طفولة النبي الخاتم
تمهيد
استقر النبي الأكرم (ص) في قبيلة «بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (ص) على فصاحته وبلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(ع) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبدالله، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ (ص) بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الأبواء[١] ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةً جدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.
وربما كان يُتم النبي (ص) في صالحه، فقد أراد الله تعالى منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده ومصاعبه ومتاعبه، أو أراد ألا يكون في عنقه طاعة لأحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر الوحي وليس من العوامل العادية المتعارفة.
وقد فاجأت الحياةُ نفس النبي (ص) الحزينة بوفاة جدّه العظيم «عبد المطلب» وهو في الثامنة من عمره، فبكى عليه (ص) كثيراً وظلّت دموعه تجري حتى وُري في لحده[٢].[٣]
كفالة أبي طالب للنبي
كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (ص) من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.
وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (ص) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الأشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «اليعقوبي» ينفي في تاريخه اشتراك النبي (ص) وأبي طالب فيها.[٤]
ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.
إلاّ أنّ أحداث «بصرى» غيّرت برنامج رحلة أبي طالب، ودفعته إلى العودة إلى مكّة، وهي الأحداث المرتبطة بمقابلة الراهب «بحيرا» بالنبي (ص) وما تنبّأ عنه بقوله: «إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمةً للعالمين. احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنّ قتله»[٥].
أمّا ما قيل عن تلك المقابلة من آراء متطرفة، وبأنّ الراهب بحيرا علّم النبي(ص) أُمور دينه التي درسها من كتب الإنجيل والتوراة، فهو فرية المستشرقين والكارهين للإسلام، إذ أنّ النبي(ص) لم يمكث هناك أكثرمن أربعة أشهر هي فترة رحلة الشام عند العرب، ثمّ إذا كان هذا الراهب يمتلك هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلمية التي عرضها الرسول(ص) فلماذا لم يقم هو بنشرها، فيأخذ شهرته منها؟ ثمّ لماذا اختار محمّداً (ص) دون غيره ليعرض عليه تلك المعلومات بالرغم من توافد القبائل عليه دوماً؟
إنّ الآيات القرآنية تصرح بأنّ الأخبار الغيبية وصلت إلى النبي(ص) عن طريق الوحي فقط، فلم يكن على عِلمٍ بها مطلقاً. كما أنّ كُتب التوراة والإنجيل لا تذكر أُموراً طيّبة عن الأنبياء، في حين أنّ القرآن الكريم يجلّهم ويعظمهم ويكرمهم، على عكس ما جاء عنهم في كتب هوَلاء.
ولذا لم يعقل أن يقتبس القرآن الكريم من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين. كما أنّ النبي (ص) لم يشرح تلك القصص والقضايا للناس قبل الوحي والرسالة: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[٦]
فالآية تؤكد على أنّ النبيّ (ص) لبث في قومه فترة طويلة لم يتلو فيها سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به الله تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة [٧].[٨]
المراجع
الهوامش
- ↑ السيرة الحلبية: ١/ ١٠٥.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\١٠ حول سيرة عبد المطلب، أنّه كان موحداً لا وثنياً، وإنّ الإسلام قد أخذ الكثير من سننه.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٦-٣٧.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٢\١٥.
- ↑ تاريخ الطبري: ٢\٣٢؛ السيرة الحلبية: ١\١٨٠.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٦.
- ↑ للتوسع في الموضوع، راجع مفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني: ٣\٣٢١.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٧-٣٩.