيا).
  10. العلامة الطباطبائي، رسالة الإنسان بعد الدنيا.
  11. الكليني، الكافي، ج۲، ص۳۲.
  12. سورة الزلزال: ۴-۵.
  13. الطبرسي، مجمع البيان، ج۱۰، ص۵۲۶، كما ورد في الروايات أنّ مكان الصلاة يشهد للمصلي فيه يوم القيامة.
  14. الكليني، الكافي، ج۲، ص۴۵۵، ح۱۲.
  15. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦٢٠-٦٢٣.