غزوة الخندق في التاريخ الإسلامي

من إمامةبيديا

تمهيد

غزوة الخندق[١]: المقدمات: قال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: لمّا أجلا رسول الله(ص) بني قينقاع و بني النضير عن المدينة صاروا إلى خيبر، وكان رئيس بني النضير حيي بن أخطب، فخرج إلى قريش بمكّة وقال لهم: «إنّ محمّداً قد وتركم، ووترنا وأجلانا من ديارنا وأموالنا من المدينة، وأجلا بني عمّنا بني قينقاع. وقد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل، وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق، فأنا أمشي إليهم فأحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد، فيكونون معنا عليهم... وسيروا أنتم في الأرض فاجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتى نسير إليهم... فتأتونه من فوق، وهم من أسفل» إذ كان موضع بني قريظة بئر المطلب على ميلين من المدينة[٢].

وقال المفيد في «الإرشاد»: إن جماعة من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق النضيري، و حيي بن أخطب، و كنانة بن الربيع، و هوذة بن قيس الوالبي، و أبو عمارة الوالبي في نفر من بني والبة، خرجوا (من المدينة) حتّى قدموا مكّة، إلى أبي سفيان صخر بن حرب، لعلمهم بعداوته لرسول الله وتسرّعه إلى قتاله.

فذكروا له ما نالهم (من وقعة بني النضير) وسألوه المعونة لهم على قتاله.

وأضاف الطبرسي في تفسيره: أبا رافع و كعب بن الأشرف في جماعة من علماء اليهود[٣] ونقل عن أكثر المفسرين: أنّه خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكّة بعد وقعة اُحد، ليحالفوا قريشاً على رسول الله وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله، فنزلت اليهود في دور قريش ونزل كعب بن الأشرف على أبي سفيان فأحسن مثواه.

فقال لهم أهل مكة: إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم! فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما! ففعل!

ثمّ قال لهم كعب: يا أهل مكة ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فلنلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمّد. ففعلوا ذلك.

فلمّا فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمّد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الناقة الكوماء[٤] ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفكّ العاني[٥] ونصل الرحم، ونعمر بيت ربّنا ونطوف به ونحن أهل الحرم. ومحمّد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمّد الحديث. فقال: أنتم أهدى سبيلاً ممّا عليه محمّد! وفي هذا نزل قوله - سبحانه -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا[٦][٧].

قال المفيد في «الارشاد»: فنشطت قريش لما دعوهم إليه من حرب رسول الله. وجاءهم أبو سفيان فقال لهم: قد مكّنكم الله (!) من عدوّكم:! فهذه اليهود تقاتله معكم ولا تنفكّ عنكم حتى يؤتى على جميعها أو تستأصله ومن اتّبعه! فقويت عزائمهم إذ ذاك في حرب النبي(ص)!

ثمّ خرج اليهود (من مكّة) إلى غطفان وقيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله وضمنوا لهم النصرة والمعونة، وأخبروهم باجتماع قريش لهم على ذلك[٨].[٩]

خروج الأحزاب للحرب

قال المفيد في «الإرشاد»: وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدهم: عيينة بن حصن في بني فزارة، و الحارث بن عوف في بني مرة، و وبرة بن طريف في قومه من أشجع. واجتمعت قريش معهم[١٠].

ورواه الطبرسي في «مجمع البيان» عن ابن كعب القرظي وأضاف: وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طلحة فيمن تبعه من بني أسد. وكتبت قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن تبعه من بني سليم مدداً لقريش[١١].

وذكرهم ابن شهرآشوب فقال: فكانوا ثمانية عشر ألف رجل. والمسلمون في ثلاثة آلاف[١٢].

وقال المسعودي: فكان عدّة الجميع: أربعة وعشرين ألفاً، والمسلمون نحو من ثلاثة آلاف[١٣].

وقال الواقدي: وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، ومعهم من الظهر ألف وخمسمائة بعير... يقودها أبو سفيان بن حرب... وأقبلت بنو سليم في سبعمائة يقودهم أبو الأعور سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية - وكان مع معاوية بصفّين ـ. وخرجت بنو فزارة وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن. وخرجت أشجع في أربعمائة وقائدها مسعود (كذا) بن رخيلة. وخرجت بنو مرة في أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف. فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وغطفان وأسد: عشرة آلاف في ثلاثة عساكر، وعناج[١٤] الأمر إلى أبي سفيان.

ولمّا فصلت قريش من مكّة إلى المدينة خرج ركب من خزاعة إلى النبي(ص) فساروا من مكّة إلى المدينة أربعا فأخبروه بفصول قريش[١٥].[١٦]

مشاورة الأصحاب للأحزاب

قال القمي: وبلغ ذلك رسول الله(ص)، فاستشار أصحابه، وكانوا سبعمائة رجل.

فقال سلمان الفارسي[١٧]: يا رسول الله، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة (أي المجادلة). فقال له رسول الله: فما نصنع؟

قال سلمان: نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجاباً، فيمكنك منعهم في المطاولة، ولا يمكنهم أن يأتونا من كلّ وجه. فإنّا كنّا - معاشر العجم في بلاد فارس - إذا دهمنا دهم من عدوّنا نحفر الخندق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.

فنزل جبرئيل على رسول الله(ص) فقال: اشار سلمان بصواب[١٨].


وقال المفيد في «الإرشاد»: فلمّا سمع رسول الله باجتماع الأحزاب عليه وقوّة عزيمتهم في حربه استشار أصحابه. فأجمع رأيهم على المقام بالمدينة وحرب القوم على أنقابها. وأشار سلمان عليه بالخندق فأمر بحفره وعمل فيه بنفسه، وعمل فيه المسلمون[١٩].

وقال الواقدي: فحين أخبروه بفصول قريش ندب رسول الله الناس وأخبرهم الخبر وأمرهم بالجدّ والجهاد ووعدهم النصر إن هم صبروا واتّقوا وأمرهم بطاعة الله ورسوله. وكان رسول الله يكثر مشاورتهم في الحروب، فشاورهم فقال: أنبرز لهم من المدينة؟ أم نكون فيها ونخندقها (كذا) علينا؟ أم نكون قريبا ونجعل ظهورنا إلى هذا الجبل؟ فاختلفوا: فقالت طائفة: نكون ممّا يلي بعاث إلى ثنيّة الوداع إلى الجرف[٢٠].

فقال سلمان: يا رسول الله، إنّا إذ كنّا بأرض فارس وتخوّفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك - يا رسول الله - أن نُخَندق؟

فأعجب رأي سلمان المسلمين.

فركب رسول الله فرساً له ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار فارتاد موضعاً ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سَلعاً[٢١] خلف ظهره ويخندق من المَذاذ[٢٢] إلى ذُباب إلى راتج[٢٣].

واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل[٢٤] يحفرون بها الخندق، وكان بنو قريظة يومئذٍ سلما للنبيّ(ص) ويكرهون قدوم قريش.

ووكّل رسول الله بكلّ جانب من الخندق قوماً يحفرونه: فكان المهاجرون يحفرون من جانب راتج إلى ذُباب، وكانت الأنصار تحفر من ذُباب إلى جبل بني عبيد. وكان سائر المدينة مشبّكا بالبنيان[٢٥].

وروى عن ابن كعب القرظي قال: كان الخندق الذي خندق رسول الله ما بين جبل بني عبيد إلى راتج[٢٦]. قالوا: وكان الخندق ما بين جبل بني عبيد بخربى إلى راتج، فكان للمهاجرين من ذباب إلى راتج، وكان للأنصار ما بين ذباب إلى خربى. وخندقت بنو عبد الأشهل بما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو عبد الأشهل بما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند خربى إلى موضع دار ابن أبي الجنوب (اليوم) وشبّكوا المدينة بالبنيان من كلّ ناحية فهي كالحصن[٢٧].

وقال القمي: فأمر رسول الله بحفره من ناحية اُحد إلى راتج. وجعل على كلّ عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوما من المهاجرين والأنصار يحفرونه[٢٨].[٢٩]

رجز النبي والمسلمين

قال القمي: وبدأ رسول الله فأخذ مِعولاً فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، و أمير المؤمنين(ع) ينقل التراب من الحفرة، حتّى عرق رسول الله وعيي، فلمّا نظر الناس إلى رسول الله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقل التراب[٣٠].

وروى الواقدي بسنده قال: كان المهاجرون والأنصار يحفرون والشباب ينقلون التراب على رؤوسهم في المكاتل، فيجعلونه ممّا يلي النبي وأصحابه، حتّى صارت الخندق قامة: وكانوا يأتون بالحجارة من جبل سلع فيسطرونها ممّا يليهم كأنّها أكوام تمر، فكانت من أعظم سلاحهم[٣١].

وجعل رسول الله يعمل معهم في الخندق لينشّط المسلمين، فجعلوا يعملون مستعجلين يبادرون قدوم العدو عليهم [٣٢] وكان رسول الله يحمل التراب في المكتل يطرحه، ويقول:

هذا الجمال لا جمال خيبرهذا أبرّ - ربّنا - وأطهر


فجعل المسلمون يرتجزون وإذا رأوا من الرجل فتورا ضحكوا منه[٣٣].

وقال رسول الله يومئذ: لا يغضب أحدٌ ممّا قال صاحبه لا يريد بذلك سوءا. ولكنّه عزم على حسّان بن ثابت و كعب بن مالك أن لا يقولا شيئاً.

وغيّر النبي اسم جعيل بن سراقة إلى «عمرو» فجعلوا يرتجزون له يقولون:

سماه من بعد جعيل عمراًوكان للبائس يوماً ظهراً [٣٤]


فكان رسول الله يشاركهم في أعجاز أرجازهم يقول: عمراً، ظهراً [٣٥].

وروى عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله يومئذٍ في حلّة حمراء، وكان أبيض شديد البياض كثير الشعر يضرب الشعر منكبيه. ولقد رأيته يومئذٍ يحمل التراب على ظهره حتّى حال الغبار بيني وبينه.

وروى عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت رسول الله يحفر الخندق مع المسلمين والتراب على صدره وهو يقول:

لا همّ لو لا أنت ما اهتديناولا تصدّقنا ولا صلّينا [٣٦]


وجعلت الأنصار ترتجز وتقول:

نحن الذين بايعوا محمّداًعلى الجهاد ما بقينا أبداً


فقال النبي(ص):

لا همّ لا خير إلّا خير الآخرةفاغفر للأنصار وللمهاجرة


أو قال:

لا همّ إنّ العيش عيش الآخرةفاغفر للأنصار وللمهاجرة
لا همّ والعن عضلا والقارةهم كلّفوني أنقل الحجارة [٣٧].[٣٨]


تفأل الرسول بالنصر

قال القمي: ولمّا كان في اليوم الثاني بكّروا إلى الحفر وقعد رسول الله في «مسجد الفتح»[٣٩].

فروى الكليني في «روضة الكافي» عن أبان بن عثمان البجلي الكوفي عن الصادق(ع) قال: إنّهم مرّوا بكدية[٤٠] فتناول رسول الله المعول من يد سلمان عنه فضرب بها ضربة، فانفلقت ثلاث فلق، فقال رسول الله: لقد فتحت عليّ في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر!

فقال أحدهما لصاحبه: يَعِدنا بكنوز كِسرى وقيصر، وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلّى![٤١]

وذكر القمي الخبر بتفصيل أكثر قال: قال جابر: فجئت إلى المسجد و رسول الله مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه وقد شدّ على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله، إنّه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه.

فقام مسرعاً حتّى جاء ثمّ دعا بماء في إناء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه (توضّأ) ثمّ شرب ومجّ من ذلك الماء ثمّ صبّه على الحجر، ثمّ أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثمّ ضرب اخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثمّ ضرب اخرى فبرقت برقة اخرى نظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله: أما إنّه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق. ثمّ انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل[٤٢].

واختصره الطبرسي في «إعلام الورى»[٤٣] ثمّ روى عن سلمان الفارسي قال: ضربت في ناحية من الخندق، فعطف عليّ رسول الله وهو قريب منّي، فلمّا رآني اضرب ورأى شدّة المكان عليّ، نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثمّ ضرب اخرى فلمعت تحت المعول برقة اخرى، ثمّ ضرب به الثالثة فلمعت برقة اخرى، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وامّي ما هذا الذي رأيت؟ فقال: أمّا الأولى فإنّ الله فتح عليّ بها اليمن، وأمّا الثانية فإنّ الله فتح بها عليّ الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإنّ الله فتح بها عليّ المشرق[٤٤].

ونقل في تفسيره عن تفسير الثعلبي و«المستدرك» للحاكم بسنده عن عمرو بن عوف قال: كنت أنا وسلمان و حذيفة بن اليمان و النعمان بن مقرن وستّة من الأنصار نقطع أربعين ذراعاً، فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدوّرة فكسرت حديدنا وشقّت علينا. فقلنا لسلمان: يا سلمان ارق إلى رسول الله فأخبره عن الصخرة، فإمّا أن نعدل عنها فإنّ المعدل قريب، وإمّا أن يأمرنا فيها بأمره فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّه.

فرقى سلمان حتى أتى رسول الله - وهو مضروب له قبّة - فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدوّرة فكسرت حديدنا وشقّت علينا حتى ما يحكّ فيها قليل ولا كثير، فمرنا بأمرك.

فهبط رسول الله مع سلمان في الخندق وأخذ المعول وضرب به ضربة فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها[٤٥] حتّى لكأنّها مصباح في جوف ليل مظلم، فكبّر رسول الله تكبيرة فتح، فكبّر المسلمون، ثمّ ضرب ضربةً اُخرى فلمعت برقةٌ اُخرى، ثمّ ضرب به الثالثة فلمعت برقة اُخرى، فقال سلمان: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ما هذا الذي أرى؟

فقال: أمّا الأولى فإنّ الله - عزّ وجلّ - فتح عليّ بها اليمن، وأمّا الثانية فإنّ الله فتح عليّ بها الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإنّ الله فتح عليّ بها المشرق. فاستبشر المسلمون بذلك وقالوا: الحمد لله موعد صادق[٤٦].[٤٧]

من دلائل النبوة

روى القمي في تفسيره عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لمّا رأيت الحجر على بطن رسول الله علمت أنّه مقوي (أي جائع) فقلت: يا رسول الله، هل لك في الغذاء؟ قال: ما عندك يا جابر؟ قلت عناق[٤٨] وصاع[٤٩] من شعير. فقال: تقدّم وأصلح ما عندك.

قال: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير، وذبحت العنز وسلختها، وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي، فلمّا فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله فقلت: بأبي أنت وامّي يا رسول الله قد فرغنا، فاحضر مع من أحببت.

فقام إلى شفير الخندق ثمّ قال: معاشر المهاجرين والأنصار، أجيبوا جابراً. ثمّ لم يمر بأحدٍ من المهاجرين والأنصار إلّا قال: أجيبوا جابراً، وكان في الخندق سبعمائة رجل، فخرجوا كلّهم!

فتقدّمت وقلت لأهلي: والله لقد أتاك محمّد رسول الله بما لا قبل لك به!

فقالت: اعلمته أنت بما عندنا؟ قلت: نعم. قالت: فهو أعلم بما أتى به.

قال جابر: فدخل رسول الله فنظر في القدر ثمّ قال: اغرفي وأبقي. ثمّ نظر في التنور فقال: أخرجي وأبقي. ثمّ دعا بصحفة فثرد فيها وغرف ثمّ قال: يا جابر أدخل عليّ عشرة. فأدخلت عشرة فأكلوا حتّى نهلوا وما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم! ثمّ قال: يا جابر، عليّ بالذراع فأتيته بالذراع فأكلوه. ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة، فدخلوا فأكلوا حتّى نهلوا وما يرى في القصعة إلّا آثار أصابعهم. ثمّ قال: عليّ بالذراع فأكلوا وخرجوا. ثمّ قال: أدخل عليّ عشرة. فأدخلتهم فأكلوا حتّى نهلوا ولم ير في القصعة إلّا آثار أصابعهم. ثمّ قال: يا جابر عليّ بالذراع فأتيته وقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع؟ قال: ذراعان. فقلت: والذي بعثك بالحقّ نبيّا لقد أتيتك بثلاثة! فقال: أما لو سكتّ يا جابر لأكل الناس كلّهم من الذراع!

قال جابر: فأقبلت اُدخل عشرة عشرة فيأكلون حتّى أكلوا كلّهم وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أيّاماً[٥٠].

وروى الحلبي المازندراني في «المناقب» قال: رأى(ص) يوم الخندق عمرة بنت رواحة تذهب بتميرات إلى أبيها، فقال لها: اجعليها على يدي. فجعلته، ثمّ جعلها على نطع فجعل يربو حتّى أكل منه كلّهم[٥١].

وروى الصدوق في «عيون أخبار الرضا» بسنده عنه عن عليّ(ع) قال: كنّا مع النبي(ص) في حفر الخندق، إذ جاءته فاطمة ومعها كسيرة من خبز فدفعتها إلى النبي، فقال: ما هذه الكسيرة؟ قالت: قرص خبزته للحسن والحسين جئتك منه بهذه الكسيرة! فقال النبي: أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث[٥٢].

قال القمي: وحفر رسول الله الخندق وفرغ منه قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام، وجعل على كلّ بابٍ (منه) رجلاً من المهاجرين ورجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه [٥٣].

واستعرض رسول الله الغلمان قال الواقدي: فكان ممن أجازه يومئذٍ البراء بن عازب و عبد الله بن عمر و زيد بن ثابت وكلّهم أبناء خمس عشرة سنة[٥٤].

قال: وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب مع المسلمين... ثمّ غلبته عيناه فرقد على شفير الخندق حتى أخذ سلاحه سيفه وقوسه وترسه عمارة بن حزم وهو مع المسلمين الذين يطيفون بالخندق يحرسونه وتركوا زيداً نائماً، ففزع وقد فقد سلاحه، حتى بلغ ذلك رسول الله، فدعا زيداً فقال له: يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك؟! ثمّ قال: من له علم بسلاح هذا الغلام؟ فقال عمارة بن حزم: أنا يا رسول الله وهو عندي. فقال: فردّه عليه. ثمّ نهى النبي أن يروّع مسلم أو يؤخذ متاعه جادّا أو لاعبا[٥٥].[٥٦]

وصول الأحزاب

قال القمي في تفسيره: وفرغ رسول الله من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام، وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة... ووادي العقيق[٥٧] وفي عددهم قال: فوافوا في عشرة آلاف[٥٨].

وقال الطبرسي في تفسيره: وأقبلت قريش حتّى نزلت بين الجُرف والغابة[٥٩] في عشرة آلاف منهم وممّن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتّى نزلوا إلى جانب احد[٦٠].

وهم المعنيون بقوله - سبحانه - في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ[٦١] قال الطوسي في «التبيان»: يعني يوم الأحزاب وهو يوم الخندق، حيث اجتمعت العرب على قتال النبي، قريش وغطفان و بنو قريظة وتظافروا على ذلك... ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ[٦٢] وهم عيينة بن حصن في أهل نجد ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ[٦٣] وهم أبو سفيان في قريش، وواجهتم قريظة[٦٤].

وقال الطبرسي في «مجمع البيان»: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ أي من فوق الوادي من قبل المشرق: قريظة والنضير وغطفان﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي من قبل المغرب من ناحية مكّة: أبو سفيان في قريش ومن تبعه[٦٥].

وقال الواقدي: كان جميع القوم الذين وافوا الخندق عساكر ثلاثة، وعِناج[٦٦] الأمر إلى أبي سفيان. فنزلت قريش في أحابيشها ومن ضوى إليها من العرب برُومة ووادي العقيق[٦٧] ونزلت غطفان بالزغابة إلى جانب اُحد.

وكان الناس قد حصدوا قبل قدومهم بشهر فقدموا وليس في الوادي زرع، بل كانت المدينة حين قدموا جديبة. فجعلت قريش تسرّح ركابها في وادي العقيق وليس هناك شيء للخيل إلّا ما حملوه من علف الذرة. وسرّحت غطفان إبلها في الجرف إلى الغابة في أثلها وطرفائها وعضاهها والأتبان، فكادت ابلهم تهلك من الهزال[٦٨].[٦٩]

رسول الله والمسلمون

قال الطبرسي: وخرج رسول الله والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الحصون[٧٠].

وروى الواقدي قال: نزل رسول الله دَبرَ سَلع فجعله خلف ظهره والخندق أمامه فكان عسكره هناك، وضرب قبّة من أدم عند المسجد الأعلى بأصل الجبل، وكان يعقب بين نسائه: عائشة وأمّ سلمة وزينب بنت جحش، وسائر نسائه في حصن بني حارثة[٧١].[٧٢]

نقض بني قريظة

قال القمي في تفسيره: كان بنو قريظة في حصنهم قد تمسّكوا بعهد رسول الله(ص) لهم، فلمّا أقبلت قريش ونزلت العقيق جاء حيي بن أخطب في جوف الليل إلى حصنهم ودقّ باب الحصن، فلمّا سمع كعب بن أسد قرع الباب قال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه وجاء الآن يشأمنا ويُهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا وبين محمّد، وقد وفى لنا محمّد وأحسن جوارنا. ثمّ نزل إليه من غرفته وقال له: من أنت؟ قال: حييّ بن أخطب قد جئتك بعزّ الدهر! قال كعب: بل جئتني بذلّ الدهر! قال: يا كعب، هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلوا بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة، وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان، ولا يفلت محمّد وأصحابه من هذا الجمع أبدا! فافتح الباب وانقض العهد الذي بينك وبين محمّد! فقال كعب: لست بفاتح لك! ارجع من حيث جئت! فقال حييّ: ما يمنعك من فتح الباب إلّا جشيشتك[٧٣] التي في التنور تخاف أن أشركك فيها، فافتح، فإنّك آمن من ذلك! فقال له كعب: لعنك الله، قد دخلت عليّ من باب ضيّق. افتحوا له، ففتحوا له الباب، فقال: يا كعب، انقض العهد الذي بينك وبين محمّد ولا تردّ رأيي، فإنّ محمّدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا، فإن فاتك هذا الوقت فلا تدرك مثله أبدا!

ثمّ اجتمع إليه كلّ من كان في الحصن من رؤسائهم مثل غزال بن شموأل، و باشي بن قيس، و رفاعة بن زيد، و الزبير بن باطا. فقال لهم كعب: ما ترون؟ قالوا: أنت سيّدنا والمطاع فينا وأنت صاحب عهدنا، فإن نقضت نقضنا وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك.

وكان الزبير بن باطا شيخاً مجرّباً كبيراً قد ذهب بصره فقال: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه يبعث نبيّا في آخر الزمان، يكون مخرجه بمكّة ومهاجرته بالمدينة إلى البحيرة، يركب الحمار العاري ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسيرات والتميرات، وهو الضحوك القتال، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقاه يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر. فإن كان هذا هو فلا يهولنّه هؤلاء وجمعهم، ولو ناوته هذه الجبال الرواسي لغلبها!

فقال حُييّ: ليس هذا ذلك، ذلك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكون بنو إسرائيل أتباعاً لولد إسماعيل أبداً! لأنّ الله قد فضّلهم على الناس جميعاً وجعل فيهم النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى: أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمّد آية، وإنّما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك.

فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتّى أجابوه: فقال لهم: أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمّد، فأخرجوه، فأخذه حييّ بن أخطب ومزّقه وقال: لقد وقع الأمر، فتجهّزوا وتهيّأوا للقتال. ورجع حييّ بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله(ص)، ففرحت قريش بذلك[٧٤].[٧٥]

تبيّن الخبر

بلغ رسول الله، ذلك فغمّه غمّاً شديداً وفزع أصحابه، فقال رسول الله لـ سعد بن معاذ و اسيد بن حضير[٧٦] - وكانا من الأوس وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس -: ائتيا بني قريظة فانظروا ما صنعوا؟ فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحداً بذلك إذا رجعتما إليّ، وقولا: عضل والقارّة.

وذلك أنّه كانت عضل والقارة قبيلتين من العرب دخلتا في الإسلام ثمّ غدرتا، فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل فقيل: عضل والقارّة.

فجاء سعد بن معاذ و اسيد بن حضير إلى باب الحصن، فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعداً وشتم رسول الله(ص)!

قال له سعد: إنّما أنت ثعلب في جُحر! لتولينّ قريش، وليحاصرنك رسول الله وليُنزلنّك على الصَغَر والقَماع، وليضربَنَّ عنقك!

ثمّ رجعا إلى رسول الله فقالا: عضَل والقارّة. فقال رسول الله: لعناء![٧٧]. أو قال: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين.[٧٨]

تبيّن النفاق

وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف، وأتاهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظنّ المسلمون كلّ ظنّ، وظهر النفاق من بعض المنافقين.

حتى قال معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف: كان محمّد يَعِدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط![٧٩].

وحتى قال أوس بن قيظي من بني حارثة: يا رسول الله، إنّ بيوتنا عورة للعدو فإنّها خارجة عن المدينة، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا[٨٠].

فكانوا كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا* هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً* وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً* وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً* وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً* قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً* قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً* قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً* أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً* يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً* لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً* وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً* مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً* لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً[٨١].[٨٢]

توهين للمشركين واختبار للمسلمين

قال القاضي النعمان المصري: ولمّا صار المسلمون إلى حيث وصفهم الله - عزّ وجلّ - في كتابه بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا[٨٣] ولما رآه النبي من جزع المسلمين وفساد المنافقين وما تخوّفه من أن يكون المكروه... أرسل إلى عيينة بن حصن فبذل له ثلث ثمرة المدينة في ذلك العام على أن يرجع عنه بغطفان... ولم ينعقد بين رسول الله وبين عيينة بن حصن في ذلك عقد[٨٤].

وقال المفيد في «الإرشاد»: بعث إلى عيينة بن حصن، و الحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، يدعوهم إلى صلحه والكفّ عنه والرجوع بقومهما عن حربه، على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة.

واستشار سعد بن معاذ و سعد بن عبادة فيما بعث به إلى عيينة والحارث.

فقالا: يا رسول الله: إن كان هذا الأمر لا بدّ لنا من العمل به لأنّ الله أمرك فيه بما صنعت والوحي جاءك، فافعل ما بدا لك، وإن كنت تختار أن تصنعه لنا كان لنا فيه رأي؟ فقال - عليه وآله السلام -: لم يأتني وحي، ولكنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وجاءوكم من كلّ جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.

فقال سعد بن معاذ: قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعرف الله ولا نعبده، ونحن لا نطعمهم من ثمرنا إلّا قرى أو بيعاً، والآن حين أكرمنا الله ب الإسلام وهدانا به وأعزّنا بك، نعطيهم أموالنا؟! ما بنا إلى هذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم!

فقال رسول الله: الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما أنتم عليه، فإنّ الله تعالى لن يخذل نبيّه ولن يسلمه حتّى ينجّز له ما وعده.

ثمّ قام رسول الله(ص) في المسلمين يدعوهم إلى جهاد العدو، ويشجّعهم ويعدهم النصر من الله تعالى [٨٥].[٨٦]

مبارزة عمرو لعليّ(ع)

قال القاضي النعمان المصري: وجعل المشركون ينظرون إلى الخندق فيتهيّبون القدوم عليه ولم يكونوا قبل ذلك رأوا مثله، فجعلوا يدورون حوله بعساكرهم وخيلهم ورجلهم، ويدعون المسلمين: ألا هلمّ للقتال والمبارزة.

والمسلمون قد عسكروا في الخندق وأمرهم رسول الله فأظهروا العدة ولبسوا السلاح ووقفوا في مواقفهم ولزموا مواضعهم، فلا يجيبون أحدا من المشركين ولا يردّون عليهم شيئاً.

وأقاموا على ذلك شهراً لم يكن بينهم قتال إلّا نضح بالنبل ورمي بالحجارة من وراء الخندق[٨٧] فلمّا طال ذلك بهم ونفدت أزوادهم اجتمعوا وندبوا من ينتدب منهم إلى اقتحام الخندق على رسول الله(ص).

فانتدب لذلك منهم (رجال أبطال) وكان أشدّ من فيهم وأنجدهم عمرو ابن عبد ود[٨٨] يعرف له ذلك جميعهم، وكان قد شهد بدراً مع المشركين وأثخن جراحة ونجا بنفسه فيمن نجا، ولم يشهد اُحداً، فأراد أن يبين بنفسه وأنّه من أبطال قريش، فتعلّم بعلامة ليشهر نفسه.

وجاء القوم إلى الخندق فمشوا حوله حتى أتوا إلى موضع ضيّق منه فأقحموا خيلهم فيه فدخلوا، ووقف الجميع من وراء الخندق ينتظرون ما يكون منهم، وثبت الناس في معسكرهم حسبما أمرهم الرسول به، ولما تداخلهم من الخوف وما عاينوه من الجموع[٨٩].

وقال القمي في تفسيره: وافى عمرو بن عبد ود و هبيرة بن وهب، و ضرار بن الخطاب[٩٠] إلى الخندق، فصاحوا بخيلهم حتّى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله. وركز عمرو بن عبد ودّ رمحه في الأرض وأقبل يجول حوله ويرتجز ويقول:

ولقد بُحِحتُ من النداء بجمعكم: هل من مبارزووقفت إذ جبن الشجاعمواقف القرن المناجز
إنّي كذلك، لم أزلمتسرّعا نحو الهزاهز


فقال رسول الله: من لهذا الكلب؟ فلم يجبه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين وقال: أنا له يا رسول الله. فقال: يا علي، هذا عمرو بن عبد ودّ فارس يليل[٩١]. فقال عليّ(ع): وأنا علي بن أبي طالب! فقال رسول الله: ادن منّي. فدنا منه فعمّمه بيده ودفع إليه سيفه ذا الفقار وقال له: اذهب وقاتل بهذا. ثمّ دعا له فقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته[٩٢].

وذكر الكراجكي: أنّ النبي قال ثلاث مرّات: أيّكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة؟! وفي كلّ مرّة يقوم عليّ(ع) والقوم ناكسو رؤوسهم. فاستدناه وعمّمه بيده، فلمّا برز قال: برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه.

وروى بسنده عن الباقر(ع): أنّ النبي قال يومئذٍ: اللهم إنّك أخذت مني عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم اُحد. وهذا أخي عليّ بن أبي طالب ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ[٩٣].

وقال ابن شهرآشوب في «المناقب»: ودعا النبي(ص) وهو جاثٍ على ركبتيه باسط يديه باكية عيناه ينادي: يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همّي وكربي، فقد ترى حالي![٩٤].

وقال القمي: فمرّ أمير المؤمنين(ع) يهرول في مشيه وهو يقول:

لا تعجلَنّ، فقد أتاك مجيبُ صوتك غيرعاجزذو نيّة وبصيرةٍ، والصدق منجي كلّ فائز
إنّي لأرجو أن اُقيم عليك نائحة الجنائز!من ضربة نجلاء يبقى صوتها بعد الهزاهز![٩٥]


فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول الله وختنه. فقال عمرو: والله إنّ أباك كان لي صديقاً قديماً، وإنّي أكره أن أقتلك. ما آمن ابن عمّك حين بعثك إليّ أن أختطفك برمحي هذا فأتركك شائلا بين السماء والأرض لا حيّ ولا ميّت!

فقال له عليّ(ع): قد علم ابن عمّي أنّك إن قتلتني دخلتُ الجنة وأنت في النار، وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة! فقال عمرو: وكلتاهما لك يا عليّ؟ تلك إذاً قسمة ضيزى! فقال علي(ع): دع هذا يا عمرو، وإني سمعت منك وأنت متعلّق بأستار الكعبة تقول: لا يعرضنّ عليّ أحد في الحرب ثلاث خصال إلّا أجبته إلى واحدة منها، وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة. قال: هات يا عليّ. قال: أحدها: أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله. قال عمرو: نحّ عني هذه فاسأل الثانية. فقال: أن ترجع وتردّ هذا الجيش عن رسول الله، فإنّ يك صادقاً فأنتم أعلى به عيناً، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره! فقال: لا تتحدّث نساء قريش بذلك، ولا تنشد الشعراء في أشعارها: أنّي جبنت ورجعت على عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم. فقال عليّ(ع): فالثالثة: أن تنزل إليّ، فإنّك راكب وأنا راجل، حتى أنابذك!

فوثب عن فرسه وعرقبه، وقال: هذه خصلة ما ظننت أنّ أحدا من العرب يسومني عليها[٩٦].

وقال القاضي النعمان: لمّا نظر رسول الله إلى أنّ عمرو بن عبد ود وأصحابه قد اقتحموا الخندق على المسلمين، وأنّ خيلهم جالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع[٩٧] وأنّهم قربوا من مناخ رسول الله، وتخوّف أن يمدّهم سائر المشركين فيقتحموا الخندق، دعا عليّا(ع) وقال له: امض بمن خفّ معك من المسلمين فخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فمن قاتلكم عليها فاقتلوه.

فمضى عليّ(ع) في نفر معه يريدون الثغرة... وعطف عليهم عمرو بن عبد ودّ بمن كان معه حتى قربوا منهم.

فنادى عليّ(ع) عمرو بن عبد ودّ فأجابه، فقال له عليّ(ع): إنّه قد بلغني أنّك كنت عاهدت الله أن لا يدعوك أحدٌ إلى إحدى خلّتين إلّا أجبت إلى إحداهما[٩٨].

وفي «الإرشاد»: فبرز إليه أمير المؤمنين(ع)، فقال له عمرو: ارجع، يا ابن الأخ فما احبّ أن أقتلك، فقال له أمير المؤمنين: قد كنت يا عمرو عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خصلتين إلّا اخترتها منه؟ قال: أجل فما ذاك؟ قال: إنّي أدعوك إلى الله ورسوله والإسلام. فقال عمرو: لا حاجة لي إلى ذلك. قال عليّ(ع): فإنّي أدعوك إلى النزال. فقال عمرو: ارجع، فقد كان بيني وبين أبيك خلّة، وما احبّ أن أقتلك! فقال عليّ(ع): لكنّني والله احبّ أن أقتلك ما دمت أبيّا للحقّ!

فحمي عمرو عند ذلك وقال: أتقتلني؟! ونزل عن فرسه فعقره وضرب وجهه حتى نفر... وأقبل على عليّ(ع) مصلتاً سيفه [٩٩].

قال القاضي النعمان: فتجاولا ساعة... ثمّ اختلفا بضربتين: فضرب عمرو عليّاً على أمّ رأسه - وعليه البيضة - فقدّها وأثّر السيف في هامته. وضربه عليّ(ع) فوق طوق الدرع فرمى برأسه. وثارت لذلك عجاجة فما انكشفت إلّا وهم يرون عليّاً(ع) يمسح سيفه على ثياب عمرو وقد خرّ صريعاً.

ثمّ حمل هو وأصحابه على أصحاب عمرو فولّوا بين أيديهم هاربين من الثغرة التي اقتحموها، وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه وهو منهزم في الخندق، وانكشف المشركون عن الخندق، وكبّر المسلمون وفرحوا وزال عنهم أكثر الخوف الذي كان بهم[١٠٠].

وفي «الإرشاد»: فلمّا رأى عكرمة بن أبي جهل، و هبيرة بن أبي وهب، و ضرار بن الخطاب عمراً صريعاً ولّوا بخيلهم منهزمين حتى اقتحموا الخندق لا يلوون على شيء، وانصرف(ع) إلى مقامه الأول[١٠١].

وفي تفسير القمي: قال له عليّ(ع): يا عمرو أما كفاك أنّي بارزتك وأنت فارس العرب حتّى استعنت عليّ بظهير؟ فالتفت عمرو إلى خلفه، فضربه أمير المؤمنين(ع) مُسرعا على ساقيه فقطعهما جميعاً.

وارتفعت بينهما عجاجة فقال المنافقون: قتل عليّ بن أبي طالب! ثمّ انكشفت العجاجة فإذا أمير المؤمنين(ع) على صدر عمرو قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه، فلم يضربه (ليذبحه) قال الحلبي: فوقع المنافقون في علي(ع)، فرد عنه حذيفة بن اليمان، فقال له النبي: مه يا حذيفة فانّ عليا سيذكر سبب وقفته [١٠٢].

وقال له عمرو: يا بن عم؛ إن لي إليك حاجة: لا تكشف سوأة ابن عمك ولا تسلبه سلبه. فقال علي(ع): ذلك أهون شيء عليّ [١٠٣].

ثم ذبحه وأخذ رأسه وأقبل إلى رسول الله(ص) والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم والرأس بيده وهو يقول:

أنا عليّ وابن عبد المطلبالموت خير للفتى من الهرب


فقال له رسول الله: يا عليّ، ماكرته؟ (لان عمروا التفت إلى خلفه فضرب عليّ ساقه). قال: نعم، يا رسول الله، الحرب خديعة [١٠٤].

قال الحلبي: فسأله النبي عن سبب وقفته؟ فقال: قد كان شتم أُمي، وتفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظّ نفسي! فتركته حتى سكن ما بي ثم قتلته في الله[١٠٥].

وروى عن محمد بن إسحاق قال: فقال له عمر: فهلّا سلبت درعه فانها تساوي ثلاثة آلاف وليس في العرب مثلها؟!

فقال: اني استحيت أن اكشف ابن عمّي[١٠٦].

قال القمي: وبعث رسول الله الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته.

وأمر رسول الله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلمّا برز إليه ضرار انتزع له عمر سهماً، فقال ضرار: ويحك - يا ابن صهاك - أترميني في مبارزة؟! والله لئن رميتني لا تركت عدويّاً بمكّة إلّا قتلته!

فانهزم عنه عمر، ومرّ نحوه ضرار وضربه على رأسه بالقناة ثمّ قال: احفظها يا عمر، فإنّي آليت أن لا أقتل قرشيّاً ما قدرت عليه[١٠٧].

وقال الكراجكي: صرعه أمير المؤمنين(ع) وجلس على صدره، وهو يكبّر الله ويمجّده. فلمّا همّ أن يذبحه قال له عمرو: يا عليّ، قد جلست منّي مجلسا عظيما، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلّتي! فقال(ع): هي أهون عليّ من ذلك.

وذبحه، وأتى برأسه وهو يتبختر في مشيته، فقال عمر للنبيّ: يا رسول الله، ألا ترى إلى عليّ كيف يتبختر في مشيته؟! فقال رسول الله: إنّها لمشية لا يمقتها الله في هذا المقام.

ثمّ تلقّاه النبي فمسح الغبار عن عينيه وقال له: لو وُزن اليوم عملك بعمل جميع أُمّة محمّد لرجح عملك على عملهم، وذلك أنّه لم يبق بيت من المشركين إلّا وقد دخله ذلّ بقتل عمرو، ولم يبق بيت من المسلمين إلّا وقد دخله عزّ بقتل عمرو[١٠٨].[١٠٩]

رجز علي(ع)

قال القاضي النعمان: انصرف عليّ(ع) إلى رسول الله وهو يقول:

نَصَر الحجارة من سفاهة رأيهونصرتُ ربّ محمّدٍ بصوابِ
فصدَدت حين تركته متجدّلاًكالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو انّنيكنت المصرَع بزّني أثوابي[١١٠]
لا تَحسِبُنَّ اللهَ خاذلَ دينهونبيّه، يا معشرَ الأحزاب[١١١]


ونقلها المفيد في «الإرشاد» وروى عن الكلبي أبياتا اخرى عن عليّ(ع) قال:

أعليّ تقتحم الفوارس هكذاعنّي وعنها خبروا أصحابي
اليوم تمنعني الفرارَ حفيظتيومصمّمٌ في الرأس ليس بنابي
أرديت عمراً إذ طغى بمهنّدٍصافي الحديد مجرّبٍ قضّابِ
فصددتُ حين تركتهُ متجدّلاًكالجذع بين دكادك وروابي


ثمّ روى عن الحسن البصري قال: إنّ عليّاً(ع) لمّا قتل عمرو بن عبد ودّ اجتزّ رأسه وحمله فألقاه بين يدي النبي(ص)، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس عليّ(ع)[١١٢].

ثمّ روى عن ابن إسحاق - برواية يونس بن بكير - قال: لمّا قتل عليّ بن أبي طالب عمراً أقبل نحو رسول الله ووجهه يتهلّل، فقال له عمر بن الخطاب: هلّا سلبته يا عليّ درعه فإنّه ليس في العرب مثلها؟!

فقال(ع): إنّي استحييت أن أكشف سوأة ابن عمّي[١١٣].

وقال رسول الله بعد قتله هؤلاء النفر: الآن نغزوهم ولا يغزونا[١١٤].[١١٥]

تواعد قريش وغطفان لليوم الثاني

قال الواقدي: وهرب عكرمة وهبيرة فلحقا بأبي سفيان... فلمّا رجعوا إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء، ارجعوا. فرجعت قريش إلى العقيق (معسكرها) ورجعت غطفان إلى (معسكرها) وتواعدوا يغدون جميعاً (إلى الخندق) ولا يتخلّف منهم أحد.

فباتت قريش يعبّئون أصحابهم، وباتت غطفان يعبّئون أصحابهم.

ووافوا رسول الله بالخندق قبل طلوع الشمس!

وعبّأ رسول الله أصحابه وحضّهم على القتال ووعدهم النصر إن صبروا.

والمشركون قد جعلوا المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم، أخذوا بكلّ وجه من الخندق.

وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: فرّقوا كتائبهم وبعثوا إلى رسول الله كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقابلهم [١١٦] يومه ذلك إلى أوائل الليل، ما يقدر رسول الله ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من مواضعهم... وجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله، ما صلّينا! فيقول: وأنا والله ما صلّيت!.

ثمّ رجعوا متفرّقين: فرجعت قريش إلى منزلها، ورجعت غطفان إلى منزلها وانصرف المسلمون إلى قبّة رسول الله.

وأقام اسيد بن حضير في مائتين من المسلمين على شفير الخندق، إذ كرّت عليهم خيل من المشركين عليهم خالد بن الوليد وفيهم وحشيّ قاتل حمزة، يطلبون غرة من المسلمين، فناوشوهم ساعة، وزرق وحشيّ بمزرقته الطفيل بن النعمان الأنصاري فقتله.

ولمّا صار رسول الله إلى موضع قبّته أمر بلالاً فأذّن وأقام صلاة الظهر، فصلّاها كأحسن ما كان يصلّيها في وقتها، ثمّ أقام صلاة العصر فصلّاها كأحسن ما كان يصلّيها في وقتها، ثمّ أقام المغرب فصلّاها كأحسن ما كان يصلّيها في وقتها، ثمّ أقام العشاء فصلّاها كأحسن ما كان يصلّيها في وقتها[١١٧].

وأرسلت بنو مخزوم إلى النبي(ص) بدية رجل يشترون بها جثّة نوفل بن عبد الله المخزومي (الذي وقع في الخندق فقتل بالحجارة).

فقال رسول الله: إنّما هي جيفة حمار! وكره ثمنه[١١٨].[١١٩]

إصابة سعد بن معاذ

وكان من أثر الرمي بينهم أن رمى ابن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب العرق الأكحل الغليظ من يده وقال حين رماه: خذها وأنا ابن العرقة. فأجابه ابن معاذ: عرّق الله وجهك في النار!

ثمّ دعا فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لحربهم، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ أن اقاتلهم من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه من حرمك، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تُمتني حتى تُقرّ عيني من بني قريظة!

وحملوه إلى رسول الله فبات عنده على الأرض[١٢٠].

وقال الواقدي: كواه رسول الله بالنار فانتفخت يده فتركه فسال الدم[١٢١].

وقال ابن إسحاق: وكانت امرأة من أسلم يقال لها: رُفيدة، تحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، فكانت تداوي الجرحى في مسجده... فحين أصاب السهم سعداً قال رسول الله لقومه: اجعلوه في خيمة رُفيدة (في المسجد) حتى أعوده من قريب[١٢٢].

وقال الواقدي: كان لـ كعيبة بنت سعد بن عتبة الأسلمية خيمة في المسجد[١٢٣] تداوي فيها الجرحى وتلمّ الشعث وتقوم على الضائع الذي لا أحد له... فكان سعد في المسجد في خيمتها[١٢٤].[١٢٥]

أخبار نعيم بن مسعود في تحريش قريش على اليهود

قال القمي في تفسيره: فلمّا كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله - وكان قد أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام - فقال له: يا رسول الله، قد آمنت بالله وصدّقتك، وكتمت إيماني عن الكفرة، فإن أمرتني أن آتيك وأنصرك بنفسي، فعلت، وإن أمرت أن اخذّل بين اليهود وبين قريش فعلت، حتى لا يخرجوا من حصنهم؟ قال(ص): خذّل بين اليهود وقريش فإنّه أوقع عندي. قال: فتأذن لي أن أقول فيك ما اريد؟ قال: قل ما بدا لك.

فجاء إلى أبي سفيان فقال له: تعرف مودّتي لكم ونصحي، ومحبّتي أن ينصركم الله على عدوّكم، وقد بلغني أنّ محمّدا قد وافق اليهود أن يدخلوا عسكرهم ويميلوا عليكم، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يردّ عليهم جناحهم الذي قطعه لبني النضير وقينقاع. فلا أرى أن تدعوهم أن يدخلوا في عسكركم حتّى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكّة، فتأمنوا مكرهم وغدرهم!. فقال أبو سفيان: وفّقك الله وأحسن جزاك، مثلك أهدى النصائح.

ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم، ولا أحد من اليهود.

ثمّ جاء من فوره إلى (كعب في) بني قريظة فقال له: يا كعب، تعلم مودّتي لكم، وقد بلغني أنّ أبا سفيان قال: يخرج هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمّد، فإن ظفروا كان الذكر لنا دونهم، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب! فلا أرى لكم أن تدعوهم أن يدخلوا عسكركم حتّى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، إنّهم إن يظفروا بمحمّد لم يبرحوا حتّى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمّد وبينكم، لأنّه إن ولّت قريش ولم يظفروا بمحمّد غزاكم محمّد فيقتلكم!

فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة، لا نخرج من حصننا حتّى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا[١٢٦].

وقال القاضي النعمان: كان نعيم بن مسعود رجلاً من غطفان مع المشركين، وكان نديماً لبني قريظة، فأتاهم كالزائر لهم، فرحّبوا به ووقّروه، فلمّا خلا بهم قال: قد عرفتم مودّتي لكم، وقد جئت إليكم ناصحا إن قبلتم منّي. قالوا: جزاك الله خيرا، ما نتّهمك، بل نحن ممّن نثق بمودّتك ونقبل نصيحتك، فقل ما أردت. فقال لهم: إنّكم قد فعلتم فعلاً لم تحسنوا النظر فيه لأنفسكم: نقضتم حلف محمّد وصرتم مع قريش وغطفان، ولستم كمثلهم؛ إنّ قريشا وغطفان إنّما جاءوا لحرب محمّد وأصحابه على ظهور دوابهم، فإن أصابوا منه ما أرادوا، وإلّا انصرفوا عنه وتركوكم معه! وأنتم تعلمون أنّه لا طاقة لكم به وبأصحابه إن خلا بكم. وقد تداخل أصحابنا الفشل والاختلاف، وطال مقامهم، وخفّت أزوادهم. وكان من أمر ابن عبد ود وأصحابه ما قد عرفتم وإنّما كان المعتمد عليهم والنظر إلى ما يكون منهم عند اقتحامهم الخندق، فإذا قد كان من ذلك ما كان فقد تداخل اليأس إلى قلوب الناس، وأكثر ما يقيمون أيّاما قليلة، فإن رأوا فرصة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وتركوكم! قالوا: لقد صدقت ونصحت فيما قلت، فجزاك الله خيرا، فما الحيلة بعد هذا؟! قال: الحيلة: أن لا تقاتلوا مع القوم حتّى تأخذوا منهم رهائن من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم أن لا ينصرفوا عنكم ويدعوكم! قالوا: لقد أشرت بالرأي، فأحسن الله عنّا جزاك.

ثمّ أتى عيينة بن حصن، وأبا سفيان، فقال: إن بني قريظة بيني وبينهم ما قد علمتم، وقد بتّ عندهم فاطّلعت منهم على سرّ خشيت منه علينا! قالوا: وما هو؟! قال: إنّ القوم ندموا على ما نقضوا من حلف محمّد لمّا رأوا مقامنا ولم نصنع شيئا ونظروا إلى ما كان من أمر عمرو بن عبد ودّ وأصحابه، وخافوا أن ننصرف عنهم فيطأهم محمّد، فأرسلوا إليه يرغبون في سلمه، ويذكرون ندامتهم على ما كان منهم وقالوا له: نحن نرضيك بأن نأخذ من القبيلتين رجالا من أشرافهم فنسلّمهم إليك فتضرب أعناقهم أو تفعل فيهم ما رأيت، ثمّ نكون معك على من بقي منهم.

فايّاكما أن تخدعكما اليهود أو أن يظفروا بأحد منكم!

فأرسل أبو سفيان وعيينة إليهم عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يستخبرونهم ذلك ويدعونهم إلى القتال معهم ويقولون: إنّا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر ونفد الزاد، وأبى محمّد وأصحابه إلّا لزوماً لخندقهم، وأنتم أعلم بعورة الموضع، فاخرجوا إلينا بجماعتكم لنناجز محمدا وأصحابه ونقتحم عليهم الخندق بجماعتنا.

فلمّا جاء القوم بني قريظة بذلك، قالوا: قد كنّا مع محمّد على حلف، ولم نكن نرى منه إلّا خيراً، ونقضنا ما كان بيننا وبينه، ونحن نخشى ونخاف إن ضرستكم الحرب أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا به، فلسنا بالذي نقاتل معكم حتّى تعطونا رهائن من وجوه رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز محمّداً.

فلمّا انصرف بذلك القوم إلى أبي سفيان وعيينة علما أن الأمر ما قاله نعيم ابن مسعود، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحداً.

وقالت بنو قريظة: هذا مصداق قول نعيم بن مسعود، ولزموا معاقلهم، واستوحش بعض القوم من بعض وتنافرت قلوبهم، ولم يجد الأحزاب إلّا الرحيل إلى بلادهم[١٢٧].

وروى في «قرب الإسناد» بسنده عن الصادق عن علي(ع) قال: إنّ رسول الله بلغه أنّ بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان: أنّكم إذا التقيتم أنتم ومحمّد أمددناكم وأعنّاكم. فقام النبي فخطبنا فقال: إن بني قريظة بعثوا إلينا أنّا إذا التقينا نحن وأبو سفيان أمدّونا وأعانونا! فبلغ ذلك أبا سفيان فقال: غدرت اليهود![١٢٨].[١٢٩]

==هزم الأحزاب وحده==.[١٣٠] روى الكليني في «روضة الكافي» بسنده عن أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي عن الصادق(ع) قال: في ليلة ظلماء قرّة[١٣١] قام رسول الله(ص) على التل الذي عليه «مسجد الفتح» في غزوة الأحزاب فقال: من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة؟ فلم يقم أحد، ثمّ أعادها فلم يقم أحد.

قال الصادق(ع): وما أراد القوم؟ أرادوا أفضل من الجنة؟! ثمّ قال: ثمّ قال رسول الله: من هذا؟ فقال: حذيفة. فقال له: أما تسمع كلامي منذ الليلة ولا تكلّم؟! أقبرت؟! فقام حذيفة وهو يقول: القر والضّر - جعلني الله فداك - منعني أن اجيبك! فقال رسول الله: انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم... يا حذيفة، ولا تحدث شيئا حتى تأتيني.

فلمّا ذهب قال رسول الله: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله حتّى تردّه.

فأخذ (حذيفة) سيفه وقوسه وجحفته[١٣٢].

قال حذيفة: فخرجت وما بي من ضرّ ولا قرّ، فمررت على باب الخندق...

ولمّا توجّه حذيفة قام رسول الله (فصلّى ثمّ[١٣٣]) نادى: يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همّي وغمّي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي[١٣٤].

فنزل عليه جبرئيل(ع) فقال: يا رسول الله، إنّ الله - عزّ ذكره - قد سمع مقالتك ودعاءك، وقد أجابك وكفاك هول عدوّك! فجثا رسول الله(ص) على ركبتيه وبسط يديه وأرسل عينيه ثمّ قال: شكراً شكراً كما رحمتني ورحمت أصحابي. ثمّ قال رسول الله: قد بعث الله - عزّ وجلّ - عليهم ريحا من سماء الدنيا فيها حصى، وريحا من السماء الرابعة فيها جندل[١٣٥].

قال حذيفة: وأقبل جند الله الأول: ريح فيها حصى، فما تركت لهم ناراً إلّا أذرّتها[١٣٦] ولا خباء إلّا طرحته، ولا رمحا إلّا ألقته، حتّى جعلوا يتترّسون من الحصى، وجعلنا نسمع وقع الحصى في الأترسة.

وقام إبليس في صورة رجل مطاع من المشركين فقال: أيّها الناس، إنّكم قد نزلتم بساحة هذا الساحر الكذاب، ألا وإنّه لن يفوتكم من أمره شيء فإنّه ليس سنة مقام، قد هلك الخف والحافر، فارجعوا ولينظر كلّ رجل منكم من جليسه!

قال حذيفة: فنظرت عن يميني فضربت بيدي فقلت: من أنت؟ قال: معاوية.

فقلت للذي عن يساري: من أنت؟ قال: سهيل بن عمرو.

قال حذيفة: وأقبل جند الله الأعظم فقام أبو سفيان إلى راحلته، وصاح في قريش: النجاء النجاء!

وقال طلحة الأزدي: لقد زادكم محمّد بشر! ثمّ قام إلى راحلته، وصاح في بني أشجع: النجاء النجاء!

وفعل عيينة بن حصن مثلها. ثمّ فعل الحارث بن عوف المزني مثلها. ثم فعل الأقرع بن حابس مثلها.

وذهب الأحزاب.

ورجع حذيفة إلى رسول الله فأخبره الخبر[١٣٧].

وروى ابن إسحاق الخبر عن محمد بن كعب القرظي، عن حذيفة بن اليمان قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان[١٣٨].

ثمّ قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنّكم - والله - ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع[١٣٩] والخفّ[١٤٠] وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنّي مرتحل. ثمّ قام إلى جمله... وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله وهو قائم يصلّي في كساء لبعض نسائه، فلمّا رآني (وهو يصلّي) أدخلني إلى رجليه وطرح عليّ طرف الكساء، ثمّ ركع وسجد. فلمّا سلّم أخبرته الخبر[١٤١].

وروى الواقدي عن عبد الله بن عمر قال: صلّى رسول الله في موضع الخرق على الجبل إلى طرف بني النضير، وهو اليوم موضع المسجد الذي بأسفل الجبل.

وروى عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قام رسول الله على الجبل الذي عليه المسجد، فدعا في إزار، ورفع يديه مدّا، ثمّ جاءه مرّة اخرى فصلّى ودعا.

وفي خبر آخر عنه قال: دعا رسول الله في مسجد الأحزاب على الأحزاب يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له بين الظهر والعصر يوم الأربعاء حتى عرفنا السرور في وجهه.

وروى عن حذيفة بن اليمان قال: اجتمع علينا الجوع والخوف في ليلة شديدة البرد... وقال رسول الله: من رجل ينظر لنا ما فعل القوم جعله الله رفيقي في الجنة! ثمّ عاد يقول ذلك ثلاث مرّات وما قام رجل واحد، من شدّة البرد والجوع والخوف! فلمّا رأى رسول الله أنّه لا يقوم أحد دعاني فقال: يا حذيفة! فلم أجد بدّا من القيام حين نوّه باسمي، فجئته ولقلبي وجبان[١٤٢] في صدري. فقال: تسمع كلامي منذ الليلة ولا تقوم؟ فقلت: ما قدرت على ما بي من الجوع والبرد! فقال: فاذهب فانظر ما فعل القوم؟... فقلت: ولكنّي أخاف أن يمثّلوا بي! فقال: ليس عليك بأس! ثمّ قال: فاذهب فادخل في القوم فانظر ما ذا يقولون...

فأقبلت فجلست على نار مع القوم. فقام أبو سفيان فقال: احذروا الجواسيس والعيون، ولينظر كلّ رجل جليسه.

فالتفتّ فقلتُ: من أنت؟ لمن عن يميني. فقال: عمرو بن العاص. والتفتّ فقلت: من أنت؟ (لمن عن يساره) فقال: معاوية بن أبي سفيان. ثمّ قال أبو سفيان: إنّكم - والله - لستم بدار مقام؛ لقد هلك الخف والكراع وأجدب الجناب، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ما نكره، ولقد لقينا من الريح ما ترون! والله ما يثبت لنا بناء[١٤٣] ولا تطمئن لنا قدر، فارتحلوا فإنّي مرتحل. وقام أبو سفيان وجلس على بعيره وهو معقول، ثمّ ضربه فوثب على ثلاث قوائم، فما اطلق عقاله إلّا بعد ما قام.

فناداه عكرمة بن أبي جهل: إنّك رأس القوم وقائدهم، تقشع وتترك الناس؟!

فاستحيا أبو سفيان وأناخ جمله ونزل عنه وأخذ بزمامه وهو يقوده ويقول: ارحلوا.

فجعل الناس يرتحلون وهو قائم حتّى خفّ العسكر.

ثمّ قال لـ عمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، لا بدّ لي ولك أن نقيم في جريدة من خيل بإزاء محمّد وأصحابه - فإنّا لا نأمن أن نطلب - حتى ينفذ العسكر. فقال عمرو: أنا اقيم.

وقال لـ خالد بن الوليد: وأنت ما ترى يا أبا سليمان؟ فقال: أنا - أيضاً - اقيم[١٤٤].

فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس، وسار سائر العسكر.

وذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم يرتحلون... ولمّا ارتحلوا وقف فرسان من بني سليم في أصحابهم، و الحارث بن عوف في خيل من أصحابه، و مسعود ابن رخيلة في خيل من أصحابه.

وأقامت خيل قريش حتى كان السحر ثمّ مضوا فلحقوا بالعسكر في ملل عند ارتفاع النهار.

وارتحلت بقيّة خيل غطفان فالتحقوا بقومهم في المراض [١٤٥] ثمّ تفرّقت قبائلهم إلى محالّهم، ورجع حذيفة - في الليل - إلى الرسول فأخبره الخبر.

قال الواقدي: فلمّا أصبح رسول الله بالخندق أصبح وليس حوله أحد من عساكر المشركين. فأذن للمسلمين بالانصراف إلى منازلهم، فخرجوا مبادرين مسرورين.

ثمّ روى عن ابن عمر قال: وكره رسول الله أن يكون لقريش عين فيرى سرعتهم في ذلك، فبعث من ينادي في أثرهم بردّهم.

قال عبد الله بن عمر: فجعلت أصيح في أثرهم في كلّ ناحية: إنّ رسول الله أمركم أن ترجعوا. فما رجع منهم رجل واحد من الجوع والبرد.

وقال جابر بن عبد الله: أمرني رسول الله أن أردّهم، فجعلت أصيح بهم، فما يرجع أحد من جهد الجوع والبرد. فرجعت إلى النبي فأخبرته فضحك(ص)[١٤٦].

ثمّ روى عن أبي وجزة قال: لمّا ملّت قريش المقام... كتب أبو سفيان كتاباً إلى رسول الله فيه: باسمك اللهم، فإنّي أحلف باللات والعزّى، لقد سرت إليك في جمعنا وإنّا نريد أن لا نعود إليك أبدا حتى نستأصلك، فرأيتك قد كرهت لقاءنا وجعلت مضائق وخنادق! فليت شعري من علّمك هذا؟! فإن نرجع عنكم فلكم منّا يوم كيوم احد تبقر فيه النساء!

وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشمي.

فلمّا بلغه الكتاب دعا رسول الله ابيّ بن كعب فدخل معه قبّته فقرأ عليه كتاب أبي سفيان.

وكتب إليه رسول الله: من محمّد رسول الله، إلى أبي سفيان بن حرب. أمّا بعد، فقديما غرّك بالله الغرور. أمّا ما ذكرت أنّك سرت إلينا في جمعكم، وأنّك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزّى. وأمّا قولك: من علّمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإنّ الله - تعالى - ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك[١٤٧]، وليأتينّ عليك يوم تدافعني فيه بالراح، وليأتينّ عليك يوم أكسر فيه اللات والعزّى وإساف ونائلة وهبل، حتّى اذكّرك ذلك[١٤٨].[١٤٩]

المراجع والمصادر

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢

الهوامش

  1. الخندق: معرّب كلمة: كنده - بالفارسيّة - أي الحفرة، وذلك أنّ سلمان الفارسي (المحمّدي) هو الذي أشار به على النبيّ(ص) كما سيأتي. وتسمّى غزوة الأحزاب أيضاً، لقوله - سبحانه -: ﴿وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ أي: أحزاب الكفّار، كما سيأتي أيضاً.
  2. تفسير القمي ٣: ١٧٦.
  3. مجمع البيان ٣: ٩٣.
  4. الكوماء: العظيمة السنام.
  5. العاني: الأسير.
  6. سورة النساء، الآية ٥١-٥٥.
  7. مجمع البيان ٣: ٩٢. واختصر خبره عن ابن كعب القرظي ٨: ٥٣٣. وذكر الخبر القاضي النعمان في شرح الأخبار ١: ٢٩١، واختصره المفيد في الإرشاد ١: ٩٥. وزاد الواقدي: أبا عامر الراهب في بضعة عشر رجلا... فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمّدا. قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم ونزعكم؟ قالوا: نعم، جئنا لنحالفكم على عداوة محمّد وقتاله. فقال أبو سفيان: أهلا ومرحبا، أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمّد. قال النفر: فأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلّها وأنت فيهم، وندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها، ثمّ نحلف بالله جميعا لا يخذل بعضنا بعضا، ولتكوننّ كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منّا رجل! ففعلوا، وتحالفوا على ذلك وتعاقدوا. ثمّ قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الأوّل، فسلوهم عمّا نحن عليه ومحمّد أيّنا أهدى؟ فقال لهم أبو سفيان: يا معشر اليهود: أنتم أهل العلم والكتاب الأول، فأخبرونا عمّا أصبحنا نحن فيه ومحمد، ديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت، وننحر النوق ونسقي الحجيج ونعبد الأصنام. قالوا: إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه! وأنزل الله في ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا.... مغازي الواقدي ٢: ٤٤١ و٤٤٢. والآيات من سورة النساء: ٥١-٥٥.
  8. الإرشاد: ١: ٩٥ وإعلام الورى ١: ١٩٠ ومجمع البيان ٨: ٥٣٣ عن ابن كعب القرظي.
  9. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٦٥.
  10. الإرشاد: ١: ٩٥ وإعلام الورى ١: ١٩٠ وهي عبارة ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٦٦.
  11. مجمع البيان ٨: ٥٣٣.
  12. المناقب ١: ١٩٧.
  13. التنبيه والإشراف: ٢١٦.
  14. أيّ انه كان صاحبهم ومدبّر أمرهم (لسان العرب)، مادة (عنج).
  15. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٤.
  16. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٦٨.
  17. اختصر الخبر الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٣٣ وقال: كان الخندق أوّل مشهد شهده سلمان مع النبيّ وهو حرّ. وفي الدرجات الرفيعة: ٢٠٥ عن شواهد النبوّة قال: كان سلمان في الرقّ ففاته بدر واحد حتى عتق في السنة الخامسة من الهجرة. وفي كمال الدين: ١٦٥ بسنده عن الكاظم (ع): أنّ النبي (ص) مع جمع من خواصّه قدم يوماً على سلمان في حائط مولاته من بني سُليم، فلمّا رأى سلمان في كتف النبيّ خاتم النبوّة وأسلم قال له: يا روزبه ادخل إلى هذه المرأة وقل لها: يقول لك محمّد بن عبدالله: تبيعينا هذا الرجل؟ فقالت: قل له: لا أبيعك إلّا بأربعمئة نخلة! وفي السيرة: على ثلاثمئة نخلة اُحييها له بالفقير (أي الحفر والغرس) فلمّا اجتمعت لي ثلاثمئة وديّة (نخلة صغيرة) قال لي رسول الله: اذهب يا سلمان ففقّر لها (= احفر لها) فاذا فرغت فأنا أضعها بيدي! فوضعها بيده فاُحييت - ابن إسحاق في السيرة ١: ٢٣٦ وبُني على الموضع مسجد سمّي بمسجد الفقير وهو غرفة من الحجر مهملة ومسوّرة بسور حديدي أخيراً، على يمين الطريق الموصل بين قربان والعوالي على أقلّ من كيلومترين من مسجد قُباء، وعلي يمين محطّة نفط للبنزين للقادم من قُباء، وعلى يمين محطّة نفط للبنزين للقادم من قُباء، وعلى كيلومتر واحد من الاشارة الضوئية - كما ذكره عبدالرحمان خويلد في كتابه: المساجد والاماكن الأثرية المجهولة، وعنه في مجلّة ميقات الحجّ ٧: ٢٧١.
  18. تفسير القمي ٢: ١٧٧.
  19. الإرشاد ١: ٩٥. وأشار إلى مشورة سلمان في إعلام الورى ١: ١٩١، ومناقب آل أبي - طالب ١: ١٩٧. وابن هشام ٣: ٢٣٥. واليعقوبي ٢: ٥٠ والمسعودي في التنبيه والاشراف: ٢١٦.
  20. وسيأتي في خبر خبير البحث في ثنية الوداع هل كانت قبل السابعة أو لا؟ واثبتوا للمدينة ثنتين شمالية على طريق الشام وهي التي عُرفت بهذا الاسم في خروجهم إلى خيبر، والاخرى جنوبية ما زالت قبل مسجد قُباء بكيلومتر واحد على يمين طريق قُباء الطالع إلى قُباء وما زال عليها قلعة من العهد التُركي. کما فی کتاب: المساجد والاماكن الاثرية المجهولة في المدينة لعبدالرحمن خويلد الحجازي، وعنه في مجلة ميقات الحج ٦: ٢٦٨.
  21. جبل سلع ويسمى أيضاً جبل ثواب، في الشمال الغربي للمسجد النبوي الشريف بثمانمائة متر تقريبا قريبا من مسجد السبق باتجاه المساجد السبعة، وقد غطت العمائر العالية أغلب جهاته ويمكن الصعود إليه من ممر ضيق بين عمارتي جوهرة أمّ القرى وجوهرة المدينة، وعليه كهف لا يزال حتى اليوم يعرف بكهف ابن حرام، قيل: إنّ النبي(ص) كان يبيت فيه محروسا أيام غزوة الخندق، كما في الدر الثمين: ٢٣٣ ومقال عبد الرحمن خويلد في مجلة الميقات ٤: ٢٥٦ وانظر فيها: ٢٥٩ ففيها: أنه(ص) ضربت له قبة في الأيام الأولى من حفر الخندق على جبيل الراية خلف محطة الزغيبي للبنزين شمال المسجد النبوي الشريف - بكيلومتر وثمانمائة متر، وفي موضع القبة اليوم مسجد يسمى مسجد الراية وقال السمهودي: هو جبل معروف بسوق المدينة - وفاء الوفاء ٢: ٣٢٤ ـ.
  22. المذاذ: اسم اطم لبني حرام من بني سلمة غربيّ مسجد الفتح - وفاء الوفاء ٢: ٣٧٠ ـ.
  23. راتج: هو جبل غربي بطحان إلى جنب جبل بني عبيد - وفاء الوفاء ٢: ٣١٠ ـ.
  24. جموع المسحاة والكرزن والمكتل، وهي: المجرفة والفأس والزبيل الكبير.
  25. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٥ و٤٤٦.
  26. مغازي الواقدي ٢: ٤٥١.
  27. مغازي الواقدي ٢: ٤٥٠.
  28. تفسير القمي ٢: ١٧٧.
  29. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٧٠.
  30. تفسير القمي ٢: ١٧٧.
  31. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٦.
  32. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٥.
  33. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٦.
  34. ورواه ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٢٧.
  35. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٧ و٤٤٨.
  36. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٩.
  37. مغازي الواقدي ٢: ٤٥٣.
  38. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٧٣.
  39. أي في مكانه الذي بني بعد ذلك مسجدا وسمّي بمسجد الفتح، لحصول الفتح بدعاء الرسول فيه.
  40. الكدية: الصخرة الصلبة التي لا تعمل فيها المعاول شيئا - مجمع البحرين ١: ٣٥٦.
  41. روضة الكافي: ١٨٢ ج ٢٦٤.
  42. تفسير القمي ٢: ١٧٨. وذكر الخبر ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٢٨، والواقدي ٢: ٤٥٢ من دون ذكر البرقة.
  43. إعلام الورى ١: ١٩٠ واختصرهما الحلبي المازندراني في مناقب آل أبي طالب ١: ١١٩.
  44. إعلام الورى ١: ١٩٠ واختصرهما الحلبي المازندراني في مناقب آل أبي طالب ١: ١١٩.
  45. اللابة: الحرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود قد غطّتها بكثرتها، والمدينة بين حرّتين.
  46. مجمع البيان ٢: ٧٢٧ و٨: ٥٣٤ ونقل خبر جابر الأنصاري عن دلائل النبوّة للبيهقي، وروى خبر سلمان ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣٠. والواقدي ٢: ٤٥٠ ولكنّه نسب الضربة الأولى إلى عمر بن الخطّاب، رواية عن عمر بن الحكم!
  47. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٧٥.
  48. انثى ولد المعز قبل الحول.
  49. يساوي: ٧/٣ كيلو غرام.
  50. تفسير القمي ٢: ١٧٨ و١٧٩ واختصره الطبرسي في إعلام الورى ١: ٨٠ واشار إليه في ١٩١ وفي مجمع البيان ٨: ٥٣٥ عن البخاري ٥: ٩٠ ونقله المازندراني عن البخاري أيضاً في مناقب آل أبي طالب ١: ١٠٣. ورواه ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٢٩ ومغازي الواقدي ٢: ٤٥٢.
  51. مناقب آل أبي طالب ١: ١٠٢ وأجمل الخبر قبله شيخه القطب الراوندي في «الخرائج» قال: أصاب أصحاب النبيّ مجاعة في الخندق، فدعا بكفّ من تمر وأمر بثوب فبسط فألقى ذلك التمر عليه، وأمر مناديا ينادي في الناس. هلمّوا إلى الغداء! فاجتمعوا وأكلوا وصدروا والتمر يبضّ من أطراف الثوب - كما عنه في بحار الأنوار ٢٠: ٢٤٧. ونقل ابن إسحاق تفصيل الخبر في سيرته ٣: ٢٢٨ عن اخت النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري قالت: دعتني امّي عمرة بنت رواحة اخت عبد الله بن رواحة فاعطتني حفنة من تمر في ثوبي وقالت لي: اذهبي بهذا غداء لأبيك وخالك. فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال لي: تعالي يا بنيّة ما هذا معك؟ فقلت: هذا تمر، بعثتني به امّي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة. قال: هاتيه. فصببته في كفّي رسول الله فما ملأتهما. فأمر بثوب فبسط له ثمّ دحا بالتمر عليه فتبدّد فوق الثوب، ثمّ قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتّى صدر أهل الخندق عنه وإنّه ليسقط من أطراف الثوب.
  52. عيون أخبار الرضا(ع) ٢: ٤٠.
  53. تفسير القمي ٢: ١٧٩.
  54. مغازي الواقدي ٢: ٤٥٣.
  55. مغازي الواقدي ٢: ٤٤٨.
  56. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٧٨.
  57. تفسير القمي ٢: ١٧٩ وكذلك في الواقدي ٢: ٤٤٤.
  58. تفسير القمي ٢: ١٧٦ و١٧٧.
  59. الجرف: على ثلاثة أميال (٥ كم) من المدينة نحو الشام. والغابة من المدينة نحو جبل سلع قبله بثمانية أميال (١٥ كم) وهو أبعد عن الخندق بكثير، فالصحيح ما مرّ عن القمي: الزغابة كما في الواقدي ٢: ٤٤٤ وكما في الروض الانف للسهيلي وبهامش السيرة ٣: ٢٣٠ عنه.
  60. مجمع البيان ٨: ٥٣٥، والعبارة كما في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق ٣: ٢٣٠ و٢٣١. وقال المازندراني في المناقب ١: ١٩٧. فكانوا ثمانية عشر ألف رجل. وقال المسعودي في التنبيه والإشراف: ٢١٦ فكان عدّة الجميع أربعة وعشرين ألفا.
  61. سورة الأحزاب، الآية ٩.
  62. سورة الأحزاب، الآية ١٠.
  63. سورة الأحزاب، الآية ١٠.
  64. التبيان ٨: ٣٢٠.
  65. مجمع البيان ٨: ٥٣٢.
  66. مرّ معناها في الصفحة ٤٦٩ الهامش ٤.
  67. أرض بالمدينة بين الجرف وزغابة - معجم البلدان ٤: ٣٣٦.
  68. الواقدي ٢: ٤٤٤.
  69. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨١.
  70. مجمع البيان ٨: ٥٣٥ والعبارة في ابن هشام ٣: ٢٣١. وقد روى الكليني في فروع الكافي عن شهر بن حوشب أنّه روى للحجّاج عن الصادق(ع) أنّه قال: شهد رسول الله الخندق في تسعمائة ١: ٣٤٠.
  71. مغازي الواقدي ٢: ٤٥٤.
  72. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٣.
  73. الجشيش: طعام يصنع من الشعير الجريش أو البر المطحون خشنا.
  74. تفسير القمي ٢: ١٧٩-١٨١. ومجمع البيان ٨: ٥٣٥ و٥٣٦ وهي فيه عبارة ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣١ و٢٣٢. والواقدي عن ابن كعب القرظي أكثر تفصيلا ٢: ٤٥٤-٤٥٧.
  75. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٣.
  76. ذكرهما الواقدي ٢: ٤٥٨ وزاد سعد بن عبادة، ثمّ روى رواية اخرى فيها إضافة. خوّات ابن جبير وعبد الله بن رواحة ثمّ قال: والأوّل أثبت عندنا. والثانية هي رواية ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣٢.
  77. تفسير القمي ٢: ١٨١. وقريب منه في ابن هشام ٣: ٢٣٢ والواقدي ٢: ٤٥٨ أكثر تفصيلا.
  78. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٥.
  79. ومع ذلك قال ابن هشام: قال بعض أهل العلم: لم يكن معتّب من المنافقين! واحتجّ بأنّه كان من أهل بدر! ورواه الواقدي عن ابن كعب القرظي ٢: ٤٥٩ و٤٦٠.
  80. ابن هشام ٣: ٢٣٣. والواقدي ٢: ٤٦٣ أكثر تفصيلا.
  81. الأحزاب: ١٠-٢٥.
  82. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٦.
  83. سورة الأحزاب، الآية ١٠-١٢.
  84. شرح الأخبار ١: ٢٩٣.
  85. الإرشاد ١: ٩٥، ٩٦، وهي ألفاظ ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣٤، عن الزهري، من دون جواب رسول الله الأخير. وفي المغازي للواقدي ٢: ٤٧٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيّب بتفصيل أكثر، وفي أوّله: حصر رسول الله وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كلّ امرئ منهم الكرب... فبيناهم على ذلك الحال إذ أرسل رسول الله إلى عيينة بن حصن، وإلى الحارث بن عوف...
  86. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٨.
  87. وفي إعلام الورى ١: ١٩٢: وأقبلت الأحزاب إلى النبيّ(ص) فهال المسلمون أمرهم، فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلّا الرمي بالنبل والحصى. وكذلك في مجمع البيان ٨: ٥٣٦ عن أصحاب السير.
  88. ودّ: اسم صنم بني عامر عشيرة عمرو، وجاء اسمه في سورة نوح: ﴿وَقالُوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُواعاً... نوح: ٢٣.
  89. شرح الأخبار ١: ٢٩٢ و٢٩٣ وقريب منه في مجمع البيان ٨: ٥٣٧ عن أصحاب السير. وانفرد اليعقوبي ١: ٥١: أنّ البراز كان في اليوم الخامس.
  90. وزاد في الإرشاد: عكرمة بن أبي جهل ومرداس الفهري: ١: ٩٦ وهو جدّ ضرار بن الخطّاب.
  91. يليل: اسم موضع هجم فيه عمرو على عير وهزم ألف خيّال منهم، قرب بدر.
  92. وروى الطبرسي عن الحاكم الحسكاني بسنده عن حذيفة: أن رسول الله ألبسه درعه ذات الفضول وعمّمه السحاب تسعة أكوار. مجمع البيان ٨: ٥٣٧.
  93. سورة الأنبياء، الآية ٨٩. ورواه المعتزلي مرفوعا قال: إنّ رسول الله قال ذلك اليوم حين برز عليّ(ع): برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه! وما زال رافعا يديه مقمحا رأسه نحو السماء داعيا ربّه قائلا: اللهم إنّك أخذت منّي عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم احد، فاحفظ عليّ اليوم عليّا ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ شرح النهج ١٩: ٦١ والآية من سورة الأنبياء: ٨٩. ونقل الحديث السيد ابن طاووس في الطرائف عن الأوائل للعسكري، كما في بحار الانوار ٣٩: ١. أمّا حديثه المسند المستفيض عنه فيه: ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين، فالظاهر أنّه كان بعد يوم الخندق يذكر يوم الخندق.
  94. مناقب آل أبي طالب ١: ١٩٨.
  95. نقل الخبر والرجزين لعمرو ولعليّ(ع) الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٣٨ عن ابن إسحاق، وليس في رواية ابن هشام.
  96. تفسير القمي ٢: ١٨٣ و١٨٤. وعرقبه: ضرب عرقوب الفرس، عقب أقدامه.
  97. سلع: من جبال المدينة، مر التعريف به في أوائل الغزوة.
  98. شرح الأخبار ١: ٢٩٤. وهي ألفاظ ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣٥ و٢٣٦.
  99. الإرشاد ١: ٩٧، ٩٩، وهي ألفاظ ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٣٦.
  100. شرح الأخبار ١: ٢٩٦.
  101. الإرشاد ١: ٩٩.
  102. مناقب آل أبي طالب ٢: ١١٥.
  103. مناقب آل أبي طالب ٢: ١١٧.
  104. تفسير القمي ٢: ١٨٥.
  105. مناقب آل أبي طالب ٢: ١١٥.
  106. قال: وروي أنّه جاءت اُخت عمرو وورأته في سلبه فلم تحزن وقالت: إنّما قتله كريم مناقب آل أبي طالب ٢: ١١٧، ١١٨ وقالت شعراً: لو كان قاتل عمروٍ غير قاتله *** لكنت أبكي عليه آخر الأبد لكنّ قاتله من لا يُلام به *** أبوه قد كان يُدعى بيضة البلد
  107. فكان عمر يحفظها له فلمّا ولي عمر ولّى ضرار - تفسير القمي ٢: ١٨٥ -، ويأتي عن مغازى الواقدي مثله - ٢: ٤٧١ إلى ٥١٩.
  108. كنز الفوائد: ١٣٨، كما في بحار الأنوار ٢٠: ٢١٥ و٢١٦، وما رواه هنا من قول النبيّ في قتل علي لعمرو، هو ما جاء عنه فيما بعد في قولته الشهيرة: ضربة علي يوم الخندق أفضل من - أو تعدل - عبادة الثقلين.
  109. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٨٩.
  110. بزّ: من أسماء الأصوات، اسم لصوت تمزّق الثياب، أي قطّعها ونزعها عنّي.
  111. شرح الأخبار ١: ٢٩٦ والإرشاد ١: ٩٩ وابن إسحاق في السيرة، وشكّك في صحّتها ابن هشام ٣: ٢٣٦.
  112. ورواه الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٣٩.
  113. ورواه الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٣٨ عن حذيفة بن اليمان بزيادة.
  114. ثمّ روى عن المدائني قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب(ع) عمرا نعي إلى اخته فقالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: علي بن أبي طالب. فقالت: لم يعد موته إلّا على يد كفؤ كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال وبارز الأقران وكانت منيّته على يد كفؤ كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر، ثمّ قالت:
    لو كان قاتل عمر غير قاتلهلكنت أبكي عليه آخر الأبد
    لكنّ قاتل عمر لا يعاب بهمن كان يدعى أبوه بيضة البلد

    الإرشاد ١: ١٠٤-١٠٨. وقول الرسول - السابق - رواه الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٤١ عن سليمان بن صرد. وفي السيرة ٣: ٢٦٦. وفي المغازي ٢: ٤٧١: ورجعوا هاربين وخرج في أثرهم الزبير بن العوّام وعمر بن الخطّاب، فناوشوهم ساعة، وحمل ضرار بن الخطّاب على عمر بن الخطّاب بالرمح، حتّى إذا وجد عمر مسّ الرمح رفع عنه وقال: هذه نعمة مشكورة فاحفظها يا بن الخطّاب! إنّي كنت قد حلفت أن لا تمكنّني يداي من رجل من قريش أبدا. وانصرف ضرار راجعا إلى أبي سفيان وأصحابه عند الجبل ٢: ٤٧١.

  115. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٤٩٨.
  116. في النصّ: فقاتلهم. ويبدو أنّ الصحيح ما أثبتناه، إذ لم يكن في الخندق قتال إلّا قليلا.
  117. وفي اليعقوبي ١: ٥٠: كان ذلك في اليوم الثالث.
  118. الواقدي ٢: ٤٧٢-٤٧٤. وفي مناقب آل أبي طالب ١: ١٩٨: فبعث المشركون بعشرة آلاف إلى النبيّ(ص) يشترون جيفة عمرو، فقال النبيّ: هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى.
  119. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٠٠.
  120. تفسير القمي ٢: ١٨٨ وإعلام الورى ١: ١٩٣. وفي السيرة ٣: ٢٣٨.
  121. مغازي الواقدي ٢: ٤٦٩.
  122. سيرة ابن هشام ٣: ٢٥٠، وفي تفسير القميّ ٢: ١٨٨: وضرب رسول الله لسعد في المسجد خيمة، وكان يتعاهده بنفسه.
  123. ولم يقل (في مسجده) ولعلّه مسجد قبيلتها بني أسلم قريبا من الخندق.
  124. الواقدي ٢: ٥١٠.
  125. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٠١.
  126. تفسير القمي ٢: ١٨١ و١٨٢. هذا هو الموجود في تفسير القمي من خبر نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد نصّ على إسلامه قبل قدوم قريش بثلاثة أيّام، ثمّ ظاهره عرضه أمره على النبيّ بعد نقض بني قريظة من دون فصل طويل، ويبدو أنّ نقضهم كان في أوائل قدوم قريش، ولذلك ذكره القمي قبل مقتل عمرو بن عبد ودّ.
  127. شرح الأخبار ١: ٢٩٧-٢٩٩. وروى خبره ابن إسحاق في السيرة ٣: ٢٤٠-٢٤٢ وعنه الطبرسي في مجمع البيان ٨: ٥٣٩ و٥٤٠. وروى الواقدي خبره بسنده عنه ٢: ٢٨٠-٢٨٤ ثمّ أخبارا اخرى أربعة ٢٨٤-٢٨٧، ثمّ قال: والأثبت قول نعيم الأوّل.
  128. قرب الإسناد: ٦٢ و٦٣، كما في بحار الأنوار ٢٠: ٢٤٦.
  129. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٠١.
  130. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٠٧.
  131. قرّة: باردة - الصحاح.
  132. الجحفة: الترس من الجلود بلا خشب ولا عقب - الصحاح.
  133. كما في رواية الطبرسي في إعلام الورى ١: ١٩٣ عن الأحمر البجلي الكوفي أيضاً.
  134. ورواه في فروع الكافي ١: ٣١٨ وكامل الزيارات: ٢٤ والقمي في التفسير ٢: ١٨٦ والتهذيب ٢: ٦ و٦٠.
  135. الجندل: الحجارة أكبر من الحصى.
  136. اي: فرّقتها.
  137. روضة الكافي: ٢٣٢، ح: ٤٢٠، وقريب منه في تفسير القمي ٢: ١٨٦ و١٨٧.
  138. كذا ذكر الخبر في سيرة ابن هشام، بينما نقله في شرح المواهب فذكر اسم معاوية بن أبي سفيان ثمّ عمرو بن العاص! ونقله عنه محقّقو السيرة بهامشها ٣: ٢٤٣.
  139. الكراع: الخيل.
  140. الخف: الابل.
  141. سيرة ابن هشام ٣: ٢٤٢-٢٤٤.
  142. اي: خفقان.
  143. البناء: الخباء.
  144. وفي تفسير القمي ٢: ١٨٧: قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان لا بدّ من أن اقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس.
  145. المراض: على ستّة وثلاثين ميلا من المدينة - وفاء الوفاء: ٣٧٠ (٧٠ كم).
  146. وقال القمي ٢: ١٨٧: فلمّا أصبح رسول الله قال لأصحابه: لا تبرحوا. فلمّا طلعت الشمس دخلوا المدينة، وبقي رسول الله في نفر يسير.
  147. لا ينافي هذا أن يكون المعنى أنّ الله ألهم سلمان وألهم نبيّه العمل بمشورة سلمان.
  148. مغازي الواقدي ٢: ٤٨٨-٤٩٣. وفي شرح المواهب: كان دخول الرسول إلى المدينة في منصرفه من الخندق يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة. بينما مرّ عن الواقدي عن جابر: أنّ دعاء الرسول استجيب عصر الأربعاء، فيكون منصرفه صباح الخميس.
  149. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٥٠٧.