تمهيد

كانت وقعة الخندق وهو «يوم الأحزاب» في السنة الخامسة من الهجرة، بعد مقدم رسول الله(ص) بخمسة وخمسين شهراً.

وكانت قريش تبعث إلى اليهود وسائر القبائل فتحرضهم على قتال رسول الله(ص)، فاجتمع خلق من قريش في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبوسفيان بن حرب. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن الفزاري من بني فزارة، و الحارث بن عوف المري من بني مرة، و مسعر بن رخيلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع. وخرج رسول الله(ص) والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، وأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر خندقاً، فحفر الخندق وجعل لكل قبيلة حداً يحفرون إليه، وحفر معهم رسول الله حتى فرغ من حفر الخندق، وجعل له أبواباً، وجعل على الأبواب حرساً من كل قبيلة رجلاً، وجعل عليهم الزبير بن العوام، وأمره إن رأى قتالاً أن يقاتل، وكانت عدة المسلمين سبعمائة رجل، ووافى المشركون فأنكروا أمرالخندق، وقالوا: ما كانت العرب تعرف هذا... وأقاموا خمسة أيام، فلما كان اليوم الخامس خرج عمرو بن عبدود وأربعة من المشركين: نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، و عكرمة بن أبي جهل، و ضرار بن الخطاب الفهري، و هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فخرج علي بن أبي طالب(ع) إلى عمرو بن عبدود فبارزه وقتله وانهزم الباقون[١].

قال ابن هشام: وحدتني الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قتل علي بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبدود وابنه حسل بن عمرو[٢].

وقال ابن إسحاق: فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له: يا عمرو، إنك قد عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: يا ابن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك. قال له علي: ولكني والله أحب أن أقتلك. فحمي[٣] عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي(ع)، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة[٤].

قال اليعقوبي: وكبا بـ نوفل بن عبد الله بن المغيرة فرسه، فلحقه علي فقتله، وبعث الله على المشركين ريحاً مظلمة، فانصرفوا هاربين لا يلوون على شيء، حتى ركب أبوسفيان ناقته وهي معقولة، فلما بلغ رسول الله(ص) ذلك قال: «عُوجل الشيخ». وكانت الحرب - على ما روى بعضهم - ثلاثة أيام بالرمي بغير مُجالَدة ولا مُبارَزة، واتصلت في اليوم الثالث حتى فاتت صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء الآخرة، فقال رسول الله(ص): «شغلونا عن الصلاة، ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً»[٥] - إلى أن قال - وفي هذه الوقعة ظهر النفاق، وقال المنافقون: بعدنا محمد بقصور كسرى وقيصر ولأحدنا لا يقدر على الغائط، ما هذا إلا غرور! فأنزل الله عز وجل سورة الأحزاب وقص فيها ما قص[٦].

وقُتل يوم الخندق على المشهور من المسلمين ستة ومن المشركين ثلاثة[٧]، وقيل: ثمانية[٨]

قال المقريزي: وفرغ من حفر الخندق في ستة أيام، وعسكر فجعل سلعاً خلف ظهره والخندق أمامه، ودفع لواء المهاجرين إلى زيد بن حارثة ولواء الأنصار إلى سعد بن عبادة - إلى أن قال - وهمت بنو قريظة أن يغيروا على المدينة ليلاً، وبعث حيي بن أخطب إلى قريش أن يأتيه منهم ألف رجل ومن غطفان ألف فيغيروا بهم، فجاء الخبر بذلك رسول الله(ص) وعظم البلاء، وبعث سلمة بن أسلم بن حريش الأنصاري في مائتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، ومعهم خيل المسلمين، وكانوا يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا، وكان الخوف على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من الخوف من قريش وغطفان، إلا أن الله ردّ بني قريظة عن المدينة بأنها كانت تحرس[٩].[١٠]

المراجع والمصادر

  1.   محمد ابراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة

الهوامش

  1. انظر تاريخ اليعقوبي ٢: ٥٠ والطبقات الكبرى ٢: ٦٦، والكامل في التاريخ ٢: ١٧٨، والمغازي للواقدي ٢: ٤٩٦، والمحبر ١٧٥، وجمهرة النسب لابن الكلبي ١١٠، وقال: وهو ابن أربعين ومائة سنة، وأنساب الأشراف ١: ٤٢٩، والنسب ٢١٧، وتاريخ الطبري ٢: ٢٤٠.
  2. السيرة لابن هشام ٣: ٢٦٥.
  3. أي: اشتد غضبه.
  4. السيرة لابن هشام ٣: ٢٣٦، والطبري ٢: ٢٤٠.
  5. تاريخ اليعقوبي ٢: ٥٠. وفي المغازي ٢: ٤٩٦ ذكر قتل علي(ع) لنوفل المخزومي، وتاريخ الطبري ٢: ٢٤٠.
  6. سورة الأحزاب: ٩-٢٥. تاريخ اليعقربي ٢: ٥١.
  7. انظر السيرة لابن هشام ٣: ٢٦٤، وقال: قتل من المشركين ثلاثة نفر؛ من بني عبدالدار بن قصي: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار، أصابه سهم غمات منه بمكة. ومن بني مخزوم بن يقظة: نوفل بن عبد الله بن المغيرة. لم يذكر في السيرة قاتله، وفي المغازي ٢: ٤٩٦ قال الواقدي: قتله الزبير بن العوام، ويقال علي بن أبي‌طالب(ع). قال الطبري: قتله علي بن أبي‌طالب. تاريخ الطبري ٢: ٢٤٠. قال ابن إسحاق: ومن بني عامر بن لؤي، ثم من بني مالك بن حسل: عمرو بن عبدود، قتله علي بن أبي طالب رضوان الله عليه. (أجمعت المصادر على قتل علي(ع) لعمرو بن عبدود، ذكرنا فيما مضى بعضها). قال ابن هشام: وحدثني الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قتل علي بن أبي‌طالب يومئذ عمرو عمرو بن عبدود وابنه حسل بن عمرو. السيرة لابن هشام ٣: ٢٦٥. فبذلك يكون عدد من قتل من المشركين يوم الخندق: أربعة.
  8. تاريخ اليعقوبي ٢: ٥١.
  9. إمتاع الأسماع ١: ٢٢٥.
  10. محمد إبراهيم آيتي، شهداء الإسلام في عصر الرسالة، ص ٢٧٤.