غزوة بدر الأخيرة
تمهيد
يبدو أنّ الطبرسي في «إعلام الورى» اختصر خبرها عن ابن إسحاق فقال: ثم كانت غزوة بدر الأخيرة في شعبان، خرج رسول الله إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثماني ليال... ووافق رسول الله وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحاً حسناً.
وخرج أبو سفيان في أهل تهامة فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع[١] فرجع ورجع رسول الله(ص).
ولكنّه في تفسيره «مجمع البيان» نقل عن الكليني: أن أبا سفيان لمّا أراد الرجوع إلى مكّة يوم اُحد واعد رسول الله موسم بدر الصفراء[٢] وهو سوق تقوم في ذي القعدة.
فلما بلغ الميعاد قال رسول الله للناس: اخرجوا إلى الميعاد. فتثاقلوا وكرهوا ذلك أو بعضهم كراهة شديدة، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾[٣] فحرّض النبي المؤمنين فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا، حتّى خرج رسول الله في سبعين راكبا، وأتى موسم بدر، فكفاهم الله بأس العدو، ولم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال يومئذ، وانصرف رسول الله بمن معه سالمين[٤].
وقال الواقدي: كان بدر الصفراء مجمعاً يجتمع فيه العرب، وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثماني ليالٍ خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال منه تفرّق الناس إلى بلادهم.
ولمّا أراد أبو سفيان أن ينصرف يوم اُحد نادى: موعدٌ بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحَول نلتقي فيه فنقتتل!
فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش فخبّروا مَن قِبلهم بالموعد وتهيّأوا للخروج وأجلبوا، وطمعوا فيه بمثل ظفرهم حينما رجعوا من احد والدولة لهم.
ولما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله وأحبّ أن يقيم رسول الله وأصحابه بالمدينة لا يوافون الموعد، فكان كل من يرد عليه مكة يريد المدينة يظهر له: أنا نريد أن نغزو محمداً في جمع كثيف!
وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة، فجاءه أبو سفيان بن حرب في رجال من قريش وقال له: يا نعيم، إنّي وعدت محمداً وأصحابه يوم احد أن نلتقي نحن وهو ببدر الصفراء على رأس الحوس، وقد جاء ذلك.
فقال نُعيم: ما أقدمني إلّا ما رأيت محمداً وأصحابه يصنعون من إعداد السلاح والكراع، قد تجلّب إليه حلفاء الأوس من بليّ وجهينة وغيرهم، فتركت المدينة أمس وهي كالرمّانة!
فقال أبو سفيان: أسمعك تذكر ما تذكر وما قد أعدّوا، وهذا عام جدب، وإنّما يصلحنا عام خصب غيداق ترعى فيه الظهر والخيل ونشرب اللبن، وأنا أكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج فيجترءون علينا، ويكون الخلف من قبلهم أحبّ إليّ، ونجعل لك عشرين فريضة: عشراً جذاعاً (في الخامسة) وعشراً حِقاقاً (في الرابعة) وتوضع لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها لك.
فقال نُعيم لسُهيل - وكان صديقا له -: يا أبا يزيد، تضمن لي عشرين فريضة على أن أقدم المدينة فاخذّل أصحاب محمّد؟ قال: نعم قال: فإنّي خارج.
فخرج على بعيره وأسرع السير، فقدم وقد حلق رأسه من العمرة، فوجد أصحاب رسول الله يتجهّزون. فقالوا له: من أين يا نُعيم؟ قال: معتمراً من مكة. قالوا: لك علم بأبي سفيان؟ قال: نعم تركت أبا سفيان قد جمع الجموع وأجلب معه العرب، فهو جاء فيما لا قبل لكم به، فأقيموا ولا تخرجوا، فإنّهم قد أتوكم في داركم وقراركم فلن يفلت منكم إلّا الشريد، وقتلت سراتكم، وأصاب محمدا ما أصابه في نفسه من الجراح، فتريدون أن تخرجوا إليهم فتلقوهم في موضع من الأرض؟ بئس الرأي رأيتم لأنفسكم، والله ما أرى أن يفلت منكم أحد!
وجعل يطوف بهذا القول في أصحاب رسول الله حتّى رعّبهم وكرّه إليهم الخروج، وحتى نطقوا أو بعضهم بتصديق قول نعيم، واستبشر بذلك المنافقون واليهود وقالوا: إن محمّداً لا يفلت من هذا الجمع! وحتى بلغ ذلك إلى رسول الله وتظاهرت الأخبار عنه عنده وحتى خاف رسول الله أن لا يخرج معه أحد... ثمّ قال: والذي نفسي بيده لأخرجنّ وإن لم يخرج معي أحد!
فلمّا تكلّم رسول الله بذلك بصّر الله المسلمين وأذهب عنهم رعب الشيطان... فخرج في ألف وخمسمائة من أصحابه، فيهم عشرة خيول للرسول والمقداد والزبير وغيرهم... وكان يحمل لواء رسول الله الأعظم يومئذ علي بن أبي طالب(ع). واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة. وخرجوا ببضائع لهم ونفقات وتجارات... فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيّام والسوق قائمة... فربحوا للدينار دينارا... وقال أبو سفيان لقريش: يا معشر قريش، قد بعثنا نعيم بن مسعود ليخذّل أصحاب محمّد عن الخروج، وهو جاهد، ولكن نخرج فنسير ليلة أو ليلتين ثمّ نرجع. فإن كان محمّد لم يخرج بلغه أنّا خرجنا فرجعنا لأنّه لم يخرج، فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج أظهرنا أنّ هذا عام جُدب ولا يُصلحنا إلّا عام عشب. قالوا: نعم ما رأيت.
فخرج في قريش: وهم ألفان ومعهم خمسون فرساً، حتى انتهوا إلى مَجنّة (بناحية مرّ الظَهران على أميال من مكّة) ثمّ قال لهم: ارجعوا، فإنّه لا يُصلحنا إلّا عام خِصب غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإنّ عامكم هذا عام جدب، وإنّي راجع، فارجعوا، فرجعوا.
وأقبل رجل من بني ضمرة يقال له مخشيّ بن عمرو، وهو الذي حالف رسول الله على قومه في غزوة رسول الله الأولى إلى ودّان، وكان الناس مجتمعين في سوقهم، وأصحاب رسول الله أكثر أهل ذلك الموسم، فقال: يا محمّد، لقد اخبرنا أنّه لم يبق منكم أحد! فما أعلمكم إلّا أهل الموسم!
فقال رسول الله: ما أخرجنا إلّا موعد أبي سفيان وقتال عدوّنا! وهو يريد أن يرفع ذلك إلى عدوّه من قريش، وسمع بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكان مقيماً هناك ثمانية أيّام ورأى أهل الموسم ورأى أصحاب رسول الله وسمع كلام مخشيّ، فانطلق سريعاً حتّى قدم مكّة، فكان أوّل من قدم بخبر موسم بدر فسألوه فقال: وافى محمّد في ألفين من أصحابه، وأقاموا ثمانية أيّام حتى تصدّع (وتفرّق) أهل الموسم!
فقال صفوان بن امية لأبي سفيان: والله لقد نهيتك يومئذٍ أن تعد القوم وقد اجترؤوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم، وإنمّا خلّفنا الضعف عنهم.
وغاب رسول الله فيها ست عشرة ليلة، ورجع إلى المدينة لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة[٥].
وبعدها ذكر الواقدي غزوة ذات الرقاع وقال: خرج إليها رسول الله ليلة السبت لعشر خلون من المحرم على رأس سبعة وأربعين شهراً. وغاب خمس عشرة (يوماً) وقدم (راجعاً) يوم الأحد لخمس بقين من المحرم[٦].
ولكن ابن إسحاق ذكر ذات الرقاع بعد بني النضير قال: ثمّ أقام رسول الله بعد غزوة بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى، ثمّ غزا نجداً... وهي غزوة ذات الرقاع[٧] وتبعه الطبرسي في «إعلام الورى» فقال: كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين[٨] وكذلك ابن شهرآشوب[٩] فنحن تبعناهما في تأريخ الغزوة.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ إعلام الورى ١: ١٩٠ وانظر ابن هشام ٣: ٢٢٠.
- ↑ في النصّ: الصغرى، والصحيح ما أثبتناه عن الواقدي كما يأتي، فهو اسم الموضع، والصغرى إنّما هو وصف للغزوة بعد وقوعها لا قبله، بالقياس إلى بدر الكبرى.
- ↑ سورة النساء، الآية ٨٤.
- ↑ مجمع البيان ٣: ١٢٨.
- ↑ مغازي الواقدي ١: ٣٨٤-٣٨٩. هذا وقد قال: انتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة، وكانت السوق تقوم هناك منه إلى ثماني ليال منه. ولم يذكروا أنّهم مكثوا هناك أكثر من الموسم، فلو رجع في ثمانية أيّام لكان خروجهم في شوال قبل ذي القعدة بثمانية أيام أيضاً. والله العالم العاصم. وقد مرّ في حمراء الأسد ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي ومعبد الخزاعي بدورين مشابهين لما ذكر هنا فراجع. وهل تكرّر دورهما في الغزوتين؟
- ↑ مغازى الواقدي ١: ٣٩٥.
- ↑ ابن هشام ٣: ٢١٣ و٢١٤.
- ↑ إعلام الورى ١: ١٨٩.
- ↑ مناقب آل أبي طالب ١: ١٩٧.
- ↑ محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٥٨.