ميزان يوم القيامة في علم الكلام
تمهيد
ميزان الأعمال هو أحد مواقف يوم القيامة، الشواهد القرآنية والروايات تُبيّن أنه بعد إعطاء صحيفة الأعمال وشهادة الشهود، يبدأ وزن تلك الأعمال التي لا يوجد أيّ طريق إلى إنكارها، فالاعتقاد بالميزان يُعدّ من مسلَّمات العقائد الإسلامية كذلك، وهو مورد اتفاق الفرق الكلامية، وإن كان هناك جميع إختلاف في تفسيره كما سيأتي.
القرآن الكريم تكلّم عن ميزان الأعمال في عدّة آيات: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾[١].
يوجد احتمالان في معنى (الوزن) المذكور في الآية الكريمة، الاحتمال الأول: أنّ (الوزن) مصدر بمعنى التوزين[٢]، بناء على هذا الاحتمال يصبح معنى الجزء الأوّل من الآية أنّ ميزان الأعمال يوم القيامة يتم بعدالة فائقة، فلا تقع أيّ درجة من درجات الظلم، وهذا ما صرّحت به آيات أخرى، مثل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾[٣]، الاحتمال الثاني: أنّ (الوزن) استعمل في معنى اسمي ويقصد به المعيار الذي به يتم الوزن[٤]. بناء على هذا الاحتمال فإنّ الآية تُبيّن أنّ المعيار الوحيد لوزن الأعمال يوم القيامة هو الحق، فيوزن عمل كل شخص مع الحق لذلك العمل، مثلاً: الصلاة الكاملة التامّة من كل الجهات هي حق الصلاة، فتوزن بها صلوات جميع الناس.
كما يُستفاد من القرآن الكريم في ما يرتبط بميزان الأعمال - بناء على أحد الاحتمالات - أنّ هذا الوزن لا يشمل أولئك الذين حبطت أعمالهم بسبب كفرهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾[٥]، أما أولئك الذين توزن أعمالهم بميزان الحق فإنهم على صنفين: صنف تكون أعمالهم قريبة من الحق، بل تتطابق معه، لذلك أعمالهم ثقيلة ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾[٦]، وصنف آخر تكون أعمالهم لا تتناسب مع معيار الحق، لذلك تكون خفيفة وذات قيمة ضئيلة: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾[٧]، لقد انعكست مسألة ميزان الأعمال في الروايات كالرواية الواردة عن أميرالمؤمنين(ع): «وَ أَمَّا قَوْلُهُ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ وَ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَإِنَّمَا يَعْنِي الْحِسَابَ تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَ السَّيِّئَاتُ وَ الْحَسَنَاتُ ثِقْلُ الْمِيزَانِ وَ السَّيِّئَاتُ خِفَّةُ الْمِيزَانِ»[٨]، كما أشارت روايات أخرى إلى أنّ بعض الأنبياء وأوصيائهم(ع) يعدّون من مصاديق الميزان، عن أبي عبد الله(ع) في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾[٩]، قال(ع): «الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَوْصِيَاءَ»[١٠].[١١]
اختلاف الآراء في حقيقة الميزان
بالرغم من اتفاق كل المسملين على أصل الميزان، إلا أن المتكلمين والمفسرين اختلفوا في تفسير ماهيّته، ومن بين آراءهم:
- يعتقد بعض المعتزلة أنه لا يُمكن أخذ مسألة وزن الأعمال على معناها الحقيقي، من هنا حملوا تلك الآيات على المعنى المجازي فقالوا: إنّ المراد من هذه التعابير هو رعاية العدل والإنصاف في الحساب، ودليلهم على ذلك أنّ أعمال الإنسان من سنخ الأعراض، من هنا - حتى إن قبلنا بجواز إعادة العرض المعدوم - فإنها غير قابلة للتوزين، لأنّ الثقل والخقّة من أوصاف الجوهر لا العرض[١٢].
- جماعة أخرى من المتكلمين والمفسّرين قالوا: إنّ صحيفة الأعمال الحسنة وصحيفة الأعمال السيئة يتم وزنها يوم القيامة، يعتقد بعضهم صحيفة الأعمال الحسنة توضع في كفة من الميزان وصحيفة الأعمال السيئة توضع في الكفة الأخرى لكي يُعرف أيهما أثقل[١٣].
- البعض الآخر يعتقد أنّ الأعمال تتجسّم وتوزن، حيث تتجسّم الأعمال الحسنة في قالب أجسام نورانية، وتتجسّم الأعمال السيئة في قالب أجسام ظلماتية[١٤].
- جماعة أخرى تعتقد أنه بدلاً من وزن الأعمال، فإنّ نفس الإنسان يُوزن، فالإنسان المؤمن ثقيل بما يتناسب مع إيمانه وعمله الصالح، في المقابل فإنّ الكافر خفيف لا وزن له، وكذلك هو حال المُسيء.[١٥]
حقيقة ميزان الأعمال
بالتأمّل في الآراء المختلفة المرتبطة بمسألة ميزان الأعمال، يتبيّن أنّ أولئك الذين فرّوا من حمل الآيات القرآنية على المعنى المجازي، تصوروا أنّ الميزان شبيه بذلك النوع من الموازين الدنيوية ذات الكفتين، إلا أنه ينبغي الالتفات إلى مسألة وهي أنّ أن ميزان كل شيء بحسبه، أي: أنّ نوع الميزان يجب أن يتناسب مع نوع الموزون، بل أنّ لفظ (الميزان) وضع لكل ما يستعمل في الوزن، فعلم المنطق على سبيل المثال هو ميزان الفكر، وعلم النحو ميزان الكلام والكتابة[١٦]. بالتالي لا يلزم من حمل (الميزان) و(الوزن) على معناه الحقيقي أن يكون هناك مسألة وهي جسم خاص ذو كفتين.
بناء على ذلك، حتى وإن لم تكن حقيقة وزن الأعمال واضحة عندنا إلا أنه لا شكّ في عدم ضرورة حمل الآيات مورد البحث على الميزان المادي المصاحب الكثير من خصوصيات الموازين الدنيوية. وقد يكون المراد من توزين الأعمال يوم القيامة أنّ لكل عمل مرتبة كاملة، توزن بها الأعمال بحيث إنّ تلك المرتبة الكاملة هي المعيار الوحيد للوزن، وكل عمل يكون ثقيلاً أو خفيفاً حسب قربه أو بعده من ذلك المعيار. كما يُمكن فهم معاني الروايات التي تُشير إلى أنّ الأنبياء والأوصياء(ع) هم الموازين بالقول أنّ المرتبة الكامل لكل عمل من الأعمال قد تحقّقت فيهم، وبالتالي فإنّ أعمالهم واعتقاداتهم تصبح معياراً وميزاناً لتقييم أعمال الآخرين. من هنا يتضح أنّ أعمال الأنبياء والأوصياء(ع) لا تُوزن يوم القيامة، لأنها أصبحت هي معيار (الوزن)، لتوزين أعمال الناس.[١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الاعراف: ۸-۹.
- ↑ في هذه الحالة تعرب (الوزن) ظرفاً و(الحق) صفة لخبر محذوف، يعني (الوزن يومئذ الوزن الحق).
- ↑ سورة الانبياء: ۴۷.
- ↑ في هذه الحالة يعرب (الوزن) مبتدأ و(الحق) خبر له.
- ↑ سورة الكهف: ۱۰۵.
- ↑ سورة القارعة: ۶-۷.
- ↑ سورة القارعة: ۸-۹.
- ↑ الشيخ الصدوق، التوحيد، ص۲۶۸.
- ↑ سورة الانبياء: ۴۷.
- ↑ الشيخ الكليني، الكافي، ج۱، ص۴۱۹، ح۳۶.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦٢٥-٦٢٧.
- ↑ الجرجاني، شرح المواقف، ج۸ ص۳۲۱؛ ينسب العلامة الحلي هذا الرأي إلى العباد وجماعة من البصريين والبغداديين، راجع: العلامة الحلي، كشف المراد، ص۴۵۳.
- ↑ التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص۱۲۱.
- ↑ التفتازاني، شرح المقاصد، ج۵، ص۱۲۱.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦٢٧-٦٢٨.
- ↑ الألفاظ العامة مثل (الميزان) وضعت لحقيقة المعاني وليست موضوعة لمصداق خاص، وهذه القاعدة تعتبر من القواعد المهمة في فهم المتون الدينية. راجع: العلامة الطباطبائي، الميزان، ج۱، المقدمة.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص٦٢٨-٦٢٩.