الفرق بين المراجعتين لصفحة: «معرفة الله»
لا يوجد ملخص تحرير
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٤: | سطر ٤: | ||
إن الحضور الواسع و العميق لعقيدة التوحيد في تاريخ الفكر الإنساني يدل على أهمية معرفة المبدأ في الحياة البشرية، و يمكن لمس آثار معرفة الله في حياة الفرد و المجتمع. | إن الحضور الواسع و العميق لعقيدة التوحيد في تاريخ الفكر الإنساني يدل على أهمية معرفة المبدأ في الحياة البشرية، و يمكن لمس آثار معرفة الله في حياة الفرد و المجتمع. | ||
بلا شك، هناك فارق أساسي بين حياة الإنسان الإلهي "المؤمن بوجود الله" و الإنسان الملحد "المنكر لوجود الله"، بل أعمق من ذلك، هناك فارق كبير بين حياة مؤمنين اثنين بوجود الله، حيث لكل منهما تصور خاص بذلك الموجود الذي منه نبع الوجود و ينعكس هذا التصور على سلو كيات أصحابه مما ينتج الاختلاف في الرؤى و الأفعال و الانفعالات تجاه سلو كيات الآخرين، أو تجاه ظواهر الطبيعة و كذا الاختلاف في الأغراض و الأحكام و المقاصد، و في كلمة واحدة يمكن أن يقال: إن الاعتقاد بوجود الله يضفي على حياة الإنسان معنى و مفهوماً خاصاً و يحدد له شخصيةً و هويةً متميزة. | بلا شك، هناك فارق أساسي بين حياة الإنسان الإلهي "المؤمن بوجود الله" و الإنسان الملحد "المنكر لوجود الله"، بل أعمق من ذلك، هناك فارق كبير بين حياة مؤمنين اثنين بوجود الله، حيث لكل منهما تصور خاص بذلك الموجود الذي منه نبع الوجود و ينعكس هذا التصور على سلو كيات أصحابه مما ينتج الاختلاف في الرؤى و الأفعال و الانفعالات تجاه سلو كيات الآخرين، أو تجاه ظواهر الطبيعة و كذا الاختلاف في الأغراض و الأحكام و المقاصد، و في كلمة واحدة يمكن أن يقال: إن الاعتقاد بوجود الله يضفي على حياة الإنسان معنى و مفهوماً خاصاً و يحدد له شخصيةً و هويةً متميزة.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٣-٢٤.</ref> | ||
==ضرورة معرفة الله== | ==ضرورة معرفة الله== | ||
| سطر ١٥: | سطر ١٥: | ||
فيتحصل من البحث أن التأمل و التحقيق في أصل معرفة الله و التصديق بوجوده ليس هو أمر مُثمر و مطلوب فحسب، و إنما هو أمر لازم و مرغوب. | فيتحصل من البحث أن التأمل و التحقيق في أصل معرفة الله و التصديق بوجوده ليس هو أمر مُثمر و مطلوب فحسب، و إنما هو أمر لازم و مرغوب. | ||
تحقيق<ref>من إضافة المترجم.</ref>: ذكر الشيخ جعفر السبحاني أن وجوب المعرفة و لزوم شُكر المُنعم و دفع الضرر المُحتمل كلها من نتائج قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، بيّن ذلك كما ذكره في كتابه المغني في دروس العقيدة، ثم عدد بقية النتائج التي ذكرها للقاعدة. | تحقيق<ref>من إضافة المترجم.</ref>: ذكر الشيخ جعفر السبحاني أن وجوب المعرفة و لزوم شُكر المُنعم و دفع الضرر المُحتمل كلها من نتائج قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، بيّن ذلك كما ذكره في كتابه المغني في دروس العقيدة، ثم عدد بقية النتائج التي ذكرها للقاعدة.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٤-٢٦.</ref> | ||
==مراتب معرفة الله== | ==مراتب معرفة الله== | ||
| سطر ٣٢: | سطر ٣٢: | ||
===معرفة الأوصاف و الأفعال الإلهية=== | ===معرفة الأوصاف و الأفعال الإلهية=== | ||
بعد أن يؤمن الإنسان بوجود الله و يصدق بهذه القضية: «الله موجود»، يبدأ في طي مراحل المعرفة التفصيلية و ذلك من خلال معرفة أوصافه و أفعاله جل جلاله. كما رأينا، في المرتبة المعرفية السابقة باللّه الواحد حيث امتاز الملحد و المشكك عن المؤمن، أما في هذه المرتبة فقد أدى الاختلاف في فهم الصفات الإلهية إلى ظهور الخلاف بين المعتقدين باللّه على شكل عدة مذاهب و نحل. بعبارة أخرى: منشأ الاختلاف في العقيدة سواء كان بين الأديان، أو بين مذاهب الدين الواحد هو هذه المرتبة من المعرفة، مثلاً: نجد الاختلاف الأساس بين معرفة الله عند المسلمين و عند المسيحيين حول صفاته جل و علا، حيث يعتقد المسيحيون بالتثليث و التجسد<ref>يعتقد المسيحيون أن الله في حال أنه ذات واحدة هو ثلاث أقانيم، و يسمى هذا الاعتقاد بالتثليث، و يرى المسيحيون أن أحد هذه الأقانيم الثلاثة تجسد في جسم عيسى سلام الله عليه.</ref> و كلاهما من الصفات الإلهية التي ينكرها المسلمون أشد الإنكار، و من جهة أخرى فإن هناك من يعتقد من المسلمين بالتجسيم خلاف أكثر الفرق الإسلامية التي تنزه الله من التجسم و الجسمانية. باختصار: إن أكثر الاختلافات العقائدية نشأت في هذا البعد من معرفة الله، أي: معرفة الله بصفاته. | بعد أن يؤمن الإنسان بوجود الله و يصدق بهذه القضية: «الله موجود»، يبدأ في طي مراحل المعرفة التفصيلية و ذلك من خلال معرفة أوصافه و أفعاله جل جلاله. كما رأينا، في المرتبة المعرفية السابقة باللّه الواحد حيث امتاز الملحد و المشكك عن المؤمن، أما في هذه المرتبة فقد أدى الاختلاف في فهم الصفات الإلهية إلى ظهور الخلاف بين المعتقدين باللّه على شكل عدة مذاهب و نحل. بعبارة أخرى: منشأ الاختلاف في العقيدة سواء كان بين الأديان، أو بين مذاهب الدين الواحد هو هذه المرتبة من المعرفة، مثلاً: نجد الاختلاف الأساس بين معرفة الله عند المسلمين و عند المسيحيين حول صفاته جل و علا، حيث يعتقد المسيحيون بالتثليث و التجسد<ref>يعتقد المسيحيون أن الله في حال أنه ذات واحدة هو ثلاث أقانيم، و يسمى هذا الاعتقاد بالتثليث، و يرى المسيحيون أن أحد هذه الأقانيم الثلاثة تجسد في جسم عيسى سلام الله عليه.</ref> و كلاهما من الصفات الإلهية التي ينكرها المسلمون أشد الإنكار، و من جهة أخرى فإن هناك من يعتقد من المسلمين بالتجسيم خلاف أكثر الفرق الإسلامية التي تنزه الله من التجسم و الجسمانية. باختصار: إن أكثر الاختلافات العقائدية نشأت في هذا البعد من معرفة الله، أي: معرفة الله بصفاته. | ||
بالتأمل بكل ما مر، نشرع في المباحث الأساسية في معرفة الله و أولها بحث وجود الله، ثم بحث الصفات و الأفعال الإلهيه و حتى نفصل بين هاتين المرتبتين من المعرفة عنونَّا البحث الأول بعنوان "وجود الله" و البحث الثاني بعنوان "معرفة الله". | بالتأمل بكل ما مر، نشرع في المباحث الأساسية في معرفة الله و أولها بحث وجود الله، ثم بحث الصفات و الأفعال الإلهيه و حتى نفصل بين هاتين المرتبتين من المعرفة عنونَّا البحث الأول بعنوان "وجود الله" و البحث الثاني بعنوان "معرفة الله".<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٦-٢٨.</ref> | ||
==طرق الاعتقاد بوجود الله و معرفته سبحانه== | ==طرق الاعتقاد بوجود الله و معرفته سبحانه== | ||
| سطر ٤٧: | سطر ٤٧: | ||
'''طريق التجربة:''' حيث لا يستعمل الإنسان الأصول العقلية الصرفة، بل ينظر إلى العالم من حوله و بالمشاهدة الدقيقة و التأمل في الأوصاف و العلاقات بين الظواهر الموجودة في هذا الكون يؤمن بوجود الله و بعض صفاته، كالعلم و الحكمة و القدرة...، يُسمى بالطريق التجريبي؛ لاعتماده على مشاهدة عالم الطبيعة، و لا بد من الالتفات إلى أنه في هذا الطريق لا يُمكن الوصول إلى المقصود و الغاية بدون إعمال بعض الأصول العقلية، فهو طريق غير مستقل عن العقل و مثاله المعروف: برهان النظم. | '''طريق التجربة:''' حيث لا يستعمل الإنسان الأصول العقلية الصرفة، بل ينظر إلى العالم من حوله و بالمشاهدة الدقيقة و التأمل في الأوصاف و العلاقات بين الظواهر الموجودة في هذا الكون يؤمن بوجود الله و بعض صفاته، كالعلم و الحكمة و القدرة...، يُسمى بالطريق التجريبي؛ لاعتماده على مشاهدة عالم الطبيعة، و لا بد من الالتفات إلى أنه في هذا الطريق لا يُمكن الوصول إلى المقصود و الغاية بدون إعمال بعض الأصول العقلية، فهو طريق غير مستقل عن العقل و مثاله المعروف: برهان النظم. | ||
'''طريق القلب:''' يتوجه الإنسان إلى أعماقه بدون حاجة إلى أي استدلال عقلي، أو مشاهدة تجريبية، بل عن طريق القلب يصل إلى الرب و مثاله: الاعتقاد الفطري بوجود الله و معرفته "في حال عدم استعمالها كمبنى للاستدلال العقلي لإثبات وجود الله<ref>قد يبدل الدليل الفطري إلى دليل عقلي على وجود الله، و ذلك بالحاق بعض المقدمات، فلا يذكر حينها بعنوان طريق القلب.</ref> و مثاله: الشهود العرفاني و المشاهدة القلبية لله و أوصافه الجمالية و الجلالية. | '''طريق القلب:''' يتوجه الإنسان إلى أعماقه بدون حاجة إلى أي استدلال عقلي، أو مشاهدة تجريبية، بل عن طريق القلب يصل إلى الرب و مثاله: الاعتقاد الفطري بوجود الله و معرفته "في حال عدم استعمالها كمبنى للاستدلال العقلي لإثبات وجود الله<ref>قد يبدل الدليل الفطري إلى دليل عقلي على وجود الله، و ذلك بالحاق بعض المقدمات، فلا يذكر حينها بعنوان طريق القلب.</ref> و مثاله: الشهود العرفاني و المشاهدة القلبية لله و أوصافه الجمالية و الجلالية<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٨-٢٩.</ref> | ||
==الطرق العامة و الخاصة== | ==الطرق العامة و الخاصة== | ||
يُمكن تقسيم طرق معرفة الله بأحد الاعتبارات كذلك إلى قسمين: عامة و خاصة، و المقصود من الطريق العام: هو الطريق الذي يتمكن عموم الناس "على اختلاف طبقاتهم و مستواهم العلمي" من طي مقدماته. | يُمكن تقسيم طرق معرفة الله بأحد الاعتبارات كذلك إلى قسمين: عامة و خاصة، و المقصود من الطريق العام: هو الطريق الذي يتمكن عموم الناس "على اختلاف طبقاتهم و مستواهم العلمي" من طي مقدماته. | ||
أما الطريق الخاص: هو الطريق الذي لا يتيسر لجميع الناس حيث له مقدمات خاصة. و يعتبر البعض البراهين الفلسفية من القسم الثاني و برهان النظم و طريق الفطرة "في حال عدم وجود المانع " من القسم الأول. | أما الطريق الخاص: هو الطريق الذي لا يتيسر لجميع الناس حيث له مقدمات خاصة. و يعتبر البعض البراهين الفلسفية من القسم الثاني و برهان النظم و طريق الفطرة "في حال عدم وجود المانع " من القسم الأول.<ref>[[محمد سعيديمهر|سعيديمهر، محمد]]، [[دروس في علم الكلام الاسلامي (كتاب)|دروس في علم الكلام الاسلامي]]، ص ٢٩-٣٠.</ref> | ||
== المراجع == | == المراجع == | ||
{{مراجع}} | {{مراجع}} | ||