البَرد في نهج البلاغة
تمهيد
«البَرد»: انخفاض درجة الحرارة، أو الشعور المتولد عن انخفاض الحرارة، ويطلق على ما يضاد الحر وعلى السكون واللزوم.
والبَرد: مصدر الفعل: بَرَدَ يقال: بَرَدَ الجَوُّ يَبرُدُ بَرداً أو بُرُوداً: هبطت حرارته، وبَرَدَ الشيءُ يَبرُدُ بَرداً: جعله بارِداً، أو اكتسب بَرداً، وبرد حقه على فلان: لَزِمَ وثَبتَ، وبَرَد فلانٌ: فَتر، أو ماتَ، أو نام، وبَردَ الأمر: سَهَلَ، وبَرَدَ السيف: نبا. وأبرَدَ البريد: أرسله فهو مُبرِدٌ. وأبرَدَ الحديد ونحوه: سحله بالمِبرَد.
ويُعبر عن الطيب واللذة، فيقال: بَردُ العيش؛ أي طيبه ولذته، وعيش بارد: هنيء، ويطلق البرد على سهولة الأمر. وفي مجمع البحرين: العرب تصِف سائر ما يُستلذ بالبرودة، ويشهد لذلك قوله(ع): «مَنْ وَجَدَ بَرْدَ حُبِّنَا فِي كَبِدِهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ» أراد لذة حبنا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[١].
أي أن نفس النار صارت باردة حتى سَلِمَ إبراهيم من تأثيرها. إذ أطلق المصدر، وأراد اسم الفاعل مبالغة، أي باردة، أو ذات برد.
وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً﴾[٢].
أي لا يذوقون فيها ما يتبرد به ظاهر أجسامهم، ولا شرابا يطفئ حرارة باطنهم[٣].
وقيل: ﴿بَرْداً﴾: أي نوماً[٤]؛ لأن البرودة في الكائن الحي هي أن تنخفض درجة حرارته في حالة النوم، وقد تصل حد السكون وتوقف النبض، كما في حالة الموت. وفي [[التهذيب]ي: «البرد أصله من النوم والقرار».
من دعائه(ع) للاجتماع بالنبي(ص) في الآخرة: «اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ»[٥].
أي العيش الهنيء. «وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ»: مستقرها حيث تدوم ولا تفنى، «وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ»: المني: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان من ألوان الراحة والسعادة، والشهوات: ما يشتهيه الإنسان من نعيم الأبد.
ومن حديثه(ع) عن صفة خلق آدم(ع): «مَعْجُوناً بِطِينَةِ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ وَ الْأَشْبَاهِ الْمُؤْتَلِفَةِ وَ الْأَضْدَادِ الْمُتَعَادِيَةِ وَ الْأَخْلَاطِ الْمُتَبَايِنَةِ مِنَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ الْبَلَّةِ وَ الْجُمُودِ»[٦].
«مَعْجُوناً»: مخمراً؛ أي أنه مركب من أمور متعددة مختلفة، ومؤتلفة تلتقي في وحدة متكاملة.
ومن ذمه(ع) للمتقاعسين عن الجهاد: «وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ»[٧]. أي ينقضي فصل الشتاء.
ومن حكمه(ع) في أول البرد وآخره: «تَوَقَّوُا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ وَ تَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَ آخِرُهُ يُورِقُ»[٨].
لأنه في أوله يأتي على عهد من الأبدان بالحر، فيؤذيها وأما في آخره فيمسها بعد تعودها عليه، وهو إذ ذاك أخف.
ومن وصفه(ع) عجيب خلق النمل: «تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا»[٩].
«فِي حَرِّهَا»: أي الصيف، و«لِبَرْدِهَا» أي الشتاء، و«فِي وِرْدِهَا»: أي تجمع في الأوقات التي يمكن فيها الجمع «لِصَدَرِهَا»: أي لما لا تتمكن من الجمع فيه. إن الهدف الذي ينشده الإمام(ع) ليس مجرد الوصف، بل أسمى من ذلك، فهو يدلل أولا على قدرة الخالق المصور سبحانه وتعالى الذي أبدع هذه المخلوقات على أحسن ما يكون وقدر لها أقواتها وأرزاقها[١٠]، ومن ثم ليذكر الناس بالارتباط بهذا الخالق العظيم.
ومن وصاياه(ع) لبعض قادة جيوشه: «وَ لَا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ وَ سِرِ الْبَرْدَيْنِ»[١١].
أي في الغداة والعشي؛ حيث الهواء والأرض باردان؛ لكي لا يتأذى أفراد الجيش بالحر، ويكونوا في أقوى قوتهم، فلا تستهلكهم الحركة نحو العدو.
وقال(ع) وهو يتذكر الشهداء من أصحابه: «أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَ أَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟»[١٢].
أي الذين تفانوا في القتال حتى الشهادة، وأُرسِلتَ رؤوسهم بالبريد إلى الفجرة من ملوك الشام؛ لتكون حجة عليهم يوم القيامة.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الأنبياء: ٦٩.
- ↑ سورة الواقعة: ٢٤.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٩١.
- ↑ ينظر: مجمع البیان، ج١، ص٤٢٤؛ مجمع البحرين، ج١، ص١٣٥؛ أساس البلاغة، ج١، ص٥٣؛ معجم مقاييس اللغة، ج١، ص٢٤٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٧٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٧.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ١٢٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
- ↑ روائع البيان في خطاب الإمام، د. رمضان عبد الهادي، ص١٢٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ١٤٠.