التأخير في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

التعريف

التأخير: التباطؤ، أو التأجيل مقابل التقديم[١]، من تأَخَّرَ عنه: تباطَأ وتَخَلَّفَ عنه في الترتيب، وجاء بعده، وأخَّرَهُ: جعله بعد غيره في الترتيب، أو أمسكه ففوَّت عليه وقتَهُ، قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ[٢].

أي بما قدّم به من أفعال الخير القديمة والحديثة، وقيل: معناه بما قدّم من عمل قام به، وبما أخّر ممّا سنَّه، فعمل به غيره بعد مماته[٣].

وقال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[٤]. أي يؤجّلكم إلى وقت عيّنه سبحانه، وجعله منتهى أعماركم[٥].

من تحذيره(ع) من الشيطان معاوية: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَامِنٌ في كِسْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَةِ يَداً، وَ أَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلاً»[٦].

شبّه(ع) هيئة تردّد معاوية في الإقدام على القتال طمعاً في الخلافة والإحجام اُخرى خوفاً وجبناً، بهيئة تردّد من يريد أمراً فيثب تارة وينكص اُخرى على سبيل الاستعارة التمثيلية.

ومن حديثه(ع) عن الآجال: «وَخَلَقَ الْآجَالَ؛ فَأَطَالَهَا، وَقَصَّرَهَا، وَقَدَّمَهَا، وَ أَخَّرَهَا»[٧].

أي قرّبها، وأبعدها. وبين «قَصَّرَهَا» و«قَدَّمَهَا» و«أخَّرَهَا» سجع مطرَّف، والمقابلة في «أطَالَها. قَدَّمَهَا» و«قَصَّرَهَا. أخَّرَهَا» والطباق بين الإطالة، والتقصير، وبين التقديم، والتأخير، كلّها ساعدت النصّ على إبراز المعنى وإيضاحه.

وقال(ع) في أهل الضلال: «آثَرُوا عَاجِلاً، وَ أَخَّرُوا آجِلاً، وَتَرَكُوا صَافِياً، وَشَرِبُوا آجِناً»[٨].

أي أنّهم اختاروا الدنيا على الآخرة، وقدّموها عليها، وأخّروها عنها[٩].

وقد جسّدت الجمل المتعاكسة دقّة في الدلالة، وحلاوة في الوقع والإيقاع.

ومن بيانه(ع) لسبب تأخير إجابة الدعاء: «وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ»[١٠].

أي بطّئت واُجّلت. وبين «السّائِلِ» و«الآمِلِ» سجع متناغم يكشف عن القدرة والسعة اللامتناهية للعطاء والسخاء الإلهي؛ لأنّه الأعظم والأجزل أجراً وعطاءً.

وممّا كتبه(ع) لأهل مصر حين ولّى عليهم مالك الأشتر: «فَإِنَّهُ لَايُقْدِمُ، وَلَا يُحْجِمُ، وَلَا يُؤَخِّرُ، وَلَا يُقَدِّمُ؛ إِلَّا عَنْ أَمْرِي»[١١].

أي لا يؤخّر شيئاً إلّاعن أمره(ع) كالتأخير في الحرب، أو تأخير شخص عن شخص في المرتبة، وهكذا. ومن كتابه(ع) إلى الحارث الهمداني: «فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ، وَمَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ»[١٢].

أي تؤجّله وتجعله ذخيرة لك. وبين «ذُخْرُهُ» و«خَيْرُهُ» سجع مطرّف، فتقاطع الخطوط وتشابكها تستجلي الفكرة، والتعاكس يوحي بأنّ الخصلتين تصدران بنفس القوّة، ليؤدّيا طريقين متقابلين يتطابقان في وضوحها.

ومن كتابه(ع) إلى محمّد بن أبي بكر رحمه الله حين ولّاه مصر: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا الْمُوَقَّتِ لَهَا، وَلَا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ، وَلَا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لِاشْتِغَالٍ»[١٣].

قابل بين «التعجيل» و«التأخير» وبين: «الفراغ» و«الاشتغال» لتوخي الدقّة في أداء الصلاة في وقتها المحدّد وعدم التهاون بها لما فيها صلاحه ونظم أموره.

ومن حكمه(ع): «لَا يُعَابُ الْمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ»[١٤].

أي بعدم أخذه لحقّه فوراً، أو بتركه أصْلاً.

ومن كتابه(ع) لمالك الأشتر: «وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَ تَأْخِيرِ السَّطْوَةِ»[١٥].

أي إرجاء الشدّة إذا أردتها؛ فإنّ بالتأخير والتأنّي يستحكم العقل، فلا يفعل إلّااللائق والمناسب.

وممّا قاله(ع) لمّا غلب أصحابُ معاوية أصحابَهُ(ع) على شريعة الفرات بصفّين ومنعوهم من الماء: «قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ، فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ، وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ، أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تُرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ»[١٦].

أي إمّا أن تقبلوا بالذلّ وتأخّر المنزلة، وإمّا أن ترووا سيوفكم من الدماء.

إنّ الاستعانة بالصور الخيالية - كالاستعارة في «اسْتَطْعَمُوكُمْ» و«رَوُّوا السُّيُوفَ» وتشبيه الدماء بالماء، انتقاء الألفاظ في السجع المتوازي «مَذَلَّةٍ» و«مَحَلَّةٍ» أي سقوط المنزلة والهوان - كلّها تقوّي المعنى وتجلّيه؛ وهو إشارة الإمام(ع) إلى أن لا نجاة لهم إلا الجهاد، وإلّا فسوف يتعرّضون لموتات متعاقبة إن غلبهم العدوّ، كالمذلّة، والعجز، والانقياد للعدوّ، وتأخير المنزلة عن أهل الشرف والكرامة.[١٧]

المراجع والمصادر

  1. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱

الهوامش

  1. المفردات، ص٦٩.
  2. سورة القيامة، الآية ١٣.
  3. ينظر: الكشاف، ج٤، ص٦٤٨؛ مجمع البيان، ج٥، ص٥٩٨.
  4. سورة إبراهيم، الآية ١٠.
  5. ينظر: مجمع البيان، ج٣، ص٤٧٠؛ الكشاف، ج٢، ص٥٢٢.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ٦٦.
  7. نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٤.
  9. منهاج البراعة، ج٩، ص٤٩.
  10. نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
  11. نهج البلاغة، الكتاب ٣٨.
  12. نهج البلاغة، الكتاب ٦٩.
  13. نهج البلاغة، الكتاب ٢٧.
  14. نهج البلاغة، قصار الحكم ١٦٦.
  15. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ٥١.
  17. السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ١٢٨-١٣١.