الأمد في نهج البلاغة
التعريف
الأمد: الزمن، والغاية، والمنتهى، والمدى، والأجل، والنهاية[١].
قال الراغب: «الأمد والأبد يتقاربان، لكنّ الأبد عبارة عن مدّة الزمان التي ليس لها حدٌّ محدودٌ، ولا يتقيّد، فلا يقال: أبدُ كذا، والأمدُ مدّةٌ لها حدٌّ مجهول إذا أطلِقَ، وقد ينحصر، نحو أنْ يقال: أمَدُ كذا، كما يقالُ: زمانُ كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أنَّ الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامٌّ في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضهم: المدى والأمدُ يتقاربان»[٢].
قال تعالى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾[٣]. أي غاية أو مسافة بعيدة، أو زمناً بعيداً.
وقال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾[٤]. أي طال الزمن والغاية بينهم وبين أنبيائهم، أو طال عليهم الأمد للجزاء؛ أي لم يعاجلوا بالجزاء، فاغترّوا بذلك.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾[٥]. أي ما أدري أ هو حالّ متوقّع في كلّ ساعة، أم مؤجّل ضربت له غاية.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾[٦]. أي أيّهم أضبط لزمن بعثهم وغايته[٧].
من تحذيره(ع) من الدنيا وغوائلها: «وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الْأَمَدُ»[٨].
بين «الأمَلُ» و«الأمَدُ» جناس المضارِع؛ فإنّ اللام والدال حرفان متقاربا المخرج، وبين «الأمَلُ» و«الأمَدُ» أيضاً موازنة.
ومن وصفه(ع) للملائكة: «لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ»[٩]. أي أنّه لا يمكنهم الوصول إلى منتهى نهاية عبادته الذي هو عبارة عن كمال معرفته؛ وذلك لكون مراتب العرفان ودرجاته غير متناهية، فلا يمكنهم قطعها[١٠].
ومن حديثه عن خلق آدم(ع): «حتّى صَلْصَلَتْ، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَ أَمَدٍ مَعْلُومٍ»[١١]. أي إلى وقت معيّن اقتضت الحكمة والمصلحة نفخ الروح في طينة آدم.
وقال(ع) في تقديس الله سبحانه وتنزيهه: «أَنْتَ الْأَبَدُ، فَلَا أَمَدَ لَكَ»[١٢]. أي أنت الدائم، فلا غاية لك يقف عندها وجودك.
ويمكن أن يكون إطلاق «الأبد» عليه سبحانه من باب المجاز مبالغةً في الدوام، والأصل: أنت ذو الأبد، على حدّ قوله: فإنّما هي إقبال وإدبار[١٣].
ومن حديثه(ع) عن أهل الضلال: «وَطَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ»[١٤]. أي إنّما اطال الله سبحانه عليهم الأمد مع ضلالهم لاستدراجهم؛ ليستكملوا الخزي، وذلك لسوء اختيارهم، ورسوخهم في الضلال.
ومن حديثه(ع) في عدم إدراك كنه الله تعالى: «لَا يُقَالُ لَهُ: مَتَى؟ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى»[١٥]. أي أنّه منزّه عن لحوق الزمان، فلا يسأل عنه بمتى؟ وعن غاية الزمان، فلا يضرب له أمد بحتّى[١٦].
ومن هذا القبيل قوله(ع): «فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ»[١٧]. أي كلّ الأشياء المحسوسة التي تنقضي وتفنى - إذا بلغت غايتها - تستطيع العقول الاطلاع عليها، أمّا الله سبحانه وتعالى فيستحيل الاطلاع على كنه ذاته وحقيقة صفاته.
وقال(ع) في تنزيه الله سبحانه وتعالى: «وَدَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ، وَقَائِمٌ لَابِعَمَدٍ»[١٨].
أي أنّه واحد في ذاته وصفاته ليس كمثله شيء، فوجوده مساوق لوجود الزمان، وثبت أنّه تعالى ليس بذي زمان يعرض له الأمد، وثبت أيضاً أنّه دائم لا أمد له[١٩].
وقال(ع) في بيان عظمة دين الله تعالى: «وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ حتى بَلَغَ ما بَلَغ، وَطَلَع حَيْثُ طَلَعَ»[٢٠].
أي جنده الذي أعدّه وأمدّه بالملائكة والناس المؤمنين حتّى بلغ هذا المبلغ.
وبين «أعدَّهُ» - بمعنى هيّأه وجهّزه - و«أمَدَّهُ» - بمعنى أعانه وأغاثه، أو نصره بمدد - سجع متوازٍ، مضافاً إلى الإتيان باسم الموصولخطأ استشهاد: إغلاق </ref> مفقود لوسم <ref> أي غشيهم ماء غزير يعزّ تقدير كمّيته، ففي الاسم الموصول إبهام، وفيه من التهويل ما لا يخفى.</ref> وإبهام مكان الطلوع؛ وذلك للتفخيم والتعظيم.
ومن وصفه(ع) لبصيرة العاقل: «وَنَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْدَهُ»[٢١].
أي أنّ عين بصيرة العاقل بها يبصر غايته التي يتوجّه إليها؛ أي معاده، وبها يعرف ما انخفض وانحطّ من حالاته الموجبة لشقاوته المردية له إلى دركات الجحيم، وما ارتفع واستعلى من خصاله الموجبة لسعادته الموصلة له إلى نضرة النعيم.
وبين «أمَدَهُ» - أي غايته - و«نَجْدَهُ» - أي طريقه الواضح المستبين - سجع متوازٍ. وجاء التقابل بين «الغور» و«النجد» للدلالة على الباطن والظاهر، ولبيان قدرة العاقل على التمييز والعمل بما يعلم، وأنّه يعرف ظاهر الشيء من باطنه؛ أي ما تخفيه السرائر، ولا يخدع بالمظاهر والكذب.[٢٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ينظر التهذيب، ولسان العرب، مادّة: (أم د).
- ↑ مفردات الراغب، ص٨٨؛ التوقيف على مهمّات التعاريف، ص٩١؛ الكلّيات، ج١، ص٣١٥؛ المعجم الكبير، ج١، ص٤٥٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٦.
- ↑ سورة الجن، الآية ٢٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٢.
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص٤٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٥٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ منهاج البراعة، ج٦، ص٣١٩-٣٢٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ منهاج البراعة، ج٧، ص٢٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٣.
- ↑ شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، ج٣، ص٣٧٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
- ↑ شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني، ج٤، ص١٤٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٤.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٤٥-٢٤٨.