فترة شباب النبي الخاتم

تمهيد

كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (ص) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش وهوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (ص) عند اشتداد المعركة.

وفي مقابل هذا روى الموَرخ اليعقوبي في تاريخه: «وقد روي أنّ أبا طالب منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج الزبير بن عبد المطلب متكرهاً وقال عبد الله بن جدعان التيمي وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير»[١]

كما أنّ النبي (ص) كان أحد المشاركين في حلف الفضول، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماوَهم جميعاً من لفظة «الفضل»، مثل: فضل بن فضالة، و فضل بن الحارث، و فضل بن وداعة. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي (ص) أشاد فيها بالحِلف، واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً لو دعيت به في الإسلام لأجبت».

كما أشاد به الإمام الحسين (ع) أيضاً، فضرب به المثل في أخذ الحقّوردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «الوليد بن عتبة» أمير المدينة.[٢]

التنزه عن اللهو واللعب

التنزه عن عبادة غير الله

الإرهاصات

مناهضة الظلم

الشهرة بالصدق والعقل والأمانة

حينما كان (ص) في عمر ٣٥ عاماً واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، تمكن بحكمته من إزالة ذلك التخاصم، ممّا كشف عن مدى الاحترام الذي حظا به عند قريش. فعندما هُدمت الكعبة بسبب سيل عظيم، قام القوم بإعادة بنائها، إلاّ أنّهم اختلفوا في وضع الحجر الأسود في مكانه، فتنازع زعماء قريش فيمن يتولى وضعه،ممّا أخّر عملية البناء مدة خمسة أيّام، وكادت أن تنشب فيما بينهم بسببه حرب دامية، وربما طويلة، حتى قام فيهم شيخ منهم وقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخُل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. فقَبِلُوا رأيه فكان أوّلَ داخل عليهم محمّد رسول الله (ص) فقالوا: هذا محمّد الأمين، رضينا، هذا محمّد. فقال (ص): هلمَّ إليَّ ثوباً فأخذ الحجر ووضعه فيه وقال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً. ثمّ وضعه (ص) بيده في مكانه [٣].[٤]

الأسفار والرحلات

الحِرَف والمِهَن

أمضى الرسول الأعظم (ص) شطراً من شبابه في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّبتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الإعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الأوضاع المزرية والأحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبةللنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّ الإمعان في الآيات الدالة على وجود الله سبحانه وتعالى، وقدرته وحكمته وعلمه وإرادته.

فبالرغم من أنّ قلوب الأنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الإيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الإلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الإيمان، ويبلغون أسمى درجات اليقين، وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين.

وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (ص) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (ص): «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بما لها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».

إلاّ أنّ إباء الرسول (ص) وعلوّ طبعه منعاه من الإقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه: «فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لأنّها تعرف أنّه المعروف بالأمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (ص) فقد بعثت إليه قائلةً: «إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».[٥]

ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه الله إليك».

وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (ص) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الإجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (ص) ما كان أجيراً لأحد قط.[٦]

ولذا فإنّ النبي (ص) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الأوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكلّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي (ص) وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (ص): ماحلفت بهما قط، وإنّي لأمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (ص) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي. ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الأنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الإنجيل، وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.[٧]

وقد سلّم النبي (ص) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.[٨]

  1. تاريخ اليعقوبي: ٢\١٢، طبع النجف.
  2. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٣٩-٤٠.
  3. السيرة النبوية: ١\١٩٢؛ فروع الكافي: ٤\٢١٧.
  4. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٥٢.
  5. البحار: ١٦\٢٢؛السيرة الحلبية: ١\١٣٢؛ الكامل في التاريخ: ٢\٢٤.
  6. تاريخ اليعقوبي: ٢\٢١.
  7. البحار: ١٦\١٨؛ طبقات ابن سعد: ١\١٣٠.
  8. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٤٠-٤٢.