نظرية الأمر بين الأمرين
تمهيد
في قبال إفراط الأشاعرة وتفريط المعتزلة اختار متكلّموا الإمامية بالإلهام من تعاليم الأئمة المعصومين(ع) طريقاً وسطاً. في هذا الطريق المعروف بنظرية الأمر بين الأمرين، إلى جانب اختيار الإنسان تحفظ أصول أخرى مثل: التوحيد الفعلي، عموم علم الله وإرادته والعدل الإلهي، والفهم العميق إلى هذه النظرية ليس بالأمر السهل وتوجد مستويات مختلفة لفهمها وتصورها بين متكلمي الإمامية، وتوسل الفلاسفة أيضاً في تفسيرها بأصول عميقة وحاولوا طرح تحليل دقيق لعلاقة الممكنات بالواجب تعالى وبالاعتماد على أصول مثل: الوحدة التشكيكية للوجود، أن يبينوا مبانيها الفلسفية. ما يُمكن قوله هنا باختصار هو أنه على أساس هذه النظرية، أفعال الإنسان الاختيارية كما أنه على سبيل الحقيقة (لا المجاز) تنسب إلى الإنسان كفاعل مباشر للأفعال، أيضاً تنسب بنحو حقيقي لله؛ لأن الإنسان يفعل على أساس قدرته وإرادته وتحت تأثير عزمه وتصميمه واختياره وكل آثاره الوجودية، من جملتها أفعاله، هي معلولة لله ومتعلقة به.
حقيقة هذين الانتسابين، عميقة جداً ودركها ليس بالأمر السهل، وحتى يقل صعوبة فهم هذه المسألة عادة تذكر تشبيهات وتمثيلات، مثلاً قد يُقال: إنّ رابطة فاعلية الله مع فاعلية الإنسان كرابطة الكاتب مع يده التي يُمكن نسبة فعل الكتابة إلى اليد وإلى الكاتب أيضاً، ولكن في هذا التشبيه اختلاف أساسي جداً مع بحثنا؛ لأن يد الكاتب لا اختيار لها ولا شعور في حال أن بحثنا الإنسان فاعل مُختار وذي شعور، لذلك المثال النسب هو أن نقول: نفرض شخصاً فلج اليدين ولا يُمكنه تحريكهما وقد وضع له الأطباء آلة الكترونية حيث إنه عند استعمالها يُمكنه أن يُحرّك يده كيفما شاء، فإذا فرضنا أنّ مفتاح هذه الآلة وقع بيد شخص آخر بحيث إنه من دون ذلك المفتاح لا يُمكن أن تعمل الآلة، في هذه الحالة إذا قام ذلك الشخص الآخر بتشغيل الآلة وقام الشخص الأول بفعل ما عن إرادة فيمكن أن ننسب هذا الفعل إلى كِلا الشخصين[١].[٢]
نظرية الأمر بين الأمرين في الآيات والروايات
خلاف نظرية الجبر ونظرية التفويض، فإن رأي المتكلمين الإمامية هو الرأي الوحيد الذي ينسجم مع الآيات القرآنية ويُمكن القول بلا تكلف أنها النظرية الجامعة والمُنسجمة مع مجموع الآيات القرآنية. بلا شك بحث هذا الأمر بشكل موسّع وكامل يحتاج إلى بحث أكثر سعة، فنكتفي هنا ببيان جنبة من جوانبه. حيث ذكرت عدة آيات قرآنية تصريحاً أو تلويحاً في اختيار الإنسان وتحكي دوره في القيام بالعمل، مثلاً: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[٣]، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[٤]، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[٥]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[٦].
من جهة أخرى نواجه آيات كثيرة أخرى تُبيّن أن كل ما يقع في العالم، يقع بإذن الله ومشيئته، وإرادة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الله مثلاً: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٧]، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾[٨]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[٩]، يُلاحظ أن المجموعة الأولى من الآيات ترد نظرية الجبر والمجموعة الثانية ترد نظرية التفويض، وفقط نظرية الإمامية يُمكنها بالجمع بين فاعلية الله وفاعلية الإنسان ذكر تفسير مناسب من مجموع هذه الآيات، بالإضافة إلى ذلك، نجد في آيات أخرى فعل واحد يُنسب لله كما يُنسب للمخلوقات، مثلاً في سورة الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾[١٠]، كما يُلاحظ في العبارة ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ...﴾ الفعل (رَمْي) نُسب للرسول(ص) من جهة ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وسلب عنه من جهة أخرى ﴿مَا رَمَيْتَ﴾ ونُسب لله ﴿لَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ هذا السلب والإيجاب لا يُمكن تفسيره إلا بنظرية الأمر بين الأمرين، لأنه على أساس ذلك فإن الفعل الاختياري يُنسب للإنسان من جهة، ويُنسب لله من جهة أخرى، ولذلك يُمكن للجهة الثانية سلبه عن الإنسان، وجاء في روايات أهل البيت(ع) نفي الجبر والتفويض وإثبات أمر بين الأمرين بتعابير عميقة، مثلاً في حديث عن الإمامين الباقر والصادق(ع): «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا واللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْراً فَلَا يَكُونَ قَالَ فَسُئِلَا(ع): هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ والْقَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ قَالا نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ»[١١].[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ يجب الاعتراف بأن هذا التشبيه ناقص من عدة جهات ولا يُمكنه بيان حقيقة نظرية الأمر بين الأمرين، التشبيه الذي ذكر في بحث علاقة النفس الإنسانية بالقوى النفسانية أفضل، ولكن لم نذكره هنا لصعوبة بيانه واعتماده على مباني فلسفية عميقة.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٥١-٣٥٣.
- ↑ سورة الكهف: ۲۹.
- ↑ سورة الطور: ۲۱.
- ↑ سورة الانسان: ۳.
- ↑ سورة الفصلت: ۴۶.
- ↑ سورة التكوير: ۲۹.
- ↑ سورة الأعراف: ۱۸۸.
- ↑ سورة يونس: ۱۰۰.
- ↑ سورة الانفال: ۱۷.
- ↑ التوحيد، باب ۵۹، الحديث ۳، ص۳۶۰، ذكر الشيخ الصدوق في هذا الباب ۱۲ رواية من المفيد الاطلاع عليها.
- ↑ محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٥٣-٣٥٤.