انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الجنة عند أهل السنة»

سطر ٣٨٤: سطر ٣٨٤:


===الطعام والشراب===
===الطعام والشراب===
إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}}<ref>  سورة الطور، الآية  19.</ref>. أي: «يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئًا، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من الأعمال» <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/٤٦٦.</ref>، ونحو الآية قوله تعالى: {{ نص قرآني |كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}}<ref>  سورة الحاقة، الآية  24.</ref>.


إن أهل الجنة يأكلون ويشربون لقوله تعالى: (ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ) [الطور: ١٩].
وقوله تعالى: «هنيئًا إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في الجنة، فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢٠٦.</ref>، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما <ref>اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٨/١٢٦.</ref> .


أي: «يقال لهؤلاء المتقين في الجنات: كلوا أيها القوم مما آتاكم ربكم، واشربوا من شرابها هنيئًا، لا تخافون مما تأكلون وتشربون فيها أذى ولا غائلة بما كنتم تعملون في الدنيا لله من الأعمال»151، ونحو الآية قوله تعالى: (ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ ۈ ۈ ٷ) [الحاقة: ٢٤].
ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: {{ نص قرآني |مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ }}<ref>  سورة الرعد، الآية  35.</ref>. أي ما يؤكل فيها دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية  <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ١٦/٤٦٩.</ref>.


وقوله تعالى: «هنيئًا إشارة إلى خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتف في الجنة، فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه، ولا إثم ولا تعب في تحصيله، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتف»152، وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنوعهما وكثرتهما153.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}}<ref>  سورة مريم، الآية  62.</ref>. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار <ref>انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/٤٥٦٤.</ref>.


ووصف الله تعالى أكل الجنة فقال: (ٻ ٻ ٻ ٻ پپ پ پ ڀ ڀڀ ڀ ٺ) [الرعد: ٣٥].
ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: {{ نص قرآني |وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref>  سورة الطور، الآية  22.</ref>.


أي ما يؤكل فيها دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية154.
وقال تعالى: {{ نص قرآني |وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}}<ref>  سورة الواقعة، الآية  20-21.</ref>. أي: «واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافًا حسنة في قوله {{نص قرآني|مِّمَّا يَشْتَهُونَ}} لأنه لو ذكر نوعًا فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل: الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة، والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة» <ref>مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٨/٢١٠.</ref>.


وقال تعالى: (ئې ئې ئې ئى ئى) [مريم: ٦٢].
وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طبًّا مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحدارًا وأقل احتياجًا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا <ref>انظر: روح المعاني، الألوسي، ١٤/١٣٧.</ref>.


أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا، إذ لا ليل في الجنة ولا نهار155.
وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله ، قال: سمعت النبي {{صل}}، يقول: {{نص حديث|إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون}} قالوا: فما بال الطعام؟ قال: {{نص حديث|جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس}} <ref>أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في صفات الجنة وأهلها ٤/٢١٨٠، رقم ٢٨٣٥.</ref>.


ومن طعام أهل الجنة: الفاكهة واللحم كما قال تعالى: (ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں) [الطور: ٢٢].
ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: {{ نص قرآني | يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ }}<ref>  سورة المطففين، الآية  25-27.</ref>. أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي <ref>انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤/٢٩٥، تفسير القرآن، السمعاني، ٦/١٨٣.</ref>، ومزاجه من تسنيم (عين في الجنة) يشرب منها المقربون.


وقال تعالى: (ٿ ٿ ٿ ٿ ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ) [الواقعة: ٢٠- ٢١].
قال ابن عباس: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين» <ref>انظر: المختارة الضياء المقدسي، ١٠/٣٠٠، حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، ١/ ٣٤٣.</ref>.
 
أي: «واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين، وجمع أوصافًا حسنة في قوله (ٹ ٹ) لأنه لو ذكر نوعًا فربما يكون ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس، فقال: كل أحد يعطى ما يشتهي، فإن قيل: الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم، نقول: ليس كذلك، بل الاشتهاء به اللذة، والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون المشتهى حتى يتألم، بل المشتهى حاصل مع الشهوة، والإنسان في الدنيا لا يتألم إلا بأحد أمرين، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهى، وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في الآخرة»156.
 
وإن تقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع؛ فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة، بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها، كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا -لا سيما أهل الشرب منهم- تقديم الفاكهة في الأكل وهو طبًّا مستحسن؛ لأنها ألطف وأسرع انحدارًا وأقل احتياجًا إلى المكث في المعدة للهضم، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالبا157.
 
وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبدالله ، قال: سمعت النبي {{صل}}، يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النفس)158.
 
ووصف شراب أهل الجنة بقوله تعالى: (ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى ئا) [المطففين: ٢٥-٢٧].
 
أي: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غشّ فيها، لم تمسسه الأيدي159، ومزاجه من تسنيم (عين في الجنة) يشرب منها المقربون.
 
قال ابن عباس: «أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم، لأنه يشربه المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين»160.


ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون.
ويتضح مما تقدم: أن في الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين أشهى الطعام والشراب، ولا يكون طعامهم من جوع ولا شرابهم من عطش، بل من كمال نعيمهم ومتعتهم ولذتهم التي أعدها الله تعالى لهم جزاء بما كانوا يعملون.
٢٦٬٨٦٢

تعديل